وهي إحدى عشرة آية، مكية.
١٣٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَامِعِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالضُّحَى كَانَ فِيمَنْ يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، وَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَتِيمٍ وَسَائِلٍ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالضُّحَى ﴿١﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴿٢﴾ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴿٣﴾ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ﴿٤﴾ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴿٥﴾ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴿٦﴾ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ﴿٧﴾ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ﴿٨﴾ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ﴿٩﴾ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ﴿١٠﴾ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴿١١﴾﴾ [الضحى: ١-١١] .
﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١]
١٣٧٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ مُعَاذٍ، نا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلا قَدْ وَدَّعَكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى ﴿١﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴿٢﴾ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴿٣﴾﴾ [الضحى: ١-٣] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ كِلاهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ.
أقسم الله تعالى بالضحى، والمراد به النهار كله، لقوله في المقابلة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ٢] إذا سكن، قال عطاء: إذا غطي بالظلمة.
وقال قتادة: إذا سكن، يعني: استقر ظلامه، فلا
[ ٤ / ٥٠٧ ]
يزداد بعد ذلك.
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: ﴿سَجَى﴾ [الضحى: ٢] امتد ظلامه.
وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته للنهار.
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] هذا جواب القسم، قال المفسرون: أبطأ جبريل على النبي، ﵉، فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه.
فأنزل الله تعالى هذه الآية، قالوا: وإنما أبطأ.
لأن اليهود سألته عن الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدًا.
ولم يقل: إن شاء الله.
١٣٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا حَفْصُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ أُمِّهَا خَوْلَةَ وَكَانَتْ خَادِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " أَنْ جَرْوًا دَخَلَ الْبَيْتَ، فَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَمَاتَ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيَّامًا لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ جِبْرِيلُ لا يَأْتِينِي، قَالَتْ خَوْلَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ هَيَّأْتُ الْبَيْتَ وَكَنَسْتُهُ، فَأَهْوَيْتُ بِالْمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَإِذَا شَيْءٌ ثَقِيلٌ، فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَإِذَا جَرْوٌ مَيِّتٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَلْقَيْتُهُ خَلْفَ الْجِدَارِ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ تَرْعَدُ لِحْيَاهُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اسْتَقْبَلَتْهُ الرَّعْدَةُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ، دَثِّرِينِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى ﴿١﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴿٢﴾ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴿٣﴾﴾ [الضحى: ١-٣]
والمعنى: ما تركك ربك، وما أبغضك، والقلى: البغض، يقال: قلاه يقليه قلى.
قال أبو عبيدة: ودعك من التوديع كما يودع المفارق.
وقال الزجاج:
[ ٤ / ٥٠٨ ]
لم يقطع الوحي، ولا أبغضك.
﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى: ٤] قال عطاء، ومقاتل: الجنة خير لك من الدنيا.
١٣٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِالشَّرِيطِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ وحَشَوُهَا لِيفٌ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْحَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ انْحِرَافَةً، فَرَأَى عُمَرُ أَثَرَ الشَّرِيطِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَبْكِي وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعْبَثَانِ فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَرَى!!!؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: يَا عُمَرُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] قال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما تُعْطى.
١٣٧٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَارِذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلانِيُّ، نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ
[ ٤ / ٥٠٩ ]
وذكر آخرون أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي، والحسن، وعطاء، عن ابن عباس.
قال: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى.
أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نا ابن رستة، نا شيبان، نا حرب بن سريح، قال: سمعت محمد بن علي، يقول: يا أهل العراق، تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله ﷿ ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله ﷿: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] وهي والله الشفاعة، ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول: رب رضيت، وزدتني على أمتي في أمتي.
١٣٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: تَلا قَوْلَ اللَّهِ ﷿ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية وَقَوْلَ اللَّهِ ﷿ فِي عِيسَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ ﷿: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَّهُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ، فَقَالَ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦]
ذكر المفسرون في هذه الآية الحديث الذي
١٣٧٩ - أَخْبَرَنَاهُ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، نا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي ﷿ مَسْأَلَةً وَدِدْتُ، أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ أَنْبِيَاءُ قَبْلِي، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ وَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ
[ ٤ / ٥١٠ ]
كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَذَكَرَ عِيسَى، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ "
والمعنى: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالًا، ولا مأوى، فضمك إلى عمك أبي طالب، حتى أحسن تربيتك؟ ثم ذكر نعمة أخرى، فقال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧] قال أكثر المفسرين: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا﴾ [الضحى: ٧] عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، غافلًا عنها، فهداك إليها.
دليله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، وقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] وهذا القول هو اختيار الزجاج، قال: معناه: أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام.
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] أي: فقيرًا لا مال لك، فأغناك الله بمال خديجة، عن أبي طالب، وقال الكلبي: رضاك بما أعطاك من الرزق.
واختاره الفراء، فقال: لم يكن غنى عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه.
وذلك حقيقة الغنى.
ثم أوصاه باليتامى والفقراء، فقال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] قال مجاهد: لاتحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا.
وقال الفراء، والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه.
وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى: تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله ﷺ يحسن إلى اليتيم ويبره، ويوصي باليتامى.
١٣٨٠ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ،
[ ٤ / ٥١١ ]
عَنْ أَبِي الْوَرْقَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَاهُ غُلامٌ، فَقَالَ: غُلامٌ يَتِيمٌ، وَأُخْتٌ لِي يَتِيمَةٌ، وَأُمٌّ لِي أَرْمَلَةٌ، أَطْعِمْنَا مِمَّا أَطْعَمَكَ اللَّهُ، وَأَعْطَاكَ اللَّهُ مِمَّا عِنْدَهُ حَتَّى تَرْضَى، قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قُلْتَ يَا غُلامُ اذْهَبْ يَا بِلالُ فَأْتِنَا بِمَا كَانَ عِنْدَنَا، فَجَاءَ بِوَاحِدَةٍ وَعِشْرِينَ تَمْرَةً، فَقَالَ: سَبْعُ تَمَرَاتٍ لَكَ، وَسَبْعٌ لِأُخْتِكَ، وَسَبْعٌ لأُمِّكَ، فَقَامَ إِلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: جَبَرَ اللَّهُ يُتْمَكَ، وَجَعَلَكَ خَلَفًا مِنْ أَبِيكَ وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ رَأَيْتُكَ يَا مُعَاذُ وَمَا صَنَعْتَ، قَالَ: رَحِمْتُهُ، قَالَ: لا يَلِي أَحَدٌ مِنْكُمْ يَتِيمًا فَيُحْسِنُ وِلايَتَهُ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً، وَمَحَى عَنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ دَرَجَةً ".
١٣٨١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَتْحِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، نا قَطَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا الْجَارُودُ بْنُ يَزِيدَ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ السَّعْدِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَى يَدِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] قال المفسرون: يريد السائل على الباب.
يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًا لينا.
يقال: نهره وانتهره.
إذا استقبله بكلام يزجره، وقال قتادة: رد السائل برحمة ولين.
وقال رسول الله ﷺ: «لا تردوا السائل ولو بظلف محرق» .
١٣٨٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا أَبُو عَوَانَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَزِيدَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَتَاكَ سَائِلٌ عَلَى فَرَسٍ بَاسِطٌ كَفَّيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ الْحَقُّ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» .
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
[ ٤ / ٥١٢ ]
فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] قال مجاهد: بالقرآن.
وهو قول الكلبي.
قال: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله عليه به، فأمره أن يقرئه.
قال الفراء: وكان يقرؤه، ويحدث به.
وروى أبو بشر، عن مجاهد، قال: بالنبوة التي أعطاك ربك.
واختاره الزجاج، فقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم.
وقال مقاتل: يعني: اشكر لما ذكر من النعمة عليك، في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم، والتحدث بنعمة الله شكر.
يدل على ذلك ما:
١٣٨٣ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، نا أَبُو يَعْلَى، نا ابْنُ حَمُّوَيْهِ، نا سَوَّارٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَمَنْ لا يَشْكُرُ الْقَلِيلَ لا يَشْكُرُ الْكَثِيرَ، وَإِنَّ حَدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ كُفْرٌ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ» .
١٣٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ النَّسَوِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ، نا ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ، نا أَبِي وَالْحُمَيْدِيُّ، قَالا: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى، قَالَ: كَبِّرْ إِذَا خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتَّى تَخْتِمَ، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا.
١٣٨٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
[ ٤ / ٥١٣ ]
مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالا: نا ابْنُ أَبِي بَزَّةَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى قَالَ: كَبِّرْ حَتَّى تَخْتِمَ بِهِ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، فَأَمَرَنِي بِذَلِكَ.
وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَحْيَ لَمَّا فَتَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطَانُهُ وَوَدَّعَهُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ وَالضُّحَى كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَحًا بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ سُنَّةً.
[ ٤ / ٥١٤ ]