سبع عشرة آية، مكية.
١٣٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو َمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الطَّارِق أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ»
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴿١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ﴿٢﴾ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴿٣﴾ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴿٤﴾ فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴿٥﴾ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ﴿٦﴾ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴿٧﴾ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴿٨﴾ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴿٩﴾ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ ﴿١٠﴾﴾ [الطارق: ١-١٠] .
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١] قال المفسرون: أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، يعني: الكواكب تطرق بالليل، وتخفى بالنهار.
قال الفراء: ﴿الطَّارِقُ﴾ [الطارق: ٢]: النجم، لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق.
ونحو هذا قال الزجاج، والمبرد.
ثم قال لنبيه ﷺ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ [الطارق: ٢] وذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلًا، ولم يكن النبي ﷺ يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله تعالى: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] أي: المضيء، والنجم الثاقب اسم الجنس وأريد به العموم، قال ابن زيد: أراد به الثريا.
والعرب تسميه النجم، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، وجواب القسم قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أقسم الله تعالى بما ذكر، أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها، وقولها، وفعلها، ويحصي ما تكتسب من خير أو شر.
وفي قوله: لما عليها قراءتان: التخفيف والتشديد، فمن خفف كان ما لغوا، والمعنى: لعليها حافظ،
[ ٤ / ٤٦٤ ]
ومن شدد جعل لما بمعنى إلا، تقول: سألتك لما فعلت.
بمعنى إلا فعلت.
ثم نبه على البعث، بقوله: فلينظر الإنسان قال مقاتل: يعني: المكذب بالبعث.
مم خلق من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكر والاستدلال، حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته.
ثم ذكر من أي شيء خلقه، فقال: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] قال ابن عباس: يعني: المني الذي يكون منه الولد، وهو ماء مهراق في رحم المرأة.
والدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء.
أي: صببته، و﴿دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ههنا بمعنى: مدفوق، قال الفراء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم، كقولهم: سر كاتم، وهمّ ناصب، وليل نائم.
وذكرنا مثل هذا عند قوله: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ [هود: ٤٣]: ثم وصف ذلك الماء، فقال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧] وهي موضع القلادة من الصدر، واحدها تريبة.
قال عطاء: يريد صلب الرجل، وترائب المرأة، لا يكون إلا من الماءين.
﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] قال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل.
وقال عكرمة، والضحاك: على أن يرد الماء في الصلب.
وقال مقاتل بن حيان: يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبى، ومن الصبى إلى النطفة.
وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته لقادر.
وهذا هو الاختيار، لقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أي: إنه قادر على بعثه يوم القيامة، ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حاله، و﴿تُبْلَى﴾ [الطارق: ٩] قال قتادة: تختبر.
وقال مقاتل: تظهر.
والسرائر: أعمال بني آدم، والفرائض التي أوجبت عليهم، وهي سرائر بين الله وبين
[ ٤ / ٤٦٥ ]
العبد، فتختبر تلك يوم القيامة، حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤداها عن مضيعها.
١٣٢٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ أَرْبَعَ خِصَالٍ: الصَّلاةَ، الزَّكَاةَ، وَصَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابِةِ " وَهُنَّ السَّرَائِرُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩] .
١٣٢٦ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، فِيمَا أَجَازَ لِي أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْهَمَذَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: مَا هَذِهِ السَّرَائِرُ الَّتِي يُبْلَى بِهَا الْعِبَادُ فِي الآخِرَةِ؟ فَقَالَ: هِيَ سَرَائِرُكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ مِنَ الصَّلاةِ، وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكُلِّ مَفْرُوضٍ لَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا سَرَائِرُ خَفِيَّةٌ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ الرَّجُلُ: صَلَيْتُ وَلَمْ يُصَلِّ، وَإِنْ شَاءَ، قَالَ: تَوَضَّأْتُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]
وقال ابن عمر: يبدئ الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في الوجوه، وشيئًا في الوجوه، يعني: أن من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.
فما له أي: لهذا الإنسان المنكر للبعث، من قوة يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره من الله.
ثم ذكر قسمًا آخر، فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴿١١﴾ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴿١٢﴾ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴿١٣﴾ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴿١٤﴾ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴿١٥﴾ وَأَكِيدُ كَيْدًا ﴿١٦﴾ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴿١٧﴾﴾ [الطارق: ١١-١٧] .
[ ٤ / ٤٦٦ ]
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١] يعني: ذات المطر في قول جميع المفسرين.
قال الزجاج: ﴿الرَّجْعِ﴾ [الطارق: ١١] المطر، لأنه يجيء ويرجع، ويتكرر.
﴿وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] قال أبو عبيدة، والفراء: تتصدع بالنبات.
وهو معنى قول المفسرين: تتشقق عن النبات والأشجار.
والصدع الشق، وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] أي: أن القرآن يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما.
﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] أي: أنه لم ينزل باللعب، فهو جد ليس بالهزل.
ثم أخبر عن مشركي مكة، فقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] قال الزجاج: يخاتلون النبي ﷺ، ويظهرون ما هم على خلافه.
﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] كيد الله: استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون.
﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ [الطارق: ١٧] قال ابن عباس، ومقاتل: هو وعيد من الله لهم.
﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] يريد: قليلًا حتى أهلكهم، ففعل الله ذلك ببدر، ونسخ الإمهال بآية السيف، ومعنى أمهل ومهل: أنظر ولا تعجل.
[ ٤ / ٤٦٧ ]