اثنتا عشرة آية، مدنية.
١٢٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَاتَ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] .
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] نادى النبي ﷺ، ثم خاطب أمته، لأنه السيد المقدم، فإذا نودي وخوطب خطاب الجمع، كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب، ومعنى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] إذا أردتم التطليق، كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ﴾ [الإسراء: ٤٥]، فطلقوهن لعدتهن نزلت في عبد الله بن عمر، لما طلق امرأته وهي حائض، فأمر الله تعالى الزوج أن يطلق امرأته إذا شاء الطلاق في طهرها، وهو قوله: لعدتهن أي: لزمان عدتهن وهو الطهر، والطلاق نوعان: سني، وبدعي، والسني: أن يقع في طهر لم يجامع فيه، فذلك هو الطلاق للعدة، لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها، وتحصل في العدة عقيب الطلاق، فلا يطول عليها زمان العدة، والآية دلت على إيقاع الطلاق في الطهر، ودلت السنة على أن ذلك الطهر يجب أن يكون غير مجامع فيه، حتى يكون الطلاق سنيًا، وهو ما:
١٢٠٧ - أَخْبَرَنَاهُ
[ ٤ / ٣١٠ ]
مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى، نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَتَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ
والطلاق البدعي: أن يقع في حال الحيض، أو في طهر قد جومعت فيه، وهو واقع، وصاحبه آثم.
١٢٠٨ - حَدَّثَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ إِمْلاءً، أنا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مَسْعُودٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا إِنْ شَاءَ»، قُلْتُ: يَحْتَسِبُ بِهَا، قَالَ: «فَمَهْ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْر، عَنْ شَهْرٍ كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ.
١٢٠٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ مَنِيعٍ، وَأَنَا أَسْمَعُ، حَدَّثَكُمْ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، نا إِدْرِيسُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ أَبِي غَالِبٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: اعْتَدَدْتَ بِتِلْكَ الطَّلْقَةِ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَعْتَدُّ بِهَا، وَإِنْ كُنْتُ عَجَزْتُ وَاسْتَحْمَقْتُ
قوله: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١] إنما أمر بإحصاء العدة لتوزيع الطلاق على الأقراء، إذا أراد أن يطلق ثلاثًا، وهو أحسن من جمعها
[ ٤ / ٣١١ ]
في قرء واحد، وللعلم ببقاء زمان الرجعة، ولمراعاة النفقة والسكنى، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: ١] فلا تعصوه فيما أمركم به، ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] لا يجوز للزوج أن يخرج المطلقة المعتدة من مسكنه الذي كان يساكنها فيه قبل الطلاق.
﴿وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] وعلى المرأة أيضًا ألا تخرج في عدتها إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثمت، سواء خرجت ليلًا أو نهارًا، وقوله: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] أكثر المفسرين على أن المراد بالفاحشة ههنا: الزنا، وهو أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها، وقال السدي، والكلبي: الفاحشة: خروجها من البيت في زمان العدة.
وقال الضحاك، وقتادة: هي النشوز، وسوء الخلق.
فهي إذا زنت، أو خرجت في عدتها، أو نشزت، كان للزوج إخراجها من البيت، وقطع سكناها، وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [الطلاق: ١] يعني: ما ذكر من سنة الطلاق وما بعدها، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [الطلاق: ١] فيطلق لغير السنة، ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] أثم فيما بينه وبين الله تعالى، ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] يوقع في قلب الزوج المحبة، لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين، وهذا يدل على أن المستحب في التطليق أن يوقع متفرقًا، وأن لا يجمع بين الثلاث، قال الزجاج: وإذا طلقها ثلاثًا في وقت واحد، فلا معنى لقوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] .
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿٢﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴿٣﴾﴾ [الطلاق: ٢-٣] .
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] قاربن انقضاء أجل العدة، فأمسكوهن بأن تراجعوهن، بمعروف بما أمر الله به، وهذا مفسر في ﴿[البقرة،] وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة الطلاق: ٢] قال المفسرون: أمروا أن يشهدوا عند الطلاق، وعند
[ ٤ / ٣١٢ ]
الرجعة.
ثم قال للشهداء: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وهو مفسر فيما سبق، إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] قال أكثر المفسرين: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر العدو ابنًا له، فأتى النبي ﷺ، فذكر له بذلك، وشكا إليه الفاقة أيضًا، فقال له: " اتق الله واصبر، وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ".
ففعل الرجل ذلك، فبينا هو في بيته إذ أتاه ابنه، وقد غفل عنه العدو، فأصاب إبلًا، وجاء بها إلى أبيه.
فذلك قوله: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] .
١٢١٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا الْقَاسِمُ بْنُ غَانِمِ بْنِ حَمُّوَيْهِ الطَّوِيلُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، نا عَمْرُو بْنُ الْحُصَيْنِ، نا سَعِيدُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، نا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] قَالَ: مِنْ شُبُهَاتِ الدُّنْيَا، وَمِنْ غَمَراتِ الْمَوْتِ، وَشَدَائِدِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ".
١٢١١ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الْعَنَزِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، نا مَهْدِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّمْلِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
[ ٤ / ٣١٣ ]
عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَكْثَرَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا»
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أي: ومن يثق به فيما نابه، كفاه الله ما أهمه، كما ورد في الحديث: «من سره أن يكون أقوى من الناس، فليتوكل على الله»، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] سيبلغ أمره فيما يريد منكم، ومن أضاف حذف التنوين وهو مراد، كقوله: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ [القمر: ٢٧] و﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، و﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الطلاق: ٣] من الشدة، والرخاء أجلا ينتهي إليه قدر الله ذلك كله لا يقدم ولا يؤخر.
وقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴿٤﴾ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴿٥﴾﴾ [الطلاق: ٤-٥] .
﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ [الطلاق: ٤] الآية، لما نزلت عدة النساء المطلقة، والمتوفى عنها زوجها في ﴿[البقرة، قال أبيّ بن كعب: يا رسول الله، إن ناسا يقولون: قد بقي من النساء من لم يذكر فيه شيء.
قال: ما هو؟ قال: الصغار والكبار، وذوات الحمل.
فنزلت:] وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [سورة الطلاق: ٤] شككتم، فلم تدروا ما عدتهن، ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] أي: هن بمنزلة الكبيرة التي قد يئست، عدتها ثلاثة أشهر، وأولات الأحمال يعني: الحوامل،
[ ٤ / ٣١٤ ]
أجلهن عدتهن، ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] أجل كل حامل أن تضع ما في بطنها، مطلقة كانت، أو متوفى عنها زوجها، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الطلاق: ٤] في جميع ما أمره الله بطاعته فيه، ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة.
ذلك يعني: ما ذكر من الأحكام، ﴿أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الطلاق: ٥] بطاعته، ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [الطلاق: ٥] من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة، ويعظم له في الآخرة، أجرًا.
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴿٦﴾ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴿٧﴾﴾ [الطلاق: ٦-٧] .
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] من صلة معناه: أسكنوهن حيث سكنتم، من وجدكم سعتكم وطاقتكم، والوجد معناه: المقدرة، قال الفراء: يقول على ما يجد، فإن كان موسعًا وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان مقترًا فعلى قدر ذلك.
قال قتادة: وإن لم تجد إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه.
﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] نهى الله تعالى عن مضارتهن، بالتضييق عليهن في المسكن والنفقة، ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] لأن عدتها تكون بوضع الحمل، فلها النفقة إلى أن تضع حملها، وإن كانت مطلقة ثانية أو ثالثة، فإنها تستحق النفقة إذا كانت حاملًا، ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] يعني: حق الرضاع وأجرته، ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] قال مقاتل: يتراضى الأب والأم أجر مسمى.
والخطاب للأزواج من الرجال والنساء، يأمرهم أن يأتوا المعروف وما هو الأحسن، ولا يقصدوا التعاسر والضرار، وإن تعاسرتم في الأجرة، ولم يتراض الوالدان على شيء، ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] أي: فليسترضع الوالد غير والدة الصبي.
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات أولادهن، على قدر سعتهم، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: كان رزقه بمقدار القوت، ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] فلينفق على قدر ذلك، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] أعطاها من الرزق، ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧] بعد ضيق وشدة غنى وسعة، وكان الغالب على
[ ٤ / ٣١٥ ]
أكثرهم في ذلك الوقت الفقر، ثم فتح الله عليهم بعد ذلك وجعل يسرًا بعد عسر.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا ﴿٨﴾ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا ﴿٩﴾ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ﴿١٠﴾ رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴿١١﴾ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴿١٢﴾﴾ [الطلاق: ٨-١٢] .
وكأين وكم، ﴿مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الطلاق: ٨] قال ابن عباس: عتوا على الله، وعلى أنبيائهم.
﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ٨] قال مقاتل: حاسبها الله تعالى في الدنيا، فجازاها بالعذاب.
وهو قوله: ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الطلاق: ٨] فجعل المجازاة بالعذاب محاسبة.
﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ [الطلاق: ٩] ثقل عاقبة أمر كفرها، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٩] خسرانًا في الدنيا والآخرة، وهو قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠] يخوف الله كفار مكة، ثم قال للذين آمنوا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ﴿١٠﴾ رَسُولا﴾ [الطلاق: ١٠-١١] يعني: أنزل إليكم قرآنا، وأرسل ورسولًا، وإنزال الذكر يدل على إرسال الرسول، يتلو عليكم يعني: الرسول، ﴿آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [الطلاق: ١١] إلى قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] يعني: الجنة التي لا ينقطع نعيمها.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] خلق من الأرض بعدد السموات، ﴿يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قال قتادة: في كل أرض من أرضه، وسماء من سمائه، خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه.
﴿لِتَعْلَمُوا﴾ [الطلاق: ١٢] أي: أعلمكم هذا، لتعلموا قدرته على كل شيء وعلمه، وهو قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] .
[ ٤ / ٣١٦ ]