عشرون وست آيات، مكية.
١٣٣٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْغَاشِيَةِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴿١﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴿٢﴾ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ﴿٣﴾ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴿٤﴾ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴿٥﴾ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ ﴿٦﴾ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ﴿٧﴾﴾ [الغاشية: ١-٧] .
هل أتاك يريد: قد أتاك، ﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] خبر القيامة، وذلك: أنها تغشى الناس بأهوالها، وشدائدها.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ذليلة بالعذاب، قال مقاتل: يعنى الكفار، لأنها تكبرت عن عبادة الله.
عاملة ناصبة قال عطاء، عن ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام، من عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله منهم، إلا ما كان لوجهه خالصًا، لا يقبل اجتهادًا في بدعة وضلالة، لكنه يقبل رفقًا في سنة.
وهذا قول سعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وأبي الضحى، عن ابن عباس.
قالوا: هم الرهبان، وأصحاب الصوامع.
والكلام خرج على الوجوه، والمراد بها أصحابها، ومعنى النصب: الدؤب في العمل بالتعب، والمعنى: عاملة في الدنيا، ناصبة في الآخرة، لأنها عملت في الدنيا بالمعاصي، فصارت ناصبة في النار يوم القيامة.
١٣٣٦ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْخَضِرُ بْنُ أَبَانٍ، نا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الْجَوْنِيَّ، يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِدَيْرِ رَاهِبٍ فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ يَا رَاهِبُ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ
[ ٤ / ٤٧٣ ]
إِلَيْهِ وَيَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي
ثم ذكر نصبها، فقال: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله.
وقرأ أبو عمرو بضم التاء، من أصليته النار.
﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] متناهية في الحرارة، قال الحسن: قد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها وردًا عطاشًا.
وقال المفسرون: لو وقعت منها نقطة على جبال الدنيا لذابت.
هذا شرابهم.
ثم ذكر طعامهم، فقال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] وهو نوع من الشوك، يقال له: الشبرق.
وأهل الحجاز يسمونه الضريع، إذا يبس أخبث طعام وأبشعه، لا ترعاه دابة، قال أبو الجوازاء: هو السلاء.
١٣٣٧ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ أَجَازَهُ، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الضَّرِيعُ شَيْءٌ يَكُونُ فِي النَّارِ يُشْبِهُ الشَّوْكَ، أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ، وَأَشَدُّ حَرًّا مِنَ النَّارِ سَمَّاهُ اللَّهُ ﷿ الضَّرِيعَ»
قال أبو الدرداء، والحسن: إن الله ﷿ يرسل على أهل النار الجوع، حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة، ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها.
فذلك قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا
[ ٤ / ٤٧٤ ]
فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، ولما نزلت هذه الآية، قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على الضريع.
وكذبوا في ذلك، فإن الإبل لا ترعاه.
فقال الله تعالى تكذبيًا لهم: ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] .
ثم وصف أهل الجنة، بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ﴿٨﴾ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴿٩﴾ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴿١٠﴾ لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ﴿١١﴾ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴿١٢﴾ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ﴿١٣﴾ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ﴿١٤﴾ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ﴿١٥﴾ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ﴿١٦﴾﴾ [الغاشية: ٨-١٦] .
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] قال مقاتل: في نعمة وكرامة.
لسعيها في الدنيا، راضية حين أعطيت في الجنة بعملها.
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ١٠] مرتفعة.
﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] وقرئ بالياء أيضًا، لأن المراد باللاغية اللغو، فالتأنيث على اللفظ، والتذكير على المعنى، وقرأ حمزة: لا تسمع بتاء مفتوحة، لاغية نصبًا على الخطاب للنبي ﷺ.
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] قال الكلبي: لا أدري بماء أو بغيره.
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] قال ابن عباس: ألواحها من ذهب، مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى موضعها.
وأكواب أقداح لا عرى لها، موضوعة عندهم.
ونمارق يعني: الوسائد في قول الجميع.
واحدها نمرقة بضم النون، وزاد الفراء سماعًا عن العرب نمرقة بكسر النون، قال الكلبي: وسائد.
مصفوفة بعضها إلى بعض.
وزرابي يعني: البسط والطنافس، واحدها: زربية وزربي، مبثوثة مبسوطة ومنشورة، ويجوز أن يكون المعنى: أنها مفرقة في المجالس.
١٣٣٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْخَالِدِيِّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّهُ ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: يَجِيئُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَسَاسُ بُيُوتِهِمْ مِنْ جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ، وَسُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهَا لَهُمْ لَالْتَمَعَتْ أَبْصَارُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ، فَيُعَانِقُونَ الْأَزْوَاجَ وَيَقْعُدُونَ عَلَى السُّرُرِ، وَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا.
[ ٤ / ٤٧٥ ]
وقال قتادة: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿١٧﴾ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿١٨﴾ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴿١٩﴾ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴿٢٠﴾ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿٢١﴾ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ﴿٢٢﴾ إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴿٢٣﴾ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ ﴿٢٤﴾ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ﴿٢٥﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴿٢٦﴾﴾ [الغاشية: ١٧-٢٦] .
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] وكانت الإبل عيشًا من عيشهم، يقول: أفلا ينظرون إليها، وما يخرج الله من ضروعها، من بين فرث ودم لبنًا خالصًا، سائغًا للشاربين؟ ! يقول: فكما صنعت هذا لكم، فكذلك أصنع لأهل الجنة في الجنة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: خص الإبل، لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة.
وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه، إلا وهو قائم، وقال الزجاج: نبههم على عظيم من خلقه، قد ذلله الصغير، يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيمًا من خلقه، ليدل بذلك على توحيده.
وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة.
فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن، ويأخذ الصبي بزمامها، فيأخذ بها حيث شاء من عظمها في نفسها.
ويحكى: أن فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت تجره وهي تتبعها، حتى دخلت في الجحر، فجرت الزمام، فبركت، فجرت، فقربت فمها من جحر الفأرة، وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة، حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت.
ثم قال الله: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] يعني: من الأرض، حتى لا ينالها شيء، بغير عمد.
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] على الأرض مرساة لا تزول.
﴿وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠] بسطت، والسطح بسط الشيء، ويقال لظهر البيت إذا كان مستويًا: سطح.
قال عطاء، عن ابن عباس: يقول: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض، غيري؟ وهل يفعل مثل هذا الفعل أحد سواي؟ قوله: ﴿فَذَكِّرْ
[ ٤ / ٤٧٦ ]
إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١] فعظ إنما أنت واعظ، ولم يؤمر إذ ذاك إلا بالتذكرة، يدل عليه قوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] أي: بمسلط فتقتلهم، وتكرههم على الإيمان، ثم نسختها آية القتال، وقد تقدم تفسير المسيطر عند قوله: ﴿أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] .
وقوله: ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى﴾ [الغاشية: ٢٣] استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] وهو: أن يدخله النار، ولا عذاب أعظم منها.
ثم ذكر أن مرجعهم إليه، فقال: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] رجوعهم، ومصيرهم بعد الموت، يقال: آب يئوب أوبًا وإيابًا.
وأما إيابهم بتشديد الياء، فشاذ، لم يجزه أحد غير الزجاج، فإنه قال: يقال: أيب إيابًا على فيعل فيعالًا.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] يعني: جزاءهم بعد المرجع إلى الله تعالى.
[ ٤ / ٤٧٧ ]