وهي عشرون وتسع آيات، مدنية.
٨٤٧ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْفَتْحِ فَكَأَنَّمَا كَانَ مَعَ مَنْ شَهِدَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتْحَ مَكَّةَ»
٨٤٨ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا أَبُو نُوحٍ، أنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: " نَزَلَتْ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ سُورَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿١﴾ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١-٢] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَنِ الْقَعْنَبِيّ، عَنْ مَالِكٍ
٨٤٩ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ السَّامَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَامِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، نا أَبُو الْأَشْعَثِ، نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ نُسُكِنَا، فَنَحْنُ بَيْنَ الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ، أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ
[ ٤ / ١٣٢ ]
فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا كُلِّهَا» .
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿١﴾ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴿٢﴾ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴿٣﴾﴾ [الفتح: ١-٣] .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] يعني: صلح الحديبية، كان فتحًا بغير قتال، قال الفراء: الفتح قد يكون صلحًا.
ومعنى الفتح في اللغة: فتح المنغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدودًا متعذرًا، حتى فتحه الله، قال جابر: ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية.
وقال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم، فتمكن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير.
قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢] قال ابن الأنباري: سألت أبا
[ ٤ / ١٣٣ ]
العباس عن اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢] .
فقال: هي لام كي، معناها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث واقع، حسن معنى كي، وغلط من قال: ليس الفتح سبب المغفرة، ولكن المعنى: ليجمع لك مع المغفرة تمام النعمة.
وقوله: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] قال ابن عباس: ما تقدم ما كان عليك من إثم الجاهلية، وما تأخر مما يكون.
وهذا على طريقة من جوز الصغائر على الأنبياء ﵈، وقال سفيان الثوري: ما تقدم مما عملت في الجاهلية، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ما لم تعمله.
ويذكر هذا على طريقة التأكيد كما يقال: أعطى من رآه ومن لم يره، وضرب من لقيه ومن لم يلقه.
٨٥٠ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بِلالٍ الْبَزَّارُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الْأَحْمَسِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُومُ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ ﷿، أَنْ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا
وقوله: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢] قال ابن عباس: في الجنة.
وروي عنه أي: بالنبوة والمغفرة، والمعنى: ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة، والهداية إلى صراط مستقيم وهو الإسلام.
وينصرك الله على عدوك، نصرًا عزيزًا إذا عز لا يقع معه ذل.
[ ٤ / ١٣٤ ]
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٤﴾ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿٥﴾ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿٦﴾ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿٧﴾﴾ [الفتح: ٤-٧] .
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤] الطمأنينة والوقار، لئلا تنزعج نفوسهم بما يرد عليهم، وذلك لأنهم يجدون برد اليقين في قلوبهم، ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] وهو أنهم كلما أمروا بشيء من الشرائع والفرائض، كالصلاة، والصيام، والصدقة صدقوا به، فازدادوا تصديقًا، وذلك السكينة التي أنزلها الله في قلوبهم، وقال الكلبي: كلما نزلت آية من السماء فصدقوا بها، ازدادوا تصديقًا، وذلك بالسكينة إلى تصديقهم.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفتح: ٤] قال ابن عباس: يعني: الملائكة، والجن، والإنس، والشياطين.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ [الفتح: ٤] بما في قلوب عباده، حكيمًا في حكمه وتدبيره.
﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الفتح: ٥] .
٨٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَدِينِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿١﴾ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١-٢] قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَنِيئًا لَكَ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، فَمَا لَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الفتح: ٥]
وقوله: وكان ذلك أي: ذلك الوعد بإدخالهم الجنة، وتكفير سيئاتهم، عند الله في حكمه، فوزًا عظيمًا لهم، أي: حكم لهم بالفوز، فلذلك
[ ٤ / ١٣٥ ]
وعدهم إدخال الجنة.
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ [الفتح: ٦] من أهل المدينة، والمشركين والمشركات من أهل مكة، أي: بأيدي المؤمنين، لأن نصرة الرسول والفتح عليه يقتضي ذلك، ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] هو أنهم ظنوا أن محمدا ﷺ لا ينصر، ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] أي: العذاب والهلاك يقع بهم، وقد تقدم الكلام في هذا.
قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿٨﴾ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا ﴿٩﴾ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١٠﴾﴾ [الفتح: ٨-١٠] .
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الفتح: ٨] على أمتك بتبليغ الرسالة، ومبشرًا بالجنة للمطيعين، ونذيرًا لأهل المعصية.
ليؤمنوا بالله يعني: من آمن به وصدقه، ومن قرأ بالتاء فمعناه: قل لهم: لتؤمنوا به، وتعزروه وتعينوه، وتنصروه بالسيف واللسان، وتوقروه تعظموه وتبجلوه، ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ [الفتح: ٩] تصلوا لله بالغداة والعشي، وكثير من القراء اختاروا الوقف على: وتوقروه لاختلاف الكناية فيه، وفيما بعده.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ [الفتح: ١٠] يعني: بيعة الرضوان بالحديبية، بايعوا النبي ﷺ على ألا يفروا ويقاتلوا، ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة، والعقد كان مع النبي ﷺ، ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] نعمة الله في الهداية فوق أيديهم في الطاعة، أي: إحسان الله إليهم بأن هداهم للإيمان، أبلغ وأتم من إحسانهم إليك بالنصرة والبيعة.
وقال ابن كيسان: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم.
أي: ثق بنصرة الله لك، لا بنصرتهم وإن بايعوك، فمن نكث نقض ما عقد من البيعة، ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] يرجع ضرر ذلك النقض عليه، قال ابن عباس: وليس له الجنة، ولا كرامة.
ومن أوفى ثبت على الوفاء، ﴿بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] من البيعة، ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠] يعني: الجنة فما فوقها.
قوله:
[ ٤ / ١٣٦ ]
﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿١١﴾ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴿١٢﴾ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا ﴿١٣﴾ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿١٤﴾﴾ [الفتح: ١١-١٤] .
﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ [الفتح: ١١] وهم: الذين خلفهم الله عن صحبة رسوله حين خرج عام الحديبية: شغلتنا عن الخروج معك، أموالنا وأهلونا يعني: النساء والذراري، أي: لم يكن لنا من يخلفنا فيهم، فاستغفر لنا تخلفنا عنك، ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١] أي: من أمر الاستغفار، لا يبالون استغفر لهم النبي أم لا، ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الفتح: ١١] قال ابن عباس: فمن يمنعكم من عذاب الله.
﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ [الفتح: ١١] يعني: سوءا، وقرئ بضم الضاد وهو سوء الحال، ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ [الفتح: ١١] يعني: الغنيمة، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي ﷺ يدفع عنهم الضر، ويعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم الله أنه إن أراد بهم شيئًا، لم يقدر أحد على دفعه عنهم، ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: ١١] كان عالمًا بما كنتم تعملون في تخلفكم.
﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح: ١٢] ظننتم أنهم لا يرجعون إلى من خلفوا بالمدينة من الأهل والأولاد، لأن العدو يستأصلهم، ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الفتح: ١٢] زين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم، قال قتادة: ظنوا بنبي الله، وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنهم سيهلكون، فذلك الذي خلفهم.
وهو قوله ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] هلكى، لا تصلحون لخير، قال الزجاج: هالكين عند الله.
وقد تقدم تفسيره.
وما بعد هذا ظاهر، إلى قوله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا
[ ٤ / ١٣٧ ]
قَلِيلا ﴿١٥﴾ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٦﴾﴾ [الفتح: ١٥-١٦] سيقول المخلفون يعني: هؤلاء، إذا انطلقتم سرتم، وذهبتم أيها المؤمنون، ﴿إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾ [الفتح: ١٥] يعني: غنائم خيبر، وذلك أنهم لما انصرفوا من الحديبية بالصلح، وعدهم الله فتح خيبر، وخص بغنائمها من شهد الحديبية، فلما انطلقوا إليها، قال هؤلاء المخلفون: ذرونا نتبعكم قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] وقرئ كلم الله وهو جمع قلة، قال ابن عباس: يريدون مواعيد الله لأهل الحديبية بغنيمة خيبر خاصة.
وقال مقاتل: يعني: أمر الله لنبيه ﷺ ألا يسير معه منهم أحد.
﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] أي: قال الله بالحديبية قبل خيبر مرجعنا إليكم، إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ [الفتح: ١٥] يمنعكم الحسد أن نصيب معكم الغنائم، فقال الله: ﴿بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ﴾ [الفتح: ١٥] لا يعلمون عن الله ما لهم، وما عليهم من الدين، إلا قليلًا يسيرًا منهم، وهو من صدق الله والرسول، ولم ينافق.
﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦] أكثر المفسرين: على أن هؤلاء بنو حنيفة أتباع مسيلمة، وقال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية، ولا نعلم من هم، فلما دعا أبو بكر الصديق، ﵁، إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم.
وقال ابن جريج: سيدعوكم عمر، ﵁، إلى قتال فارس.
﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] أو يكون منهم الإسلام، فإن تطيعوا أبا بكر، وعمر ﵄، ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الفتح: ١٦] يعني: الجنة، وإن تتولوا تعرضوا عن طاعتهما، ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٦] أعرضتم عن طاعة محمد ﷺ في المسير إلى الحديبية، يعذبكم في الآخرة، عذابًا أليمًا والآية تدل على خلافة الشيخين ﵄ لأن الله تعالى وعد على طاعتهما الجنة، وعلى مخالفتهما العذاب الأليم.
[ ٤ / ١٣٨ ]
﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧] .
﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧] قال مقاتل: عذر الله أهل الزمانة، الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية.
ثم ذكر الذين أخلصوا نيتهم لله، وشهدوا بيعة الرضوان، فقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴿١٨﴾ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿١٩﴾ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴿٢٠﴾ وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴿٢١﴾﴾ [الفتح: ١٨-٢١] .
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] يعني: بيعة الحديبية، وهي تسمى بيعة الرضوان لهذه الآية، قال عطاء، عن ابن عباس: إن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة، فلما بلغ الحديبية، وقفت ناقته، فزجرها، فلم تنزجر وبركت، فقال أصحابه: خلأت الناقة.
فقال رسول الله ﷺ: «ما هذا لها بعادة، ولكن حبسها حابس الفيل» .
ودعا عمر بن الخطاب ﵁، ليرسله إلى أهل مكة، ليأذنوا له بأن يدخل مكة، ويحل من عمرته، وينحر هديه، فقال: يا رسول الله، ما لي بها حميم، وإني أخاف قريشًا على نفسي، ولقد علمت قريش شدة عداوتي
[ ٤ / ١٣٩ ]
إياها، ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني، عثمان بن عفان.
قال: «صدقت» .
فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان ﵁، فأرسله، فجاء الشيطان، وصاح في عسكر رسول الله ﷺ بأن أهل مكة قتلوا عثمان بن عفان، فقام رسول الله ﷺ إلى الشجرة فاستند إليها، وبايع الناس على قتال أهل مكة، قال عبد الله بن أبي أوفي: كنا يومئذ ألف وثلاث مائة.
وقال جابر: كنا ألف وأربع مائة.
وقال البراء: كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بئر فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ وتمضمض، ودعا ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنا أصدرنا، فأنشأنا نشرب نحن وركابنا.
وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١٨] أي: من الصدق والوفاء، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ١٨] يعني: فتح خيبر.
﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ١٩] من أموال يهود خيبر، وكانت ذات عقار وأموال، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ [الفتح: ١٩] غالبًا، حكيمًا في أمره: حكم لكم بالغنيمة، ولأهل خيبر بالسبي والهزيمة.
ثم ذكر سائر المغانم التي يأخذونها فيما يأتي من الزمان، فقال: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠] قال مقاتل: مع النبي ﷺ، ومن بعده إلى يوم القيامة.
﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] يعني: غنيمة خيبر، ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠] وذلك أن النبي ﷺ لما قصد خيبر، وحاصر أهلها، قبائل من أسد، وغطفان، أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة، فكف الله تعالى أيديهم، بإلقاء الرعب في قلوبهم، ولتكون الغنيمة التي عجلها الله لكم، آية للمؤمنين على صدقك، حيث وعدتهم أن يصيبوها، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٠] يزيدكم هدى، بالتصديق لمحمد ﷺ ولما جاء به، مما
[ ٤ / ١٤٠ ]
ترون من عدة الله في القرآن بالفتح والغنيمة.
﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد فارس والروم، وما كانت العرب تقدر على القتال فارس والروم، وفتح مدائنهم.
بل كانوا خولًا لهم حتى قدروا عليها بالإسلام، ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: ٢١] جعلها لكم، وحواها لكم، قال الفراء: أحاط الله بها لكم حتى يفتحها عليكم، كأنه قال: حفظها لكم، ومنعها عن غيركم، حتى تفتحوها فتأخذوها.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الفتح: ٢١] من فتح القرى، وغير ذلك، قديرًا.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ﴿٢٢﴾ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ﴿٢٣﴾ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿٢٤﴾ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿٢٥﴾ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴿٢٦﴾﴾ [الفتح: ٢٢-٢٦] .
﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: ٢٢] يعني: أسدًا وغطفان، الذين أرادوا نهب ذراري المسلمين، لولوا الأدبار لانهزموا عنكم، لأن الله تعالى ينصركم عليهم، ﴿ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٢] قال ابن عباس: من تولى غير الله، خذله الله ولم ينصره.
ثم ذكر أن سنة الله النصرة لأوليائه، فقال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ٢٣] قال ابن عباس: يريد هذه سنتي في أهل طاعتي، وأهل معصيتي: أنصر أوليائي، وأخذل أعدائي.
ثم ذكر منته بالمحاجزة بين الفريقين، بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] وذلك أن المشركين جاءوا يصدون رسول الله ﷺ عن البيت عام الحديبية.
[ ٤ / ١٤١ ]
٨٥٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّيْدَلانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَيِّعُ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّيَّارِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِلالٍ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا ثَلاثُونَ شَابًّا عَلَيْهِمُ السِّلاحُ فَثَارُوا فِي وُجُوهِنَا، فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخَذَ اللَّهُ أَبْصَارَهُمْ، فَقُمْنَا إِلَيْهِمْ فَأَخَذْنَاهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " هَلْ جِئْتُمْ فِي عَهْدٍ، أَوْ هَلْ جَعَلَ لَكُمْ أَحَدٌ أَمَانًا؟ فَقَالُوا: اللَّهُمَّ لا، فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٤] .
٨٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا فَاسْتَحْيَاهُمْ
[ ٤ / ١٤٢ ]
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ مِنَّتَهُ بِحَجْزِهِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ حَتَّى لَمْ يَقْتَتِلا، وَحَتَّى اتَّفَقَ بَيْنَهُمُ الصُّلْحُ الَّذِي كَانَ أَعْظَمَ مِنَ الْفَتْحِ
ثم ذكر سبب منعه رسول الله ﷺ ذلك العام دخول مكة، فقال: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: ٢٥] يعني: كفار مكة، ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥] أن تطوفوا به، وتحلوا من عمرتكم، والهدي وصدوا الهدي، وهي: البُدْن التي ساقها رسول الله ﷺ معه، وكانت سبعين بدنة، معكوفًا محبوسًا، يقال: عكفته عن كذا عكفًا، أي: حبسته فعكف عكوفًا، كما يقال: رجعته رجعًا، فرجع رجوعًا، ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] منحره، وهو حيث تحل نحره يعني: الحرم، ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ [الفتح: ٢٥] يعني: المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا بمكة بين الكفار، لم تعلموهم لم تعرفوهم، أن تطئوهم بالقتل وتوقعوا بهم، قال الزجاج: المعنى: لولا أن تطئوا رجالًا مؤمنين، ونساء مؤمنات.
﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ [الفتح: ٢٥] إثم، وجناية بغير علم، وذلك: أنهم لو كبسوا مكة وفيها قوم مؤمنون، لم يتميزوا من الكفار، لم يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفارة، وتلحقهم سبة بأنهم قتلوا من هو على دينهم، فهذه المعرة التي صان الله المؤمنين عنها، وقوله: بغير علم موضعه التقديم، لأن التقدير: لولا أن تطئوهم بغير علم، ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الفتح: ٢٥] اللام متعلقة بمحذوف دل عليه معنى الكلام على تقدير: حال بينكم وبينهم، ليدخل الله في رحمته من يشاء، يعني: من أسلم من الكفار بعد الصلح، لو تزيلوا لو تميزوا، يعني: المؤمنين من الكفار، ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] يعني: بالقتل، والسبي بأيديكم.
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾ [الفتح: ٢٦] وهي الأنفة والإنكار، يقال: فلان ذو حمية منكرة، إذا كان ذا غضب وأنفة، قال المقاتلان: قال أهل مكة: قد قتلوا أبناءنا وإخواننا، ويدخلون علينا في منازلنا، فتحدث العرب أنهم قد دخلوا علينا رغم أنفنا! واللات والعزى لا يدخلونها عليها.
فهذه حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم، ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ
[ ٤ / ١٤٣ ]
سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] حتى لم يدخلهم ما دخلهم من الحمية، فيعصوا الله في قتالهم، وقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] وهي: لا إله إلا الله، الكلمة التي ينفى بها الشرك.
٨٥٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، أنا مُحَمَّد بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، نا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ، نا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ ثُوَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ.
٨٥٥ - أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن حمدان، أنا أحمد بن جعفر القطيعي، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حَدَّثَنِي أبي، نا عبد الوهاب الخفاف، نا شعبة، عن قتادة، عن مسلم بن يسار، عن حمدان بن أبان، عن عثمان بن عفان ﵁، قَالَ: سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ، يقول: «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقًا من قلبه إلا حرم على النار» فَقَالَ عمر بن الخطاب ﵁: أنا أحدثك مَا هِيَ، هِيَ كلمة الإخلاص التي ألزمها الله تَعَالَى محمدًا وأصحابه، وهي كلمة التقوى التي ألاص عليه نبي الله ﷺ عمه أبو طالب عند الموت، شهادة أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ
﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾ [الفتح: ٢٦] من كفار مكة، وكانوا أهلها في علم الله، لأن الله تعالى اختار لنبيه ﷺ، ولدينه أهل الخير، ومن هم أولى بالهداية من غيرهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٦] من أمر الكفار وما يستحقونه، وأمر المؤمنين وما يستحقونه.
قوله:
[ ٤ / ١٤٤ ]
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴿٢٧﴾ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴿٢٨﴾﴾ [الفتح: ٢٧-٢٨] .
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] قال المفسرون: إن الله تعالى أرى نبيه ﷺ في المنام، بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية، كأنه وأصحابه حلقوا، وقصروا، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا، وحسبوا أنهم دخلوا مكة عامهم ذلك، وقالوا: إن رؤيا النبي ﷺ حق.
فلما انصرفوا، ولم يدخلوا مكة، قال المنافقون: والله ما حلقنا، ولا قصرنا، ولا دخلنا المسجد الحرام.
فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبر أنه أرى رسوله الصدق في منامه لا الباطل، وأنهم يدخلونه، فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧] يعني: العام المقبل، ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] قال أبو عبيدة: إن بمعنى: إذ، يعني: إذ شاء الله حيث أرى رسوله ذلك.
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: استثنى الله فيما يعلم، ليستثني الخلق فيما لا يعلمون.
يعني: أنه تعالى علم أنهم يدخلونه، ولكنه استثنى على ما أمر به في قوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿٢٣﴾ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤]، وقوله: آمنين أي: من العدو، محلقين رءوسكم يقال: حلق رأسه، وحلقه بمعنى، ومقصرين أي: من الشعر، يقال: قصر شعره: إذا جزه من طوله، وهذا يدل على أن المحرم بالخيار عند التحلل من الإحرام، إن شاء حلق، وإن شاء قصر، لا تخافون أي: غير خائفين عدوا من المشركين، ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ [الفتح: ٢٧] علم الله ما في تأخير الدخول من الخير والصلاح، ولم تعلموا أنتم، وهو خروج المؤمنين من بيتهم، والصلح المبارك موقعة، ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ [الفتح: ٢٧] من قبل الدخول، فتحًا قريبًا يعني: فتح خيبر، في قول عطاء، ومقاتل.
وفي قول الآخرين يعني: صلح الحديبية.
قوله: ﴿هُوَ
[ ٤ / ١٤٥ ]
الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [الفتح: ٢٨] مفسر في ﴿[براءة،] وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [سورة الفتح: ٢٨] أي: على ما أرسل.
قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] .
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] قال ابن عباس: شهد له بالرسالة.
والذين معه قال: يعني: أهل الحديبية.
وقال مقاتل: والذين آمنوا معه من المؤمنين.
﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] غلاظ عليهم، كالأسد على فريسته، رحماء بينهم متوادون ببعضهم لبعض، كالولد لوالده، والعبد لسيده، كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩] إخبار عن كثرة صلاتهم، ومداومتهم عليها، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩] يعني: الجنة، ورضا الله، ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] لكثرة صلاتهم بالليل، يتبين في وجوههم أثر السهر، قال الضحاك: إذا سهر الرجل أصبح مصفرًا.
وقال عطية: مواضع السجود أشد وجوههم بياضًا يوم القيامة.
وهذا قول الزهري، وقال مجاهد: هو الخشوع والتواضع.
وهو قول ابن عباس، في رواية الوالبي، قال: الهدى والسمت الحسن.
المعنى: أن السجود أورثهم ذلك الخشوع، والسمت الحسن الذي يعرفون به، وقال عكرمة: هو التراب على الجباه.
قال أبو العالية: لأنهم يسجدون على الترب، لا على الأثواب.
﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: ٢٩] يعني: ما ذكر من وصفهم هو ما وصفوا به في التوراة أيضًا، ثم ذكر نعتهم في الإنجيل، فقال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] أي: فراخه، وجمعه أشطاء، يقال: أشطأ الزرع إذا فرخ، والشطأ والشطأ لغتان، كالنهر والنهر، فآزره ستره، وأعانه، وقواه، قال المبرد: يعني: أن هذه الأفرخ لحقت الأمهات حتى صارت مثلها.
[ ٤ / ١٤٦ ]
وقرأ ابن عامر: فأزره مقصورًا، قال الفراء: أزرت فلانًا آزره، إذا قويته.
فاستغلظ أي: غلظ ذلك الزرع، ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] قام على قصبه وأصوله، فأعجب ذلك زراعه، وهو قوله: يعجب الزراع وهذا مثل ضربه الله تعالى لمحمد ﷺ وأصحابه، فالزرع محمد، والشطأ أصحابه، والمؤمنون حوله، وكانوا في ضعف وقلة كما كان أول الزرع دقيقًا، ثم غلظ وقوي، وتلاحق، كذلك المؤمنون قوي بعضهم بعضًا، حتى استغلظوا، واستووا على أمرهم، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] أي: إنما كثرهم وقواهم، ليكونوا غيظًا للكافرين.
٨٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخُ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، نا رسته، نا أَبُو غَزْوَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فَذَكَرُوا رَجُلًا يَنْتَقِصُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ، وَفِي قَلْبِهِ غَيْظٌ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ أَصَابَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] قال الزجاج: منهم تخليص للجنس، وليس يريد بعضهم، لأنهم كلهم مؤمنون.
﴿مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] يعني: الجنة.
[ ٤ / ١٤٧ ]