اثنتان وخمسون آية، مكية.
١٢٢٤ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ ن وَالْقَلَمِ أَعْطَاهُ اللَّهُ ثَوَابَ الَّذِينَ حَسُنَ أَخْلاقُهُمْ»
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴿١﴾ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿٢﴾ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴿٣﴾ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴿٤﴾ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ﴿٥﴾ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ﴿٦﴾ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿٧﴾﴾ [القلم: ١-٧] .
ن قال ابن عباس: يعني: الحوت الذي على ظهر الأرض.
وهو قول مجاهد، ومقاتل، والسدي، قالوا: هو الحوت الذي يحمل الأرض.
وروى عكرمة، عن ابن عباس، أن: ﴿ن﴾ [القلم: ١] ههنا آخر حروف الرحمن.
﴿وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١] قال جماعة المفسرين:
[ ٤ / ٣٣٢ ]
هو القلم الذي كتب الله به اللوح المحفوظ.
١٢٢٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا الْمُحَارِبِيُّ، وَعُبَيْدَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقِيلَ لَهُ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: ثُمَّ خَلَقَ نُونًا فَبَسَطَ الْأَرْضَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ﴿ن﴾ [القلم: ١] الدواة.
وهو قول الحسن، وقتادة، وروي ذلك مرفوعًا.
١٢٢٦ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، نا أَبُو مَرْوَانَ هِشَامُ بْنُ خَالِجٍ الْأَزْرَقُ، نا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْخُشَنِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: " إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ وَهِيَ الدَّوَاةُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ عَمَلٍ أَوْ أَثَرٍ أَوْ رِزْقٍ أَوْ أَجَلٍ فَكَتَبَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ ختَمَ عَلَى الْقَلَمِ فَلَمْ يَنْطِقْ وَلا يَنْطِقُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ".
وقوله: وما يسطرون يعني: ما تكتب الملائكة الحفظة من أعمال بني آدم.
﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] هذا جواب لقولهم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، فأقسم الله بنون، وبالقلم، وبأعمال بني آدم، فقال: ما أنت يا محمد بنعمة ربك، أي: بإنعامه عليك بالإيمان والنبوة، بمجنون.
وقال الزجاج: هذا كما تقول: أنت بنعمة الله فهم، وما أنت بنعمة الله بجاهل.
﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا﴾ [القلم: ٣] بصبرك على بهتهم، وافترائهم عليك، ونسبتهم إياك إلى الجنون، ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] غير منقوص، ولا مقطوع.
قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى
[ ٤ / ٣٣٣ ]
خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: دين عظيم، لم أخلق دينًا أحب إلىّ ولا أرضى عندي منه.
وهذا قول الأكثرين، قالوا: يعني: الإسلام والدين.
وروى عكرمة، عن ابن عباس، قال: يعني: القرآن.
وهو قول الحسن، والعوفي: أدب القرآن.
وفسره قتادة، فقال: هو ما كان يأتمر به من أمر الله، وينتهي عنه من الله.
واختاره الزجاج، فقال: المعنى: إنك على الخلق الذي أمرك الله في القرآن.
١٢٢٧ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ السُّلَمِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَاسَرْجِسِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، نا ابْنُ الْمُبَارَكِ، نا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَتْ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] فَخُلُقُهُ الْقُرْآنُ.
١٢٢٨ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الدِّمَشْقِيُّ، نا مَرْوَانُ، نا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، نا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، يَسْخَطُ لِسَخَطِهِ، وَيَرْضَى لِرِضَاهُ
قوله: فستبصر يا محمد، ويبصرون يعني:
[ ٤ / ٣٣٤ ]
أهل مكة، قال مقاتل: هذا وعيد بالعذاب ببدر.
يعني: سترى، ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر.
بأيكم الباء زائدة، والمعنى: أيكم، المفتون المجنون الذي فتن بالجنون، أأنت أم هم؟ يعني: أنهم يعلمون عند العذاب أن الجنون كان بهم حين عبدوا الأصنام، وتركوا دينك لا بك.
أخبر أنه عالم بالفريقين، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ [القلم: ٧] الآية.
﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ﴿٨﴾ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴿٩﴾ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ﴿١٠﴾ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴿١١﴾ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴿١٢﴾ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴿١٣﴾ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴿١٤﴾ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴿١٥﴾ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ﴿١٦﴾﴾ [القلم: ٨-١٦] .
﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] يعني: رؤساء أهل مكة، وذلك: أنهم دعوه إلى دين آبائه، فنهاه الله أن يطيعهم.
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] تلين لهم، فيلينون لك، قال مجاهد: تركن إليهم، وتترك ما أنت عليه من الحق، فَيُمَالئونك.
قال ابن قتيبة: كانوا أرادوه على أن يعبد ألهتهم مدة، ويعبدوا الله مدة.
﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ [القلم: ١٠] كثير الحلف بالباطل، مهين فعيل من المهانة، وهي: القلة في الرأي والتمييز، قال عطاء: يعني: الأخنس بن شريق.
وقال مقاتل: يعني: الوليد بن المغيرة، عرض على النبي ﷺ المال ليرجع عن دينه.
هماز مغتاب، طعان للناس، مشاء بنميم يمشي بالنميمة بين الناس، ليفسد بينهم.
مناع للخير بخيل بالمال، معتد ظلوم، يتعدى الحق، أثيم في جميع أفعاله.
عتل قال الفراء: هو الشديد الخصومة في الباطل.
وقال الزجاج: الغليظ الجافي.
وقال الليث: هو الأكول المنوع.
والمفسرون يقولون: هو الشديد الخلق، الفاحش الخلُق.
بعد ذلك أي: مع ما وصفناه به، زنيم قال عطاء، عن ابن عباس: يريد مع هذا هو دعي في قريش ليس منهم.
والزنيم: الملصق في القوم، وليس منهم.
١٢٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحِذَامِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، نا إِسْرَائِيلُ، نا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
[ ٤ / ٣٣٥ ]
﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] قَالَ: يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَمَا تُعْرَفُ الشَّاةُ بِزَنَمَتِهَا
قال ابن قتيبة: ولا نعلم أن الله وصف أحدًا، ولا بلغ من ذكر عيوبه ما بلغه من ذكر عيوب الوليد بن المغيرة، لأنه وصفه بالحلف، والمهانة، والغيب للناس، والمشي بالنمائم، والبخل، والظلم، والإثم، والجفاء، والدعوة، فألحق به عارًا لا يفارقه في الدنيا والآخرة.
قوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] قال الفراء، والزجاج: ﴿أَنْ كَانَ﴾ [القلم: ١٤] أي: لأن كان.
والمعنى: لا تطع كل حلاف مهين ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] أي: لا تطعه لماله وبنيه، ومن قرأ: أأن كان فإنه توبيخ له، أي: جعل مجازاة النعم التي خولها من البنين والمال الكفر بآياتنا، وهو قوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] .
ثم أوعده، فقال: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] قال أبو عبيدة، وأبو زيد، والمبرد: الخرطوم الأنف.
قال مقاتل: سنسمه بالسواد على الأنف، وذلك: أنه يسود وجهه قبل دخول النار.
وهو قول الأكثرين، قال الفراء: والخرطوم وإن كان قد خص بالسمة، فإنه في مذهب الوجه، لأن بعض الوجه يؤدي عن بعض.
وقال الزجاج: سنجعل له في الآخرة العَلَم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم.
وقال قتادة: سنلحق به شيئًا لا يفارقه.
واختاره ابن قتيبة، وقال: العرب تقول: قد وسمه ميسم سوء.
يريدون: ألصق به عارًا لا يفارقه، لأن السمة لا ينمحي، ولا يعفو أثرها.
وقد ألحق الله بما ذكر من عيوبه عارًا لا يفارقه كالوسم على الخرطوم، وأبين ما يكون الوسم على الوجه.
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴿١٧﴾ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴿١٨﴾ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ
[ ٤ / ٣٣٦ ]
نَائِمُونَ ﴿١٩﴾ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴿٢٠﴾ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ﴿٢١﴾ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ﴿٢٢﴾ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴿٢٣﴾ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴿٢٤﴾ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴿٢٥﴾ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ﴿٢٦﴾ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴿٢٧﴾ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ ﴿٢٨﴾ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿٢٩﴾ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ ﴿٣٠﴾ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴿٣١﴾ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ ﴿٣٢﴾ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٣٣﴾﴾ [القلم: ١٧-٣٣] .
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ [القلم: ١٧] أي: بلونا أهل مكة بالجوع والقحط، كما ابتلينا أصحاب الجنة حين هلكت جناتهم، وهم قوم من ثقيف كانوا باليمن مسلمين، ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنان وزروع ونخيل، وكان أبوهم يجعل مما فيها من كل شيء حظًا للمساكين عند الحصاد والصرام، فقال بنوه: المال قليل، والعيال كثير، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا.
وعزموا على حرمان المساكين، فصارت عاقبتهم إلى ما قصّ الله في كتابه، وهو قوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] حلفوا ليقطعن ثمر نخيلهم، إذا أصبحوا بسدفة من الليل، من غير أن يشعر المساكين.
ولا يستثنون لا يقولون: إن شاء الله.
﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القلم: ١٩] قال ابن عباس: أحاطت بها النار، فاحترقت.
وقال قتادة: طرقها طارق من أمر الله.
وقال مقاتل: بعث الله نارًا بالليل على جنتهم، فأحرقتها حتى صارت سوداء.
فذلك قوله: فأصبحت كالصريم كالليل المظلم، والصريمان: الليل والنهار، لانصرام أحدهما من الآخر.
﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ٢١] لما أصبحوا، قال بعضهم لبعض: ﴿اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ [القلم: ٢٢] يعني: الثمار، والزروع، والأعناب، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢] قاطعين للنخل.
فانطلقوا ذهبوا على جنتهم، ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] يسرون الكلام بينهم، بألا ﴿يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] .
﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] الحرد في اللغة يكون بمعنى: المنع، والغضب، والقصد، قال قتادة: على جد من أمرهم.
وهو قول مقاتل، والكلبي، والحسن، ومجاهد، وهذا بمعنى:
[ ٤ / ٣٣٧ ]
القصد، لأن القاصد إلى الشيء جاد، وقال أبو عبيدة، والمبرد، والقتيبي: غدوا من بيتهم إلى جنتهم على منع المساكين.
وقال الشعبي، وسفيان: على حنق، وغضب على المساكين.
قادرين عند أنفسهم على جنتهم وثمارهم، لا يحول بينهم وبينها آفة.
﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦] لما رأوا الجنة محترفة، قالوا: إنا قد ضللنا طريق جنتنا.
أي: ليست هذه.
ثم علموا أنها عقوبة، فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧] أي: حرمنا ثمر جنتنا بمنعنا المساكين.
قال أوسطهم أعدلهم، وأفضلهم، ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨] هلا تستثنون، فتقولون: إن شاء الله؟ أنكر عليهم ترك الاستثناء في قوله: ﴿أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴿١٧﴾ وَلا يَسْتَثْنُونَ ﴿١٨﴾﴾ [القلم: ١٧-١٨] وسمى الاستثناء تسبيحًا، لأنه تعظيم الله، وإقرار بأنه لا يقدر أحد أن يفعل شيئًا إلا بمشيئة الله تعالى.
﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ [القلم: ٢٩] نزهوه عن أن يكون ظالمًا فيما صنع، وأقروا على أنفسهم بالظلم، فقالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩] بمنعنا المساكين.
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] يلوم بعضهم بعضًا في منع المساكين حقوقهم.
ثم نادوا على أنفسهم بالويل، فقالوا: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ [القلم: ٣١] حين لم نصنع ما صنع آباؤنا من قبل.
ثم رجعوا إلى الله، وسألوه أن يبدلهم بها خيرًا منها، وهو قوله: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ [القلم: ٣٢] .
قال الله: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ [القلم: ٣٣] يعني: كما ذكر من إحراقها بالنار، وتمت قصة أصحاب الجنة، ثم قال: ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣] يعني: المشركين.
ثم أخبر بما عنده للمتقين، فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿٣٤﴾ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ﴿٣٥﴾ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿٣٦﴾ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴿٣٧﴾ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ﴿٣٨﴾ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ﴿٣٩﴾ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴿٤٠﴾ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ﴿٤١﴾﴾ [القلم: ٣٤-٤١] .
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤] قال المشركون: إنا نعطى في الآخرة أفضل مما يعطون.
فقال الله تعالى، مكذبًا لهم: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ﴿٣٥﴾ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿٣٦﴾﴾ [القلم: ٣٥-٣٦] إذ حكمتم أن لكم ما للمسلمين.
﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] تقرءون.
إن لكم في ذلك الكتاب، لما تخيرون تختارون.
﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ [القلم: ٣٩] يقول: ألكم عهود على الله بالغة؟ ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القلم: ٣٩] أي: مؤكدة، وكل شيء مُتَنَاهٍ في الجودة والصحة فهو: بالغ، ويجوز أن يكون المعنى: بالغة إلى يوم القيامة، أي: تبلغ تلك الأيمان إلى يوم القيامة في لزومها، وتأكدها، ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] لأنفسكم به من الخير والكرامة عند الله.
ثم قال لنبيه ﷺ: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] أيهم كفيل لهم، بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ [القلم: ٤١] يعني: الأصنام التي جعلوها شركاء لله، والمعنى: أم عندهم لله شركاء؟ فليأتوا بهؤلاء الشركاء، ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [القلم: ٤١] في أنها شركاء لله.
قوله:
[ ٤ / ٣٣٨ ]
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴿٤٢﴾ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴿٤٣﴾ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴿٤٤﴾ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴿٤٥﴾ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴿٤٦﴾ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴿٤٧﴾﴾ [القلم: ٤٢-٤٧] .
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] يوم ظرف لقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا﴾ [القلم: ٤١] أي: فليأتوا بها في ذلك اليوم لتنفعهم، وتشفع لهم، قال المفسرون: في قوله: ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أي: عن شدة من الأمر.
قال مجاهد، عن ابن عباس، قال: هو أشد ساعة في يوم القيامة.
١٢٣٠ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْفَهَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] فَقَالَ: إِذَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، فَابْتَغُوهُ فِي الشِّعْرِ، فَإِنَّهُ دِيوَانُ الْعَرَبِ، أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشَّاعِرِ: وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاق هُوَ يَوْمُ كَرْبٍ وَشِدَّةٍ.
أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري، نا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا يحيى بن أبي طالب، أنا حماد بن مسعدة، أنا عمر بن أبي زائدة، قال: سمعت عكرمة سئل عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: إذا اشتد الأمر في الحرب، قيل: كشفت الحرب عن ساق.
أخبرهم الله تعالى عن شدة ذلك اليوم، وقال ابن قتيبة: أصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه، شمر عن ساقة، فاستُعِيرَ الكشف عن الساق في موضع الشدة، وأنشد لدريد بن الصمة قوله:
[ ٤ / ٣٣٩ ]
كميش الإزار خارج نصف ساقه صبور على الجلاء طلاع أنجد
وتأويل الآية: يوم يشتد الأمر، كما يشتد ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن الساق، ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] قال المفسرون: يسجد الخلق كلهم لله سجدة واحدة، ويبقى الكفار والمنافقون، يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون، لأن أصلابهم تيبس فلا تلين للسجود.
قال الربيع بن أنس: يكشف عن الغطاء، فيقع من كان آمن به في الدنيا فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون، لأنهم لم يكونوا آمنوا به في الدنيا.
١٢٣١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عُمَارَةَ الْقُرَشِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: وَفَدْتُ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ الَّذِي يَعْمَلُ فِي حَوَائِجِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَلَمَّا قَضَيْتُ حَوَائِجِي أَتَيْتُهُ فَوَدَّعْتُهُ، وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَضَيْتُ، فَذَكَرْتُ حَدِيثًا حَدَّثَنِي بِهِ أَبِي سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُحَدِّثَهُ بِهِ، لِمَا أَوْلانِي مِنْ قَضَاءِ حَوَائِجِي، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: لَقَدْ رَدَّ الشَّيْخَ حَاجَةٌ، فَلَمَّا قَرُبْتُ مِنْهُ قَالَ: مَا رَدَّكَ؟ أَلَيْسَ قَدْ قَضَيْتُ حَوَائِجَكَ؟ قُلْتُ: بَلَى، وَلَكِنْ حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مُثِّلَ لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا، فَيَذْهَبُ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا، وَيَبْقَى أَهْلُ التَّوْحِيدِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا تَنْتَظِرُونَ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّ لَنَا رَبًّا كُنَّا نَعْبُدُهُ فِي الدُّنْيَا لَمَّا نَرَهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: وَتَعْرِفُونَهُ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَكَيْفَ تَعْرِفُونَهُ وَلَمْ تَرَوْهُ؟ قَالُوا: إِنَّهُ لا شَبَهَ لَهُ، فَيُكْشَفُ لَهُمْ عَنِ الْحِجَابِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ ﷿، فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا، وَيَبْقَى أَقْوَامٌ ظُهُورُهُمْ مِثْلُ صَيَاصِي الْبَقَرِ يُرِيدُونَ السُّجُودَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: عِبَادَي ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ قَدْ جَعَلْتُ بَدَلَ كُلِّ
[ ٤ / ٣٤٠ ]
رَجُلٍ مِنْكُمْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي النَّارِ "، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيُحَدِّثُكَ أَبُوكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَحَلَفْتُ لَهُ ثَلاثَةَ أَيْمَانٍ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا سَمِعْتُ فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ، حَدِيثًا هُوَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ هَذَا، رَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاج فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْبَزَّاز، عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ
قوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [القلم: ٤٣] يعني: حين أيقنوا بالعذاب، وعاينوا النار، ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] يغشاهم ذل الندامة والحسرة، ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٣] يعني: بالأذان في دار الدنيا والإقامة، ويؤمرون بالصلاة المكتوبة، ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] معافون، ليس في أصلابهم مثل سفافيد الحديد، قال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حي على الفلاح، فلا يجيبون.
وفي هذا وعيد لمن قعد عن الصلاة في الجماعة.
قوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] يقول: خل بيني وبين من يكذب بهذا القرآن.
قال الزجاج: معناه: لا تشغل قلبك به، كله إلىّ فإني أكفيك أمره.
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤] وهذا مفسر في ﴿[الأعراف مع ال: التي بعدها.
وقوله:] أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ [القلم: ٤٦] مفسر مع الآية التي بعدها في ﴿[الطور.
] فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴿٤٨﴾ لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴿٤٩﴾ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٥٠﴾ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴿٥١﴾ وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿٥٢﴾﴾ [سورة القلم: ٤٨-٥٢] .
قوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨] اصبر على أذاهم، لقضاء ربك الذي هو آت، ولا تكن في الضجر، والغضب، والعجلة، ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] يونس بن متى، ثم أخبر عن عقوبة يونس حين لم يصبر، فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء: ٨٣] من بطن الحوت، بقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وهو مكظوم مملوء غمًا، ومثله: ﴿كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] .
﴿لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ﴾ [القلم: ٤٩] أدركه، نعمة رحمة، من ربه وهو أن رحمه، وتاب عليه، ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ [القلم: ٤٩] لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض، ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩] يذم، ويلام
[ ٤ / ٣٤١ ]
بالذنب.
﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [القلم: ٥٠] استخلصه، واصطفاه، ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠] قال ابن عباس: رد إليه الوحي، وشفعه في قومه وفي نفسه.
قوله: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾ [القلم: ٥١] من أزلقه عن موضعه إذا نحاه، يقال: زلق من مكانه، وأزلقته أنا.
وقرأ نافع بفتح الياء، يقال: زلق هو وزلقته، مثل حزن وحزنته، والأولى أكثر وأوسع، نزلت الآية في قصد الكفار أن يصيبوا رسول الله ﷺ بالعين، فكانوا ينظرون إليه نظرًا شديدًا، وليس هذا بالوجه، قال الزجاج: مذهب أهل اللغة والتأويل: أنهم من شدة إبغاضهم وعداوتهم، يكادون بنظرهم نظر البغضاء، أن يصرعوك، وهذا مستعمل في الكلام، يقول القائل: نظر إلىّ نظرًا كاد يصرعني، ونظرًا كاد يأكلني.
وقال ابن قتيبة: ليس يريد الله تعالى، يقال: إنهم يصيبوك بأعينهم، كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد: أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن، نظرًا شديدًا بالعداوة والبغضاء، يكاد يسقطك، كما قال الشاعر:
نظرًا يزيل مواطئ الأقدام
ويدل على صحة هذا المعنى: أن الله تعالى قرن هذا النظر بسماع القرآن وهو قوله: ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: ٥١] وهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهية، فيحدون إليه النظر بالبغضاء، والإصابة بالعين تكون مع الإعجاب والاستحسان، ولا تكون مع البغض، والقول الأول هو قول الكلبي، ولم يعرف معنى الآية، ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] أي: ينسبونه إلى الجنون، إذا سمعوه يقرأ القرآن، فقال الله: وما هو يعني: القرآن، ﴿إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥٢] قال ابن عباس: موعظة للمؤمنين.
[ ٤ / ٣٤٢ ]