وهي خمسون وخمس آيات، مكية.
١١٤٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] فِي كُلِّ غِبٍّ بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَمَنْ قَرَأَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ كَانَ أَفْضَلَ، وَجَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ مُسْفِرٌ عَلَى وُجُوهِ الْخَلائِقِ ".
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴿١﴾ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴿٢﴾ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴿٣﴾ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴿٤﴾ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ﴿٥﴾﴾ [القمر: ١-٥] .
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: إن كنت صادقًا، فشق لنا القمر فرقتين.
فقال لهم رسول الله ﷺ: «إن فعلت تؤمنون» .
قالوا: نعم.
وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله ﷺ ربه أن يعيطه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين، ورسول الله ينادي يا فلان يا فلان اشهدوا.
١١٤٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا أَبُو خَيْثَمَةَ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَقَّتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا " رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ
[ ٤ / ٢٠٦ ]
كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، وَحَدِيثُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ
روينا عن جميعهم ذلك في مسند التفسير، وجميع المفسرين على هذا، إلا ما روى عثمان بن عطاء، عن أبيه، أنه قال: معناه: سينشق القمر.
والعلماء كلهم على خلافه وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر، لأن انشقاقه من علامات نبوة محمد ﷺ، ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة، قال الزجاج: زعم قوم عندوا عن القصد، وما عليه أهل العلم أن تأويله: أن القمر ينشق يوم القيامة.
والأمر بين في اللفظ وإجماع أهل العلم، لأن قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] يدل على أن هذا كان في الدنيا، لا في القيامة، قال المفسرون: لما انشق القمر، قال المشركون: سحرنا محمد.
فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾ [القمر: ٢]، يعني: انشقاق القمر، يعرضوا عن التصديق، والإيمان بها، ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] قوي شديد، يعلو كل سحر، من قولهم: استمر الشيء إذا قوي واستحكم.
ثم ذكر تكذيبهم، فقال: وكذبوا يعني: النبي ﷺ، وما عاينوا من قدرة الله، ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القمر: ٣] وما زين لهم الشيطان من الباطل الذي هم عليه، ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣] قال الكلبي: لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف.
وقال قتادة: وكل أمر مستقر فالخير يستقر بأهل الخير، والشر يستقر بأهل الشر.
وقال الفراء: يقول: يستقر قرار تكذيبهم، وقرار قول المصدقين، حتى يعرفوا حقيقته بالثواب
[ ٤ / ٢٠٧ ]
والعقاب.
ولقد جاءهم يعني: أهل مكة، من الأنباء من أخبار الأمم المكذبة في القرآن، ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] مصدر بمعنى الازدجار، أي: نهي وعظة، يقال: زجرته وازدجرته إذا نهيته عن السوء.
حكمة بالغة يعني: القرآن حكمة تامة، قد بلغت الغاية، ﴿فما تغني النذر﴾ يجوز أن تكون ما نفيا على معنى: فليست تغني النذر، وهو جمع نذير، ويجوز أن تكون استفهامًا، والمعنى: فأي شيء تغني النذر، إذا لم يؤمنوا؟ كقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] .
ثم أمره بالإعراض عنهم، بقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ﴿٦﴾ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ﴿٧﴾ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴿٨﴾﴾ [القمر: ٦-٨] .
فتول عنهم وههنا وقف التمام، وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦] قال مقاتل: هو إسرافيل، ينفخ قائمًا على صخرة بيت المقدس.
﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] إلى أمر فظيع لم يروا مثله، فينكرونه استعظامًا له.
﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر: ٧] وقرئ خاشعًا، ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد، والجمع، والتأنيث، تقول: مررت بشباب حسن أوجههم، وحسان أوجههم، وحسنة أوجههم، وفي قراءة عبد الله خاشعة أبصارهم أي: ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب، ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ [القمر: ٧] وهي القبور، ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] ينبت بعضها في بعض، والمعنى: أنهم يخرجون فزعين، لا جهة لأحد منهم فيقصدها، والجراد لا جهة لها، تكون أبدًا مختلفة بعضها في بعض.
﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨] مقبلين إلى صوت إسرافيل، ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] صعب شديد، قال ابن عباس: عسير على الكافرين، سهل يسير على المؤمنين.
كقوله: ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴿٩﴾ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴿١٠﴾﴾ [المدثر: ٩-١٠] .
[ ٤ / ٢٠٨ ]
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ﴿٩﴾ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴿١٠﴾ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ﴿١١﴾ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴿١٢﴾ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴿١٣﴾ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ﴿١٤﴾ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿١٥﴾ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿١٦﴾ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿١٧﴾﴾ [القمر: ٩-١٧] .
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر: ٩] إلى قوله: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] زجروه عن دعوته بالشتم، والوعيد.
فدعا نوح، ﴿رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] فانتقم لي ممن كذبني.
﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١] منصب انصبابًا شديدًا، لا ينقطع أربعين يومًا.
﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء ماء كما يسيل من أفواه القرب، وانفتحت الأرض بعيون الماء، حتى اجتمع الماءان، وهو قوله: فالتقى الماء يعني: ماء السماء وماء الأرض، ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] قضي عليهم، وقال مقاتل: قدر الله تعالى أن يكون الماءان سواء، فكانا على ما قدر.
وحملناه يعني: نوحًا، على سفينته، ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾ [القمر: ١٣] وهي خشباتها العريضة التي منها جمعت، ودسر قال الزجاج: يعني: المسامير التي تشد بها الألواح، واحدها دسار، وكل شيء أدخل في شيء بشدة فهو الدسر.
تجري تلك السفينة، بأعيننا بمنظر ومرأى منا، وحفظ، كقوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧]، ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] قال الفراء: يقول: فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم، ثوابًا لمن كان كفر به، وجحد أمره، وهو نوح ﵇.
﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ [القمر: ١٥] يعني: الفعلة التي فعلنا، آية علامة يعتبر بها، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] متذكر يعلم أن ذلك حق فيعتبر، ويخاف.
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي﴾ [القمر: ١٦] استفهام عن تلك الحالة، ومعناه: التعظيم لذلك العذاب، ونذر وهو اسم من الإنذار يقوم مقام المصدر، وفي هذا تخويف لمشركي مكة.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] للحفظ والقراءة، قال سعيد بن جبير: ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرًا إلا القرآن.
﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] من ذاكر يذكره، وقارئ يقرأه، ومعناه: الحث على قراءة القرآن، ودرسه، وتعلمه.
وقوله: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿١٨﴾ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ﴿١٩﴾ تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴿٢٠﴾ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿٢١﴾ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿٢٢﴾﴾ [القمر: ١٨-٢٢] .
[ ٤ / ٢٠٩ ]
وما بعده ظاهر إلى قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] شديدة الهبوب، وقال ابن عباس: ريحًا باردة.
وقد مر، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] دائم الشؤم، استمر عليهم بنحوسته، قال ابن عباس: كانوا يتشاءمون بذلك اليوم.
وقال الزجاج: قيل: في يوم الأربعاء، في آخر الشهر.
تنزع الناس تقلعهم من الأرض من تحت أقدامهم، فتصرعهم على الأرض موتى، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾ [القمر: ٢٠] جمع عجز، وهو مؤخر الشيء، منقعر منقلع ساقط، يقال: قعرت النخلة إذا قعلتها من أصلها، حتى تسقط وقد انقعرت هي.
شبههم في طول قاماتهم حين صرعتهم الريح، وكبتهم على وجوههم، بالنخيل الساقطة على الأرض التي ليست لها رءوس، وذلك أن الريح قلعت رءوسهم أولًا، ثم كبتهم على وجوههم.
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ﴿٢٣﴾ فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ﴿٢٤﴾ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ﴿٢٥﴾ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ ﴿٢٦﴾ إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ﴿٢٧﴾ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ﴿٢٨﴾ فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ﴿٢٩﴾ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿٣٠﴾ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ﴿٣١﴾ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿٣٢﴾﴾ [القمر: ٢٣-٣٢] .
قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٢٣] بالإنذار الذي جاءهم به صالح.
﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤] أي: هو آدمي مثلنا، وهو واحد فلا نكون له تبعًا، إنا إذا إن فعلنا ذلك، لفي ضلال خطأ، وذهاب عن
[ ٤ / ٢١٠ ]
الحق، وسعر شقاء وعناء، وشدة عذاب مما يلزمنا من طاعته، وقال عطاء، عن ابن عباس: وجنون من قولهم: ناقة مسعورة، إذا كان بها جنون.
ثم أنكروا أن يكون الوحي يأتيه، فقالوا: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر: ٢٥] كيف خص من بيننا بالنبوة والوحي، ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ﴾ [القمر: ٢٥] فيما يقول، أشر بطر متكبر، يريد أن يتعظم علينا بالنبوة.
قال الله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ [القمر: ٢٦] حين ينزل بهم العذاب، وقال الكلبي: يعني: يوم القيامة.
﴿مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] أهم، أم صالح؟ ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ [القمر: ٢٧] قال ابن عباس: إنهم تعنتوا على صالح، فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء، تضع لهم، ثم ترد ماءهم فتشربه، ثم تغدون عليهم بمثله لبنًا.
فقال الله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ [القمر: ٢٧] أي: باعثوها بإنشائها، فتنة لهم محنة واختبارًا، فارتقبهم فانتظر، ما هم صانعون واصطبر على ما يصيبك من الأذى.
﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] بين ثمود وبين الناقة، يوم لها ويوم لهم، وهو قوله: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] يحضر القوم يومًا، وتحضر الناقة يومًا، وحضر واحتضر واحد.
فنادوا صاحبهم قدار بن سالف عاقر الناقة، فتعاطى تناول الناقة بالعقر، فعقر وقد مضى تفسير العقر.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر: ٣١] قال عطاء: يريد: صيحة جبريل ﵇.
﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] الهشيم: حطام الشجر والبقل، والمحتظر: الذي يتخذ لغنمه حظيرة، يمنعها من برد الريح، يقال: احتظر على غنمه، إذا جمع الشجر، ووضع بعضها فوق بعض، قال الزجاج: كانوا كالهشيم الذي يجمعه صاحب الحظيرة.
والمعنى: أنهم بادوا وأهلكوا، فصاروا كيبيس الشجر إذا تحطم.
[ ٤ / ٢١١ ]
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ﴿٣٣﴾ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ ﴿٣٤﴾ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ﴿٣٥﴾ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ﴿٣٦﴾ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿٣٧﴾ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ﴿٣٨﴾ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ﴿٣٩﴾ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿٤٠﴾﴾ [القمر: ٣٣-٤٠] .
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤] قال ابن عباس: يريد: ما حصبوا به من السماء من الحجارة.
قال أبو عبيدة، والنضر: الحاصب: الحجارة في الريح.
وقد يكون الحاصب: الرامي، ويكون المعنى على هذا: إنا أرسلنا عليهم عذابًا يحصبهم يرميهم بحجارة، ﴿إِلا آلَ لُوطٍ﴾ [القمر: ٣٤] يعني: لوطًا وبنتيه، نجيناهم بسحر من ذلك العذاب الذي أصاب قومه.
﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [القمر: ٣٥] للإنعام عليهم، كذلك كما أنعمنا عليهم، ﴿نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥] قال مقاتل: من وحد الله، لم يعذب مع المشركين.
ولقد أنذرهم لوط، بطشتنا أخذنا إياهم بالعذاب، فتماروا بالنذر أي: شكوا بالإنذار، ولم يصدقوه.
﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر: ٣٧] طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه، فطمسنا أعينهم وهو أن جبريل ﵇ صفق أعينهم بجناحه صفقة فأذهبها، والقصة مذكورة في ﴿[هود وتم الكلام، ثم قال: فذوقوا أي: فقلنا لقوم لوط لما أرسلنا عليهم العذاب: ذوقوا، عذابي ونذر وما أنذركم به لوط من العذاب، سمي العذاب باسم الإنذار.
] وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً﴾ [سورة القمر: ٣٨] أتاهم صباحًا، عذاب مستقر نازل بهم، قال مقاتل: استقر بهم العذاب بكرة.
﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴿٤١﴾ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴿٤٢﴾ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ﴿٤٣﴾ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴿٤٤﴾ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴿٤٥﴾ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴿٤٦﴾﴾ [القمر: ٤١-٤٦] .
﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [القمر: ٤١] يعني: القبط، النذر يجوز أن يكون بمعنى: الإنذار، ويجوز أن يكون: جمع نذير، وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى، وذلك قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا
[ ٤ / ٢١٢ ]
فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ [القمر: ٤٢] بالعذاب، أخذ عزيز غالب في انتقامه، مقتدر قادر على إهلاكهم.
ثم خوف كفار مكة، فقال: أكفاركم يا معشر العرب، خير أشد وأقوى، من أولئكم وهذا استفهام معناه: الإنكار، أي: ليسوا أقوى من قوم نوح، وعاد، وثمود وقد أهلكناهم، ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣] يقول: ألكم براءة من العذاب في الكتب، أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية.
﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] قال الكلبي: نحن جميع أمرنا ننتصر من أعدائنا.
والمعنى: نحن يد واحدة على من خالفنا، ننتصر ممن عادانا، فيدلون بقوة واجتماع عليك، ووحد المنتصر للفظ الجميع وهو واحد في اللفظ، وإن كان اسمًا للجماعة، كالرهط والجيش.
قال الله تعالى: سيهزم الجمع يعني: جميع كفار مكة، ويولون الدبر ينهزمون، فيولونكم أدبارهم في الهزيمة، أخبر الله تعالى نبيه ﷺ، أنه يظهره عليهم ويهزمهم، فكانت هذه الهزيمة يوم بدر.
ثم قال: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] يعني: أن موعد الجميع للعذاب يوم القيامة، والساعة أدهى أعظم في الضر، وأفظع من الدهاء، وهو النكر والفظاعة، وأمر أشد مرارة من القتل، والأسر في الدنيا.
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ﴿٤٧﴾ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴿٤٨﴾ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴿٤٩﴾ وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴿٥٠﴾ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴿٥١﴾ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ﴿٥٢﴾ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ﴿٥٣﴾ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ﴿٥٤﴾ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴿٥٥﴾﴾ [القمر: ٤٧-٥٥] .
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] .
١١٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْكَعْبِيُّ، نا حَمْدَانُ بْنُ صَالِحٍ الأَشَجُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا عَبْدَانُ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْقَدَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ
[ ٤ / ٢١٣ ]
فِي النَّارِ﴾ [القمر: ٤٨] إِلَى قَوْلِهِ ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ
١١٤٧ - أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَارِثِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّارُ، قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ جَنْدَلٍ، يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خُرَاسَانَ، يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الصَّقْرِ الْحَافِظَ، يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ عُفَيْرَ بْنَ مَعْدَانَ، يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ عَامِرٍ، يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ، يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ» ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ﴿٤٧﴾ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴿٤٨﴾﴾ [القمر: ٤٧-٤٨] .
١١٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، نا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ وَهُوَ عَبْدُونُ الْقُرْقُسَانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَدَرِيَّةُ وَهُمُ الْمُجْرِمُونَ الَّذِينَ سَمَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ﴿٤٧﴾ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٧-٤٨]
[ ٤ / ٢١٤ ]
١١٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الزِّيَادِيُّ، نا أَبُو الْعَاصِ أُمَيَّةُ بْنُ عُتْبَةَ، حَدَّثَنِي بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو السَّكْسَكِيُّ، حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْخَلائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي نِدَاءً يَسْمَعُهُ الْأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ أَيْنَ خُصَمَاءُ اللَّهِ، فَيَقُومُ الْقَدَرِيَّةُ فَيَؤُمُّهُمْ إِلَى النَّارِ»
يقول الله تعالى ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴿٤٨﴾ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴿٤٩﴾﴾ [القمر: ٤٨-٤٩] .
وإنما سموا خصماء الله، لأنهم يقولون: يكتب الله علينا المعاصي ثم يعذبنا.
هذا ما لا يكون أبدًا، يخاصمون في أنه لا يجوز أن يقدر المعصية على العبد ثم يعذبه عليها، فقوله تعالى: إن المجرمين يريد: القدرية المشركين، وإخوانهم من قدرية هذه الأمة، ﴿فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] ذهاب عن طريق الجنة في الدنيا، وسعر ونار متسعرة في الآخرة.
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ [القمر: ٤٨] يجرون في النار، على وجوههم ويقال لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] أصابتهم إياهم بعذابها، وحرها.
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] أي: كل ما خلقناه فمقدور، مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه.
١١٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يُوسُفَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، نا قُتَيْبَةُ، نا مَالِكٌ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ:
[ ٤ / ٢١٥ ]
سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ» رَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ
وقال ابن عباس: كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على خدك.
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر.
وقال الكلبي، عنه: وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كلمح البصر.
ومعنى اللمح: النظر بالعجلة.
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ [القمر: ٥١] أشباهكم، ونظراءكم في الكفر من الأمم الماضية، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٥١] متعظ، يعلم أن ذلك حق فيخاف، ويعتبر.
ثم أخبر أن جميع ما فعلته الأمم قبلهم كان مكتوبًا عليهم، فقال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] قال مقاتل: مكتوب عليهم في اللوح المحفوظ.
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ [القمر: ٥٣] من الخلق، والأعمال، مستطر مكتوب على فاعليه، قبل أن يفعلوه.
قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] أراد: أنهارًا، يعني: أنهار الجنة من الماء، والخمر، واللبن، والعسل، فوحد لوفاق الفواصل.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] في مجلس حسن، ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] عند ملك قادر، لا يعجزه شيء، والمعنى: في المكان الذي كرمه لأوليائه.
[ ٤ / ٢١٦ ]