أربعون آية، مكية.
١٢٦٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْقِيَامَةِ شَهِدْتُ أَنَا وَجِبْرِيلُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَاءَ وَوَجْهُهُ مُسْفِرٌ عَلَى وُجُوهِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴿١﴾ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴿٢﴾ أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ﴿٣﴾ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴿٤﴾ بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴿٥﴾ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ﴿٦﴾ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ ﴿٧﴾ وَخَسَفَ الْقَمَرُ ﴿٨﴾ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴿٩﴾ يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ﴿١٠﴾ كَلَّا لا وَزَرَ ﴿١١﴾ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ﴿١٢﴾ يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴿١٣﴾ بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴿١٤﴾ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴿١٥﴾﴾ [القيامة: ١-١٥] .
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] معناه: أقسم، ولا صلة، وقال الفراء: لا رد على الذين أنكروا البعث، والجنة والنار.
ويدل على أن المعنى إثبات القسم: قراءة من قرأ لأقسم، يجعلها لا ما دخلت على أقسم، قال ابن عباس: يريد: أقسم بيوم القيامة.
وهو قول الجميع.
﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] قال الحسن: أقسم بالأولى، ولم يقسم بالثانية.
وقال الآخرون: معناه: أقسم كالأول.
قال الفراء: ليس من نفس برة، ولا فاجرة، إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرًا قالت: هلا ازددت.
وإن كانت عملت سوءا، قالت:
[ ٤ / ٣٩٠ ]
ليتني لم أفعل.
وهذا قول عطاء، عن ابن عباس.
وقال الحسن: هي النفس المؤمنة، لا ترى المؤمن إلا يلوم نفسه على كل حال.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ﴾ [القيامة: ٣] يعني: الكافر بالبعث، ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣] قال ابن عباس: يريد: أبا جهل، يقول: أيحسب أن لن يبعث.
بلى نجمعها، ﴿قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] على ما كانت، وإن قل عظامها وصغرت، نردها كما كانت، ونؤلف بينها حتى يستوي البنان، ومن قدر على جمع صغار العظام، كان على جمع أكابرها أقدر، وهذا قول، الزجاج، وابن قتيبة.
والمفسرون يقولون: نجعلها كخف البعير، أو كحافر الدابة.
والمعنى: نجعل بنانه مع كفه صفحة مستوية، لا شقوق فيها، فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة، والخياطة.
﴿بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ﴾ [القيامة: ٥] يعني: الكافر، ليفجر أمامه يقدم الذنب، ويؤخر التوبة، والمعنى: يريد أن يعصي، ويكفر أبدًا ما عاش، قال ابن الأنباري: يريد أن يفجر ما امتد عمره، وليس في نيته أن يرجع عن ذنب يرتكبه.
﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ٦] أي: متى يكون ذلك؟ تكذيبًا به.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] فزع، وتحير لما يرى من العجائب التي كان يكذب بها، قال الكلبي: وذلك عند رؤية جهنم، يبرق أبصار الكفار.
والفتح في برق لغة.
﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ذهب ضوءه.
﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] كالبعيرين القرينين، وقال مجاهد: كُورا يوم القيامة.
وهو اختيار الفراء، والزجاج، قالا: جمعا في ذهاب نورهما.
يقول الإنسان المكذب بيوم القيامة: أين المفر أين الفرار؟ ويجوز أن يكون الفرار موضع الفرار.
قال الله تعالى: ﴿كَلَّا لا وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] لا جبل، ولا حصن، ولا ملجأ من الله.
﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢]
[ ٤ / ٣٩١ ]
المنتهى والمرجع.
﴿يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] بأول عمله وآخره، وقال قتادة: ما عمل من طاعة الله، وما آخر من طاعة الله، فلم يعمل به.
وقال زيد بن أسلم: بما قدم من أمواله، وما خلف للورثة.
﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] يعني: أن جوارحه تشهد عليه بما عمل، فهو شاهد على نفسه بشهادة جوارحه، قال الفراء: يقول: على الإنسان من نفسه بصيرة، يعني: رقباء يشهدون عليه بعمله: اليدان، والرجلان، والعينان، والذكر.
ودخول الهاء في البصيرة، لأن المراد بالإنسان ههنا الجوارح.
﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] ولو اعتذر، وجادل عن نفسه، لم ينفعه ذلك، يقال: معذرة ومعاذر ومعاذير.
قال الفراء: أي: وإن اعتذر، فعليه من يكذب عذره.
وقال الضحاك، والسدي: يعني: ولو أرخى الستور.
وقال الزجاج: المعاذير: الستور، واحدها معذار.
وقال المبرد: هي لغة يمانية.
والمعنى على هذا القول: وإن أسبل الستر ليخفي ما يعمل، فإن نفسه شاهدة عليه.
قوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴿١٦﴾ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ﴿١٧﴾ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ ﴿١٨﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴿١٩﴾ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ﴿٢٠﴾ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ ﴿٢١﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿٢٣﴾ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ﴿٢٤﴾ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴿٢٥﴾﴾ [القيامة: ١٦-٢٥] .
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان يشتد عليه حفظه، فكان إذا نزل عليه الوحي، يحرك لسانه وشفتيه، قبل فراغ جبريل ﵇ من قراءة الوحي، مخافة أن لا يحفظ.
فقال الله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] أي: بالوحي، أو بالقرآن، لسانك يعني: بالقراءة، لتعجل به أي: تأخذه، كما قال: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] .
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أي: نجمعه في صدرك، ﴿وَقُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وقراءته عليك، أي: أن جبريل يقرؤه
[ ٤ / ٣٩٢ ]
عليك حتى تحفظه.
﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨] قال ابن عباس: فإذا قرأه جبريل.
﴿فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أي: قراءته، والمعنى: اقرأه إذا فرع جبريل من قراءته، فكان النبي ﷺ بعد هذا إذا نزل عليه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأ كما وعده الله تعالى.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] أي: علينا أن نحفظه عليك، حتى تبين للناس بتلاوتك إياه، وقراءتك عليهم، وقال الزجاج: علينا أن ننزله قرآنا عربيًا، فيه بيان للناس.
١٢٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أبو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا عُبَيْدَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يُعَالِجُ مِنْ ذَلِكَ شِدَّةً كَانَ يَتَلَقَّاهُ وَيُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ كَيْلا يَنْسَى، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] يَقُولُ: لِتَعْجَلَ بِأَخْذِهِ
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧] إن علينا أن نجمعه في صدرك، فتقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨] يقول: إذا أنزلناه فاستمع له.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] أي: نبينه بلسانك.
فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله.
رواه البخاري، ومسلم، عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن موسى بن أبي عائشة.
قوله: كلا قال عطاء: لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وببيانه.
بل يحبون العاجلة يعني: كفار مكة يحبون الدنيا، ويعملون لها.
ويذرون العمل للآخرة، فيؤثرون الدنيا عليها، وقرئ بالتاء على تقدير: قل لهم يا محمد: بل تحبون وتذرون.
قوله ﷿: وجوه يومئذ يعني: يوم القيامة، ناضرة ناعمة، غضة، حسنة، يقال: شجر ناضر، وروض ناضر.
يقال: وجهه ينضر، ونضر ينضر، ونضره الله، وأنضره ونضره.
والمفسرون يقولون: مضيئة، مشرقة، مسفرة.
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قال ابن عباس، في رواية عطاء: يريد إلى الله ناظرة.
وقال في رواية الكلبي: تنظر إلى الله
[ ٤ / ٣٩٣ ]
يومئذ، لا تحجب عنه.
وقال مقاتل: تنظر إلى ربها معاينة.
وقال الحسن: حق لها أن تنظر، وهي تنظر إلى الخالق.
وقال الزجاج: نضرت بنعيم الجنة، والنظر إلى ربها ﷿.
١٢٦٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ".
١٢٦٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحَافِظُ، نا عَبْدَانُ، نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نا مُعَاوِيَةُ، نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبْجَرَ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً، لَمَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَ سَنَةٍ يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ يَنْظُرُ فِي سُرُرِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَخَدَمِهِ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ.
رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: وَثُوَيْرُ وَإِنْ لَمْ يُخَرَّجْ فِي الصَّحِيحِ، فَلَمْ يُنْقَمْ عَلَيْهِ غَيْرُ التَّشَيُّعِ
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] كالحة، عابسة، كئيبة، مصفرة.
﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] تستيقن أن يعمل بها عظيم من
[ ٤ / ٣٩٤ ]
العذاب، والفاقرة: الداهية العظيمة، والأمر الشديد يكسر فقار الظهر، قال ابن زيد: هي دخول النار.
وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية ربها، فلا تنظر إليه.
قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ﴿٢٦﴾ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ﴿٢٧﴾ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ﴿٢٨﴾ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ﴿٢٩﴾ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴿٣٠﴾ فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ﴿٣١﴾ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴿٣٢﴾ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ﴿٣٣﴾﴾ [القيامة: ٢٦-٣٣] .
كلا أي: لا يؤمن الكافر بهذا، إذا بغلت النفس، أو الروح، التراقي جمع ترقوة، وهي: عظم وصل بين ثغرة النحر والعاتق، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عند الإشراف على الموت.
﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] طبيب يرقي، ويشفي برقيته، قال قتادة: التمسوا له الأطباء، فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئًا.
﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة: ٢٨] أيقن الذي بلغت روحه تراقيه، أنه الفراق من الدنيا.
﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] قال عطاء: شدة الموت بشدة الآخرة.
وقال المفسرون: تتابعت عليه الشدائد.
وقال الشعبي: هما ساقاه عند الموت.
وقال الحسن: هما ساقاه إذا لفتا في الكفن.
﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٣٠] هو مرجع العباد إلى الله تعالى، يساقون إليه.
قوله: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١] يعنى: أبا جهل، يقول: لم يصدق بالقرآن، ولا صلى لله.
ولكن كذب بالقرآن، وتولى عن الإيمان: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [القيامة: ٣٣] رجع إليهم، يتمطى يتبختر، ويختال في مشيه.
[ ٤ / ٣٩٥ ]
﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴿٣٤﴾ ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴿٣٥﴾ أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴿٣٦﴾ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ﴿٣٧﴾ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ﴿٣٨﴾ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ﴿٣٩﴾ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴿٤٠﴾﴾ [القيامة: ٣٤-٤٠] .
﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤] هذا تهديد من الله لأبي جهل، والمعنى: وليك المكروه يا أبا جهل وقرب منك.
قال المفسرون: أخذ رسول الله ﷺ بيد أبي جهل، ثم قال له: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴿٣٤﴾ ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴿٣٥﴾﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥] توعده، فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني، لا تستطيع أنت، ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا، وإني لأعز أهل هذا الوادي.
فأنزل الله تعالى كما قال له رسوله ﷺ.
١٢٦٤ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذٍ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، نا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤] أَشَيْءٌ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَشَيْءٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ؟ قَالَ: قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى ".
أيحسب الإنسان يعني: أبا جهل، ﴿أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] هملا، ولا يؤمر، ولا ينهى، ولا يحاسب بعمله في الآخرة، والسدى معناه: المهمل.
ألم يك هذا الإنسان في ابتداء خلقه، نطفة، ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] يصب في الرحم، ومن قرأ بالتاء فلتأنيث النطفة.
﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ﴾ [القيامة: ٣٨] فيه الروح، فسوى خلقه.
﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٩] خلق من مائه أولادا: ذكورًا، وإناثًا.
أليس ذلك الذي فعل هذا، ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] وهذا تقرير لهم، أي: من قدر على الابتداء، قدر على البعث بعد الموت.
١٢٦٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو بَكْرٍ
[ ٤ / ٣٩٦ ]
الْقَطِيعِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا شُعَيْبُ بْنُ بَيَانٍ الصَّفَّارُ، نا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ الطَّوِيلُ جَلِيسٌ لِأَبِي إِسْحَاقَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سُبْحَانَكَ وَبَلَى» .
١٢٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَرْوَزِيُّ، نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إذا قَرَأَ أَحَدُكُمْ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ وَبَلَى.
[ ٤ / ٣٩٧ ]