عشرون وآيتان، مدنية.
١١٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْمُجَادَلَةِ كُتِبَ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿١﴾ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٣﴾ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٤﴾﴾ [المجادلة: ١-٤] .
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] الآيات، قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت،
[ ٤ / ٢٥٨ ]
وكان به لمم، فاشتد به لممه ذات يوم، فظاهر منها، ثم ندم على ذلك، وكان الظهار طلاقًا في الجاهلية، فقال لها: ما أراك إلا وقد حرمت عليّ.
فقالت: والله ما ذكرت طلاقًا، ثم أتت رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله أوس بن الصامت أبو ولدي وابن عمي، وأحب الناس إليّ، ظاهر مني، والله ما ذكر طلاقًا.
فقال رسول الله ﷺ: «ما أراك إلا قد حرمت عليه» .
فهتفت، وشكت، وبكت، وجعلت تراجع رسول الله ﷺ، فبينا هي في ذلك، إذ تربد وجه رسول الله ﷺ للوحي، ونزل عليه قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] الآيات، قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وهي تحاور رسول الله ﷺ، فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات.
قوله: ﴿قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] أي: في قول زوجها، وهو أن النبي ﷺ كلما قال لها: «حرمت عليه»، قالت: والله ما ذكر طلاقًا.
فكان هذا جدالها، ﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] وهو قولها: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، وإن لي صبية صغارًا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلىّ جاعوا.
وجعلت ترفع رأسها إلى السماء، وتقول: اللهم إني أشكو إليك.
﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] تخاطبكما، ومراجعتكما الكلام، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [المجادلة: ١] لمن يناجيه، ويتضرع إليه، بصير لمن يشكو إليه.
ثم ذم الظهار والمظاهر، فقال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] أي: يقولون لهن: أنتن كظهور أمهاتنا.
وذكرنا القرآن واللغات في ابتداء ﴿[الأحزاب، ماهن أمهاتهم ما اللواتي تجعلونهن من الزوجات كالأمهات بأمهات، وقراءة العامة بكسر التاء، وهي في موضع نصب على خبر ما، المعنى: ليس هن بأمهاتهم، وقرأ عاصم في بعض الروايات برفع التاء.
قال الفراء: وهي لغة أهل نجد، وأنشد على لغتهم:
[ ٤ / ٢٥٩ ]
ويزعم حسل أنه فرع قومه وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل
] إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [سورة المجادلة: ٢] ما أمهاتهم إلا الوالدات، وإنهم يعني: المظاهرين، ﴿لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ﴾ [المجادلة: ٢] لا يعرف في شرع، وزورًا كذبًا، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢] عفا عنهم، وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم.
﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] يمتنعون منهن، أي: من جماعهن بهذا اللفظ، ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] كثر الاختلاف في معنى العود ههنا من المفسرين والفقهاء، والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن معنى العود لما قالوا: السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانًا، يمكنه أن يطلق فيه.
وذلك أنه إذا ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك بالطلاق فقد جرى على ما ابتدأه ولا كفارة، وإذا سكت عن الطلاق، فذلك للندم منه على ما أبتدأ به، فهو عود منه إلى ما كان عليه، فحينئذ تجب الكفارة، ويدل على هذا أن ابن عباس فسر العود في هذه الآية: بالندم، فقال: يندمون فيرجعون إلى الألفة.
قال الفراء: يعودون لما قالوا إلى ما قالوا، وفيما قالوا، معناه: يرجعون عما قالوا، يقال: عاد لما فعل، أي: نقض ما فعل.
وهذا الذي ذكره الفراء يبين لك صحة ما ذهب إليه الشافعي ﵁، وقال أهل العراق: معنى العود: العزم على الوطء، فإذا عزم على وطئها كان عودًا، ويلزمها الكفارة.
وقال مقاتل، والحسن، وطاوس، والزهري: العود لما قالوا هو: الوطء.
وهو مذهب مالك، قال: إن وطئها كان عودًا، وإن لم يطأها لم يكن عودا.
قال أصحابنا: العود المذكور ههنا: صالح للجماع كما قال مالك، وللعزم على الجماع كما قال أهل
[ ٤ / ٢٦٠ ]
العراق، ولترك الطلاق كما قال الشافعي، وهو أول ما ينطلق عليه اسم العود، فوجب تعلق الحكم به، لأنه الظاهر، وما زاد عليه يعرف بدليل آخر.
وقال أبو العالية: إذا كرر اللفظ بالظهار كان عودًا، وإن لم يكرر لم يكن عودًا.
وإلى هذا ذهب أهل الظاهر: فجعلوا العود تكرير لفظ الظهار، واحتجوا بأن ظاهر قوله: ثم يعودون يدل على تكرير اللفظ، وقال أبو علي الفارسي: ليس في هذا ظاهر كما ادعوا، لأن العود قد يكون إلى شيء لم يكن عليه قبل، وسميت الآخرة المعاد، ولم يكن فيها أحد ثم صار إليها.
وقال الأخفش: تقدير الآية: والذين يظاهرون من نسائهم، فتحرير رقبة لما قالوا، ثم يعودون إلى نسائهم، أي: فعليهم تحرير رقبة لما نطقوا به من ذلك التحريم، والتقديم والتأخير كثير في التنزيل.
وقال ابن قتيبة: أجمع الناس على أن الظهار يقع بلفظ واحد، وتأويل قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] هو: أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بالظهار، فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] يريد: في الجاهلية، ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] في الإسلام.
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] أي: يجامعا، ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ [المجادلة: ٣] قال الزجاج: ذلكم: التغليظ في الكفارة.
توعظون به أي: أن غلظ الكفارة وعظ لكم، حتى تتركوا الظهار.
ثم ذكر حكم العاجز عن الرقبة، فقال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [المجادلة: ٤] أي: الرقبة، فصيام شهرين فعليه صيام شهرين، ﴿مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ [المجادلة: ٤] الصيام، فكفارته ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ﴾ [المجادلة: ٤] أي: الغرض من ذلك الذي وصفنا، ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [المجادلة: ٤] لتصدقوا بما أتى به الرسول، وتصدقوا أن الله أمر به،
[ ٤ / ٢٦١ ]
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ٤] يعني: ما وصف من الكفارة في الظهار، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٤] قال ابن عباس: لمن جحد هذا، وكذب به.
١١٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ، نا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ، فَكَلَّمَنِي بِشَيْءٍ وَهُوَ فِيهِ كَالضَّجَرِ فَرَادَدْتُهُ فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَأَرَادَنِي عَلَى نَفْسِي، فَامْتَنَعْتُ، فَشَادَّنِي فَشَادَدْتُهُ فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ الضَّعِيفَ، فَقُلْتُ: كَلا وَالَّذِي نَفْسُ خَوْلَةَ بِيَدِهِ لا تَصِلُ إِلَيَّ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ فِيَّ وَفِيكَ بِحُكْمِهِ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَشْكُو مَا لَقِيتُ، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْكَفَّارَةِ ثُمَّ قَالَ: مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا عِنْدَهُ رَقَبَةً يَعْتِقُهَا، قَالَ: مُرِيهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا عِنْدَهُ مَا يُطْعِمُ، فَقَالَ: بَلَى سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ مَكِيلٍ يَسَعُ ثَلاثِينَ صَاعًا، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴿٥﴾ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
[ ٤ / ٢٦٢ ]
شَهِيدٌ ﴿٦﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٧﴾﴾ [المجادلة: ٥-٧] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] يعادونهما، ويخالفون أمرهما، كبتوا أذلوا وأخزوا، يقال: كبت الله فلانًا إذا أذله، والمردود بالذي يقال له: مكبوت، قال المقاتلان: أخزوا كما أخزي من قبلهم من أهل الشرك.
﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [المجادلة: ٥] قال ابن عباس: فرائض قيمة معروفة.
وللكافرين لمن لم يعمل، ولم يصدق بها، عذاب مهين.
ثم بين وقت ذلك العذاب، فقال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٦] حفظ الله أعمالهم، ونسوه.
ثم أخبر أنه يعلم ما يجري وما يكون، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] أي: من سرار ثلاثة، قال ابن عباس: ما من شيء تناجي به صاحبيك إلا هو رابعهم بالعلم.
يعني: أن نجواهم معلومة عنده، كما تكون معلومة عند الرابع الذي هو معهم، وباقي الآية ظاهر التفسير إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٨﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٩﴾ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١٠﴾﴾ [المجادلة: ٨-١٠] .
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ [المجادلة: ٨] الآية، قال المفسرون: إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم، ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم، فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك وكثر، شكوا إلى رسول الله ﷺ، فأمرهم ألا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقوله: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: ٨] يعني: في مخالفة الرسول في النهي عن النجوى،
[ ٤ / ٢٦٣ ]
وهو قوله: ومعصيت الرسول وذلك: أنه نهاهم عن النجوى، فعصوه، ويجوز أن يكون الإثم والعدوان ذلك السر الذي يجري بينهم، لأنه شيء يسوء المسلمين، ويوصي بعضهم بعضًا بمعصية الرسول، وترك أمره، ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨] وذلك أن اليهود كانوا يأتون النبي ﷺ، فيقولون: السام عليك.
والسام: الموت، وهم يوهمونه أنهم يقولون: السلام عليك، ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] وذلك: أنهم قالوا: لو كان محمد نبيًا، لعذبنا الله بما نقول.
قال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨] .
١١٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، نا قُتَيْبَةُ، نا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقُلْتُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ وَفَعَلَ اللَّهُ بِكُمْ وَفَعَلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَهْ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْتَ تَرَى مَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: أَلَسْتِ تَرَيْنَ أَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَا يَقُولُونَ؟ أَقُولُ: وَعَلَيْكُمْ، قَالَتْ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] قَالَتْ: بِمَا يَقُولُونَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [المجادلة: ٨] الآية
ثم نهى المنافقين عن التناجي، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ [المجادلة: ٩] قال مقاتل: يعني: المنافقين.
وقال عطاء: يريد: آمنوا بزعمهم.
﴿فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ [المجادلة: ٩] تقدم تفسيره، ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المجادلة: ٩] بالطاعة، وترك المعصية، ثم خوفهم، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المجادلة: ٩] فيجزيكم بأعمالكم، وذكر أن هذه الآية خطاب للمؤمنين، وأنهم نهوا أن يفعلوا كفعل المنافقين واليهود، وهو اختيار الزجاج.
ثم ذكر أن ما يفعله اليهود والمنافقون من جهة الشيطان، وأن ذلك لا يضر المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠] أي: من تزيين الشيطان، ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] أي: إنما يزين لهم ذلك، ليحزن المؤمنين، وذلك: أن المؤمنين إذا رأوهم
[ ٤ / ٢٦٤ ]
متناجين، قالوا: لعلهم يتناجون بما بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل، أو موت، أو هزيمة، قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾ [المجادلة: ١٠] وليس الشيطان بضارهم شيئًا، ﴿إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠] إلا ما أراد الله ذلك، قال مقاتل: يقول: إلا بإذن الله في الضرر.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠] أي: يكلون أمورهم على الله.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ [المجادلة: ١١] الآية، قال مقاتل بن حيان: كان رسول الله ﷺ يكرم أهل بدر، فجاء ناس منهم يومًا وقد سبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال النبي ﷺ ينتظرون أن يوسع لهم، فلم يوسع، فشق ذلك على النبي ﷺ، فقال لمن حوله: قم يا فلان، قم يا فلان.
وشق ذلك على من أقيم من مجلسه، فأنزل الله تعالى الآية.
ومعنى: تفسحوا توسعوا، وذلك: أنهم كانوا قد جلسوا متضايقين حول النبي ﷺ منضمين إليه، فلم يجد غيرهم مجلسًا عند النبي ﷺ، فأمروا أن يتنحوا عنه في الجلوس ويتوسعوا، ليجد غيرهم مكانًا يجلس فيه، ليتساوى الناس في الأخذ بالحظ منه، وتظهر فضيلة أهل بدر بالجلوس قرب النبي ﷺ، وقرئ: في المجالس لأن لكل جالس مجلسًا، ومعناه: ليتفسح كل رجل منكم في مجلسه، والوجه التوحيد، لأنه يعنى به مجلس النبي ﷺ، وقوله: فافسحوا أي: فأوسعوا، يقال: فسح يفسح فسحًا، إذا وسع في المجلس، ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١١] يوسع الله لكم في الجنة، والمجالس فيها، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١] قال عكرمة، والضحاك: كان رجال يتثاقلون عن الصلاة، فقيل لهم: إذا نودي للصلاة، فانهضوا.
وقال مجاهد: إلى كل خير من قتال عدو، وأمر بمعروف، أو حق ما كان.
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] قال ابن عباس: يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين، على الذين لم يؤتوا العلم درجات.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٢﴾ ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٣﴾﴾ [المجادلة: ١٢-١٣] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] قال ابن عباس في رواية الوالبي: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، وأراد الله أن يخفف عن نبيه ﷺ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلما نزلت ضن كثير من الناس، فكفوا عن المسألة.
قال المفسرون: إنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا، فلم يناجه أحد إلا علي بن أبي طالب، ﵁، تصدق بدينار.
١١٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، نا أَبُو يَحْيَى، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو قَبِيصَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي، وَلَنْ يَعْمَلَ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي، آيَةُ النَّجْوَى: كَانَ لِي دِينَارٌ فَبِعْتُهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَكُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أُنَاجِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدَّمْتُ دِرْهَمًا فَنُسِخَتْ بِالآيَةِ الأُخْرَى ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: ١٣] الآية.
وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [المجادلة: ١٢] يعني: تقديم الصدقة على المناجاة خير لكم، لما فيه من طاعة الله، ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة: ١٢] يعني: الفقراء الذين لا مال لهم، فمن لم يجد ما يتصدق به كان معفوا عنه.
﴿ءَأَشْفَقْتُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] قال ابن عباس: أبخلتم.
والمعنى: أخفتم العيلة إن قدمتم، ﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: ١٣] فإذا لم تفعلوا ما أمرتم به، وتاب الله عليكم بعفوه، إياكم عن هذه الصدقة، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [المجادلة: ١٣] المفروضة، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة: ١٣] الواجبة.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٤﴾ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٥﴾ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ
[ ٤ / ٢٦٦ ]
مُهِينٌ ﴿١٦﴾ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١٧﴾ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴿١٨﴾ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿١٩﴾﴾ [المجادلة: ١٤-١٩] .
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا﴾ [المجادلة: ١٤] الآية نزلت في المنافقين، تولوا اليهود، ونقلوا إليهم أسرار المسلمين، وأراد بقوله: ﴿قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة: ١٤] اليهود، ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٤] يعني: المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاية، ولا من اليهود، ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾ [المجادلة: ١٤] وذلك: أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن نبتل المنافق: على ماذا تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلفوا أنهم لم يفعلوا، ولم يوالوا اليهود، فذلك قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤] أنهم كذبة.
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] يتوقون بها من القتل، ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٦] صدوا المؤمنين عن جهادهم، وأخذ مالهم.
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] قال مقاتل، وقتادة: يحلفون لله في الآخرة أنهم كانوا مؤمنين، كما حلفوا لأوليائه في الدنيا.
﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨] من أيمانهم الكاذبة، ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] في قولهم وأيمانهم.
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩] غلب واستولى، قال المبرد: استحوذ على الشيء: حواه وأحاط به، ومعناه: استدار عليهم الشيطان وأحاط بهم.
وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ ﴿٢٠﴾ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٢١﴾ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٢٢﴾﴾ [المجادلة: ٢٠-٢٢] .
[ ٤ / ٢٦٧ ]
﴿أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠] قال عطاء: يريد الذل في الدنيا، والخزي في الآخرة، أي: هم في جملة من يلحقهم الذل في الدنيا والآخرة.
كتب الله قضى الله قضاء ثابتًا، ﴿لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] قال الزجاج: معنى غلبة الرسل على نوعين: من بعث منهم بالحرب، فهو غالب في الحرب، ومن بعث منهم بغير حرب، فهو غالب الحجة.
قوله: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية، أخبر الله: أن إيمان المؤمنين يفسد بمودة الكفار، وإن من كان مؤمنًا لا يوالي من كفر، وإن كان أباه، أو ابنه، أو أخاه، أو واحدًا من عشيرته، نزلت في الذين عادوا عشائرهم الكفار وقاتلوهم، غضبًا لله ولدينه، قال الله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] أثبت التصديق في قلوبهم، ومعناه: جمع الله في قلوبهم الإيمان حتى استكملوه، ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] قال ابن عباس: قواهم بنصر منه في الدنيا على عدوهم.
وهو قول الحسن، سمى نره إياهم روحًا، لأن به يحيا أمرهم، وما بعد هذا إلى آخر السورة ظاهر.
[ ٤ / ٢٦٨ ]