خمسون وست آيات، مكية.
١٢٥٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي سَبَقَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَذَّبَ بِهِ بِمَكَّةَ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿٣﴾ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿٤﴾ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿٥﴾ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿٦﴾ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴿٧﴾ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴿٨﴾ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴿٩﴾ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴿١٠﴾﴾ [المدثر: ١-١٠] .
﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]
١٢٥٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ، يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فَقُلْتُ: أَوِ «اقْرَأْ»؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلَ؟ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فَقُلْتُ: أَوِ «اقْرَأْ»؟ فَقَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: جَاوَرْتُ بِحِرَاءَ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ، فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ يَعْنِي جِبْرِيلَ ﵇، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾﴾ [المدثر: ١-٢]
قال المفسرون: لما بدئ رسول الله ﷺ بالوحي، أتاه جبريل، فرآه رسول الله صَلَّى اللهُ
[ ٤ / ٣٧٩ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سرير بين السماء والأرض، كالنور المتلألئ، ففزع ووقع مغشيًا عليه، فلما أفاق دخل على خديجة، ودعا بماء فصبه عليه، وقال: دثروني.
فدثروه بقطيفة، فأتاه جبريل ﵇، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾﴾ [المدثر: ١-٢] كفار مكة العذاب، إن لم يوحدوا ربك.
وربك فكبر فعظمه مما يقول له عبدة الأوثان.
وثيابك فطهر قال قتادة، ومجاهد: نفسك فطهر من الذنب، والثياب عبارة عن النفس.
وقال عكرمة: يقول: البسها على غير غدرة، وغير فجرة.
وقال: أما سمعت قول الشاعر:
وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع
وهذا معنى قول من قال في هذه الآية: وعملك فأصلحه.
قال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب.
وإذا كان فاجرًا: إنه لخبيث الثياب.
وقال ابن سيرين، وابن زيد: أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التي لا تجوز صلاة معها.
وقال الزجاج: وثيابك فقصر، لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة، فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه.
وهذا قول طاوس.
والرجز فاهجر قال جماعة المفسرين: يريد: عبادة الأوثان فاهجر.
والرجز معناه في
[ ٤ / ٣٨٠ ]
اللغة: العذاب، وفيه لغتان: كسر الراء وضمها، وسمي الشرك وعبادة الأوثان رجزًا، لأنه سبب العذاب المؤدي إليه.
﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] لا تعط شيئًا من مالك لتأخذ أكثر منه، ومعنى: ولا تمنن ولا تعط، قال المفسرون: لا تعط مالك مصانعة، لتعطى أكثر منه في الدنيا.
أعط لربك وأرد به الله، وهذا للنبي ﷺ خاصة أدبه الله تعالى بأشرف الآداب.
ولربك فاصبر على طاعته، وفرائضه، والمعنى: لأجل ربك، أي: لأجل ثوابه، وقال مقاتل: يعني: على الأذى والتكذيب.
قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] أي: نفخ في الصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، يعني: النفخة الثانية.
﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] يعني: يوم النفخ في الصور، يوم عسير: يعسر فيه الأمر.
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] غير هين.
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا ﴿١٢﴾ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿١٣﴾ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴿١٤﴾ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿١٥﴾ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا ﴿١٦﴾ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴿١٧﴾ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿١٨﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿١٩﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿٢٠﴾ ثُمَّ نَظَرَ ﴿٢١﴾ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴿٢٢﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ﴿٢٣﴾ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤﴾ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴿٢٥﴾ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴿٢٦﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴿٢٧﴾ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ﴿٢٨﴾ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴿٢٩﴾ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴿٣٠﴾﴾ [المدثر: ١١-٣٠] .
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] أي: ومن خلقته في بطن أمه وحيدًا، لا مال له ولا ولد، يعني: الوليد
[ ٤ / ٣٨١ ]
بن المغيرة، قال مقاتل: يقول: خل بيني وبينه، وأنا أنفرد بهلاكه.
ثم ذكر أنه رزقه المال والولد، فقال: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] قال عطاء، عن ابن عباس: ما بين مكة إلى الطائف الإبل الموبلة، والخيل المسومة، والنعم المرحلة، وأحبة بالطائف، ومال وعين كثير، وعبيد وجواري.
والأولى في تفسير الممدود: أن يكون ما يمد له بالزيادة والنماء كالزرع، والضرع، والتجارة، ويكون له مدد يأتي شيئًا بعد شيء، قال الزجاج: مال غير منقطع عنه.
وبنين شهودًا أي: حضورًا معه بمكة، كانوا لا يسافرون ولا يحتاجون أن يتفرقوا ويغيبوا عنه، وكانوا عشرة.
﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] بسطت له في العيش، وطول العمر.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] ثم يرجو أن أزيد في ماله، وولده.
كلا لا أفعل، ولا أزيده، ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] معاندًا لما جاء به محمد ﷺ.
سأرهقه صعودًا سأكلفه مشقة من العذاب.
١٢٥٦ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ السَّرَّاجِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، نا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، أنا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الذهني، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] قَالَ: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ذَابَتْ، فَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، وَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْهِ ذَابَتْ، فَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ
وقال الكلبي: هو جبل من صخرة ملساء في النار، يكلف أن يصعدها، حتى إذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ثم تكلف أيضًا أن يصعدها، فذلك دأبه أبدًا، يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد، فيصعدها في أربعين سنة.
إنه فكر تفكر، ودبر ماذا يقول في القرآن، وقدر القول في
[ ٤ / ٣٨٢ ]
نفسه.
فقتل لعن وعذب، كيف قدر قال صاحب النظم: معناه: لعن على أي حال قدر ما قدر من الكلام، كما يقال في الكلام: لأضربنه كيف صنع، أي: على أي حال كانت منه.
﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠] هذا تكرير للتأكيد.
ثم نظر في طلب ما يدفع به القرآن، ويرده به.
﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] كلح وكره وجهه، ونظر بكراهة شديدة، كالمهتم المتفكر في شيء.
ثم أدبر عن الإيمان، واستكبر تكبر حين دعي إليه.
﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا﴾ [المدثر: ٢٤] ما هذا القرآن، ﴿إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] يروى عن السحرة.
أخبرنا أبو عمرو بن عبد العزيز، أنا محمد بن الحسين الحدادي، أنا محمد بن بريد الخالدي، أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا محمد بن سواء، نا روح بن القاسم، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، أن الوليد بن المغيرة قال لقريش: إن لي إليكم حاجة فاجتمعوا.
قال: فاجتمعوا في دار الندوة، فقال لهم: إنكم ذوو أحساب وذوو أحلام، وإن العرب يأتونكم من كل قوم، فينطلقون من عندكم على أمر مختلف، فأجمعوا أمركم على شيء واحد، ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: نقول: إنه شاعر.
فعبس عندها، فقال: قد سمعنا الشعر، فما يشبه قوله للشعر.
فقالوا: نقول: إنه كاهن.
فقال: إذًا يأتونه فلا يجدونه يحدث به الكهنة.
قالوا: نقول: إنه مجنون.
فقال: إذًا يأتونه فلا يجدونه مجنونًا.
فقالوا: نقول: إنه ساحر.
قال: وما الساحر.
قالوا: بشر يحببون بين المتباغضين، ويبغضون بين المتحابين.
قال: فهو ساحر.
فخرجوا، فجعل لا يلقى أحد منهم النبي ﷺ إلا قالوا: يا ساحر، يا ساحر.
فاشتد ذلك عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤﴾ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴿٢٥﴾﴾ [المدثر: ٢٤-٢٥] .
يعني: أنه كلام الإنس، وليس
[ ٤ / ٣٨٣ ]
من عند الله.
قال الله تعالى: سأصليه سقر سأدخله النار، وسقر: اسم من أسماء جهنم.
ثم ذكر عظيم شأنها، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] .
ثم أخبر عنها، فقال: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] لا تبقي لهم لحمًا إلا أكلته، ولا تذرهم إذا أعيدوا خلقًا جديدًا.
لواحة للبشر مغيرة للجلد حتى تجعله أسود، يقال: لاحه السقم والحزن.
إذا غيره.
قال أبو رزين: تلفح الجلد حتى تدعه أشد سوادًا من الليل.
﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] قال المفسرون: يقول: على النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها، مالك ومعه ثمانية عشر، أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي، يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، يسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر، نزعت منهم الرحمة، يرفع أحدهم سبعين ألفًا فيرميهم حيث أراد من جهنم، ولما نزلت هذه الآية قال اللعين أبو جهل: أما لمحمد من الأعوان إلا تسعة عشر، يخوفكم محمد بتسعة عشر وأنتم الدهم، أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم يخرجون من النار.
فقال أبو الأشدين، وهو رجل من بني جمح: يا معشر قريش، إذا كان يوم القيامة وأنا أمشي بين أيديكم على الصراط، فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر في النار، ونمضي ندخل الجنة.
فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ
[ ٤ / ٣٨٤ ]
يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴿٣١﴾ كَلَّا وَالْقَمَرِ ﴿٣٢﴾ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴿٣٣﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴿٣٤﴾ إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ ﴿٣٥﴾ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴿٣٦﴾ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴿٣٧﴾﴾ [المدثر: ٣١-٣٧] .
﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١] يعني: خزانها، أي: فمن يطيق الملائكة، ومن يغلبهم؟ ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾ [المدثر: ٣١] أي: عددهم في القلة، ﴿إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١] ضلالة لهم، حتى قالوا ما قالوا، ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المدثر: ٣١] لأن عدد الخزنة في كتابهم تسعة عشر، فيعلمون أن ما أتى به محمد ﷺ موافق لما في كتابهم، فيستيقنوا صدقه، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] يعني: من آمن من أهل الكتاب يزدادون تصديقًا لمحمد ﷺ، إذا وجدوا ما يخبرهم به من عدد الخزنة موافقًا لما في كتابهم، ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [المدثر: ٣١] ولئلا يشك هؤلاء في عدد الخزنة، ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المدثر: ٣١] شك، ونفاق، والكافرون مشركو العرب، ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ [المدثر: ٣١] أي شيء أراد الله بهذا الحديث والخبر؟ يعني: أنهم لا يصدقون بهذا العدد، وهذا الحديث الذي ذكره الله تعالى، والمثل يكون الحديث نفسه، أي: تقولون: ما هذا من الحديث؟ كذلك أي: كما أضل من أنكر عدد الخزنة، وهدى من صدق ذلك، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١] وأنزل في قول أبي جهل: أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وقال عطاء: يعني: من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار، لا يعلم عدتهم إلا الله.
والمعنى: أن تسعة عشر هم خزنة النار، لهم من الأعوان، والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلا الله، ثم رجع إلى ذكر سقر، فقال: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١] تذكرة، وموعظة للعالم.
ثم أقسم على عظم شأنهم، فقال: كلا أي: حقًا، ﴿وَالْقَمَرِ ﴿٣٢﴾ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴿٣٣﴾﴾ [المدثر: ٣٢-٣٣] ذهب، وهو مثل دبر في المعنى، يقال: دبر الليل وأدبر.
إذا ولى ذاهبًا، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] أضاء، وتبين.
إنها إن سقر، لإحدى الكبر قال مقاتل، والكلبي: أراد بالكبر: دركات جهنم وأبوابها، وهي سبعة: جهنم، ولظى، والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم، والهاوية.
أعاذنا الله منها، والكبر جمع الكبرى.
﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] قال الكسائي، والزجاج: هو حال من قوله: ﴿قُمْ﴾ [المدثر: ٢] في أول
[ ٤ / ٣٨٥ ]
السورة ﴿[.
ورواه عطاء، عن ابن عباس، قال: يريد: قم نذيرًا للبشر.
لمن شاء بدل من قوله: للبشر، أن يتقدم أي: في الخير والإيمان، أو يتأخر عنه، والمعنى: أن الإنذار قد حصل لكل أحد ممن آمن، أو كفر.
] كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴿٣٨﴾ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ﴿٣٩﴾ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٤٠﴾ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ﴿٤١﴾ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴿٤٢﴾ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴿٤٣﴾ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴿٤٤﴾ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴿٤٥﴾ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿٤٦﴾ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴿٤٧﴾ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴿٤٨﴾﴾ [سورة المدثر: ٣٨-٤٨] .
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] مأخوذة بعملها، قال ابن عباس: مرتهنة في جهنم.
﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] وهم المؤمنون، قال الكلبي: هم الذين قال الله تعالى: هؤلاء في الجنة ولا أبالي.
وهم الذين كانوا على يمين آدم.
وقال مقاتل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم، لا يرتهنون بذنوبهم في النار.
وهو قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٤٠﴾ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ﴿٤١﴾ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴿٤٢﴾﴾ [المدثر: ٤٠-٤٢] وما أدخلكم النار؟ فأجابوا عن أنفسهم، فقالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] لله في الدنيا، ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] لم نتصدق على المساكين، ولم نطعمهم في الله.
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] مع أهل الباطل في الباطل والتكذيب، قال قتادة: كلما غوى غاو، غوينا معه.
﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] الجزاء، والحساب.
﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] الموت.
١٢٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا الْعَسْكَرِيُّ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ بِشْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يُؤْتَى بِأَدْنَى أَهْلِ النَّارِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عَبْدِي أَتَفْتَدِي مِنِّي بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا، فَيَقُولُ: نَعَمْ إِنْ قَدَرْتُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ كُنْتُ أَسْأَلُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَنِي فَأُعْطِيَكَ
[ ٤ / ٣٨٦ ]
وَتَسْتَغْفِرَنِي فَأَغْفِرَ لَكَ وَتَدْعُوَنِي فَأَسْتَجِيبَ لَكَ، قَالَ ثُمَّ يَقُولُ: هَذَا لَمْ يَخَفْنِي سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ وَلا نَهَارٍ قَطُّ وَلَمْ يَرْجُ مَا عِنْدِي قَطُّ، وَلَمْ يَخْشَ عِقَابِي سَاعَةً قَطُّ، ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: مَا سَلَكَكُمْ، أَيْ مَاذَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ .
قال: يقول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] قال: بلغنا أن هذا بعد الشفاعة.
قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: شفاعة الملائكة، والنبيين، كما نفعت الموحدين.
وقال الحسن: لم تنفعهم شفاعة ملك، ولا شهيد، ولا مؤمن.
وقال عمران بن حصين: الشفاعة نافعة لكل أحد دون هؤلاء الذين تسمعون.
١٢٥٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحِيرِىُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، أنا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَشْفَعُ نَبِيُّكُمْ ﷺ رَابِعُ أَرْبَعَةٍ: جِبْرِيلُ، ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ مُوسَى أَوْ عِيسَى، ثُمَّ نَبِيُّكُمْ ﷺ، لا يَشْفَعُ أَحَدٌ فِي أَكْثَرِ مِمَّا يَشْفَعُ فِيهِ نَبِيُّكُمْ ﷺ، ثُمَّ النَّبِيُّونَ ثُمَّ الصِّدِّيقُونَ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ، وَيَبْقَى قَوْمٌ فِي جَهَنَّمَ فَيُقَالُ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾، ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾، قَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَبْقُونَ فِي جَهَنَّمَ.
﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴿٤٩﴾ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴿٥٠﴾ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴿٥١﴾ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴿٥٢﴾ كَلَّا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ ﴿٥٣﴾ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴿٥٤﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿٥٥﴾ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴿٥٦﴾﴾ [المدثر: ٤٩-٥٦] .
[ ٤ / ٣٨٧ ]
﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] يعني: كفار قريش، حين نفروا عن القرآن والتذكرة، والتذكير بمواعظ القرآن، والمعنى: لا شيء لهم في الآخرة، إذ أعرضوا عن القرآن فلم يؤمنوا به.
ثم شبههم في نفورهم عن القرآن بحمر نافرة، فقال: كأنهم حمر يعني: الحمر الوحشية، مستنفرة نافرة، يقال: نفروا ستنفر.
مثل: عجب واستعجب، وقرئ بفتح الفاء وهي بمعنى: مذعورة، يقال: استنفرت الوحش ونفرتها.
﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] يعني: الأسد، في قول عطاء، والكلبي.
قال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت منه، كذلك هؤلاء المشركون، إذا سمعوا النبي ﷺ يقرأ القرآن، هربوا منه.
وقال الضحاك، ومقاتل: هم الرماة، رجال القنص.
لا واحد له من لفظه.
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] قال المفسرون: إن كفار قريش قالوا لمحمد ﷺ: ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله بأنك رسوله، تؤثر فيه باتياءك.
والصحف: الكتب، واحدتها: صحيفة، ومنشرة معناها: منشورة.
كلا لا يؤتون الصحف، ﴿بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] يعني: عذاب الآخرة، والمعنى: أنهم لو خافوا النار، لما اقترحوا الآيات بعد قيام الدلالة.
كلا حقًا، إنه إن القرآن، تذكرة تذكير، وموعظة.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] اتعظ به.
ثم رد المشيئة إلى نفسه، فقال: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦] قال مقاتل: إلا أن يشاء الله لهم الهدى.
﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] .
١٢٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْبُخَارِيُّ، نا بَشِيرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ، نا سُهَيْلٌ أَخُو حَزْمٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ:
[ ٤ / ٣٨٨ ]
﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] فَقَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا فَإِنِّي أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ
وقال قتادة: أهل أن تتقى محارمه، وأهل أن يغفر الذنوب.
[ ٤ / ٣٨٩ ]