خمسون آية، مكية.
١٢٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَلِيٍّ الْخَفَّافُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْمُرْسَلاتِ كُتِبَ لَيْسَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ﴿١﴾ فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ﴿٢﴾ وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ﴿٣﴾ فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ﴿٤﴾ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ﴿٥﴾ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴿٦﴾ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ﴿٧﴾ فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ﴿٨﴾ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ ﴿٩﴾ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ﴿١٠﴾ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴿١١﴾ لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴿١٢﴾ لِيَوْمِ الْفَصْلِ ﴿١٣﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ﴿١٤﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٥﴾﴾ [المرسلات: ١-١٥] .
والمرسلات عرفًا يعني: الرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس.
فالعاصفات عصفًا يعني: الرياح الشديدة الهبوب.
والناشرات نشرًا يعني: الرياح التي تأتي بالمطر، وهي تنشر السحاب.
فالفارقات فرقًا يعني: الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وقال مجاهد: هي الريح تفرق بين السحاب فتبدده.
وقال قتادة: هي آي القرآن، فرقت بين الحق والباطل، والحلال والحرام.
وهو قول الحسن.
فالملقيات ذكرًا يعني الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء.
عذرًا أو نذرًا أي: للإعذار أو الإنذار، ومن أول ال ﴿[إلى ههنا أقسام ذكرها الله تعالى على قوله: إنما توعدون أي: من أمر الساعة والبعث، لواقع لكائن.
ثم ذكر متى يقع فقال:] فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [سورة المرسلات: ٨] محي نورها.
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] شقت.
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] قلعت من مكانها، كقوله تعالى: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] .
﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] الهمزة في أقتت بدل من الواو المضمومة، وكل واو
[ ٤ / ٤٠٧ ]
انضمت وكانت ضمتها لازمة جاز إبدالها بالهمزة، كقولهم: أجوه وأدور.
ومن قرأ بالواو فهو على الأصل ولم يبدله، والمعنى: جمعت لوقتها، وهو يوم القيامة ليشهدوا على الأمم، وهو قوله: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] أي: أخرت، وضرب لهم الأجل لجمعهم يعجب العباد من ذلك اليوم.
ثم بين، فقال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] قال ابن عباس: يوم يفصل الرحمن بين الخلائق.
ثم عظم ذلك اليوم، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] .
ثم ذكر حال الذين كذبوا بذلك اليوم، فقال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] .
ثم أخبر بما فعل بالكفار من الأمم الخالية، فقال: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ ﴿١٦﴾ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ﴿١٧﴾ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ﴿١٨﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٩﴾ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴿٢٠﴾ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴿٢١﴾ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴿٢٢﴾ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ﴿٢٣﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٢٤﴾ أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا ﴿٢٥﴾ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ﴿٢٦﴾ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا ﴿٢٧﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٢٨﴾﴾ [المرسلات: ١٦-٢٨] .
﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] قال مقاتل: يعني: بالعذاب في الدنيا، حين كذبوا رسلهم.
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] يعني: كفار مكة حين كذبوا بمحمد.
كذلك الذي فعلنا بمن تقدم من الأمم، نفعل بالمجرمين بالمكذبين من أهل مكة.
ثم ذكر بدو خلقهم، فقال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] يعني: النطفة.
﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] يعني الرحم.
﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] يعني: مدة الحمل.
فقدرنا قال الكلبي: يعني: خلقه كيف يكون قصيرًا أو طويلًا، ذكرًا أو أنثى.
وفيه قراءتان: التخفيف والتشديد، قال الفراء: والمعنى فيهما واحد.
ومعنى: فنعم القادرون المقدرون.
ثم بين لهم صنعه ليعتبروا، فيوحدوه، فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] معنى الكفت في اللغة: الضم والجمع، يقال: كفت الشيء.
إذا ضمه وجمعه، ومن هذا يقال للجراب والقدر: كفت.
قال الفراء: تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم، ومنازلهم، وتكفتهم أمواتًا في بطنها، أي: تحوزهم.
وهو قوله: أحياء وأمواتًا وهذا قول جماعة المفسرين.
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [المرسلات: ٢٧] جبالًا ثوابت، شامخات عاليات، وكل عال فهو شامخ، ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] تقدم تفسير هذا في آيتين، قال
[ ٤ / ٤٠٨ ]
مقاتل: وهذا كله أعجب من البعث.
قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] أي: بالبعث.
ثم ذكر ما يقال لهم في الآخرة، فقال: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿٢٩﴾ انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ﴿٣٠﴾ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ﴿٣١﴾ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ﴿٣٢﴾ كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ ﴿٣٣﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٣٤﴾ هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ﴿٣٥﴾ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴿٣٦﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٣٧﴾ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ ﴿٣٨﴾ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴿٣٩﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٤٠﴾﴾ [المرسلات: ٢٩-٤٠] .
﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩] تقول لهم الخزنة: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون في الدنيا.
﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ﴾ [المرسلات: ٣٠] من دخان نار جهنم قد سطع، ثم افترق ثلاث فرق، وهو قوله: ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] فكونوا فيه إلى أن يفرغ من الحساب.
ثم وصف ذلك الظل، فقال: لا ظليل لا يظل من الحر، ﴿وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] لا يدفع عنكم من حره شيئًا، قال الكلبي: لا يرد لهب جهنم عنكم، والمعنى: أنهم إذا استظلوا بذلك الظل، لم يدفع عنهم حر اللهب.
ثم وصف النار، فقال: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] يقال: شررة وشرر.
وهي ما تطاير من النار متفرقًا، والقصر: البناء العظيم كالحصن، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر، فقال: كَأَنَّهُ جِمَالات صُفْرٌ وهي جمع جمال، من قرأ جمالة فهو جمع جمل، كما قالوا: حجر وحجارة.
والصفر معناها: السود في قول المفسرين.
قال الفراء: الصفر سود الإبل، لا ترى أسود من الإبل إلا وهو مشرب صفرة، لذلك سمت العرب سود الإبل صفرًا.
قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] قال المفسرون: إن في يوم القيامة مواقف، ففي بعضها يختصمون ويتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواهم فلا يتكلمون.
أخبرنا أبو عمرو بن المروزي، فيما كتب إليّ، أن أبا الفضل الحدادي، أخبرهم عن محمد
[ ٤ / ٤٠٩ ]
بن يزيد، أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن قتادة، قال: جاء رجل إلى عكرمة، فقال: أرأيت قول الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] .
قال: إنها مواقف منها، فتكلموا واختصموا، ثم ختم على أفواههم، فتكلمت أيديهم وأرجلهم، فحينئذ لا ينطقون، وهو قوله: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] .
وهذا يوم الفصل بين أهل الجنة والنار، جمعناكم يعني: مكذبي هذه الأمة، والأولين الذين كذبوا أنبياءهم.
﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] قال مقاتل: يقول: إن كانت لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم.
ثم ذكرالمؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ ﴿٤١﴾ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴿٤٢﴾ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٤٣﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٤٤﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٤٥﴾ كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ﴿٤٦﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٤٧﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ﴿٤٨﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٤٩﴾ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٠﴾﴾ [المرسلات: ٤١-٥٠] .
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ﴾ [المرسلات: ٤١] الشجر، وظلال أكنان القصور، وعيون ماء.
﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤٢] ويقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] في الدنيا بطاعتي.
ثم قال لكفار مكة: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلا﴾ [المرسلات: ٤٦] أي: في الدنيا إلى منتهى آجالكم، ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦] مشركون بالله.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] إذا أمروا بالصلوات الخمس، لا يصلون.
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] يقول: إن لم يصدقوا بهذا القرآن، فبأي كتاب يصدقون، ولا كتاب بعد القرآن؟
[ ٤ / ٤١٠ ]