عشرون آية، مكية.
١٢٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَفَّافُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ يَا أيها المزمل رُفِعَ عَنْهُ الْعُسْرُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا ﴿٢﴾ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلا ﴿٤﴾ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴿٥﴾ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلا ﴿٦﴾ إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا ﴿٧﴾ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا ﴿٨﴾ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا ﴿٩﴾﴾ [المزمل: ١-٩] .
﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] أصله المتزمل، فأدغمت التاء في الزاي، والخطاب للنبي ﷺ، وكان يتزمل بالثياب في أول ما جاءه جبريل فرقًا منه، حتى أنس به، وقال السدي: يعني: يأيها النائم، وكان قد تزمل للنوم.
ومعنى التزمل: التلفف في الثوب، وخوطب بهذه الآية في أول ما بدئ بالوحي ولم يكن قد بلغ شيئًا، ثم خوطب بعد ذلك بالنبي والرسول.
قم الليل أي: للصلاة، وكان قيام الليل فريضة على الرسول الله ﷺ، وقوله: إلا قليلًا تقدير الآية: قم الليل، نصفه إلا قليلًا، أي: قم نصف الليل، أي: صل من الليل النصف إلا قليلًا، وهو قوله: ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] أي: من النصف.
﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] على النصف، قال المفسرون: أو انقص من النصف قليلًا إلى الثلث، أو زد على النصف قليلًا إلى الثلثين، جعل له سعة في مدة قيامه في الليل، وخيره في الساعات للقيام، فكان النبي ﷺ وطائفة من المؤمنين معه يقومون على هذه المقادير، وشق ذلك عليهم، فكان الرجل لا يدري كم صلى؟ وكم بقي من الليل؟ فكان يقوم الليل كله، مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب، حتى خفف الله عنهم بآخر هذه السورة.
١٢٥٠ - أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ
[ ٤ / ٣٧١ ]
إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُثَنَّى، نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ
وقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] قال عطاء، عن ابن عباس: بينه بيانًا.
قال الزجاج: والبيان لا يتم بأن يعجل في القرآن، إنما يتم بأن يبين جميع الحروف، ويوفي حقها من الإشباع.
قال أبو حمزة: قلت لابن عباس: إني رجل في قراءتي، وفي كلامي عجلة.
فقال ابن عباس: لأن أقرأ البقرة أرتلها، أحب إلىّ من أن أقرأ القرآن كله.
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥] ليس على ثقل الحفظ له، ولكن ما قال الحسن: إنهم ليهذونه هذّا.
ولكن العمل به ثقيل، وقال قتادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده.
وقال مقاتل: ثقيل لما فيه من الأمر والنهي، والحدود.
وقال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك كما
[ ٤ / ٣٧٢ ]
ثقل في الدنيا، يثقل في الموازين يوم القيامة.
أخبرنا أبو سعد النصروي، أنا أبو العباس محمد بن إبراهيم المحاملي، أنا أحمد بن سلمة، أنا محمد بن عماد الرازي، نا سليمان بن حرب، نا جرير بن حازم، عن الحسن في قول الله ﷿: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥] قال: العمل به العمل به.
قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٦] يعني: ساعات الليل وآناءه، قال الزجاج: ناشئة الليل: كل ما نشأ منه أي حدث فهو نائشة.
قال المفسرون: الليل كله ناشئة.
وقال عبد الله بن مسعود: هي بالحبشية قيام الليل.
وهو قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير، قال: هي بلسان الحبشة نشأ فلان إذا قام.
وقالت عائشة، ﵂: الناشئة: القيام بعد النوم.
قال ابن الأعرابي: إذا نمت من أول الليل ثم قمت، فتلك النشأة، ومنه ناشئة الليل.
﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ [المزمل: ٦] أشد على المصلي من النهار، لأن الليل للنوم، قال ابن قتيبة: أثقل على المصلي من ساعات النهار، من قول العرب: اشتدت على القوم وطأة السلطان.
إذا ثقل عليهم ما يلزمهم، ومنه قوله ﷺ: «اللهم اشدد وطأتك على مضر» .
ومن قرأ
[ ٤ / ٣٧٣ ]
بكسر الواو والمد، فهو فعال من أوطأت فلانا على كذا موطأة، ووطأ إذا وافقته عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] قال ابن عباس: يواطئ السمع القلب.
والمعنى: أن صلاة ناشئة الليل يواطئ السمع القلب فيها، أكثر مما يواطئ في ساعات النهار، لأن البال أفرغ للانقطاع عن كثير مما يشغل بالنهار، وأقوم قيلًا وأشد استقامة، وقال الكلبي: وأبين قولا بالقرآن.
﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ [المزمل: ٧] فراغًا وسعة لتصرفك، وقضاء حوائجك، والمعنى: إن لك في النهار فراغًا للنوم، والتصرف في الحوائج، فصل من الليل، والتسبح التقلب، ومنه السابح في الماء لتقلبه بيديه ورجليه، قال ابن قتيبة: أي: تصرفًا، وإقبالًا، وإدبارًا في حوائجك وأشغالك.
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] انقطع إليه في العبادة، وهو رفض الدنيا وما فيها، والتماس ما عند الله، والبتل في اللغة: القطع وتمييز الشيء عن الشيء، وصدقة بتلة: منقطعة من مال صاحبها، والتبتل تفعيل منه، قال: بتله فتبتل.
ومعنى تبتل إليه: بتل إليه نفسك، فلذلك جاء تبتيلًا.
رب المشرق بالخفض بدلًا من قوله: اسم ربك، وبالرفع على الابتداء، وخبره: ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا﴾ [المزمل: ٩] أي: كفيلًا بما وعدك أنه سيفعله.
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا ﴿١٠﴾ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا ﴿١١﴾ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا ﴿١٢﴾ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٣﴾ يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا ﴿١٤﴾ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا ﴿١٥﴾ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا
[ ٤ / ٣٧٤ ]
وَبِيلا ﴿١٦﴾ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ﴿١٧﴾ السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا ﴿١٨﴾﴾ [المزمل: ١٠-١٨] .
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] لك من التكذيب، والأذى، ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا﴾ [المزمل: ١٠] لا جزع فيه، وهذا قبل الأمر بالقتال.
وذرني والمكذبين أي: لا تهتم بهم، فإني أكفيكهم، أولي النعمة ذوي النعمة، ذوي الغنى، وكثرة المال، قالت عائشة ﵂: لما نزلت: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] لم يكن إلا قليلًا، حتى كانت وقعة بدر.
قوله: إن لدينا أي: عندنا في الآخرة، أنكالا واحدها: نكل، وهو القيد، قال الكلبي: أغلالا من حديد.
وقال أبو عمران الجوني: هي قيود لا تحل.
﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ [المزمل: ١٣] لا يسوغ في الحلق، يعني: الزقوم، وقال عكرمة: شوك يأخذ بالحلق، لا يدخل ولا يخرج.
قال الزجاج: يعني: الضريع، كما قال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] .
١٢٥١ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْوَرَّاقُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرَائِضِيُّ، أنا طَاهِرُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ سَعِيدٍ الْبَغْدَادِيُّ، نا وَكِيعٌ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، عَنْ حِمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ قَارِئًا قَرَأَ ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] فَصُعِقَ، رَوَاهُ إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ وَكِيعٍ.
أخبرنا أبو
[ ٤ / ٣٧٥ ]
نصر الجوزقي فيما أجاز لي، أنا محمد بن محمد بن يعقوب الحافظ، نا محمد بن إسحاق الثقفي، نا حاتم بن الليث الجوهري، نا خالد بن خداش، نا صالح المري، عن خليد بن حسان الهجري، قال: أمسى الحسن صائمًا، فلما أتي بإفطاره، عرضت له هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا ﴿١٢﴾ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ [المزمل: ١٢-١٣] فقلصت يداه عن عشائه.
فقال: ارفعوه.
فرفع، فأصبح صائمًا، فلما أتي بإفطاره، عرضت له أيضًا هذه الآية فرفع، فلما كان اليوم الثالث انطلق ابنه إلى ثابت البناني، ويزيد الضبي، ويحيى البكاء، وناس من أصحابه، فقال: أدركوا أبي فإنه لم يذق طعامًا منذ ثلاثة أيام، كلما قربنا إليه الطعام، عرضت له هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] فيتركه.
فأتوه، فلم يزالوا به حتى سقوه شربة من سويق.
ثم أخبر متى يكون ذلك، فقال: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤] تزلزل، وتتحرك، ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا﴾ [المزمل: ١٤] رملًا، مهيلًا سائلا، ويقال لكل شيء أرسلته إرسالا من رمل، أو تراب، أو طعام: هلته أهيله هيلًا.
قال الكلبي: هو الرمل الذي إذا أخذت منه شيئًا، تبعك آخره.
قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ١٥] يعني: أهل مكة، رسولًا يعني: محمدًا رسول الله ﷺ، شاهدا عليكم بالتبليغ والبيان، وإيمان من آمن به وأجاب، وكفر من عصى، ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] موسى.
﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] ولم يجبه إلى ما دعاه إليه، ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا﴾ [المزمل: ١٦] وهو الثقيل، الغليظ جدًا، والمعنى: عاقبناه عقوبة غليظة، يعني: الغرق، يخوف كفار مكة.
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ [المزمل: ١٧] ولم تؤمنوا برسولكم، يومًا أي: عذاب يوم، ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] وصف لذلك اليوم وشدته، كما يقال: هذا أمر يشيب منه الوليد.
إذا كان عظيمًا شديدًا، والمعنى: بأي شيء تتحصنون من عذاب ذلك اليوم إن كفرتم.
ثم وصف من
[ ٤ / ٣٧٦ ]
هول ذلك اليوم، فقال: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] أي: لنزول الملائكة، كما قال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، ﴿كَانَ وَعْدُهُ﴾ [المزمل: ١٨] بكل ما وعد من البعث، والحساب، مفعولًا كائن.
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا ﴿١٩﴾ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢٠﴾﴾ [المزمل: ١٩-٢٠] .
إن هذه يعني: آيات القرآن، تذكرة تذكير وموعظة، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩] بالطاعة، والتصديق.
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى﴾ [المزمل: ٢٠] أقل، ﴿مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠] ومن نصب عطفه على الأدنى، وهو في موضع نصب، ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] يعني: المؤمنين، كانوا يقومون معه، ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل: ٢٠] قال عطاء: يريد: لا يفوته علم ما يفعلون، أي: أنه يعلم مقادير الليل والنهار، فيعلم القدر الذي يقومونه من الليل.
﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] لن تطيقوه، قال الحسن: قاموا حتى انتفخت أقدامهم، فنزل ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] .
وقال مقاتل: كان الرجل يصلي الليل كله، مخافة أن لا يصيب ما أمر به من القيام، فقال الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] لن تطيقوا معرفة ذلك.
فتاب عليكم فعاد عليكم بالعفو، والتخفيف، ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠] يعني: في الصلاة من غير أن يوقت وقتًا، قال الحسن: هو ما يقرأ في صلاة المغرب والعشاء.
١٢٥٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَزْدِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عَامِرٍ الْبَجَلِيُّ، نا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: صَلَيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ، فَقَرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ وَأَوَّلِ آيَةٍ مِنَ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ قَامَ فِي الثَّانِيَةِ فَقَرَأَ بِالْحَمْدِ، وَالآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ
[ ٤ / ٣٧٧ ]
مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]
قال علي بن عمر: في هذا حجة لمن يقول: فاقرأ ما تيسر منه فيما بعد الفاتحة.
ثم ذكر عذرهم، فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] فلا يطيقون قيام الليل، ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] يعني: المسافرين للتجارة، يطلبون من رزق الله، فلا يطيقون قيام الليل، ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] يعني: المجاهدين، لا يطيقون قيام الليل، ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] من القرآن، قال المفسرون: كان هذا في صدر الإسلام، ثم نسخ بالصلوات الخمس عن المؤمنين، وثبت على النبي ﷺ خاصة.
وذلك قوله: وأقيموا الصلاة قال ابن عباس: يريد: هذه فريضة عليكم في أوقاتها.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المزمل: ٢٠] قال ابن عباس: يريد: سوى الزكاة من صلة الرحم، وقرى الضيف.
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [المزمل: ٢٠] يعني: من صدقة فريضة، أو تطوع، ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] تجدوا ثوابه في الآخرة أفضل مما أعطيتم، وأعظم أجرًا مما تؤخره إلى وصيتك عند الموت.
١٢٥٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِنْ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ
واستغفروا الله لذنوبكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ [المزمل: ٢٠] لذنوب المؤمنين، رحيم بهم.
[ ٤ / ٣٧٨ ]