ثلاثون وست آيات، مكية.
١٢٩٥ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ المطففين سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿١﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣﴾ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴿٤﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥﴾ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦﴾﴾ [المطففين: ١-٦] .
ويل للمطففين وهم الذين ينقصون المكيال والميزان، قال أبو عبيدة، والمبرد: المطفف الذي يبخس في الكيل والوزن.
قال الزجاج: وإنما قيل للذين ينقص الميكال والميزان: مطفف، لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.
قال الكلبي: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسيئون كيلهم ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم، فنزلت هذه الآيات.
وقال السدي: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وبها رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
١٢٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي بِقِرَاءَتِهِ عَلَيْنَا، نا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ كَيْلًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ
وروى
[ ٤ / ٤٤٠ ]
الضحاك، ومجاهد، وطاوس، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ، قال: «خمس بخمس» .
قالوا: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله ﷿ إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيه الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الميكال إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر» .
وقال مالك بن دينار: دخلت على جار لي، وقد نزل به الموت، فجعل يقول: جبلين من نار، جبلين من نار.
فقلت: ما تقول؟ أتهجر؟ قال: يا أبا يحيى، كان لي مكيالان، كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر.
قال: فقمت، فجعلت أضرب أحدهما بالآخر.
فقال: يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر ازدادا عظمًا.
فمات في مرضه.
ثم بين أن المطففين من هم، فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] الاكتيال: الأخذ بالكيل، قال الفراء: يريد اكتالوا من الناس، وعلى ومن في هذا الموضع يعتقبان.
وقال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، ولم يذكر اتزنوا، لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع، فأحدهما يدل على الآخر.
قال المفسرون: يعني: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا، أو وزنوا لغيرهم نقصوا.
وهو قوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، يقال: كلتك الطعام.
أي: كلت لك، كما تقول: نصحتك ونصحت لك.
قال الفراء: وهو من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم.
وقوله: يخسرون أي: ينقصون كقوله: ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقد مر.
ثم خوفهم، فقال: ألا يظن ألا يعلم، أولئك الذين يفعلون ذلك، ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴿٤﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥﴾﴾ [المطففين: ٤-٥] وهو يوم القيامة، قال ابن عباس: يريد: ألا يستيقن من فعل هذا أنه مبعوث، ومحاسب.
وقال مقاتل: ألا يستيقن المطفف في الكيل والوزن بالبعث يوم القيامة؟ ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ [المطففين: ٦] قال الزجاج: يوم منصوب بقوله: ﴿مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤]، المعنى: ألا يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة.
والمعنى: يوم يقوم الناس من قبورهم، لرب العالمين أي: لأمره، أو لجزائه، أو حسابه، وقال جماعة من المفسرين: يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم.
ويدل على صحة هذا الحديث المجمع على صحته وهو ما
[ ٤ / ٤٤١ ]
١٢٩٧ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَارُودِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قَالَ: يَقُومُونَ حَتَّى يَبْلُغَ الرَّشْحُ إِلَى أَطْرَافِ آذَانِهِمْ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَن أَبِي نَصْرٍ التَّمَّار، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ.
١٢٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ الْمُذَكِّرُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ الطُّوسِيُّ، أَنَّ أَبَا حُذَافَةَ أَحْمَدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ السَّهْمِيَّ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ [المطففين: ٦] يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَطْرَافِ أَنْصَافِ أُذَنَيْهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مَعْنٍ، عَنْ مَالِكٍ.
١٢٩٩ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ التَّاجِرِ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ الْعَرَقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيَذْهَبُ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَإِنَّهُ لَيْبَلُغُ إِلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ أَوْ إِلَى آذَانِهِمْ» شَكَّ ثَوْرٌ فِي أَيَّهِمَا قَالَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ.
١٣٠٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاسَرْجِسَ، نا ابْنُ
[ ٤ / ٤٤٢ ]
الْمُبَارَكِ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَد ِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ، قَالَ سُلَيْمٌ: فَلا أَدْرِي أَمَسَافَةُ الْأَرْضِ؟ أَمِ الْمِيلُ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟ ثُمَّ قَالَ: تَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ، فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ، قَالَ: تُلْجِمُهُ إِلْجَامًا "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مُوسَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ
وروى القاسم بن أبي بزة، أن ابن عمر قرأ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] حتى بلغ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قال: فبكى حتى خر، وامتنع من القراءة.
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴿٧﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ﴿٨﴾ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴿٩﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿١١﴾ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴿١٢﴾ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴿١٣﴾ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿١٤﴾ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴿١٥﴾ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ﴿١٦﴾ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿١٧﴾﴾ [المطففين: ٧-١٧] .
قوله: كلا هو ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام ههنا، وعند أبي حاتم: كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقًا، ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] وهو قول الحسن.
وسجين: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة، ومقاتل، ومجاهد، والضحاك.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا الْحُسْيَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ، نا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سِجِّينٌ أَسْفَلَ سَبْعِ أَرَضِينَ»
وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار.
[ ٤ / ٤٤٣ ]
فقال: أخبرني عن قول الله ﷿: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين، فتهبط حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع خد إبليس.
وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته.
والمعنى في الآية: إن كتاب عملهم يوضع في الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم، ودليل على خساسة منزلتهم، ولا يصعد به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن، وهو قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] .
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين القاضي، أنا حاجب بن أحمد، نا محمد بن حماد، نا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل كتاب الفاجر تحتها.
١٣٠٢ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ، أنا مُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، نا مَسْعُودُ بْنُ مِشْكَانَ، نا نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقَرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطَّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ»
والدليل على أن سجينًا ليس مما كانت العرب تعرفه، قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] قال الزجاج: أي: ليس ذلك ما كنت تعلم أنت ولا قومك.
وقوله: كتاب مرقوم ذكر قوم أن هذا تفسير السجين، وهو بعيد، لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين، والوجه أن يجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ [المطففين: ٧] على تقدير: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب قد ثبتت حروفه، وقال قتادة، ومقاتل: رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه
[ ٤ / ٤٤٤ ]
لكافر.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ [المطففين: ٦]، وأن قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ [المطففين: ٧] وما اتصل به معترض بينهما، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: كلا قال مقاتل: أي: لا يؤمنون.
ثم استأنف، فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران رينًا ورينونًا.
وقال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك، فقد ران بك وران عليك.
وقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها.
وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، والذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليذنب الذنب، فينكت في قلبه نكته سوداء، ثم يذنب الذنب، فينكت أخرى، يصير قلبه مثل لون الشاة الربداء.
وقال إبراهيم التيمي في هذه الآية: إذا عمل الرجل الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود قلبه، فإذا أتاح الله للعبد يسر له عملًا صالحًا، فيذهب من السواد ببعضه، ثم ييسر له العمل الصالح أيضًا، حتى يذهب السواد كله.
ونحو هذا روي مرفوعًا.
١٣٠٣ - أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارِزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ضَمْرَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَابَ وَاسْتَغْفَرَ جُلِيَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، وَهُوَ الرَّيْنُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ ﷿ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]
قوله: كلا قال ابن عباس: يريد لا
[ ٤ / ٤٤٥ ]
يصدقون.
ثم استأنف: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب، لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم.
وقال الكلبي، عن ابن عباس: إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لحجوبون.
والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد، لزهقت أنفسهم في الدنيا.
وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه.
سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جعفر السدوسي، يقول: سمعت أبا على الحسن بن أحمد النسوي، يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي، ﵀، وجاءه كتاب من الصعيد، يسألونه عن قول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فكتب فيه: لما حجب قومًا بالسخط، دل على أن قومًا يرونه بالرضا.
فقلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده في الدنيا.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله بن نصر، نا أبو إبراهيم المزني، عن ابن هرم، قال: قال الشافعي، رحمة الله عليه: قول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] دلالة على أن أولياء الله يرون الله تعالى.
سمعت أبا عثمان الحيري الزاهد، سمعت أبا الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج، يقول: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا
[ ٤ / ٤٤٦ ]
خسست منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله تعالى.
ولما أعلم أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار محجوبون عنه.
ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله تعالى يدخلون النار، وهو قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] وتقول لهم الخزنة: هذا العذاب، ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] .
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴿١٨﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴿١٩﴾ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴿٢٠﴾ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ﴿٢١﴾ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿٢٢﴾ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴿٢٣﴾ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴿٢٤﴾ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ﴿٢٥﴾ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴿٢٦﴾ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ﴿٢٧﴾ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴿٢٨﴾﴾ [المطففين: ١٨-٢٨] .
قوله: كلا قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه.
ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فقال: ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ﴾ [المطففين: ١٨] يعني: المطيعين له، لفي عليين قال المفسرون: يعني: السماء السابعة.
قال الفراء: ﴿عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]: ارتفاع بعد ارتفاع، لا غاية له.
وقال الزجاج: أعلى الأمكنة.
وإعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، نحو ثلاثين، وعشرين، وقنسرين.
١٣٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ»
وقوله: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٢٠] ليس بتفسير عليين، وهو يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المراد به كتاب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار، والثاني: أنه كتاب في عليين كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب، وهو معنى قول مقاتل: مكتوب لهم بالخير في ساق العرش.
ويدل على صحة هذا قوله: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك
[ ٤ / ٤٤٧ ]
المكتوب، أو ذلك الكتاب الذين إذا صعد به إلى عليين.
قوله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿٢٢﴾ عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [المطففين: ٢٢-٢٣] قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عنده الحجلة، إذا كان فيها سرير.
قوله: ينظرون يعني: إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون.
﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة، مما ترى من النور، والحسن، والبياض، وقال عطاء: وذلك أن الله تعالى زاد في جمالهم، وفي ألوانهم، ما لا يصفه واصف.
وسبق تفسير النضرة عند قوله تعالى: ﴿نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] .
﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ [المطففين: ٢٥] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: الرحيق من الخمر: ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده.
﴿مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] وهو الذي له ختام، أي: عاقبة.
وقال مجاهد: مختوم مطين.
كأنه ذهب إلى معنى الختم الطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار.
ثم فسر المختوم، بقوله: ختامه مسك أي: آخر طعمه ريح المسك، إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك.
١٣٠٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، نا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْيَسَعُ بْنُ سَعْدَانَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَامَ لِلَّهِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ» .
ومعنى: ختامه عاقبته، وما يختم به، والمعنى: لذاذة المقطع، وذكاء الرائحة، والختام آخر كل شيء، وكذلك الخاتم والخاتم، وهو قراءة الكسائي.
وقال مجاهد: طيبه مسك.
وهو قول ابن زيد.
قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.
ثم رغب فيه، فقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] أي: فليرغب الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله، والتنافس
[ ٤ / ٤٤٨ ]
كالتشاح على الشيء والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه.
ومزاجه أي: ما يمزج به ذلك الشراب، من تسنيم وهو اسم عين في الجنة.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الزاهد، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق في قوله ﷿: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٧] قال: عين في الجنة، يشربها المقربون صرفًا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب.
وروى ميمون بن مهران، أن ابن عباس سئل عن قوله: ﴿تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٧] فقال: هذا مما يقول الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] .
ونحو هذا قال الحسن: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة.
ثم فسره، فقال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨] أي: يشربها، كقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] وقد مر، قال عبد الله: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴿٢٩﴾ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴿٣٠﴾ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴿٣١﴾ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ﴿٣٢﴾ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ﴿٣٣﴾ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿٣٤﴾ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴿٣٥﴾ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿٣٦﴾﴾ [المطففين: ٢٩-٣٦] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [المطففين: ٢٩] يعني: كفار قريش، ﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المطففين: ٢٩] يعني: أصحاب النبي ﷺ، مثل عمار، وخباب، وبلال، وغيرهم، يضحكون على وجه السخرية منهم.
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ﴾ [المطففين: ٣٠] يعني: المؤمنين مروا بالكفار، يتغامزون من الغمز وهو الإشارة بالجفن والحاجب، أي: يشيرون إليهم بالأعين استهزاء.
وإذا انقلبوا يعني: الكفار، ﴿إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم.
وإذا رأوهم رأوا أصحاب النبي ﷺ، ﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢] قال الله تعالى: وما أرسلوا يعني: الكفار، عليهم يعني: على الذين آمنوا، حافظين يحفظون أعمالهم عليهم، أي: لم يوكلوا بحفظ أعمالهم.
فاليوم يعني: في الآخرة، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] قال المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله وهم يعذبون في النار، فيضحكوا منهم، كما ضحكوا هم في
[ ٤ / ٤٤٩ ]
الدنيا منهم.
وقال المبرد، وأبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا.
وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت، أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها، غلقت دونهم.
فذلك قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿٣٤﴾ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴿٣٥﴾﴾ [المطففين: ٣٤-٣٥] إلى عذاب عدوهم.
﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] أي: هل جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدنيا؟ ومعنى الاستفهام ههنا: التقرير، وثوب بمعنى أثيب.
[ ٤ / ٤٥٠ ]