ثلاثون آية، مكية.
١٢١٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ تَبَارَكَ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ»
١٢١٩ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدُونَ بْنِ الْفَضْلِ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
١٢٢٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أُتِيَ رَجُلٌ مِنْ جَوَانِبِ قَبْرِهِ فَجَعَلَتْ سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ ثَلاثُونَ آيَةً تُجَادِلُ عَنْهُ حَتَّى مَنَعَتْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ: فَنَظَرْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ، فَلَمْ نَجِدْهَا إِلا تَبَارَكَ.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴿٢﴾ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ
[ ٤ / ٣٢٥ ]
فُطُورٍ ﴿٣﴾ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴿٤﴾ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ﴿٥﴾﴾ [الملك: ١-٥] .
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ١-٢] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: الموت في الدنيا، والحياة في الآخرة.
وقال قتادة: يعني: موت الإنسان أذل الله به ابن آدم، والحياة حياته في الدنيا.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الملك: ٢] اللام في: ليبلوكم تتعلق بخلق الحياة دون خلق الموت، لأن الابتلاء بالحياة، وفيها قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الملك: ٢]: «أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله»، وقال النبي ﷺ: «أتمكم عقلًا، أشدكم خوفًا لله، وأحسنكم فيما أمر الله به، ونهى عنه نظرًا» .
وقال الحسن: أيكم أزهد في الدنيا، وأترك لها.
وهو العزيز في انتقامه ممن عصاه، الغفور لمن تاب إليه.
ثم أخبر عن صنعه الذي يدل على توحيده، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣] بعضها فوق بعض، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] قال مقاتل: يعني: ما ترى يابن آدم في خلق السموات من عيب.
وقال قتادة: ما ترى خللًا ولا اختلافًا.
وقال الكلبي: وهو الذي يفوت بعضه بعضًا.
وقرئ تفاوت وهما بمنزلة واحدة، مثل: تصعد وتصاعد، وتعهد به وتعاهدته، فارجع البصر كرر النظر، ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] شقوق، وصدوع، وخروق.
﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] قال ابن عباس: مرة بعد مرة.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ [الملك: ٤] مبعدًا صاغرًا، لم ير ما يهوى، وهو حسير كليل منقطع، قال الزجاج: أي: وقد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللًا.
وهو فعيل بمعنى: فاعل، من الحسور وهو الإعياء.
﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الملك: ٥] الأولى إلى الأرض، وهي التي يراها الناس، بمصابيح واحدها: مصباح وهو السراج، ويسمى الكوكب أيضًا مصباحًا لإضاءته.
قال ابن عباس: بنجوم لها نور.
﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] يرجم بها الشياطين الذين يسترقون السمع، وأعتدنا لهم في الآخرة، عذاب السعير النار الموقدة.
﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٦﴾ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ﴿٧﴾ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴿٨﴾ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ﴿٩﴾ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿١٠﴾ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿١١﴾﴾ [الملك: ٦-١١] .
﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الملك: ٦] الآية، وهي ظاهرة.
﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ [الملك: ٧] صوتًا مثل أول نهيق الحمار، وهو أقبح الأصوات، ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] تغلي بهم كغلي المرجل، وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل.
﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] تنقطع من تغيظها عليهم، قال ابن قتيبة: تكاد تنشق غيظًا على الكفار.
﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ [الملك: ٨] جماعة منهم، سألهم خزنتها سؤال توبيخ، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب.
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ [الملك: ١٠] الهدى، أو نعقله، قال الزجاج: لو كنا نسمع سمع من يعي ويفكر، أو نعقل عقل من يميز وينظر.
ما كنا من أهل النار.
١٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْعَتَكِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَشْرَسَ السُّلَمِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عِيسَى السِّجْزِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ
[ ٤ / ٣٢٧ ]
شَيْءٍ دِعَامَةً وَدِعَامَةُ الْمُؤْمِنِ عَقْلُهُ، فَبِقَدْرِ مَا يَعْقِلُ يَعْبُدُ رَبَّهُ، وَلَعَمْرِي لَقَدْ نَدِمَ الْكُفَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] .
١٢٢٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْعَبَّاسُ الدُّورِيُّ، نا مَنْصُورُ بْنُ سُفْيَانَ، نا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، وَمِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ، وَمِمَّنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمَا يُجْزَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِ» .
١٢٢٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، نا سَلامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ، عَنْ مُوسَى بْنِ جَابَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَثْنَى قَوْمٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَبْلَغُوا الثَّنَاءَ فِي خِصَالِ الْخَيْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ عَقَلَ الرَّجُلُ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُخْبِرُكَ عَنِ اجْتِهَادِهِ فِي الْعِبَادَةِ، وَأَصْنَافِ الْخَيْرِ، وَتَسْأَلُنَا عَنْ عَقْلِهِ؟ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْأَحْمَقَ لَيُصِيبُ بِحُمْقِهِ أَعْظَمَ مِنْ فُجُورِ الْفَاجِرِ، وَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ الْعِبَادُ غَدًا فِي الدَّرَجَاتِ وَيَنَالُونَ الزُّلْفَى مِنْ رَبِّهِمْ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ» .
وقال الله تعالى: فاعترفوا بذنبهم يعني: بتكذيبهم الرسل، وهو قولهم: ﴿فَكَذَّبْنَا﴾ [الملك: ٩]، فسحقًا فبعدًا، ﴿لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] من رحمة الله.
ثم أخبر عن المؤمنين، وعما أعد لهم في الآخرة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿١٢﴾ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١٣﴾ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿١٤﴾ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴿١٥﴾﴾ [الملك: ١٢-١٥] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الملك: ١٢] يخافون عذاب ربهم، ولم يروه، فيؤمنون به خوفًا من عذابه، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢] وهو الجنة.
ثم عاد إلى خطاب الكفار، فقال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ
[ ٤ / ٣٢٨ ]
اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك: ١٣] قال ابن عباس: كانوا ينالون من رسول الله ﷺ، فيخبره جبريل، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كيلا يسمع إله محمد.
فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ألا يعلم ما في الصدور من خلقها، وهو اللطيف لطف علمه بما في القلوب، الخبير بما فيها من السر، والوسوسة.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا﴾ [الملك: ١٥] لم يجعلها بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة، والغلظ، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] جبالها وإكامها، وقال مجاهد، والكلبي، ومقاتل: طرقها، وأطرافها، وجوانبها.
﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] مما خلقه رزقًا لكم في الأرض، وإليه النشور وإلى الله تبعثون من قبوركم.
ثم خوف كفار مكة، فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴿١٧﴾ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿١٨﴾ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴿١٩﴾﴾ [الملك: ١٦-١٩] .
﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] قال المفسرون: يعني: عقوبة من السماء، أو عذاب من في السماء.
والمعنى: من في السماء سلطانه، وملكه، وقدرته، لا بد من أن يكون المعنى هذا، لاستحالة أن يكون الله في مكان أو موصوفًا بجهة، وأهل المعاني يقولون: من في السماء هو الملك الموكل بالعذاب وهو جبريل.
والمعنى: ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] بأمره، ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] تضطرب، وتتحرك، والمعنى: أن الله يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتلعو عليهم، وهم يخسفون فيها، والأرض تمور فوقهم، فتقلبهم إلى أسفل.
﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٧] كما أرسل على قوم لوط، فستعلمون في الآخرة، وعند الموت، كيف نذير أي: إنذاري إذا عاينتم العذاب.
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الملك: ١٨] يعني: كفار الأمم السابقة، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: ١٨] أي: إنكاري عليهم بالعذاب.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] تصف أجنحتها في الهواء، ويقبضن أجنحتها بعد البسط، وهذا معنى الطيران، وهو: بسط الأجنحة، وقبضها بعد البسط، ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩] أي: في الحالين: في حال الصف، والقبض،
[ ٤ / ٣٢٩ ]
وفي هذا أكبر آية على قدرة الله تعالى، إذ أمسكها في الهواء على ثقلها ضخم أبدانها، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ [النحل: ٧٩] الآية.
قوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلا فِي غُرُورٍ ﴿٢٠﴾ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ﴿٢١﴾ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٢٢﴾ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ ﴿٢٣﴾ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٢٤﴾ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٥﴾ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٢٦﴾ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ﴿٢٧﴾﴾ [الملك: ٢٠-٢٧] .
﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾ [الملك: ٢٠] لفظ الجند موحد، لذلك قيل: هذا الذي هو استفهام إنكار، أي: لا جند لكم، ينصركم يمنعكم من عذاب الله، قال ابن عباس: ينصركم مني إن أردت عذابكم.
﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠] أي: من الشيطان، يعدهم بأن العذاب لا ينزل بهم.
﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١] أي: من الذي يرزقكم بالمطر، إن أمسكه الله عنكم؟ ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١] أي: ليسوا يعتبرون ولا يتفكرون، بل لجوا في طغيانهم، وتماديهم، وتباعدهم عن الإيمان.
ثم ضرب مثلًا، فقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢] الآية، والإكباب مطاوع الكب، يقال: كببته فأكب.
ضرب المكب على وجهه مثلًا للكافر، لأنه ضال أعمى القلب، فهذا ﴿أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ [الملك: ٢٢] معتدلًا يبصر الطريق، ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢] يعني به: الإسلام، وقال قتادة: هذا في الآخرة، يحشر الله الكافر مكبًا على وجهه يوم القيامة.
كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧]، والمؤمن يمشي سويًا.
﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ [الملك: ٢٣] إلى قوله: ﴿قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣] قال مقاتل: يعني: أنهم لا يشكرون رب هذه النعم، فيوحدونه.
وذكر الله أنهم يستعجلون العذاب بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [الملك: ٢٥] .
ثم ذكر حالهم عند معاينة العذاب، فقال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾ [الملك: ٢٧] يعني: رأوا العذاب قريبًا،
[ ٤ / ٣٣٠ ]
﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك: ٢٧] اسودت، وعلتها الكآبة، ومعنى سيئت أي: قبحت وجوههم بالسواد، يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيئ، إذا قبح، وقيل لهم، هذا العذاب، ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧] قال الفراء: يريد: تدعون وهما واحد، مثل تذكرون، والمعنى: كنتم به تستعجلون، وتدعون الله بتعجيله.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢٨﴾ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٢٩﴾ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴿٣٠﴾﴾ [الملك: ٢٨-٣٠] .
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ [الملك: ٢٨] بعذابه، ومن معي من المؤمنين، أو رحمنا فلم يعذبنا، ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾ [الملك: ٢٨] يمنعهم، ويؤمنهم، ﴿مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الملك: ٢٨] والمعنى: إنا مع إيماننا بين الخوف والرجاء، فمن يجيركم مع كفركم من العذاب؟ أي: أنه لا رجاء لكم كما للمؤمنين.
قل لهم، ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ٢٩] الذي نعبده، ﴿آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ﴾ [الملك: ٢٩] عند معاينة العذاب، من الضال منا، أنحن أم أنتم؟ ومن قرأ بالياء فهو إخبار عن الكافرين الذين تقدم ذكرهم.
ثم احتج عليهم بقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ﴾ [الملك: ٣٠] يعني: ماء زمزم، غورًا ذاهبًا في الأرض غائرًا، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] ظاهر تراه العيون، وتناله الدلاء.
[ ٤ / ٣٣١ ]