ثلاث عشرة آية، مدنية.
١١٨٤ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْمُمْتَحِنَةِ كَانَ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ لَهُ شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿١﴾ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴿٢﴾ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٣﴾﴾ [الممتحنة: ١-٣] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] .
١١٨٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَعْقِلِيُّ، أنا الرَّبِيعُ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَِّد بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁، يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالْمِقْدَادَ وَالزُّبَيْرَ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ، فَخَرَجْنَا تَتَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا لَهَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ،
[ ٤ / ٢٨١ ]
فَقُلْنَا لَهَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟ فَقَالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ نَفْسِهَا، وَقَالَ: مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَاتِهِمْ، وَلَمْ تَكُنْ لِي بِمَكَّةَ قَرَابَةٌ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا، وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُهُ شَكًّا فِي دِينِي، وَلا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ قَدْ صَدَقْتَ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ " وَنَزَلَتْ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] الآية رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَنِ الْحُمَيْدِيّ، وَرَوَاه مُسْلِم، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَجَمَاعَةٌ كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَان
قال المفسرون: إن الآية نزلت في حاطب، حين كتب إلى مشركي قريش يخبرهم بمسير النبي ﷺ إليهم لما قصد فتح مكة، ينهاه الله عن موالاة الكفار.
وقوله: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] قال الزجاج: تلقون إليهم أخبار النبي ﷺ وسره، بالمودة التي بينكم وبينهم، وقد كفروا والواو للحال، لأن المعنى: وحالهم، ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] يعني: القرآن، ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] من مكة، أن تؤمنوا لأن تؤمنوا، كأنه قال: يفعلون ذلك لإيمانكم، ﴿بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١] هذا شرط جوابه متقدم، وهو قوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وقوله: ﴿جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ [الممتحنة: ١] منصوبان لأنهما مفعول لهما، ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]
[ ٤ / ٢٨٢ ]
قال مقاتل: النصيحة.
ثم ذكر أنه لا يخفي عليه من أحوالهم شيء، فقال: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١] من المودة للكفار، وما أعلنتم أظهرتم بألسنتكم، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] يعني: الإسرار والإلقاء إليهم، ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] أخطأ طريق الهدى.
ثم أخبر بعداوة الكفار، فقال: إن يثقفوكم يظفروا بكم، ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [الممتحنة: ٢] بالضرب، وألسنتهم بالشتم، ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢] كما كفروا، والمعنى: التقريب إليهم بنقل أخبار رسول الله ﷺ إليهم.
﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] يعني: قراباتهم، والمعنى: ذوو أرحامكم، يقول: لا تدعونكم، ولا تحملنكم قراباتكم، وأولادكم التي بمكة إلى خيانة رسول الله ﷺ والمؤمنين، فلن ينفعكم أولئك الذي عصيتم الله لأجلهم، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ﴾ [الممتحنة: ٣] الله، بينكم فيدخل أهل طاعته والإيمان به الجنة، وأهل معصيته والكفر به إلى النار، وقرأ ابن كثير: يفصل بضم الياء، والمعنى: راجع إلى الله، كما أن قوله: ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] معناه: خلق الله الإنسان، وقرئ من التفضيل بالوجهين أيضًا، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الممتحنة: ٣] يعني: بما عمل حاطب من مكاتبته أهل مكة، حيث أخبر نبيه بذلك.
ثم ضرب لهم إبراهيم ﵇ مثلًا حين تبرأ من قومه، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿٤﴾ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٥﴾ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿٦﴾﴾ [الممتحنة: ٤-٦] .
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الممتحنة: ٤] اقتداء حسن، يقال: لي به أسوة في هذا الأمر.
أي: اقتداء، أعلم الله تعالى أن إبراهيم وقومه تبرءوا من قومهم وعادوهم، وقال لهم: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ [الممتحنة: ٤] قال الفراء: يقول أفلا تأسيت يا حاطب
[ ٤ / ٢٨٣ ]
بإبراهيم، فتتبرأ من أهلك، كما تبرأ إبراهيم من قومه.
وقوله ﴿إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] قال ابن عباس: ﴿كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾ [الممتحنة: ٤] في صنيع إبراهيم، إلا في استغفاره لأبيه وهو مشرك.
وقال مجاهد: نهوا أن يتأسوا بإبراهيم في استغفاره للمشركين.
وهذا مذكور في آخر ﴿[براءة، وقوله:] وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الممتحنة: ٤] من قول إبراهيم لأبيه، يقول: ما أغني عنك، ولا أدفع عنك عذاب الله إن أشركت به، كان من دعاء إبراهيم وأصحابه: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤] .
وقوله: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٥] قال الزجاج: لا تظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك.
وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا.
ثم أعاد الكلام في ذكر الأسوة، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ﴾ [الممتحنة: ٦] أي: في إبراهيم، والذين معه من المؤمنين، أسوة حسنة قال ابن عباس: إنهم كانوا يبغضون من خالف الله.
وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ [الممتحنة: ٦] بدل من قوله: لكم وبيان أن هذه الأسوة لمن يخاف الله، ويخاف عقاب الآخرة، وهو قوله: ﴿وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ [الممتحنة: ٦] يعرض عن الإيمان، ويوالي الكفار، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [الممتحنة: ٦] عن خلقه، الحميد إلى أوليائه وأهل طاعته.
قال مقاتل: فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار، عادوا أقرباءهم، فأنزل الله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٧﴾ لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٨﴾ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٩﴾﴾ [الممتحنة: ٧-٩] .
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ﴾ [الممتحنة: ٧] أي: من كفار مكة، مودة ففعل بأن أسلم كثير منهم بعد الفتح: أبو سفيان بن حرب، وأبو سفيان بن الحارث، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وكانوا من رؤساء الكفار، والمعادين لأهل الإسلام، والله قدير على جعل المودة، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧] بهم بعد ما تابوا
[ ٤ / ٢٨٤ ]
وأسلموا.
قوله: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] يعني: أهل العهد، الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال والمظاهرة في العداوة، وهم خزاعة، وقوله: أن تبروهم أي: لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم، وهذا يدل على جواز البر بين المسلمين والمشركين، وإن كانت الموالاة منقطعة، وتقسطوا إليهم يقال: أقسطت إلى الرجل إذا عاملته بالعدل.
قال الزجاج: أي: وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد.
ثم ذكر من الذين ينهاهم عن صلتهم، فقال: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩] إلى قوله: أن تولوهم أي: إنما ينهاكم الله أن تتولوا هؤلاء، يعني: أن مكاتبتهم بإظهار سر المسلمين موالاة لهم.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١٠﴾ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴿١١﴾﴾ [الممتحنة: ١٠-١١] .
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] لما صالح قريشًا رسول الله ﷺ يوم الحديبية، على أن يرد عليهم من جاءهم من المسلمين، فلما هاجرت إليه النساء أبى الله أن يرددن إلى المشركين، وأمر بامتحانهن، وهو قوله: فامتحنوهن وذلك أن تستحلف ما هاجرت لبغض زوجها، ولا لحدث أحدثته، ولا خرجت عشقًا لرجل من المسلمين، وما خرجت إلا رغبة في الإسلام، هذا معنى الامتحان المأمور به، وقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: إن هذا الامتحان لكم، والله أعلم بهن، والأمر بالامتحان غير واجب، ولا يجوز رد المرأة إلى الكفار، إذا هاجرت إلى المسلمين، وأظهرت الإيمان، وهو قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وإنما يعلم إيمانها بإقرارها، ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ
[ ٤ / ٢٨٥ ]
وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] قال ابن عباس: لم يحل الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح كافرة لمؤمن.
وآتوهم يعني: أزواجهن الكفار، ما أنفقوا عليهن من المهر، ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] أباح الله نكاحها بشرط المهر، لأن الإسلام فرق بينها وبين زوجها الكافر، ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] يقول: لا تعتد بامرأتك الكافرة، فإنها ليست لك بامرأة، يعني: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها، فقد انقطعت عصمة الزوجية بينهما، قال ابن عباس: يريد بالعصمة: النكاح فيما بينهما.
﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدة، فاسألوهم ما أنفقتم من المهر إذا منعوها، ولم يدفعوها إليكم، فعليهم أن يغرموا لها صداقها كما يغرم لهم، وهو قوله: ﴿وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ١٠] يعني: ما ذكر في هذه الآية.
فإن كانوا أهل حرب ولم يكونوا أهل عهد، فالحكم ما ذكر في قوله: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] قال المفسرون: فغنمتم.
قال الزجاج: تأويله: فكانت العقبي لكم، أي: كانت الغلبة لكم حتى غنمتم.
ومعنى الآية: فغنمتم من العدو شيئًا بأن صارت العاقبة في الظفر لكم، فاعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما أنفقوا عليهن من المهر، وهو قوله: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] .
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢] .
قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] لما فتح رسول الله ﷺ مكة، جاءته النساء يبايعنه، فأنزل الله هذه الآية، وشرط في مبايعتهن أن يأخذ عليهن هذه الشروط، وهو قوله: ﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] فكان النبي ﷺ يبايعهن وهو على الصفا، وعمر بن الخطاب ﵁ أسفل منه، وهند بنت عتبة متنقبة متنكرة مع النساء، خوفًا أن يعرفها رسول الله ﷺ، فقال: أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئًا.
فقالت هند: إنك لتأخذ علينا أمرًا، ما رأيناك أخذته على الرجال.
وبايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد
[ ٤ / ٢٨٦ ]
فقط، فقال النبي ﷺ: ﴿وَلا يَسْرِقْنَ﴾ [الممتحنة: ١٢] فقالت هند: إن أبا سفيان رجل مسيك، وإني أصبت من ماله هنات، فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من مالي من شيء، فيما مضى وفيما غبر، فهو لك حلال.
فضحك رسول الله ﷺ وعرفها، فقال لها: وإنك لهند بنت عتبة؟ قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله، عفا الله عنك.
فقال: ﴿وَلا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] فقالت هند: أوتزني الحرة؟ فقال: ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] فقالت هند: ربيناهم وهم صغار، وقتلتموهم وهم كبار، فأنتم وهم أعلم.
وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر، فضحك عمر ﵁ حتى استلقى، وتبسم النبي ﷺ، قال المفسرون: يعني: الوأد الذي كان يفعله أهل الجاهلية.
قوله: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] قال ابن عباس: لا تلحق بزوجها ولدًا ليس منه.
قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود، فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفترى.
﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وذلك أن المولود إذا وضعته الأم، سقط بين يديها ورجليها، وليس المعنى نهيهن من أن يأتين بولد من الزنا، فينسبنه على الأزواج، لأن الشرط بنهي الزنا قد تقدم، ولما قال هذا، قالت هند: والله إن البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق.
وقوله: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] لما قال هذا، قالت هند: ما جلسنا مجلسنا هذا في وقتنا هذا، وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء.
[ ٤ / ٢٨٧ ]
فأقرت النسوة بما أخذ عليهن، ومعنى: في معروف في كل أمر وافق طاعة الله، وقال عطاء: في كل بر وتقوى.
وقال الكلبي، والمقاتلان: عنى بالمعروف النهي عن النوح، وتمزيق الثياب، وجز الشعر، وشق الجيب، وخمش الوجه، والدعاء بالويل.
وروي عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية الأنصاري، عن جدته أم عطية، قالت: قلت: ما المعروف الذي نهيتني عن المعصية فيه؟ قال: النياحة.
١١٨٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ فُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَبِيوَرْدِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا أَبُو لَبِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالْكَلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ إِلا امْرَأَةً يَمْلِكُهَا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلانَ
وقوله: فبايعهن جواب إذا في أول الآية، أي: إذا بايعنك على هذه الشرائط فبايعهن.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣] .
[ ٤ / ٢٨٨ ]
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣] قال المقاتلان: يقول للمؤمنين: لا تتولوا اليهود.
وذلك أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المسملين، ويتواصلون إليهم بذلك، فيصيبون من ثمارهم، فنهى الله عن ذلك، وقوله: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [الممتحنة: ١٣] يعني: أن اليهود بتكذيبهم محمدا ﷺ وهم يعرفون صدقه، وأنه رسول صادق، يئسوا من أن يكون لهم في الآخرة، ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ﴾ [الممتحنة: ١٣] الذين ماتوا وصاروا في القبور، من أن يكون لهم في الآخرة حظ، وتبينوا أنه ليس لهم في الخير نصيب، قال مجاهد: ﴿يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [الممتحنة: ١٣] بكفرهم.
﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣] من ثواب الآخرة، حين تبين لهم عملهم، وقال سعيد بن جبير: ﴿يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ﴾ [الممتحنة: ١٣] الذين ماتوا فعاينوا الآخرة.
[ ٤ / ٢٨٩ ]