إحدى عشرة آية، مدنية.
١٢٠١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴿١﴾ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ﴿٣﴾ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٤﴾﴾ [المنافقون: ١-٤] .
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه، ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] وتم الخبر عنهم، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١] أي: أنه أرسلك، فهو يعلم إنك رسوله، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] جعلهم كاذبين، لأنهم أضمروا غير ما أظهروا، فدل هذا على أن حقيقة الإيمان بالقلب، ومن قال شيئًا واعتقد خلافه فهو كاذب، ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم: نشهد إنك لرسول الله.
وسماهم الله تعالى كاذبين.
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] تقدم تفسيره في ﴿[المجادلة، قال الضحاك: حلفهم إنهم لمنكم.
] فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة المنافقون: ٢] منعوا الناس عن الجهاد والإيمان بمحمد ﷺ.
ذلك أي: ذلك الكذب، بأنهم آمنوا باللسان، ثم كفروا في السر، ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣] بالكفر، ﴿فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣] الإيمان والقرآن.
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] يعني: أن لهم أجسامًا ومناظر، ﴿وَإِنْ يَقُولُوا﴾ [المنافقون: ٤] إنك لرسول الله، تسمع لقولهم فتحسب أنه حق وصدق منهم، كأنهم خشب لا أرواح فيها، فلا
[ ٤ / ٣٠٢ ]
تعقل ولا تفهم، وكذلك المنافقون لا يسمعون الإيمان ولا يعقلونه، قال الزجاج: وصفهم بتمام الصور، وحسن الإبانة، ثم أعلم أنهم في تركهم التفهم، والاستبصار بمنزلة الخشب.
وقوله: مسندة أي: ممالة إلى الجدار، من قولهم: أسندت الشيء.
أي: أملته، والتفعيل للتكثير، لأنه صفة خشب، وهي جمع، وأراد أنها ليست بأشجار تثمر وتنمو، أو تحسن منظرها، بل هي خشب مسندة إلى حائط، ثم عابهم بالجبن، فقال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] لا يسمعون صوتًا إلا ظنوا أنهم قد أوتوا، إن نادى مناد في العسكر، أو انفلتت دابة، أو نشدت ضالة، ظنوا أنهم هم المرادون، مما في قلوبهم من الرعب أن يكشف الله أسرارهم، ثم أخبر بعداوتهم، فقال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] أي: احذر أن تأمنهم على سرك، لأنهم عيون لأعدائك من الكفار، ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤] مفسر في ﴿[براءة.
] وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴿٥﴾ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٦﴾ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ﴿٧﴾ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴿٨﴾﴾ [سورة المنافقون: ٥-٨] .
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٥] وذلك: أن عبد الله بن أبيّ لما رجع من أحد بكثير من الناس، مقته المسلمون وعنفوه، فقال له بنو أبيه: إيت رسول الله ﷺ حتى يستغفر لك.
فقال: لا أذهب إليه، ولا أريد أن يستغفر لي.
فذلك قوله: لووا رءوسهم قال مقاتل: عطفوا رءوسهم رغبة عن الاستغفار.
ورأيتهم يصدون عن الاستغفار، وهم مستكبرون متكبرون عن استغفار رسول الله ﷺ لهم.
ثم ذكر أن استغفاره لا ينفعهم، فقال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٦] الآية.
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٧] الآية.
١٢٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَمِّي، " فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَقُولُ: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، وَلَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ
[ ٤ / ٣٠٣ ]
الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَدَعَانِي، فَحَدَّثْتُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا، فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَصَدَّقَهُمْ فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، وَجَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] فَأَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَرَأَهَا ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [المنافقون: ٧] أي: أنه هو الرازق لهؤلاء المهاجرين لا هؤلاء، لأن خزائن الرزق من السموات والأرض، هو المطر والنبات لله، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] قال ابن عباس: لا يفقهون أن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨] من هذه الغزوة، وهي غزوة بني المصطلق، ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] عنى بالأعز نفسه، والأذل رسول الله ﷺ، فرد الله عليه، فقال: ولله العزة المنعة والقوة، ولرسوله وللمؤمنين بإعزاز الله، ونصره إياهم، وإظهار دينهم على سائر الأديان، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] ذلك، ولو علموا ما قالوا هذه المقالة.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٩﴾ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٠﴾ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١١﴾﴾ [المنافقون: ٩-١١] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ﴾ [المنافقون: ٩] يعني: لا تشغلكم أموالكم، ﴿وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩] عن الصلوات المفروضة، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [المنافقون: ٩] أي: من شغله ماله، وولده عن ذكر الله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] .
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [المنافقون: ١٠] قال ابن عباس: يريد زكاة الأموال.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] فيسأل الرجعة إلى الدنيا، وهو
[ ٤ / ٣٠٤ ]
قوله: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: ١٠] يعني: استزاده في أجله، حتى يتصدق ويتزكى، وهو قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] قال الضحاك: لا ينزل بأحد الموت لم يحج، ولم يؤد الزكاة، إلا سأل الله تعالى الرجعة.
وقرأ هذه الآية، وقال في قوله: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] يعني: الحج.
وروي ذلك عن أبي عباس.
١٢٠٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي، نا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، نا فَيَّاضُ بْنُ زُهَيْرٍ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي حَبَّةَ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلِ اللَّهَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ»، فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّمَا كُنَّا نَرَى هَذَا الْكَافِرَ، فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ بِهَا قُرْآنًا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] .
قال الزجاج: معناه: هلا أخرتني، وجزم أكن عطف على موضع فأصدق، لأنه على معنى: إن أخرتني أصدق وأكن.
ومن قرأ وأكون فهو على لفظ فأصدق.
ثم أخبر الله تعالى أنه لا يؤخر من انقضت مدته، وحضر أجله، فقال: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ [المنافقون: ١١] أي: الموت، ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١] من خير وشر.
[ ٤ / ٣٠٥ ]