أربعون آية، مكية.
١٢٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عُمَرَوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ سَقَاهُ اللَّهُ ﷿ بَرْدَ الشَّرَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴿٣﴾ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾ أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا ﴿٦﴾ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴿٧﴾ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴿٨﴾ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴿٩﴾ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴿١٠﴾ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴿١١﴾ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴿١٢﴾ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ﴿١٣﴾ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴿١٤﴾ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴿١٦﴾﴾ [النبأ: ١-١٦] .
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] أصله: عن ما، فأدغمت النون في الميم، وحذفت ألف ما، كقولهم: فيم وبم.
قال المفسرون: لما بعث رسول الله ﷺ، وأخبرهم بتوحيد الله، والبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن، جعلوا يتساءلون بينهم، فيقولون: ماذا جاء به محمد ﷺ؟ وما الذي أتى به؟ فأنزل الله ﷿: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] .
قال الزجاج: اللفظ لفظ استفهام، والمعنى: تفخيم القصة، كما تقول: أي شيء زيد؟ إذا عظمت شأنه.
ثم ذكر أن يسألهم عما ذا فقال: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ٢] وهو: القرآن في قول الجميع.
ومعناه: الخبر العظيم الشأن، لأنه ينبئ على التوحيد، وتصديق الرسول، والخبر عما يجوز وعما لا يجوز، وعن البعث والنشور، وقال الضحاك: يعني نبأ يوم القيامة.
ويدل على أن المراد به القرآن، قوله: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ: ٣] وذلك أنهم اختلفوا في القرآن، فجعله
[ ٤ / ٤١١ ]
بعضهم سحرًا، وبعضهم كهانة وشعرًا، وبعضهم أساطير الأولين.
ثم أوعد الله من كذب بالقرآن، فقال: كلا وهو نفي لاختلافهم، أي: ليس الأمر على ما قالوا، سيعلمون عاقبة تكذيبهم، حين تنكشف الأمور.
﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٥] وعيد على أثر وعيد.
ثم ذكر صنعه، ليعرفوا توحيده، فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦] فراشًا، وبساطًا، والجبال أوتادًا للأرض حتى لا تميد.
١٢٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، نا حَامِدُ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُقْرِئُ، نا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ مَدَّ الْأَرْضَ حَتَّى بَلَغَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ، قَالَ: وَكَانَتْ هَكَذَا تَمِيدُ، وَأَرَانِي ابْنُ عَبَّاسٍ بِيَدِهِ هَكَذَا وَهَكَذَا قَالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٧] وَكَانَ أَبُو قُبَيْسٍ مِنْ أَوَّلِ جَبَلٍ وُضِعَ عَلَى الْأَرْضِ.
وخلقناكم أزواجًا ذكرانًا وإناثًا.
﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: ٩] قال الزجاج: السبات هو أن ينقطع عن الروح والحركة في بدنه، أي: جعلنا نومك راحة لكم.
وقال ابن الأنباري: جعلنا نومك قطعًا لأعمالكم، لأن أصل السبت القطع.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠] ساترًا بظلمته ستر اللباس من الثوب.
﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١] المعاش: العيش، وكل شيء يعاش به فهو معاش، والمعنى: وجعلنا النهار مبتغى معاش، أو مطلب معاش، قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: تبتغون فيه من فضل ربكم، وما قسم لكم فيه من رزقه.
﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢] يريد: سبع سموات، غلظ كل واحدة مسيرة خمس مائة عام.
﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣] يعني: الشمس، قال الزجاج: الوهاج: الوقاد، وهو الذي وهج، يقال: وهجت تهج، وهجًا ووهجانًا.
[ ٤ / ٤١٢ ]
قال مقاتل: جعل فيه نورا وحرًا، والوهج يجمع النور والحرارة.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ [النبأ: ١٤] قال مجاهد، ومقاتل، والكلبي، وقتادة: يعني الرياح.
وقال الأزهري: هي الرياح ذوات الأعاصير.
ومن معناه الباء، كأنه قال: بالمعصرات، وذلك أن الريح تستدر المطر.
وقال أبو العالية، والربيع، والضحاك: هي السحاب.
وهي رواية الوالبي، عن ابن عباس.
قال الفراء: المعصر: السحابة التي تتجلب المطر.
وقوله: ماء ثجاجًا أي: صبابًا، يقال: ثج الماء يثج ثجوجًا.
إذا انصب.
لنخرج به أي: بذلك الماء، حبًا وهو ما يأكله الناس، ونباتًا ما تنبته الأرض، مما يأكل الناس، والأنعام.
وجنات ألفافًا ملتفة من الشجر، واحدها: لف، بالكسر، وقال أبو العباس: واحدها لفا: وحمعها لف.
ثم يجمع ألفافًا.
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ﴿١٧﴾ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴿١٨﴾ وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴿١٩﴾ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴿٢٠﴾ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴿٢١﴾ لِلطَّاغِينَ مَآبًا ﴿٢٢﴾ لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴿٢٣﴾ لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا ﴿٢٤﴾ إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴿٢٥﴾ جَزَاءً وِفَاقًا ﴿٢٦﴾ إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴿٢٧﴾ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا ﴿٢٨﴾ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ﴿٢٩﴾ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا ﴿٣٠﴾﴾ [النبأ: ١٧-٣٠] .
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ [النبأ: ١٧] يوم القضاء بين الخلق، ﴿كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ: ١٧] لما وعد الله من الثواب، والعقاب.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: ١٨] زمرًا من كل مكان للحساب.
وفتحت السماء لنزول الملائكة، فكانت أبوابًا أي: ذات أبواب.
﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ [النبأ: ٢٠] عن أماكنهم، فكانت سرابًا أي: هباء منبثًا لعين الناظر، كالسراب بعد شدتها وصلابتها.
﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ: ٢١] قال الزهري: المرصاد: المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو.
وقال المبرد: مرصادًا يرصدون به، أي: هو معد لهم، يرصد بها خزنتها الكفار.
ثم بين أنها مرصاد لمن، فقال: ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ [النبأ: ٢٢] قال ابن عباس: للمشركين الضالين.
﴿مَآبًا﴾ [النبأ: ٢٢] مرجعًا يرجعون إليه.
﴿لابِثِينَ فِيهَا﴾ [النبأ: ٢٣] وقرأ حمزة لبثين فيها وهما بمعنى واحد، مثل
[ ٤ / ٤١٣ ]
طمع وطامع، وفره وفاره، أحقابًا واحدها حقب، وهو ثمانون سنة، وقد مضى الكلام فيه، قال المفسرون: الحقب الواحد بضع وثمانون سنة، السنة ثلاث مائة وستون يومًا، اليوم ألف سنة من أيام الدنيا.
وقال الحسن: لم يجعل الله لأهل النار مدة، بل قال: ﴿أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣] فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب، دخل آخر ثم آخر، كذلك إلى الأبد.
١٢٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ التَّاجِرُ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ كوهي بْنُ الْحَسَنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَضْرَمِيُّ، نا زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ هُوَ الْبَصْرِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَلا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ دَخَلَهَا حَتَّى يَمْكُثَ فِيهَا أَحْقَابًا، وَالْحُقْبُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَالسَّنَةُ ثَلاثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا، كُلُّ يَوْمٍ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، فلا يَتَّكِلْنَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ» .
١٢٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَوْدِيُّ، نا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ قَالَ: لَوْ عَلِمَ أَهْلُ النَّارِ أَنَّهُمْ يَلْبَثُونَ فِي النَّارِ عَدَدَ حَصَى الدُّنْيَا لَفَرِحُوا، وَلَوْ عَلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ يَلْبَثُونَ فِي الْجَنَّةِ عَدَدَ حَصَى الدُّنْيَا لَحَزِنُوا
﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤] قال ابن عباس: يريد النوم والماء.
[ ٤ / ٤١٤ ]
وقال مقاتل: لا يذوقون في جهنم بردًا ينفعهم من حرها، ولا شرابًا ينفعهم من عطشها.
﴿إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٥] تقدم تفسيرها.
﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] قال مقاتل: وافق عذاب النار الشرك، لأنهما عظيمان، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار.
وقال الزجاج: أي: جوزوا جزاء وفق أعمالهم.
ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ: ٢٧] لا يخافون أن يحاسبوا، والمعنى: كانوا لا يؤمنون بالبعث، ولا بأنهم يحاسبون.
﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [النبأ: ٢٨] بما جاءت به الأنبياء، كذابًا تكذبيًا، وفعال من مصادر التفعيل، قال الفراء: هي لغة فصيحة يمانية، قال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني: الحلق أحب إليك أم القصار؟ ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ: ٢٩] أي: وكل شيء من الأعمال بيناه في اللوح المحفوظ، كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] .
فذوقوا أي: فيقال لهم: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون، فلن نزيدكم إلا عذابًا.
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴿٣١﴾ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴿٣٢﴾ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴿٣٣﴾ وَكَأْسًا دِهَاقًا ﴿٣٤﴾ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا ﴿٣٥﴾ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ﴿٣٦﴾﴾ [النبأ: ٣١-٣٦] .
إن للمتقين الذين لم يجعلوا لله شريكًا، مفازًا فوزًا بالجنة، ونجاة من النار.
ثم فسر ذلك الفوز، فقال: حدائق وأعنابًا يعني: أشجار الجنة، وثمارها، وكواعب جواري تكعبت ثديهن، أترابًا مستويات في السن.
وكأسًا دهاقًا ممتلئة.
١٢٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ نِسْطَاسٍ،
[ ٤ / ٤١٥ ]
قَالَ: دَعَا ابْنُ عَبَّاسٍ غُلامًا، فَقَالَ: اسْقِنَا دِهَاقًا فَجَاءَ الْغُلامُ بِهَا مَلْأَى، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا الدِّهَاقُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: هِيَ الْمُتَتَابِعَةُ.
أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤] قال: ممتلئة.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ [النبأ: ٣٥] يعني: في الجنة إذا شربوها، ﴿لَغْوًا﴾ [النبأ: ٣٥] باطلًا من الكلام، ولا كذابًا ولا يكذب بعضهم بعضًا، قال ابن عباس: وذلك أن أهل الدنيا، إذا شربوا الخمر تكلموا بالباطل، وأهل الجنة إذا شربوا لم يتكلموا عليها بشيء يكرهه الله ﷿.
وروي عن الكسائي التخفيف في هذه الآية، قال الفراء: وهو حسن المعنى، لا يكذب بعضهم بعضًا.
قال أبو عبيدة: الكذاب: مخفف مصدر المكاذبة.
وقال أبو علي: هو مصدر كذب، كالكتاب في مصدر كتب.
﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ [النبأ: ٣٦] قال الزجاج: المعنى: جازاهم بذلك جزاء.
وكذلك: ﴿عَطَاءً﴾ [النبأ: ٣٦] أي: وأعطاهم عطاء، ﴿حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦] قال أبو عبيدة: كافيًا.
وقال ابن قتيبة: كثيرًا، يقال: أحسبت فلانًا.
أي: أكثرت له وأعطيته ما يكفيه.
قال الزجاج: أي في ذلك الجزاء كل ما يشتهون.
﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ﴿٣٧﴾ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴿٣٨﴾ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا ﴿٣٩﴾ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴿٤٠﴾﴾ [النبأ: ٣٧-٤٠] .
﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ [النبأ: ٣٧] فيه ثلاثة أوجه من القراءة: رفعهما بالقطع من الخبر الذي قبله رب السموات ابتداء، الرحمن خبره، وخفضهما باتباع الجر الذي قبلهما، وهو قوله: من ربك، ومن خفض الأول أتبعه الجر الذي قبله، واستأنف بقوله: الرحمن، وجعل لا يملكون في
[ ٤ / ٤١٦ ]
موضع خبره، ومعنى: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ [النبأ: ٣٧] قال مقاتل: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه.
قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبأ: ٣٨] أي: في ذلك اليوم، قال مجاهد، وقتادة، وأبو صالح: الروح خلق من خلق الله ﷿ على صورة بني آدم، وليسوا بناس يقومون صفًا والملائكة صفًا، هؤلاء جند وهؤلاء جند.
وقال عطاء، عن ابن عباس: الروح ملك من الملائكة، ما خلق الله مخلوقًا أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفًا، وقامت الملائكة كلهم صفًا واحدًا، فيكون عظم صفه مثل صفوفهم.
لا يتكلمون يعني: الخلق كلهم، ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨] وهم: المؤمنون، والملائكة، وقال في الدنيا، صوابًا أي: شهد بالتوحيد، وقال: لا إله إلا الله.
﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ [النبأ: ٣٩] الكائن، الواقع، يعني: يوم القيامة، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: ٣٩] مرجعًا بالطاعة، أي: فمن شاء رجع إلى الله بطاعته.
ثم خوف كفار مكة، فقال: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠] يعني: العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت قريب، ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] يعني: أن كل أحد يرى عمله في ذلك اليوم، ما قدم من خير وشر مثبتًا عليه في صحيفته، فيرجو ثواب الله على صالح عمله، ويخاف العقاب على سوء عمله، وأما الكافر فإنه يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] قال الحسن: إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة، فقضى بين الثقلين الجن والإنس، وأنزلهم منازلهم، قال لسائر الخلق: كونوا ترابًا.
فكانوا ترابًا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا.
وقال الزجاج: وقيل: إن معنى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] أي: ليتني لم أبعث.
[ ٤ / ٤١٧ ]