ستون وآيتان، مكية.
٨٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا الْيَرْبُوعِيُّ، نا الْمَدَايِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ مَنْ صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ وَجَحَدَهُ» .
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴿١﴾ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴿٢﴾ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ﴿٤﴾ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴿٥﴾ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ﴿٦﴾ وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ﴿٧﴾ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ﴿٨﴾ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴿٩﴾ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴿١٠﴾ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴿١١﴾﴾ [النجم: ١-١١] .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] أقسم الله تعالى بالقرآن، إذ أنزل نجومًا متفرقة على رسول الله ﷺ في عشرين سنة، والمراد بالنجم: القرآن، سمي نجمًا، لتفريقه في النزول، والعرب تسمي التفريق تنجيمًا، والمفرق منجمًا، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وزاذان، وهوى معناه: نزل من أعلى إلى أسفل، يقال: هوى يهوي هويًا وهويًا، إذا سقط من علو إلى أسفل، وقال في رواية الوالبي، وعطية: يعني: الثريا إذا سقطت وغابت.
والعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة، وقال في رواية عكرمة: يعني: المرجوم من النجوم، وهو ما يرمى به الشياطين عند استراق السمع.
وجواب القسم قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾
[ ٤ / ١٩٢ ]
[النجم: ٢] يعني: النبي ﷺ، يقول: ما ضل عن طريق الهدى.
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] وما يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن محمدًا يقول القرآن من تلقاء نفسه.
فقال الله تعالى: ما ينطق محمد بالقرآن من هوى نفسه.
إن هو ما القرآن إلا من الله، وحي يوحى إليه، يأتيه به جبريل، وهو قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] يعني: جبريل، والقوى: جمع قوة.
ذو مرة ذو قوة، وشدة في خلقه، فاستوى جبريل.
وهو كناية عن جبريل، بالأفق الأعلى يعني: أفق المشرق والمغرب، والمراد بالأعلى: جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب، في صعيد الأرض لا في الهواء، قال المفسرون: إن جبريل كان يأتي النبي ﷺ في صورة الآدميين، فسأله رسول الله ﷺ أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه مرتين، مرة في الأرض، ومرة في السماء، فأما في الأرض: ففي الأفق الأعلى، وذلك أن محمدًا ﷺ كان بحراء، فطلع له جبريل ﵇ من المشرق، فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله ﷺ مغشيًا عليه، فنزل جبريل في صورة الآدميين، فضمه إلى نفسه، وهو يقول: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] تقديره: ثم تدلى فدنا، أي: قرب بعد بعده وعلوه في الأفق الأعلى، فدنا من محمد ﷺ، قال الحسن، وقتادة: ثم دنا جبريل، بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض، فنزل إلى محمد ﷺ.
وقال أبو صالح: جبريل الذي دنا فتدلى.
وقال الزجاج: معنى دنا وتدلى واحد، لأن المعنى: أنه قرب، وتدلى زاد في القرب، كما تقول: قد دنا مني فلان وقرب، ولو قلت: قرب مني ودنا جاز.
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩] يقال: قاب قوس، وقيب قوس، أي: قدر قوس، وهذا قول جميع المفسرين في القاب، قال الكسائي: هي لغة حجازية، يقال: كان مني قاب قوسين، وقاد قوسين، وقيد قوسين.
قال الزجاج: كان ما بينه وبين رسول الله ﷺ مقدار قوسين.
والقوس: ما يرمى به في قول
[ ٤ / ١٩٣ ]
مجاهد، وعكرمة، وعطاء، عن ابن عباس، وخصت بالذكر على عادتهم، كما قال الكسائي، وقال عبد الله بن مسعود: قدر ذراعين.
وهو قول شقيق بن سلمة، وأبي إسحاق الهمذاني، وروي ذلك مرفوعًا.
٨٩٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَافِظُ، فِيمَا أَجَازَ لِي أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَِّد بْنِ عَمْرٍو، عَنْ كَثِيرِ بْنِ خُنَيْسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] أَمَا قَابَ قَوْسَيْنِ، فَقَوْلُ ذِرَاعَيْنِ أَوْ أَدْنَى مِنْ ذِرَاعَيْنِ وَمَعْنَى الْقَوْسِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَا يُقَاسُ بِهِ الشَّيْءُ، وَالذِّرَاعُ مَا يُقَاسُ بِهِ
قال ابن السكيت: قاس الشيء يقوسه قوسًا، لغة في قاسه يقيسه إذا قدره.
٨٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نا ابْنُ نُمَيْرٍ، نا أَبُو أُسَامَةَ، نا زَكَرِيَّا، عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ﴿٨﴾ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴿٩﴾ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴿١٠﴾﴾ [النجم: ٨-١٠] قَالَتْ: إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ
ومعنى قوله: أو أدنى قال الزجاج: أي: فيما تقدرون أنتم، والله تعالى عالم بمقادير الأشياء، ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا.
ومعنى الآية: أن جبريل ﵇ مع عظمه، وكثرة أجزائه، حتى سد الأفق بجناحيه، دنا من النبي ﷺ في غير تلك الصورة، حتى قرب منه، وفي ذلك بيان قدرة الله تعالى.
٨٩٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُطَّوِعِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِي، أنا أَبُو يَعْلَى، نا أَبُو خَيْثَمَةَ، نا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، نا زُهَيْرٌ، نا أَبُو
[ ٤ / ١٩٤ ]
إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: أَتَيْتُ دَارَةَ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، فَأَلْقَيْتُ عَلَى مَحَبَّةٍ مِنْهُ، وَعِنْدَهُ شَبَابٌ، فَقَالُوا لِي: سَلْهُ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ وَلَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ كِلاهُمَا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ
قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] قال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي: أوحى جبريل إلى النبي ﷺ ما أوحى الله إليه.
وقال قتادة: يوحي الله إلى جبريل، ويوحي جبريل إلى محمد صلى الله عليهما.
قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] يقال: كذبه، إذا قال له الكذب ولم يصدقه، قال المبرد: معنى الآية: أنه رأى شيئًا فصدق فيه.
وقال أبو الهيثم: ما رأى بمعنى: الرؤية، تقول: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم ير، بل صدقه الفؤاد رؤيته.
وما رأى مصدر في موضوع النصب، لأنه مفعول كذب، وهذا إخبار عن رؤية النبي ﷺ ليلة المعراج ربه، قال ابن عباس: رأى محمد ربه بفؤاده، ولم يره بعينه.
ويكون ذلك على أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرًا، حتى رأى ربه رؤية غير كاذبة، كما ترى بالعين، ومذهب جماعة من المفسرين: أنه رآه بعينه.
وهو قول أنس، وعكرمة، والحسن، وكان يحلف بالله: لقد رأى محمد ربه.
فكل هؤلاء أثبتوا رؤية صحيحة: إما بالعين، وإما بالفؤاد، ومذهب عبد الله بن مسعود، وعائشة ﵄ في هذه الآية: أنه رأى جبريل في صورته التي خلق عليها.
وقرأ ابن عامر ما كذب بالتشديد، وقال المبرد: في هذه القراءة بعد، لأنه إذا رأى بقلبه، فقد
[ ٤ / ١٩٥ ]
علمه أيضًا، والقلب يكذب ويصدق، فإذا كان الشيء في القلب معلومًا، فكيف يكون معه تكذيب؟ وهذا على ما قال المبرد: إذا جعلت الرؤية للفؤاد، فإن جعلتها للعين زال الإشكال، وصح المعنى، فيقال: ما كذب فؤاده ما رآه ببصره.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] قال ابن عباس: رأى محمد ﷺ ربه.
٨٩٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرْكَانِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ.
٨٩٦ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا قَيْسٌ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اصْطَفَى إِبْرَاهِيمَ بِالْخُلَّةِ، وَاصْطَفَى مُوسَى بِالْكَلامِ وَاصْطَفَى مُحَمَّدًا بِالرُّؤْيَةِ.
٨٩٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا الْبَغَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ الْمُؤَدِّبِ، قُلْتُ: أَخْبَرَكُمُ الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ، نا سُفْيَانُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عَمِّهِ سُلَيْمِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مِنْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا نَضْرٍ لا تَبْرَحْ حَتَّى أُشْهِدَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ وَإِذَا الرَّجُلُ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا أَخْبَرَكَ أَبُوكَ، عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ رَأَى رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي خُضْرٍ مِنَ الْفِرْدَوْسِ، قَالَ سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ: نَعَمْ كَذَا حَدَّثَنِي إِلا أَنَّهُ قَالَ: رَأَى رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ.
وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا نَازِلًا مِنَ السَّمَاءِ نَزْلَةً أُخْرَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَآهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِالْأُفُقِ الأَعْلَى، وَمَرَّةً أُخْرَى رَآهُ مُنْهَبِطًا
[ ٤ / ١٩٦ ]
مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ سَادًّا خَلْقُهُ مَا بَيْنَهُمَا
وعلى قول ابن عباس معنى: نزلة أخرى هو: أنه كانت للنبي ﷺ عرجات في تلك الليلة، لما استحط ربه من أعداد الصلوات المفروضة، فيكون لكل عرجة نزلة، فرأى ربه في بعض تلك النزلات.
قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴿١٢﴾ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴿١٣﴾ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴿١٤﴾ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴿١٥﴾ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴿١٦﴾ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴿١٧﴾ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴿١٨﴾﴾ [النجم: ١٢-١٨] .
﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١٢] قال جماعة من المفسرين: أفتجادلونه.
وذلك أنهم جادلوه حين أسري به، فقالوا: صف لنا مسجد بيت المقدس، وأخبرنا عن عيرنا في طريق الشام، وغير ذلك مما جادلوه به، والمعنى: أفتجادلونه جدالًا، ترومون به دفعه عما علمه وشاهده؟ ومن قرأ: أفتمرونه كان معناه: أفتجحدونه، يقال: مريت الرجل حقه إذا جحدته، قال المبرد: أي: أفتدفعونه عما يرى.
وعلى في موضع عن، والمعنيان متقاربان، لأن مجادلتهم جحود، وكل مجادل جاحد.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] رأى جبريل في صورته التي خلق عليها، نازلًا من السماء نزلة أخرى، وذلك أنه رآه في صورته مرتين على ما ذكرنا.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٤] يعني: رآه محمد وهو عند سدرة المنتهى، وقال الكلبي، ومقاتل: هي شجرة عن يمين العرش، فوق السماء السابعة، انتهى إليها علم كل ملك.
٨٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: " لَمَّا رُفِعَتْ إِلَيَّ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ نَبْقُهَا مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ وَوَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، يَخْرُجُ مِنْ سَاقِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ "
وقال عبد الله بن مسعود: إليها ينتهي ما يصعد به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها.
والمنتهى: موضوع الانتهاء، وهذه الشجرة حيث تنتهي إليها الملائكة،
[ ٤ / ١٩٧ ]
فأضيفت إليه.
﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٥] قال عطاء، عن ابن عباس: جنة يأوي إليها جبريل والملائكة.
وقال مقاتل، والكلبي: جنة يأوي إليها أرواح الشهداء.
﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] قالوا: فراش من ذهب يغشاها.
وقال الحسن، ومقاتل: تغشاها الملائكة أمثال الغربان، حتى يقعن على الشجرة.
وروي أن النبي ﷺ، قال: «رأيت على كل ورقة من ورقها ملكًا، قائمًا يسبح الله ﷿» .
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ [النجم: ١٧] ما مال بصر النبي ﷺ يمينًا، ولا شمالًا، وما طغى وما جاوز ما رأى، وهذا وصف أدبه في ذلك المقام، إذ لم يلتفت إلى جانب، ولم يمل بصره، ولم يمده أمامه إلى حيث ينتهي.
لقد رأى تلك الليلة، ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] يعني: الآيات العظام التي رآها تلك الليلة، وقال قوم: يعني: رأى من آيات ربه الآية الكبرى.
وهو قول عبد الله بن عباس في رواية أبي صالح، قال: رأى جبريل في صورته التي خلق عليها، له ست مائة جناح.
ولما قص الله تعالى هذه الأقاصيص، قال للمشركين: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ﴿١٩﴾ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴿٢٠﴾ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى ﴿٢١﴾ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ﴿٢٢﴾ إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ﴿٢٣﴾ أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى ﴿٢٤﴾ فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى ﴿٢٥﴾ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴿٢٦﴾ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى ﴿٢٧﴾ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴿٢٨﴾﴾ [النجم: ١٩-٢٨] .
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ﴿١٩﴾ وَمَنَاةَ﴾ [النجم: ١٩-٢٠] والمعنى: أخبرونا عن هذه الآلهة، التي تعبدونها من دون الله،
[ ٤ / ١٩٨ ]
هل لها قدرة توصف بها، كما يوصف الله تعالى بالقدرة والعظمة؟ وهذه أسماء أصنام اتخذوها آلهة، فعبدوها من دون الله، وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى، فقالوا: من الله: اللات، ومن العزيز: العزى.
وكان الكسائي يختار الوقف عليها بالهاء، وقال الزجاج: الوقف عليها بالتاء لاتباع المصحف، فإنها تكتب بالتاء.
والعزى تأنيث الأعز، وهي بمعنى: العزيزة، وكانت شجرة بنخلة لغطفان يعبدونها، فبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها، وقال:
يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك
وقال قتادة: كانت مناة للأنصار.
وقال الضحاك، والكلبي: كانت لهذيل وخزاعة.
وكان ابن كثير يقرأها بالمد والهمزة، والصحيح: قراءة العامة، لأن العرب سمت زيد مناة، وعبد مناة، ولم يسمع فيها المد، والثالثة نعت لمناة يعني: الثالثة للصنمين في الذكر، والأخرى نعت لها أيضًا.
﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ [النجم: ٢١] قال الكلبي: قال مشركو مكة: الأصنام، والملائكة بنات الله.
فنحلوه البنات، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره.
فقال الله تعالى منكرًا عليهم: ألكم الذكر يعني: البنين، وله الأنثى يعني: ما نحلوه من الأصنام، وهي إناث في أسمائها والملائكة.
﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢٢] جائرة غير معتدلة، يعني: القسمة التي قسمتم، من نسبة البنات إلى الله تعالى، وإيثاركم أنفسكم البنين،
[ ٤ / ١٩٩ ]
قسمة غير عادلة، والقراء على ترك الهمز من ضيزى، وقرأ ابن كثير بالهمز، يقال: ضاز حقه يضيز، وضأز يضأز مثله، قال الفراء، وزجاج: ضيزى فعلى، فنقلت إلى فعلى لتسلم الياء، كما قالوا: بيض وعين فكسروا أولهما لتكونا بالياء، كذلك كرهوا أن يقولوا: ضوزى، فتصير بالواو وهي من الياء.
﴿إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ﴾ [النجم: ٢٣] أخبر الله تعالى أن هذه الأصنام التي سموها بهذه الأسامي لا معاني تحتها، لأنه لا ضر عندها ولا نفع، فهي تسميات ألقيت على جمادات، ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] قال مقاتل: لم ينزل كتابًا، لكم فيه حجة بما تقولون إنها آلهة.
والمعنى: ما أنزل الله بعبادتها من سلطان، ثم رجع إلى الإخبار عنهم بعد المخاطبة، فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٣] في أنها آلهة، وهو ما زين لهم الشيطان، ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] البيان والرشاد، بالكتاب والرسول، وهذا تعجيب من حالهم، حيث لم يتركوا عبادتها، مع وضوح البيان.
ثم أنكر على الكفار تمنيهم شفاعة الأصنام، فقال: أم للإنسان يعني: الكافر، ما تمنى من شفاعة الأصنام.
﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى﴾ [النجم: ٢٥] أي: لا يملك فيهما أحد شيئًا إلا بإذنه.
ثم أكد هذا بقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٦] جمع الكناية لأن المراد بقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾ [النجم: ٢٦] الكثرة، ﴿إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ [النجم: ٢٦] في الشفاعة، ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] أي: من أهل التوحيد، قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة، إلا لمن ﵁، كقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
ثم ذم صنيعهم، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [النجم: ٢٧] بالبعث، ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ [النجم: ٢٧] حين زعموا أن الملائكة بنات الله.
﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ [الجاثية: ٢٤] أي: التسمية، من علم قال مقاتل: ما يستيقنون أنهم إناث.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] لا يقوم مقام الحق، ولا يغني عن العلم، فالحق ههنا معناه: العلم، وهذا يدل على أن الظان غير عالم.
ثم أمره بالإعراض عنهم، بقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٢٩﴾ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ﴿٣٠﴾ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ
[ ٤ / ٢٠٠ ]
الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴿٣١﴾ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴿٣٢﴾﴾ [النجم: ٢٩-٣٢] .
﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩] يعني: القرآن، وهذا مما نسخته آية القتال.
ثم صغر رأيهم، فقال: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠] أي: لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله، وأن الأصنام تشفع لهم، فاعتمدوا ذلك، وأعرضوا عن القرآن، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [النجم: ٣٠] أي: أنه عالم بهم، فهو يجازيهم، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم: ٣٠] أي: أنه عالم بالفريقين، فلا يذهب عليه جزاؤهما.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [النجم: ٣١] إخبار عن قدرته، وسعة ملكه، وهذا معترض بين الآية الأولى، وبين قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ [النجم: ٣١] الآية، واللام في ليجزي متعلق بمعنى الآية الأولى، لأنه إذا كان أعلم بهم، جازى كلا بما يستحقه، وهي لام العاقبة، وذلك لأن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم، وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك، لذلك أخبر به في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ﴾ [النجم: ٣١] في الآخرة، الذين أساءوا أشركوا، بما عملوا من الشرك، ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ [النجم: ٣١] وحدوا ربهم، بالحسنى بالجنة.
ثم نعتهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ﴾ [النجم: ٣٢] وهو: كل ذنب ختم بالنار، والفواحش كل ذنب فيه الحد، وقرأ حمزة كبير الإثم لأنه مضاف إلى واحد في اللفظ، وإن كان يراد به الكثرة، فلتوحيده في اللفظ وحد الكبير، وقوله: إلا اللمم يعني: صغائر الذنوب، كالنظرة، والقبلة، وما كان دون الزنا، وهذا قول ابن مسعود، وأبي هريرة، والشعبي، ويصدق هذا ما:
٨٩٩ - أَخْبَرَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ النَّسَوِيُّ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ النَّسَوِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ
[ ٤ / ٢٠١ ]
النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَشْتَهِي وَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ» .
فَإِنْ تَقَدَّمَ بِفَرْجِهِ كَانَ الزِّنَا وَإِلا فَهُوَ اللَّمَمُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ
وقال ابن عباس: هو أن يلم بالذنب مرة، ثم يتوب منه، ولا يعود.
وهو قول الحسن، والسدي، قال ابن عباس: كان النبي ﷺ، يقول:
إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما
وهذا القول اختيار أبي إسحاق، فقال: اللمم هو: أن يكون الإنسان قد ألم بالمعصية، ولم يقم على ذلك.
ويدل على هذا قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] قال ابن عباس: لمن فعل ذلك، ثم تاب.
وتم الكلام هاهنا، ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] يعني: قبل أن خلقكم، ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [النجم: ٣٢] يريد: ما كان من خلق آدم من التراب، ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ [النجم: ٣٢] جمع جنين، ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] قال الحسن: علم الله تعالى من كل نفس ما هي صانعة، وإلى ما هي صايرة.
﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] لا تبرئوها عن الآثام، ولا تمدحوها بحسن أعمالها، يدل على هذا ما روي أن زينب بنت أبي سلمة، قالت: سميت برة، فقال النبي ﷺ: «لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بالبر منكم» .
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] أي: بر، وأطاع، وأخلص العمل لله.
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ﴿٣٣﴾ وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى ﴿٣٤﴾ أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ﴿٣٥﴾ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ
[ ٤ / ٢٠٢ ]
مُوسَى ﴿٣٦﴾ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴿٣٧﴾ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴿٣٨﴾ وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ﴿٣٩﴾﴾ [النجم: ٣٣-٣٩] .
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ [النجم: ٣٣] أدبر عن الحق والإسلام، يعني: الوليد بن المغيرة، كان قد آمن، ثم عيره بعض المشركين بترك دينه، فقال: إني خشيت عذاب الله.
فقال: أنا أتحمل عنك العذاب، إن أعطيتني من مالك كذا وكذا.
فرجع إلى الشرك، وأعطى الذي عيره بعض ذلك المال، ومنعه تمامه، وذلك قوله: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى﴾ [النجم: ٣٤] قال الفراء: أمسك من العطية وقطع.
وقال المبرد: منع منعًا شديدًا.
﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ [النجم: ٣٥] ما غاب عنه من أمر العذاب، فهو يرى أي: يعلم أن صاحبه يتحمل عنه عذابه.
﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ [النجم: ٣٦] لم يخبر، ولم يحدث، ﴿بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ [النجم: ٣٦] يعني: أسفار التوراة.
وإبراهيم وفي صحف إبراهيم، الذي وفى وتمم، وأكمل ما أمر به، قال المفسرون: بلغ قومه، وأدى إليهم ما أمر به.
وقال آخرون: أكمل ما يجب لله عليه من الطاعة، في كل ما أمر، وامتحن به.
ثم بين ما في صحفهما، فقال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨] أي: لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى، ومعناه: لا تؤاخذ نفس بإثم غيرها، وفي هذا إبطال لقول من ضمن للوليد أن يحمل عنه الإثم، وهذا عام في كل شريعة، وقد روي في شرعنا: أن رؤساء الكفر، والداعين إلى الضلالة، يزاد لهم الوزر، بسبب إضلالهم أتباعهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] فأما أن تحمل نفس ذنب نفس أخرى، حتى تصير المحمول عنها، كأنها لم تأت بذنب، فليس ذلك في شريعة.
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] عطف على قوله تعالى: ألا تزر وهذا أيضًا مما في صحف إبراهيم وموسى، ومعناه: ليس له جزاء إلا جزاء سعيه، إن عمل خيرًا جزي خيرًا، وإن عمل شرًا جزي شرًا، وروى الوالبي، عن ابن عباس: أن هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة، بقوله: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] رفع الله درجة الذرية، وإن لم يستحقوها بأعمالهم.
ونحو هذا قال
[ ٤ / ٢٠٣ ]
عكرمة، وكان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة: فلهم ما سعى غيرهم نيابة عنهم، ومن قال: إنه غير منسوخ الحكم، قال: الآية تدل على منع النيابة في الطاعات، إلا ما قام عليه الدليل كالحج.
وهو أن امرأة قالت لرسول الله ﷺ: إن إبي مات، ولم يحج.
قال: «فحجي عنه» .
﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ﴿٤٠﴾ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى ﴿٤١﴾ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ﴿٤٢﴾ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ﴿٤٣﴾ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴿٤٤﴾ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ﴿٤٥﴾ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴿٤٦﴾ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى ﴿٤٧﴾ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ﴿٤٨﴾ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ﴿٤٩﴾ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى ﴿٥٠﴾ وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ﴿٥١﴾ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ﴿٥٢﴾ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى ﴿٥٣﴾ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ﴿٥٤﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ﴿٥٥﴾ هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى ﴿٥٦﴾ أَزِفَتِ الآزِفَةُ ﴿٥٧﴾ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ﴿٥٨﴾ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴿٥٩﴾ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ ﴿٦٠﴾ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ﴿٦١﴾ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ﴿٦٢﴾﴾ [النجم: ٤٠-٦٢] .
﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: ٤٠] يوم القيامة في منزلته، من أريته الشيء.
ثم يجزاه يجزى الإنسان سعيه، يقال: جزيت فلانًا سعيه.
يتعدى إلى مفعولين، الجزاء الأوفى الأكمل الأتم.
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢] منتهى العباد، ومرجعهم إليه.
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] هذا يدل على أن كل ما يعمله الإنسان فبقضاء الله وقدره، حتى الضحك والبكاء، قال الكلبي: أضحك أهل الجنة، وأبكى أهل النار.
وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر.
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ﴾ [النجم: ٤٤] في الدنيا، وأحيا بالبعث.
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ [النجم: ٤٥] الصنفين، الذكر والأنثى من كل حيوان.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم: ٤٦] تصب في الرحم.
﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: ٤٧] الخلق الثاني للبعث يوم القيامة.
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى﴾ [النجم: ٤٨] الناس، بالأموال ومولهم، وأقنى أعطى القنية، وأصول الأموال، وما يدخرونه بعد الكفاية، وقال مقاتل، ومجاهد: أقنى: قنع، ورضي بما أعطى الفقير.
﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩] وهو كوكب خلف الجوزاء، كانت خزاعة تعبدها، فقال الله تعالى: أنا رب الشعرى
[ ٤ / ٢٠٤ ]
فاعبدوني.
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ [النجم: ٥٠] وهم: قوم هود، أهلكوا بريح صرصر، وكان لهم عقب، فكانوا عادا الأخرى.
وثمودًا وهم: قوم صالح، أهلكهم الله بالصيحة، فما أبقى منهم أحدًا.
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ [النجم: ٥٢] أهلك الله قوم نوح من قبل عاد، وثمود، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ [النجم: ٥٢] من غيرهم، لطول دعوة نوح إياهم، وعتوهم على الله بالمعصية، والتكذيب.
والمؤتفكة قرى قوم لوط، المخسوف بها، أهوى أسقط، أي: أهواها جبريل، بعد أن رفعها، وأتبعهم الله بالحجارة، فذلك قوله: فغشاها ألبسها الله، ما غشى يعني: الحجارة.
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم: ٥٥] هذا خطاب للإنسان، لما عدد الله ما فعله مما يدل على وحدانيته، قال: فبأي نعم ربك، التي تدلك على وحدانيته، تتشكك؟ قال ابن عباس: يريد: تكذب يا وليد، يعني: الوليد بن المغيرة.
هذا نذير يعني: محمدًا ﷺ، ﴿مِنَ النُّذُرِ الأُولَى﴾ [النجم: ٥٦] من الرسل قبله، قال قتادة: يقول أنذر محمد، كما أنذر الرسل من قبله.
أزفت الآزفة دنت القيامة، واقتربت الساعة.
﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨] أي: إذا غشيت الخلق بشدائدها، وأهوالها، لم يكشفها عنهم أحد، ولم يردها، وهذا قول عطاء، والضحاك، وقتادة.
وتأنيث كاشفة على تقدير: نفس كاشفة، ويجوز أن تكون الكاشفة مصدرًا، كالجاثية، والعاقبة، والمعنى: ليس لها من دون الله كشف، أي: لا يكشف عنها غيره، ولا يظهرها، كقوله: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] .
قوله: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾ [النجم: ٥٩] يعني: القرآن، تعجبون أي: من إنزاله على محمد ﷺ، فتكذبون به.
وتضحكون تستهزئون به، ولا تبكون مما فيه من الوعيد.
وأنتم سامدون لاهون، غافلون، معرضون، والسمود: الغفلة والسهو عن الشيء.
فاسجدوا لله الخالق، واعبدوا فإنه المستحق للعبادة.
٩٠٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ فِيهَا فَمَا بَقِيَ مِنَ الْقَوْمِ إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ قَدْ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصَا، فَوَضَعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ.
[ ٤ / ٢٠٥ ]