وهي تسعون وست آيات.
١١٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ، نا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ كُتِبَ لَيْسَ مِنَ الْغَافِلِينَ» .
أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن مسروق، قال: من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ أهل الدنيا والآخرة، فليقرأ ﴿[الواقعة.
بسم الله الرحمن الرحيم] إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿١﴾ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴿٢﴾ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴿٣﴾ إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا ﴿٤﴾ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ﴿٥﴾ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ﴿٦﴾ وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً ﴿٧﴾ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴿٨﴾ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ﴿٩﴾ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴿١٠﴾ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴿١١﴾ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿١٢﴾﴾ [سورة الواقعة: ١-١٢] .
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] قال ابن عباس: إذا قامت القيامة.
والواقعة اسم للقيامة، كالآزفة وغيرها.
ليس لوقعتها لمجيئها وظهورها، كاذبة كذب، أي: أنها تقع صدقًا وحقًا، وليس فيها، ولا في
[ ٤ / ٢٣١ ]
الإخبار عن وقوعها كذب.
خافضة رافعة قال ابن عباس: تخفض ناسا، وترفع آخرين.
وقال عطاء عنه: تخفض أقوامًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقوامًا كانوا في الدنيا متضعين.
وقال قتادة: خفضت أقوامًا في عذاب الله، ورفعت أقوامًا في كرامة الله.
والمعنى: أنها تخفض أقوامًا إلى أسفل سافلين في النار، وترفع أقوامًا آخرين إلى أعلى عليين في الجنة.
﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] حركت حركة شديدة، قال قتادة، ومقاتل: زلزلت زلزالًا.
وقال جماعة من المفسرين: ترج كما يرج الصبي في المهد، حتى ينهدم كل بناء عليها، وينكسر كل ما عليها من الجبال.
وهو قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥] قال عطاء: فتتت فتًا.
وهذا قول مقاتل، ومجاهد، وقال السدي: كسرت كسرًا.
وقال الحسن: قلعت من أصلها.
يقال: بس الشيء إذا فتّته حتى يصير فتاتًا.
﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦] غبارًا متفرقًا، كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من الكوة وهو الهباء.
ثم ذكر أحوال الناس، فقال: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] أي: أصنافًا ثلاثة.
ثم فسرها، فقال: فأصحاب الميمنة يعني: اليمين، وهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، ويجوز أن يراد بهم: الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] تعجيب من شأنهم، كقولك: زيد ما زيد، ومثله: ﴿الْحَاقَّةُ ﴿١﴾ مَا الْحَاقَّةُ ﴿٢﴾﴾ [الحاقة: ١-٢] .
﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] يعني: أصحاب الشمال، وتفسير هذه الآية على الضد من تفسير التي قبلها.
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] يعني: الذين سبقوا إلى توحيد الله، والإيمان برسوله، وقال مقاتل: إلى الأنبياء بالإيمان.
﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] إلى جزيل ثواب الله، وعظيم كرامته، مثل النبيين والمرسلين.
ثم أخبر أين محلهم، فقال: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢] .
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ﴿١٣﴾ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴿١٤﴾ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ﴿١٥﴾ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ﴿١٦﴾ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ﴿١٧﴾ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ﴿١٨﴾ لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ ﴿١٩﴾ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴿٢٠﴾ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴿٢١﴾ وَحُورٌ عِينٌ ﴿٢٢﴾ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ﴿٢٣﴾ جَزَاءً بِمَا كَانُوا
[ ٤ / ٢٣٢ ]
يَعْمَلُونَ ﴿٢٤﴾ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا ﴿٢٥﴾ إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا ﴿٢٦﴾﴾ [الواقعة: ١٣-٢٦] .
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ١٣] يعني: من لدن آدم إلى زمان نبينا محمد ﷺ، والثلة: جماعة غير محصورة العدد، قال مقاتل: يعني: سابق الأمم.
﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٤] من هذه الأمة، قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين، وصدقوا بهم، أكثر ممن عاين النبي ﷺ.
﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة: ١٥] منسوجة، كما توضن حلق الدرع، فيدخل بعضها في بعض، قال المفسرون: منسوجة بقضبان الذهب.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] غلمان لا يهرمون، ولا يتغيرون، قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه لمخلد.
قال: ويقال: مخلدون مقرطون، يقال: خلد جاريته، إذ أخلدها بالخلد، وهي القرطة.
قال ابن عباس: غلمان لا يموتون.
بأكواب هي الأقداح المستديرة الأفواه، لا آذان لها ولا عرى، والأباريق ذات الخراطيم، واحدها: إبريق، وهو الذي برق لونه من صفائه.
وما بعد هذا مفسر في ﴿[والصافات، إلى قوله: مما يتخيرون أي: يختارون، يقال: تخيرت الشيء أخذت خيره.
] وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٢١] قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير، فيصير ممثلًا بين يديه على ما اشتهى.
وحور عين أكثر القراءة بالرفع على معنى: ولهم أو عندهم حور عين، ومن قرأ بالخفض، فقال الفراء: هو وجه الكلام على أن يتبع آخر الكلام أوله، وإن لم يحسن في الآخرة ما حسن في الأول، يعني: أنه عطف على الأول في الظاهر، وإن لم يعطف في المعنى، كما قال الشاعر:
وزججن الحواجب والعيونا.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
فعطف العيون على الحواجب وهي لا تتزجج، على معنى: كحلن العيون.
لذلك ههنا معناه: ويكرمون بفاكهة، ولحم طير، وحور عين.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] أي: يفعل ذلك بهم جزاء أعمالهم.
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أي: لا لغو فيها فيسمع، ﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] أي: لا يقولون بعضهم لبعض: أثمت، لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم، وهذا معنى قول ابن عباس: لا يتكلمون بالإثم كما يتكلم أهل الدنيا.
إلا قليلًا أي: لكن يقولون قيلًا، أو يسمعون قيلًا، سلامًا يسلمون فيه من اللغو والإثم، وقال عطاء: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام.
ثم ذكر أصحاب اليمين، وعجب من شأنهم، فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ﴿٢٧﴾ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴿٢٨﴾ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ﴿٢٩﴾ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴿٣٠﴾ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ ﴿٣١﴾ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴿٣٢﴾ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ﴿٣٣﴾ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ﴿٣٤﴾ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ﴿٣٥﴾ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ﴿٣٦﴾ عُرُبًا أَتْرَابًا ﴿٣٧﴾ لأَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٣٨﴾ ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ﴿٣٩﴾ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴿٤٠﴾﴾ [الواقعة: ٢٧-٤٠] .
﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ﴿٢٧﴾ فِي سِدْرٍ﴾ [الواقعة: ٢٧-٢٨] وهو نوع من الشجر، مخضود منزوع الشوك، خضد شوكه أي: قطع شوكه، فلا شوك فيه.
وطلح وهو من أعظم أشجار العرب، منضود نضد بالحمل من أوله إلى آخره، فليست له سوق بارزة.
وظل ممدود دائم باق لا يزول، ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول لكل شيء طويل، لا ينقطع: ممدود.
وماء مسكوب مصبوب، يجري الليل والنهار لا ينقطع عنهم، فهو مسكوب بسكب الله إياه في مجاريه.
وفاكهة كثيرة يعني: ألوان فواكه الجنة.
لا مقطوعة قال ابن عباس: لا تنقطع إذا جنيت.
ولا ممنوعة لا تمنع من أحد أراد أخذها، وقال ابن قتيبة: يعني: أنها غير محظورة عليها، كما يحظر على بساتين الدنيا.
فينظر الناظر إلى ثمارها، ولا يصل إليها فهي محظورة مقطوعة، ممنوعة عن الناس ممنوعة، ويجوز أن يكون المعنى: أنها غير مقطوعة بالأزمان، كما تنقطع أكثر فواكه الدنيا في الشتاء، ولا ممنوعة بالأثمان، لا يتوصل إليها إلا بالثمن، يدل على هذا ما روي أن ابن شوذب، قال: مررت بالحجاج بن فرافصة، وهو واقف على أصحاب الفاكهة،
[ ٤ / ٢٣٤ ]
فقلت له: ما يقيمك ههنا.
قال: أنظر إلى هذه المقطوعة الممنوعة.
وفرش مرفوعة على الأسرة، وهو قول علي ﵁، قال: فوق السرير.
وجماعة المفسرين، قالوا: بعضها فوق بعض، فهي مرفوعة عالية.
قوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] خلقناهن خلقًا جديدًا، قال ابن عباس: يعني: النساء الآدميات العجز الشمط، يقول: خلقناهن بعد الكبر والهرم في الدنيا خلقًا آخر، وقال الضحاك: أنشأهن الله بعد إذ كن عجزًا.
فجعلناهن أبكارًا عذارى، وقال مقاتل: يعني: الحور العين أنشأهن الله تعالى، لم تقع عليهن ولادة.
ثم نعتهن، فقال: عربًا جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها، قال المبرد: هي العاشقة لزوجها.
أترابًا أمثالًا، مستويات في السن على سن واحد.
لأصحاب اليمين يريد: أنشأناهن لأصحاب اليمين.
ثم نعتهم، فقال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] من المؤمنين الذين كانوا قبل هذه الأمة.
﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] من مؤمني هذه الأمة، وهذا قول عطاء، ومقاتل، وذهب جماعة: أن الثلثين جميعًا من هذه الأمة، وهو قول مجاهد، والضحاك، واختيار الزجاج، قال: جماعة ممن تبع النبي ﷺ وعاينه، وجماعة ممن آمن به وكان بعده.
وروي مرفوعًا:
١١٦٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، نا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ﴿٣٩﴾ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ﴿٤٠﴾﴾ [الواقعة: ٣٩-٤٠]، قَالَ: جَمِيعُ الثُّلُثَيْنِ مِنْ أُمَّتِي
ثم ذكر أصحاب الشمال، وذكر منازلهم، فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ﴿٤١﴾ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ﴿٤٢﴾ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ﴿٤٣﴾ لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ﴿٤٤﴾ إِنَّهُمْ كَانُوا
[ ٤ / ٢٣٥ ]
قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴿٤٥﴾ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ﴿٤٦﴾ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿٤٧﴾ أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ ﴿٤٨﴾ قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ ﴿٤٩﴾ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴿٥٠﴾ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ﴿٥١﴾ لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ﴿٥٢﴾ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴿٥٣﴾ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ﴿٥٤﴾ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ﴿٥٥﴾ هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ﴿٥٦﴾﴾ [الواقعة: ٤١-٥٦] .
﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ﴿٤١﴾ فِي سَمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤١-٤٢] أي: في حر النار، ﴿وَحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] ماء حار يغلي.
﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] من دخان جهنم، واليحموم: يفعول من الأحم وهو الأسود، والعرب تقول: أسود يحموم، إذا كان شديد السواد.
ثم نعت ذلك الظل، فقال: ﴿لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] قال ابن عباس: يريد: لا بارد المدخل، ولا كريم المنظر.
قال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعًا لكل شيء نعت عنه وصفًا ينوي به الذم، تقول: ما هو بسمين ولا كريم، وما هذه الدار بواسعة ولا كريمة.
ثم ذكر أعمالهم التي أوجبت لهم هذا، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] كانوا في الدنيا منعمين، متكبرين في ترك أمر الله.
﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦] الحنث: الذنب الكبير.
قال أهل التفسير: عنى به الشرك، أي: كانوا لا يتوبون عن الشرك.
وقال الشعبي: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦]: اليمين الغموس.
ومعنى هذا: أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون، وكذبوا في ذلك، فهذا إصرارهم على الحنث العظيم، ويدل على هذا قوله: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا﴾ [الواقعة: ٤٧] الآية وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] وقرئ بضم الشين، قال المبرد: الفتح على أصل المصدر، والضم اسم للمصدر، والمعنى فيهما واحد، تقول: شغله شغلًا والاسم الشغل، وضعف ضعفًا والاسم الضعف.
والهيم الإبل العطاش، وقال ابن عباس: هي التي بها الهيام لا تروى.
وقال مقاتل: يلقى على أهل النار العطش، فيشربون كشرب الهيم.
هذا نزلهم يعني: ما ذكر من الزقوم، والشراب غذاؤهم، يوم الدين يوم يجازون بأعمالهم.
ثم احتج عليهم في البعث، بقوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ ﴿٥٧﴾ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ﴿٥٨﴾ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ﴿٥٩﴾ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ
[ ٤ / ٢٣٦ ]
الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴿٦٠﴾ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ ﴿٦١﴾ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذْكَّرُونَ ﴿٦٢﴾﴾ [الواقعة: ٥٧-٦٢] .
نحن خلقناكم قال مقاتل: خلقناكم ولم تكونوا شيئًا مذكورًا، وأنتم تعلمون ذلك.
فلولا فهلا، تصدقون بالبعث.
﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] ما تقذفون، وتصبون في أرحام النساء من النطف.
أأنتم تخلقون ما تمنون بشرًا، ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ﴿٥٩﴾ نَحْنُ قَدَّرْنَا﴾ [الواقعة: ٥٩-٦٠] وقرأ ابن كثير مخففًا، وهما لغتان: قدرت الشيء وقدرته، ﴿بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] قال مقاتل: فمنكم من يموت كبيرًا، ومنكم من يموت صغيرًا، وشابًا، وشيخًا.
وقال الضحاك: تقديره: أنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء.
وعلى هذا يكون معنى قدرنا: قضينا.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] بمغلوبين.
﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١] أي: نأتي بخلق مثلكم بدلًا منكم، قال الزجاج: إن أردنا أن نخلق خلقًا غيركم، لم يسبقنا سابق، ولا يفوتنا.
﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] من الصور، أي: إن أردنا أن نجعل منكم القردة والخنازير لم نسبق، ولا فاتنا ذلك.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى﴾ [الواقعة: ٦٢] ابتداء الخلق، حين خلقتم من نطفة، وعلقة، ومضغة، ﴿فَلَوْلا تَذْكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] فلا تنكروا قدرة الله على النشأة الأخيرة.
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ﴿٦٣﴾ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴿٦٤﴾ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴿٦٥﴾ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ﴿٦٦﴾ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴿٦٧﴾ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴿٦٨﴾ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ﴿٦٩﴾ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ﴿٧٠﴾ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴿٧١﴾ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ﴿٧٢﴾ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ﴿٧٣﴾ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٧٤﴾﴾ [الواقعة: ٦٣-٧٤] .
﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] تعملون في الأرض، وتلقون فيها من البذر.
﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقعة: ٦٤] تنبتونه، أم نحن المنبتون، قال المبرد: يقال: زرعه الله أي: أنماه.
﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ﴾ [الواقعة: ٦٥] جعلنا ما تحرثون، ﴿حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] قال عطاء: تبنا لا قمح فيه.
قال الزجاج: أي: أبطلناه حتى يكون متحطمًا، لا حنطة فيه ولا شيء.
والمعنى: أنه يقول: لو نشاء لجعلنا ما تحرثون كلأ، يصير بعد يبسه حطامًا متكسرًا، لا حنطة فيه، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] قال الفراء: تفكهون: تتعجبون مما نزل
[ ٤ / ٢٣٧ ]
بكم في زرعكم.
وهو قول عطاء، والكلبي، ومقاتل، قال: ويقال: معناه: تندمون.
وهو قول عكرمة، وقتادة، والحسن، وقال أبو عمرو، والكسائي: هو التلهف على ما فات.
ويقولون: إنا لمغرمون المغرم: الذي ذهب ماله بغير عوض، تقولون: إنا قد غرمنا الحب الذي بذرناه، فذهب من غير عوض.
وهو قوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧] حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في الزرع، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١] تستخرجونها وتقدحونها، يقال: أوريت النار إذا قدحتها.
﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ [الواقعة: ٧٢] التي تقدح منها، ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣] قال عطاء: موعظة ليتعظ بها المؤمن.
وقال عكرمة، ومجاهد، ومقاتل: جعلنا النار تذكرة للنار الكبرى.
أي: إذا رآها الرائي، ذكر جهنم وما يخافه من العذاب، فذكر الله، واستجار به منها، ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] المقوي: الذي ينزل بالقوى، وهي الأرض الخالية، والمعنى: ينتفع بها أهل البوادي والأسفار، النازلين في الأرض القي، ومنفعتهم بما بها أكثر من منفعة المقيم، وذلك أنهم يوقدونها ليلًا لتهرب منهم السباع، ويهتدي بها الضال من الطريق، وقال عكرمة، ومجاهد: للمقوين: للمستمتعين بها من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين، يستضيئون بها في الظلمة، ويصطلون من البرد، وينتفعون بها في الطبخ والخبز.
وعلى هذا القول المقوي من الأضداد، يقال للفقير: مقو، لخلوه من المال، وللغني: مقو، لقوته على ما يريد، يقال: أقوى الرجل إذا صار إلى حالة القوة، والمعنى: ومتاعًا للأغنياء والفقراء، وذلك لأنه لا غنى لأحد عنها.
ولما ذكر الله تعالى ما يدل على توحيده، وما أنعم به عليهم، قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] أي: فبرئ الله مما يقولون في وصفه.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴿٧٥﴾ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴿٧٦﴾ إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ ﴿٧٧﴾ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ﴿٧٨﴾ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ ﴿٧٩﴾ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٨٠﴾ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ﴿٨١﴾ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴿٨٢﴾﴾ [الواقعة: ٧٥-٨٢] .
[ ٤ / ٢٣٨ ]
فلا أقسم لا زائدة، والمعنى: فأقسم، ويجوز أن تكون ردًا لما يقوله الكفار في القرآن، من أنه سحر، وشعر، وكهانة، ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم، وقوله: بمواقع النجوم قال ابن عباس: أقسم بنزول القرآن، نزل متفرقًا قطعًا نجومًا.
وقال جماعة من المفسرين: يريد: مغارب النجوم ومساقطها.
وقرئ بموقع النجوم على واحد، وقال المبرد: موقع ههنا مصدر، فهو يصلح للواحد والجمع.
ثم أخبر عن عظم هذا القسم، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] قال الفراء، والزجاج: هذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن.
والضمير في: إنه يعود على القسم، ودل عليه أقسم، والمعنى: وإن القسم بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعلمون.
ثم ذكر المقسم عليه، بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] قال مقاتل: كرمه الله وأعزه، لأنه كلامه.
وقال أهل المعاني: القرآن الكريم الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير بالدلائل التي تؤدي إلى الحق في الدين.
وقال الأزهري: الكريم: اسم جامع لما يحمد، والقرآن الكريم يحمد لما فيه من الهدى، والبيان، والعلم، والحكمة.
﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] مستور من خلقه عند الله، في اللوح المحفوظ.
﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أكثر المفسرين على أن الكناية في قوله: لا يمسه تعود إلى الكتاب المكنون، والمطهرون هم الملائكة، قال المبرد: لا يمس ذلك اللوح المحفوظ إلا الملائكة، الذين وصفوا بالطهارة.
ومذهب قوم: أن الضمير يعود إلى القرآن، والمراد به: المصحف، كما روي في الحديث: «نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو»، يعني به: المصحف، والمراد بقوله: المطهرون أي: من الأحداث والجنايات، وقالوا: لا يجوز للمحدث، والحائض، والجنب مس المصحف.
وهذا قول محمد بن علي، وعطاء، وطاوس، وسالم، والقاسم، ومذهب مالك، والشافعي.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
١١٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: لا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلا عَلَى طُهْرٍ
﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٨٠] يعني: القرآن، منزل من عند رب العالمين على رسوله ﷺ.
قوله: أفبهذا الحديث يعني: القرآن، أنتم يا أهل مكة، مدهنون تكفرون وتكذبون، قال الزجاج: أي: أفبالقرآن تكذبون، قال: والمدهن المداهن: الكذاب المنافق.
ومعنى المدهن: من الإدهان، وهو الجري في الباطن على خلاف الظاهر، هذا أصله، ثم قيل للمكذب: مدهن.
وإن صرح بالتكذيب والكفر.
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] قال المفسرون: تجعلون شكركم، أنكم تكذبون بنعم الله عليكم، فتقولون: سقينا بنوء كذا.
وذلك أنهم كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا.
ولا ينسبون السقيا إلى الله تعالى، فقيل لهم: أتجعلون رزقكم، أي: شكركم بما رزقتم التكذيب، والمعنى: شكر رزقكم فحذف المضاف، قال الأزهري: معنى الآية: وتجعلون بدل شكر رزقكم الذي رزقكم الله التكذيب، فإنه من عند الله الرزاق.
قال: ومن جعل الرزق من عند الله، وجعل النجم وقتًا وقته الله للغيث، ولم يجعله المغيث الرازق، رجوت أن لا يكون مكذبًا.
والله أعلم.
١١٦٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا ابْنُ بَطَّةَ، أنا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، نا عَمْرُو بْنُ
[ ٤ / ٢٤٠ ]
مَرْزُوقٍ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «يُصْبِحُ النَّاسُ مُجْدِبِينَ فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى بِرِزْقٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَيُصْبِحُونَ مُشْرِكِينَ يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا» .
١١٦٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نا حَرْمَلَةُ وَعْمَرُو بْنُ سَوَادٍ السَّرْحِيُّ، قَالا: أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَلَمْ تَرَ إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ يَقُولُونَ: الْكَوَاكِبُ وَبِالْكَوَاكِبِ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَرْمَلَةَ وَعَمْرِو بْنِ سَوَادَةَ.
﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ﴿٨٣﴾ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ﴿٨٤﴾ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ﴿٨٥﴾ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴿٨٦﴾ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٨٧﴾﴾ [الواقعة: ٨٣-٨٧] .
﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] يقول: فهلا إذا بلغت الروح، أو النفس الحلقوم عند الموت.
﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] قال الزجاج: وأنتم يا أهل الميت في تلك الحال، ترون الميت قد صار إلى أن يخرج نفسه.
وقال صاحب النظم: معنى تنظرون ههنا: لا يمكنكم الدفع ولا تملكون شيئًا.
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥] أي: بالعلم، والقدرة، والرؤية، ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] لا تعلمون ذلك، والخطاب للكفار، وقال المفسرون: ونحن أقرب يعني: ملك الموت وأعوانه.
والمعنى: ورسلنا القابضون روحه، ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] أولئك الذي حضروه.
فلولا فهلا، ﴿إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] غير مملوكين، وقال أكثرهم: غير محاسبين.
ترجعونها تردونها إلى موضعها، إن كنتم محاسبين، ولا مجزيين كما تزعمون، يقول: إن كان الأمر كما تقولون أنه لا بعث، ولا حساب، ولا جزاء، ولا إله يحاسب ويجازي، فهلا تردون
[ ٤ / ٢٤١ ]
نفس من يعز عليكم، إذا بلغت الحلقوم! وإذ لم يمكنكم ذلك بوجه، فاعلموا أن الأمر إلى غيركم، وهو الله ﷿.
ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت، بقوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٨٨﴾ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ﴿٨٩﴾ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩٠﴾ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩١﴾ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ﴿٩٢﴾ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ﴿٩٣﴾ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴿٩٤﴾ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ﴿٩٥﴾ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٩٦﴾﴾ [الواقعة: ٨٨-٩٦] .
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ [الواقعة: ٨٨] الذي بلغت روحه الحلقوم، ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: ٨٨] عند الله.
﴿فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] أي: فله روح، وهو الراحة والاستراحة، وقال مجاهد: الروح: الفرح.
﴿وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] يعني: الرزق في الجنة، وقال الحسن، وأبو العالية: يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه.
﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ [الواقعة: ٩٠] المتوفى، ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩٠﴾ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴿٩١﴾﴾ [الواقعة: ٩٠-٩١] أي: أنك ترى فيهم ما تحب من السلامة، وقال مقاتل: هو أن الله تعالى يتجاوز عن سيئاتهم، ويقبل حسناتهم.
﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] بالبعث، الضالين عن الهدى.
﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] فالذي يعد له حميم جهنم.
وتصلية جحيم وإدخال لنار عظيمة، كما يقال: ويصلى سعيرًا في قراءة من شدد.
١١٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ
[ ٤ / ٢٤٢ ]
جُنَادَة، قَالَ: نا فُلانٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ، فَأَنْشَأَ الْقَوْمُ يَبْكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا يُبْكِيكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ إِلا وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَالَ: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٨٨﴾ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ﴿٨٩﴾﴾ [الواقعة: ٨٨-٨٩] قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيُحِبُّ لِقَاءَ اللَّهِ وَاللَّهُ لِلِقَائِهِ أَحَبُّ ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ﴿٩٢﴾ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ﴿٩٣﴾ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴿٩٤﴾﴾ [الواقعة: ٩٢-٩٤] فَيَكْرَهُ لِقَاءَ اللَّهِ وَاللَّهُ لِلِقَائِهِ أَكْرَهُ ".
قوله: إن هذا يعني: ما ذكر من قصة المحتضرين، ﴿لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] حق الأمر اليقين.
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] نزه الله عنه السوء، والباء زائدة، والاسم يكون بمعنى: الذات والنفس، كأنه قيل: فسم اسم ربك العظيم.
[ ٤ / ٢٤٣ ]