مكية، وهي ثلاثون وخمس آيات.
٨٣٤ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ السِّجِسْتَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا الْمَدَايِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْأَحْقَافِ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدِدِ كُلِّ رَمْلٍ فِي الدُّنْيَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم ﴿١﴾ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾ مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾﴾ [الأحقاف: ١-٣] .
﴿حم ﴿١﴾ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾﴾ [الجاثية: ١-٢] ذكرنا نظم هذه الآية في ﴿[الجاثية.
] مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ﴾ [سورة الأحقاف: ٣] قال ابن عباس: لم يخلقهما باطلا لغير شيء، ما خلقناهما إلا للثواب والعقاب.
وأجل مسمى يعني: يوم القيامة، وهو الأجل الذي تنتهي إليه السموات والأرض، وهذا إشارة إلى فنائهما وانقضاء أمدهما، ذكر أن الكفار أعرضوا عن الإيمان، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] أي: خوفوا به في القرآن من البعث، والحساب والجزاء معرضون.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ
[ ٤ / ١٠٢ ]
هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٤﴾ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴿٥﴾ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴿٦﴾﴾ [الأحقاف: ٤-٦] .
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٤] مفسر في ﴿[فاطر، إلى قوله:] ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [سورة الأحقاف: ٤] من قبل القرآن، فيه برهان ما تدعون من عبادة الأصنام، أو أثارة أي: بقية، من علم يقال: ناقة ذات أثارة، أي: بقية من شحم.
قال ابن قتيبة: أي: بقية من علم عن الأولين.
وقال الفراء، والمبرد: يعني: ما يؤثر من علم من كتب الأولين.
وهو معنى قول المفسرين.
وقال عطاء: يريد: أو شيء تأثرونه عن نبي كان قبل محمد ﷺ.
وقال مقاتل: أو رواية من علم عن الأنبياء.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤] أن لله شريكًا.
ثم ذكر ضلالتهم، فقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف: ٥] يعني: الأصنام لا تجيب عابديها إلى شيء يسألونه، ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] يعني: أبدًا ما دامت الدنيا، ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] لأنها جماد لا تسمع.
ثم إذا قامت القيامة، صارت الآلهة أعداء لمن عبدها في الدنيا، وهو قوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف: ٦] وهذا كقوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢] وذلك أنهم يتبرءون من عابديهم، كقوله: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] .
ثم ذكر أنهم يسمون القرآن سحرًا، فقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿٧﴾ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٨﴾ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٩﴾ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٠﴾﴾ [الأحقاف: ٧-١٠] .
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ [الأحقاف: ٧] الآية.
ويقولون: إن محمدًا أتى به من قبل نفسه، وهو قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [الأحقاف: ٨] .
فقال الله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الأحقاف: ٨] لا تقدرون على أن تردوا عني عذابه، أي: فكيف أفتري على الله من أجلكم، وأنتم لا تقدرون على دفع عقابي عني، إن
[ ٤ / ١٠٣ ]
افتريت عليه شيئًا؟ هو أي: الله، ﴿أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٨] بما تقولون في القرآن، وتخوضون فيه من التكذيب به، والقول فيه بأنه سحر، وكهانة، ﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأحقاف: ٨] أن القرآن جاء من عند الله، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف: ٨] في تأخير العذاب عنكم، حين لا يعجل عليكم بالعقوبة، وقال الزجاج: هذا دعاء لهم من الله إلى التوبة، معناه: أن من أتى من الكبائر بمثل ما أوتيتم به، من الافتراء على الله وعليّ، ثم تاب، فالله غفور له رحيم به.
قوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] ما أنا بأول رسول، قد بعث قبلي كثير من الرسل، والبدع والبديع من كل شيء: المبتدأ، ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] أيتركني بمكة، أو يخرجني منها، ويخرجكم؟ وقال الحسن: لا أدري أأموت أم أقتل؟ ولا أدري أيها المكذبون، أترمون بالحجارة من السماء، أم يخسف بكم، أم أي شيء يفعل بكم، مما فعل بالأمم المكذبة؟ وهذا إنما هو في الدنيا، فأما في الآخرة فقد علم أنه في الجنة، وأن من كذبه في النار، ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف: ٩] ما أتبع إلا القرآن، ولا أبتدع من عندي شيئًا، ﴿وَمَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩] أنذركم العذاب، وأبين لكم الشرائع.
قل أرأيتم معناها: أخبروني، أي: ماذا تقولون؟ إن كان القرآن، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] هو أنزله، وكفرتم أنتم أيها المشركون، ﴿بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأحقاف: ١٠] يعني: عبد الله بن سلام، كان شاهدًا على صدق محمد ﷺ في نبوته، على مثله المثل صلة، معناه: عليه، أي: على أنه من عند الله، فآمن يعني: الشاهد، واستكبرتم أنتم عن الإيمان به، وجواب قوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]
[ ٤ / ١٠٤ ]
محذوف على تقدير: أليس قد ظلمتم.
ويدل على هذا المحذوف قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] وقال الحسن: جوابه: فمن أضل منكم؟ كما قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ﴾ [فصلت: ٥٢] الآية، وقال أبو علي الفارسي: تقديره أتأمنون عقوبة الله.
ومعنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠] إن الله جعل جزاء المعاندين للإيمان بعد الوضوح والبيان، أن نمدهم في ضلالتهم، ونحرمهم الهداية.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴿١١﴾ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ﴿١٢﴾﴾ [الأحقاف: ١١-١٢] .
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأحقاف: ١١] يعني: المشركين، للذين آمنوا من أصحاب رسول الله ﷺ، ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا﴾ [الأحقاف: ١١] لو كان ما جاء به محمد خيرًا، ﴿مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] نظم الكلام يوجب أن يكون ما سبقتمونا إليه، ولكنه على ترك المخاطبة.
أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله الحافظ، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر الحافظ، أنا أبو العباس الهروي، نا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: كانت زنيرة امرأة ضعيفة البصر، فلما أسلمت كان الأشراف من مشركي قريش يستهزئون بها، ويقولون: والله لو كان ما جاء به محمد خيرًا ما سبقتنا إليه زنيرة، فأنزل الله فيها وفي أمثالها هذه الآية.
﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ١١] لم يصيبوا الهداية بالقرآن، فسيقولون: إنه كذب، وهو قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] أي: أساطير الأولين.
ومن قبله قبل القرآن، كتاب موسى يعني: التوراة، إمامًا يقتدى به، ورحمة من الله للمؤمنين به، من قبل القرآن، قال الزجاج: إمامًا منسوب على الحال.
وتقدير الكلام: وتقدمه كتاب موسى إمامًا، وفي الكلام محذوف به يتم المعنى، وتقديره: فلم يهتدوا به، ودل
[ ٤ / ١٠٥ ]
عليه قوله في الآية الأولى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، وذلك أن المشركين لم يهتدوا بالتوراة، فيتركوا ما هم عليه من عبادة الأوثان، ويعرفوا منها صفة محمد ﷺ، ثم قال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ﴾ [الأحقاف: ١٢] أي: للكتب التي قبله، لسانًا عربيًا منصوب على الحال، المعنى: مصدقًا لما بين يديه عربيًا، وذكر اللسان توكيدًا، كما تقول: جاءني زيد رجلًا صالحًا، فيذكر رجلًا توكيدًا، لِتُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: مشركي مكة، ومن قرأ بالياء أسند الفعل إلى الكتاب، وبشرى وهو بشرى، يعني: الكتاب للمحسنين الموحدين، يقول: الكتاب لهم بشرى بالجنة.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١٣﴾ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٤﴾﴾ [الأحقاف: ١٣-١٤] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣] تقدم تفسيره.
قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿١٥﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ﴿١٦﴾﴾ [الأحقاف: ١٥-١٦] .
﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف: ١٥] تقدم تفسيره في ﴿[العنكبوت، وقرئ ههنا إحسانًا والمعنى: أمرناه بالإحسان إليهما، كقوله: وبالوالدين إحسانًا، ثم ذكر ما
[ ٤ / ١٠٦ ]
قاسته الأم في حمل الولد، ووضعه، فقال:] حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [سورة الأحقاف: ١٥] يعني: حين أثقلت، وثقل عليها الولد، ووضعته كرهًا قال ابن عباس: يريد شدة الطلق.
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] يريد: أن مدة حمله إلى أن فصل من الرضاع، كانت هذا القدر، روى عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: إذا حملت المرأة تسعة أشهر، أرضعته واحدًا وعشرين شهرًا، وإذا حملته ستة أشهر، أرضعته أربعة وعشرين شهرًا.
وقال مقاتل، وعطاء، والكلبي، عن ابن عباس: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، وكان حمله وفصاله هذا القدر.
ويدل على صحة هذا قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأحقاف: ١٥] إلى آخر الآية، وقد علمنا أن كثيرًا من الناس ممن بلغ هذا المبلغ لم يكن منه هذا القول، وهو ما ذكر الله تعالى عنه ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [الأحقاف: ١٥] إلى آخر الآية، فدل على أنه إنسان بعينه، وهو أبو بكر الصديق ﵁، ومعنى قوله: بلغ أشده قال عطاء: يريد ثماني عشرة سنة.
وذلك أنه صحب النبي ﷺ وهو ابن ثماني عشرة سنة، والنبي ابن عشرين سنة، في تجارته إلى الشام، فكان لا يفارقه في أسفاره وحضوره، فلما بلغ أربعين سنة، ونبئ رسول الله ﷺ دعا ربه، فقال: رب أوزعني ألهمني، ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [الأحقاف: ١٥] بالهداية والإيمان، حتى لا أشرك بك، وعلى والدي أبي قحافة عثمان بن عمرو، وأم الخير بنت صخر بن عمرو، وقال علي بن أبي طالب ﵁: هذه الآية في أبي بكر ﵁، أسلم أبواه جميعًا، ولم يجتمع لأحد من الصحابة، ﵃، المهاجرين أبواه غيره، وأوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده.
وقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [الأحقاف: ١٥] قال ابن عباس:
[ ٤ / ١٠٧ ]
أجابه الله تعالى، فأعتق تسعة من المؤمنين، يعذبون في الله، ولم يرد شيئًا من الخير إلا أعانه الله عليه، واستجاب الله له في ذريته إذ قال: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥] فلم يبق له ولد، ولا والد، ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده.
أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، أنا إسحاق بن أحمد الفارسي، سمعت محمد بن إسماعيل البخاري، يقول: حدثني عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، قال: قال لي موسى بن عقبة: لم يدرك أربعة النبي ﷺ هم وأبناؤهم إلا هؤلاء: أبو قحافة، وأبو بكر، وابنه عبد الرحمن، وأبو عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر.
قال البخاري: أبو عتيق أدرك النبي ﷺ، وهو ابن عبد الرحمن بن أبي بكر.
وقوله: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] قال عطاء، عن ابن عباس: إني رجعت إلى كل ما تحب، وأسلمت لك بقلبي ولساني.
أولئك يعني: أهل هذا القول، ﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٦] يعني: الأعمال الصالحة التي عملوها في الدنيا، وكلها حسن، فالأحسن بمعنى: الحسن، ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦] قال عطاء: يريد ما كان في الشرك.
﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ [الأحقاف: ١٦] أي: في جملة من يتجاوز عنهم، وهم أصحاب الجنة، وعد الصدق يعني: ما وعد الله أهل الإيمان أن يتقبل من محسنيهم، ويتجاوز عن مسيئيهم، ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦] في الدنيا على لسان الرسل.
﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴿١٧﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ﴿١٨﴾ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴿١٩﴾﴾ [الأحقاف: ١٧-١٩] .
﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٧] المفسرون على أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام
[ ٤ / ١٠٨ ]
وهو يأبي، ويسيء القول لهما، وهو قوله: أف لكما، وكانا يخبرانه بالبعث بعد الموت، فيقول: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ [الأحقاف: ١٧] من القبر، ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ [الأحقاف: ١٧] يعني: الأمم الخالية، فلم أر أحدًا منهم بعث؟ أين عبد الله بن جدعان، أين فلان وفلان؟ وهما يعني: والديه، يستغيثان الله يدعوان الله له بالهدى، والاستغاثة بالله دعاء الله، ليعينك على ما نابك، والجار محذوف، لأن التقدير: يستغيثان بالله، ويقولان له: ويلك آمن صدق بالبعث.
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ﴾ [الأحقاف: ١٧] لهما، ما هذا الذي تقولان، ﴿إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧]، والصحيح: أن الآية نزلت في كافر عاق لوالديه، قال الزجاج: قول من قال الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، يبطله قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [الأحقاف: ١٨] الآية، أعلم الله أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وعبد الرحمن مؤمن من أفاضل المسلمين، لا يكون ممن حقت عليه كلمة العذاب.
قال صاحب النظم، ﵁: ذكر الله تعالى في الآيتين قبل هذه من بر والديه، وعمل بوصية الله، ثم ذكر من لم يعمل بالوصية، فقال: ﴿لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧] يصفه بالعقوق، حين لم يطع الله في قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ثم دخل في هذه الآية من
[ ٤ / ١٠٩ ]
كان بهذه الصفة من الكفر والعقوق، لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [الأحقاف: ١٨] .
والآية مفسرة في حم السجدة.
قوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٩] قال ابن عباس: يريد من سبق إلى الإسلام، فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو بساعة.
وقال مقاتل: ولكل فضائل بأعمالهم.
وليوفيهم الله جزاء أعمالهم، وثوابها.
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] .
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأحقاف: ٢٠] يعني: كفار مكة، ويقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٠] قرئ بالاستفهام والخبر، قال الفراء، والزجاج: العرب توبخ بالألف وبغير الألف، فتقول: أذهب ففعلت كذا، وذهبت ففعلت كذا.
والمعنى في القراءتين سواء، وهو التوبيخ لهم.
قال الكلبي: يعني اللذات، وما كانوا فيه من المعايش، وتمتعهم بها في الحياة الدنيا.
ولما وبخ الله الكافرين بالتمتع بالطيبات في الدنيا، آثر النبي ﷺ، وأصحابه والصالحون اجتناب نعيم العيش ولذته، وآثروا التقشف والزهد، رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل.
٨٣٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي
[ ٤ / ١١٠ ]
مَشْرُبَةٍ، وَإِنَّهُ لَمُضْطَجِعٌ عَلَى خَصَفَةٍ، وَإِنَّ بَعْضَهُ لَعَلَى التُّرَابِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مَحْشُوَّةٌ لِيفًا، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ، وَصْفَوَتُهُ، وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ عَلَى سُرُرِ الذَّهَبِ، وَفُرُشِ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عُمَرُ إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ وَهِيَ وَشِيكَةُ الانْقِطَاعِ، وَإِنَّا أُخِّرَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا» .
٨٣٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، نا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، نا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا نَعْبَأُ بِلَذَّاتِ الْعَيْشِ أَنْ نَأْمُرَ بِصِغَارِ الْمِعْزَى فَتُسْمَطُ لَنَا، وَنَأْمُرُ بِلُبَابِ الْحِنْطَةِ فَيُخْبَزُ لَنَا، وَنَأْمُرُ بِالزَّبِيبِ فَيُنْبَذُ لَنَا حَتَّى إِذَا صَارَ مِثْلَ عَيْنِ الْيَعْقُوبِ أَكَلْنَا هَذَا وَشَرِبْنَا هَذَا وَلَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَسْتَبْقِيَ طَيِّبَاتِنَا لَأَنَّا سَمِعْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَذْكُرُ قَوْمًا، فَقَالَ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] .
٨٣٧ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو يَحْيَى، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ،
[ ٤ / ١١١ ]
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَحْمًا مُعَلَّقًا فِي يَدَيَّ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جَابِرُ؟ فَقُلْتُ: اشْتَهَيْتُ لَحْمًا فَاشْتَرَيْتُهُ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَوَ كُلَّمَا اشْتَهَيْتَ يَا جَابِرُ اشْتَرَيْتَ؟ أَمَا تَخَافُ هَذِهِ الْآيَةَ يَا جَابِرُ ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]
٨٣٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادَ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ: دَخَلَ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ يَكْدِمُ كَعْكًا شَامِيًّا وَيَتَفَوَّقُ لَبَنًا جَازِرًا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَمَرْتَ أَنْ أَضَعَ لَكَ طَعَامًا أَلْيَنَ مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ فَرْقَدٍ أَتَرَى أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ أَقْدَرَ عَلَى ذَلِكَ مِنِّي؟ فَقَالَ: مَا أَحَدٌ أَقْدَرَ عَلَى ذَلِكَ مِنْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ اللَّهَ عَيَّرَ أَقْوَامًا، فَقَالَ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] الآية.
قوله: فاليوم يعني: يوم القيامة، ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأحقاف: ٢٠] يعني: العذاب الذي فيه ذلك، وخزي، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٢٠] تتكبرون عن عبادة الله، والإيمان به، ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] تعصون.
﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٢١﴾ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٢٢﴾ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴿٢٣﴾ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٤﴾ تُدَمِّرُ
[ ٤ / ١١٢ ]
كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴿٢٥﴾﴾ [الأحقاف: ٢١-٢٥] .
واذكر يا محمد، لقومك أهل مكة، أخا عاد هودًا، ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ [الأحقاف: ٢١] حذرهم عذاب الله إن لم يؤمنوا به، بالأحقاف وهي: جمع حقف، وهو المستطيل المعوج من الرمال، قال عطاء: يعني: رمال بلاد الشحر.
وقال مقاتل: هي باليمن في حضرموت.
﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١] وقد مضت الرسل، من قبل هود ومن بعده، إلى قومهم ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ﴾ [الأحقاف: ٢١] أي: لم أبعث رسولًا قبل هود، ولا بعده إلا بالأمر بعبادة الله وحده، وهذا كلام اعترض بين إنذار هود، وكلامه لقومه، ثم عاد إلى كلام هود لقومه، بقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] وتقدير الكلام: إذ أنذر قومه بالأحقاف، فقال: إني أخاف، الآية.
فقالوا له: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ [الأحقاف: ٢٢] لتصرفنا عن عبادتها بالإفك، ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٢] من العذاب، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] أن العذاب نازل بنا.
قال هود: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٢٣] هو يعلم متى يأتيكم العذاب؟ ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٢٣] من الوحي والإنذار، يعني: أنا مبلغ، والعلم بوقت العذاب عند الله، ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣] حين أدلكم على الرشاد، وأنتم تصدون، وتعرضون عنه.
قوله: فلما رأوه أي: ما يوعدون في قوله: بما تعدنا، عارضًا سحابًا يعرض في ناحية من السماء، ثم يطبق السماء، مستقبل أوديتهم قال المفسرون: كانت عاد قد حبس عنهم المطر أيامًا، فساق الله تعالى إليهم سحابة سوداء، فخرجت عليهم من واد لهم يقال له: المغيث، ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤] استبشروا، ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] غيم فيه مطر، فقال هود: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٢٤] ثم بين ما هو، فقال: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب.
قال ابن عباس:
[ ٤ / ١١٣ ]
كانت الريح تطير بهم بين السماء والأرض، حتى أهلكتهم.
تدمر تهلك، كل شيء مرت به من الناس، والدواب، والأموال، فأصبحوا يعني: عادا، ﴿لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، قال الزجاج: تأويله: لا يرى شيء إلا مساكنهم.
وقرئ لا ترى بفتح التاء، إلا مساكنهم بالنصب، على معنى: لا ترى أيها المخاطب، أي: لا تشاهد شيئًا إلا مساكنهم، لأن السكان والأنعام بادت بالريح، وقال ابن عباس: فلم يبق إلا هود ومن آمن معه.
ثم خوف كفار مكة، وذكر فضل عاد بالأجسام، والقوة عليهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٢٦﴾ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٢٧﴾ فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿٢٨﴾﴾ [الأحقاف: ٢٦-٢٨] ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] أي: في الشيء الذي لم نمكنكم فيه من المال، والعمر، وشدة الأبدان، قال المبرد: ما في قوله: فيما بمنزلة الذي، وإن بمنزلة ما، وتقديره: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه.
وجعلنا لهم الآية، أخبر الله تعالى: أنهم أعرضوا عن قبول الحجج، والتفكر فيما يدلهم على التوحيد، مع ما أعطاهم الله من الحواس التي بها تدرك الأدلة.
ثم زاد في التخويف، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ [الأحقاف: ٢٧] الخطاب لأهل مكة، وأراد: القرى المهلكة باليمن، والشام، وصرفنا الآيات بيناها، لعلهم لعل أهل القرى، يرجعون.
ثم ذكر أنهم لم ينصرهم من الله ناصر، حين حل بهم العذاب، وهو قوله: فلولا نصرهم فهلا نصرهم؟ وهذا استفهام إنكار، أي: لم ينصرهم، ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٨] قال ابن قتيبة: اتخذوهم آلهة، يتقربون بها إلى الله.
والقربان: ما يتقرب به إلى الله، ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٨] قال مقاتل: ضلت الآلهة عنهم، فلم تنفعهم عند نزول العذاب بهم.
وذلك إفكهم أي: اتخاذهم الآلهة دون الله كذبهم، وافتراؤهم، وهو قوله: ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] يكذبون من أنها آلهة شركاء.
قوله تعالى:
[ ٤ / ١١٤ ]
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴿٢٩﴾ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٣٠﴾ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣١﴾ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٣٢﴾﴾ [الأحقاف: ٢٩-٣٢] ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] قال المفسرون: لما أيس رسول الله ﷺ من قومه أهل مكة أن يجيبوه، خرج إلى الطائف، ليدعوهم إلى الإسلام، فلما انصرف إلى مكة وكان ببطن نخلة، قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، فمر به نفر من أشراف جن نصيبين، واستمعوا لقرآنه.
قال ابن عباس: كانوا سبعة نفر.
وقال الكلبي، ومقاتل: كانوا تسعة صرفوا إلى النبي ﷺ، ليستمعوا منه، وينذروا قومهم.
وهو قوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ [الأحقاف: ٢٩] أي: حضروا استماع القرآن، قالوا أنصتوا قال بعضهم لبعض: اسكتوا، أي: لنستمع إلى قراءته، فلا يحول بيننا وبين الاستماع شيء، فلما قضي أي: فرغ من التلاوة، ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] انصرفوا إليهم، محذرين إياهم عذاب الله إن لم يؤمنوا.
ثم أخبر عنهم بما قالوا لقومهم، وهو قوله: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠] يعنون: القرآن، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠] الآية.
﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] يعنون محمدًا ﷺ، وهذا يدل على أنه كان مبعوثًا إلى الجن، كما كان مبعوثًا إلى الإنس، قال مقاتل: ولم يبعث الله نبيًا إلى الإنس والجن قبله.
﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي
[ ٤ / ١١٥ ]
الأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٣٢] لا يعجز الله، فيسبقه ويفوته، ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ [الأحقاف: ٣٢] أنصار يمنعونه من الله، أولئك الذين لا يجيبون الرسل، ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] .
ثم احتج على إحياء الموتى، بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٣٣﴾ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿٣٤﴾ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٣٥﴾﴾ [الأحقاف: ٣٣-٣٥] .
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: ٣٣] لم يعجز عن ذلك، يقال: عيي فلان بأمره، إذا لم يهتد له، ولم يقدر عليه، بقادر قال أبو عبيدة، والأخفش: الباء زائدة مؤكدة.
وقال الفراء: العرب تدخل الباء مع الجحد، مثل قولك: ما أظنك بقائم.
وهو قول الكسائي، والزجاج.
وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] قال ابن عباس، وقتادة: يريد: نوحًا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ﵈.
وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر، ويوسف صبر في البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر.
وقال الكلبي: هم الذين أمروا بالجهاد والقتال، فأظهروا المكاشفة، وجاهدوا في الدين.
وهذا قول السدي.
وقال أهل المعاني والتحقيق: كل الرسل أولو العزم، ولم يبعث الله رسولًا إلا كان ذا عزم، وحزم، ورأي، وكمال عقل.
ومن في قوله: من الرسل تبيين لا تبعيض، كما يقال: أكسيه من الخز، وكأنه قيل له: اصبر كما صبر الرسل قبلك على أذى قومهم، ووصفهم بالعزم، لصبرهم ورزانتهم، ويدل على صحة هذا ما
٨٣٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، نا
[ ٤ / ١١٦ ]
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، نا السَّرِيُّ بْنُ حَيَّانَ، نا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، نا مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ الدُّنْيَا لا تَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ وَلا لِآلِ مُحَمَّدٍ، يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ إِلا الصَّبْرَ عَلَى مَكْرُوهِهَا وَالصَّبْرَ عَلَى مَحْبُوبِهَا، وَلَمْ يَرْضَ إِلا أَنْ كَلَّفَنِي مَا كَلَّفَهُمْ، فَقَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا بُدٌّ لِي مِنْ طَاعَتِهِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَصْبِرَنَّ كَمَا صَبَرُوا، وَأَجْهَدَنَّ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ "
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أي: العذاب، وكأنه ﷺ ضجر بعض الضجر، وأحب أن ينزل العذاب بمن أبى من قومه، فأمر بالصبر، وترك الاستعجال، ثم أخبر أن العذاب منهم قريب بقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أي: من العذاب في الآخرة، لم يلبثوا في الدنيا، ﴿إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أي: إذا عاينوا العذاب، صار طول لبثهم في الدنيا، والبرزخ كأنه ساعة من نهار، لأن ما مضى كأنه لم يكن وإن كان طويلًا، وتم الكلام، ثم قال: بلاغ أي: هذا القرآن، وما فيه من البيان، بلاغ عن الله إليكم، والبلاغ بمعنى: التبليغ، ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أي: لا يقع العذاب إلا بالعاصين، الخارجين عن أمر الله، وقال قتادة: اعلموا، والله ما يهلك على الله إلا هالك مشرك ولى ظهره للإسلام، أو منافق صدق بلسانه وخالف بعمله.
وقال الزجاج: تأويله لا يهلك مع رحمة الله وتفضله، إلا القوم الفاسقون.
ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله تعالى آية أقوى، وأتم من هذه الآية.
[ ٤ / ١١٧ ]