مكية، وهي ثلاثون وسبع آيات.
٨٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَايِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ حم الجاثية سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَسَكَّنَ رَوْعَتَهُ عِنْدَ الْحِسَابِ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم ﴿١﴾ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾ إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٣﴾ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٥﴾ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾﴾ [الجاثية: ١-٦] .
حم مبتدأ، وخبره: تنزيل الكتاب.
ثم أخبر لما يدل على قدرته، فقال: ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣] قال مقاتل: إن في خلق، السموات والأرض وهما خلقان عظيمان، لآيات للمؤمنين.
قال الزجاج: ويدل على أن المعنى في خلق السموات والارض، قوله: وفي خلقكم.
قال ابن عباس، ومقاتل: وفي خلق أنفسكم من تراب ثم من نطفة إلى أن يصير إنسانًا.
﴿وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الجاثية: ٤] وما يفرق في الأرض من جميع ما خلق، على اختلاف ذلك في الخلق والصور، والمشي، آية على توحيد من خلقها، وقدرته، لقوم يوقنون أنه لا إله غيره، وقرأ حمزة آيات، وكذلك تصريف الرياح آية بالكسر، وهي
[ ٤ / ٩٤ ]
في موضع نصب، نسقًا على قوله: ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الجاثية: ٣] على معنى: وإن في خلقكم آيات، ومن رفع فقال الفراء: الرفع على الاستثناف بعد إن تقول العرب: إن لي عليك مالا، وعلى أخيك مال.
ينصبون الثاني ويرفعونه، والآية التي بعدها ظاهرة وقد تقدم تفسيرها.
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٦] قال ابن عباس: يريد هذا الذي قصصنا عليك من آيات الله نقصها.
﴿عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٦] بعد كتاب الله تعالى، وآياته يؤمنون إن لم يؤمنوا بهذا، ومن قرأ بالتاء فعلى تأويل قل لهم يا محمد: فبأي حديث تؤمنون.
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴿٧﴾ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٨﴾ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴿٩﴾ مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٠﴾ هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ﴿١١﴾﴾ [الجاثية: ٧-١١] .
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧] كذاب صاحب إثم، يعني: النضر بن الحارث، والآية الثانية مفسرة في ﴿[لقمان.
] وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا﴾ [سورة الجاثية: ٩] قال مقاتل: إذا سمع من آيات القرآن شيئًا.
﴿اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٩] رد الكلام إلى معنى: كل في قوله: ﴿لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧] .
فلذلك جمع ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] قال ابن عباس: يريد أمامهم جهنم.
يعني: أنهم في الدنيا، ولهم في الآخرة النار يردونها، ويدخلونها، ﴿وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا﴾ [الجاثية: ١٠] من الأموال، شيئًا ولا ما عبدوا من دون الله من الآلهة.
هذا هدى هذا القرآن بيان من الضلالة، والذين كفروا به، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مَنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [الجاثية: ١١]
[ ٤ / ٩٥ ]
بالرفع على نعت العذاب، وبالكسر على نعت الرجز، والرجز: معناه: العذاب، كقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩] .
﴿اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٢﴾ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١٣﴾﴾ [الجاثية: ١٢-١٣] .
وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الجاثية: ١٣] من شمس وقمر، ونجوم ومطر، وثلج وبرد، وماء، ﴿وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣] من دابة، وشجر، ونبات، وثمار، وأنهار ومعنى تسخيره لها هو: أنه خلقها لانتفاعنا بها، فهو مسخر لنا، من حيث إنا ننتفع به على الوجه الذي نريده، وقوله تعالى: جميعًا منه قال ابن عباس: كل ذلك رحمة منه لكم.
وقال في رواية عكرمة: منه النور، ومنه الشمس، ومنه القمر.
وقال الزجاج: كل ذلك تفضل منه، وإحسان.
ويحسن الوقف على قوله: جميعًا ثم يقول: منه أي: ذلك التسخير منه لا من غيره، فهو فضله وإحسانه، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣] في صنع الله وإحسانه، فيوحدونه.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿١٤﴾ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴿١٥﴾﴾ [الجاثية: ١٤-١٥] قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤] الآية نزلت في عمر بن الخطاب، ﵁: شتمه رجل بمكة، فهم أن يبطش به عمر، فأمره الله بالعفو، والتجاوز.
والمعنى: قل للذين آمنوا: اغفروا، ولكنه شبهه بالشرط والجزاء، كقوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] وقد مر، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] قال مقاتل: لا يخشون مثل عذاب الأمم الخالية، وذلك أنهم لا يؤمنون به، فلا يخافون عقابه.
وذكرنا تفسير أيام الله عند قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] وهذه الآية منسوخة بآية القتال، وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤] أي: ليجزي الله الكفار بما عملوا من
[ ٤ / ٩٦ ]
السيئات، كأنه قال: لا تكافئوهم أنتم، لنكافئهم نحن.
ثم ذكر المؤمنين وأعمالهم، والمشركين وأعمالهم، بقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ [الجاثية: ١٥] الآية.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿١٦﴾ وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١٧﴾﴾ [الجاثية: ١٦-١٧] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ [الجاثية: ١٦] التوراة، والحكم الفهم في الكتاب، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الجاثية: ١٦] يعني: المن والسلوى، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦] تقدم تفسيره.
قال ابن عباس: لم يكن أحد من العالمين في زمانهم أكرم على الله، ولا أحب إليه منهم.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ [الجاثية: ١٧] يعني: العلم بمبعث محمد ﷺ، وما بين لهم من أمره، فما اختلفوا إلى آخر الآية مفسر في مواضع.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴿١٨﴾ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ﴿١٩﴾﴾ [الجاثية: ١٨-١٩] ثم جعلناك يا محمد، ﴿عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ [الجاثية: ١٨] على دين وملة، ومنهاج وطريقة، يعني: بعد موسى وقومه، ﴿فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] توحيد الله، يعني: كفار قريش، قالوا له: ارجع إلى دين آبائك، فهم كانوا أفضل منك.
ثم ذكر أن اتباعهم لا ينفعه، ولا يدفعون عنه شيئًا، فقال: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية: ١٩] لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئًا لو اتبعتهم، ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية: ١٩] يعني: المشركين، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩] يعني: المؤمنين، الذين اتقوا الشرك.
﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿٢٠﴾ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿٢١﴾ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴿٢٢﴾﴾ [الجاثية: ٢٠-٢٢] هذا يعني: هذا القرآن، بصائر للناس فسرناها في آخر ﴿[الأعراف.
قوله:] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
[ ٤ / ٩٧ ]
اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [سورة الجاثية: ٢١] الآية نزلت حين قال كفار مكة للمؤمنين: إنا نعطي في الآخرة من الخير، مثل ما تعطون من الآجر.
والمعنى: بل أحسب، وهو استفهام إنكار الذين عملوا الشرك، واكتسبوا الآثام، أن نجعلهم في الآخرة كالمؤمنين في الدرجة والثواب، وهو قوله: كالذين آمنوا أي: بمحمد ﷺ، والقرآن، وعملوا الصالحات الطاعات من الصلاة والزكاة، وتم الكلام، ثم قال: ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية: ٢١] وارتفع سواء بأنه خبر ابتداء مقدم، تقديره: محياهم ومماتهم سواء، والضمير فيهما يعود إلى القبيلين، المؤمنين والكافرين، يقول: المؤمن مؤمن محياه مؤمن مماته، والكافر كافر محياه ومماته.
والمعنى: أن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث عليه، والكافر يموت على كفره ويبعث عليه، يريد: أن محيا القبيلين ومماتهم سواء، ومن قرأ سواء نصبًا جعله مفعولًا ثانيًا، على تقدير: أن نجعل محياهم ومماتهم سواء، يعني: أحسبوا أن حياتهم ومماتهم، كحياة المؤمنين وموتهم؟ كلا، فإنهم يعيشون كافرين ويموتون كافرين، والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، وقد ميز الله بين الفريقين: فجعل حزب الإيمان في الجنة، وحزب الكفر في النار، ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] بئس ما يقضون، حين يرون أن لهم في الآخرة ما للمؤمنين.
أخبرنا أبو نصر المهرجاني، أنا أبو عبد الله بن بطة، أنا أبو القاسم ابن بنت منيع، نا علي بن الجعد، أنا شعبة، عن عمرو بن مرة، سمعت أبا الضحى، عن مسروق، قال: قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كرب، أن يصبح يقرأ آية من القرآن يركع بها، ويسجد، ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] الآية، ثم ذكر أنه خلق السموات والأرض، للحق والجزاء ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢] كيلا يظن الكافر أنه لا يجزى بكفره، وأنه يستوي مع المؤمن، وهو قوله: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الجاثية: ٢٢] الآية.
قوله:
[ ٤ / ٩٨ ]
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴿٢٣﴾ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ ﴿٢٤﴾ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٥﴾ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴿٢٦﴾ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ﴿٢٧﴾﴾ [الجاثية: ٢٣-٢٧] .
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه، رمى به وعبد الآخر، فهو يعبد ما تهواه نفسه.
وقال قتادة: هو الكافر لا يهوى شيئًا إلا ركبه.
وهو قول عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا هوي شيئًا هو لله سخط اتبعه.
وهذا كما يقال: الهوى إله يعبد من دون الله، يعني: أن ذا الهوى يترك أمر الله وطاعته لهواه.
٨٣٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْأَحْوَصِ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْخَصِيبِ بْنِ جَحْدَرٍ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ إِلَهٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَبْغَضَ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَوًى»
وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] قال سعيد بن جبير: على علمه فيه.
قال الزجاج: أي: على ما سبق في علمه، أنه ضال قبل أن يخلقه.
﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] طبع عليه، فلم يسمع الهدى، وعلى قلبه فلم يعقل الهدى، ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] يعني: ظلمة، فهو لا يبصر الهدى، وليس يبقي للقدرية مع هذا البيان في منع الكافر عن الإيمان عذر ولا حيلة، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ
[ ٤ / ٩٩ ]
اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] أي: من بعد إضلال الله، أي: من يهديه بعد أن أضله الله؟ أفلا تذكرون فتعرفوا قدرته على ما يشاء.
وقالوا يعني: منكري البعث، ما هي ما الحياة، ﴿إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] ما هم فيه من الحياة، نموت ونحيا قال مقاتل: نموت نحن، ويحيا آخرون ممن يأتون بعدنا.
وهو قول المفسرين.
وقال الزجاج: المعنى: نحيا ونموت والواو للاجتماع.
﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] إلا طول العمر، واختلاف الليل والنهار، قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ [الجاثية: ٢٤] الذي قالوه، من علم أي: لم يقولوه عن علم علموه، قالوه ضلالًا شاكين، وهو قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] .
وما بعد هذا ظاهر التفسير، سابق فيما تقدم، إلى قوله: يخسر المبطلون يعني: المكذبين الكافرين، الذين هم أصحاب الأباطيل، يظهر في ذلك اليوم خسرانهم بأن يصيروا إلى النار.
قوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٨﴾ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٩﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴿٣٠﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴿٣١﴾﴾ [الجاثية: ٢٨-٣١] .
﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨] جالسة على الركب عند الحساب، كما يجثي بين يدي الحاكم ينتظر القضاء، قال سلمان الفارسي: إن في يوم القيامة ساعة هي عشر سنين، يخر الناس فيها جثاء على ركبهم، حتى إن إبراهيم ﵇ ينادي: نفسي، لا أسالك إلا نفسي.
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: ٢٨] يعني: إلى كتاب أعمالها، ويقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨] .
هذا كتابنا يعني: ديوان الحفظة، ينطق يشهد، عليكم بالحق أي: يبينه بيانًا شافيًا، حتى كأنه ناطق، ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم، أي: بكتبها، وإثباتها عليكم، وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، تستنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم، فيجدون ذلك موافقًا لما يعملونه.
قالوا: والاستنساخ لا يكون إلا من أصل هو أن يستنسخ كتاب من كتاب.
ثم ذكر الفريقين من المؤمنين والكافرين، فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الجاثية: ٣٠] الآية ظاهرة.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الجاثية: ٣١] فيقال لهم: ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١] يعني: آيات القرآن، فاستكبرتم عن الإيمان بها، ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الجاثية: ٣١] متكبرين، كافرين.
[ ٤ / ١٠٠ ]
﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴿٣٢﴾ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٣٣﴾ وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴿٣٤﴾ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴿٣٥﴾﴾ [الجاثية: ٣٢-٣٥] .
وإذا قيل لكم، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٣٢] بالبعث، حق كائن، ﴿وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الجاثية: ٣٢] والقيامة آتية، كائنة بغير شك، ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢] أنكرتموها، ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا﴾ [الجاثية: ٣٢] أي: ما نعلم ذلك إلا حدسًا وتوهما، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] ما نستيقن كونها.
﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾ [الجاثية: ٣٣] في الآخرة، ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ [الجاثية: ٣٣] في الدنيا.
وقيل لهم: اليوم ننساكم نترككم في النار، ﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤] كما تركتم الإيمان والعمل، للقاء هذا اليوم.
ذلكم الذي فعلنا بكم، ﴿بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٣٥] القرآن، هزوا مهزوءًا به، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٣٥] حتى قلتم: إنه لا بعث ولا حساب، ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ [الجاثية: ٣٥] من النار، ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأن ذلك اليوم لا يقبل فيه منهم عذر، ولا توبة.
ثم ذكر عظمته، فقال: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٣٦﴾ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٣٧﴾﴾ [الجاثية: ٣٦-٣٧] .
﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ٣٦] .
﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ﴾ [الجاثية: ٣٧] العظمة والجبروت، ﴿فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الجاثية: ٣٧] .
٨٣٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو سَعِيدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيدَانَ الْبَجَلِيُّ، نا كُرَيْبٌ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «الْكِبْرَيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ» .
[ ٤ / ١٠١ ]