مكية، وهي خمسون وتسع آيات.
٨٢٨ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَقْبُرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَرْبُوعِيُّ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الدُّخَانِ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ غُفِرَ لَهُ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم ﴿١﴾ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ﴿٣﴾ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿٤﴾ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿٥﴾ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٦﴾﴾ [الدخان: ١-٦] ﴿حم ﴿١﴾ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾﴾ [الدخان: ١-٢] قال ابن عباس: يريد القرآن، وما أنزل فيه من البيان، والحلال والحرام.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] يعني: ليلة القدر، قال مقاتل: كان ينزل من اللوح كل ليلة قدر من الوحي، على مقدار ما ينزل به جبريل في السنة إلى مثلها من العام، حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر.
وقد ذكرنا بيان هذا عند قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وقوله: فيها في تلك الليلة المباركة، يفرق يفصل ويبين، من قولهم: فرقت الشيء أفرقه فرقًا، ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] والأمر الحكيم: المحكم، يعني: أمر السنة إلى مثلها من العام القابل.
قال ابن عباس: يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر، ما هو كائن في السنة من الخير والشر، والأرزاق، والآجال، حتى الحجاج يقال: يحج فلا، ويحج فلان.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إنك لترى الرجل يمشي في
[ ٤ / ٨٥ ]
الأسواق، وقد وقع اسمه في الموتى.
﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٥] قال الزجاج: أمرًا نصب ب يفرق بمنزلة فرقًا، لأن أمرًا بمعنى: فرقًا.
والمعنى أنا نأمر ببيان ذلك، ونسخه من اللوح المحفوظ، ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٥] محمدًا ﷺ، ومن قبله من الأنبياء ﵈.
﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان: ٦] قال ابن عباس: رأفة مني بخلقي، ونعمة عليهم بما بعثنا إليهم من الرسل.
نصبه على أنه مفعول له على تقدير للرحمة، وقال الزجاج: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] للرحمة.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ [الدخان: ٦] لمن دعاه، العليم بخلقه.
﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴿٧﴾ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ ﴿٨﴾ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ﴿٩﴾﴾ [الدخان: ٧-٩] .
﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الدخان: ٧] بالرفع على قوله: هو السميع العليم رب السموات، وبالخفض على البدل من ربك في قوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان: ٦]، وما بينهما من الخلق والهواء، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الدخان: ٧] بذلك، وهو أنه لا إله غيره.
بل هم يعني: الكفار، في شك من هذا القرآن، يلعبون يهزءون به، لاهين عنه، وقال ابن عباس: في ضلال يتمادون.
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴿١٠﴾ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١١﴾ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴿١٢﴾ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ﴿١٣﴾ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ﴿١٤﴾ إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴿١٥﴾ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ﴿١٦﴾﴾ [الدخان: ١٠-١٦] .
فارتقب فانتظر يا محمد، ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] وذلك أن رسول الله ﷺ دعا على قومه لما كذبوه، فقال: «اللهم سبعًا كسنين يوسف» .
فأجديت الأرض، فأصابت قريشًا المجاعة، وكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان.
٨٢٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ العفار، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبِرْتِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، نا سُفْيَانُ، نا الْأَعْمَشُ وَمَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنِ الْإِسْلامِ فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا، وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ، وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ»، فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ جِئْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَقَوْمُكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ ﷿، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ:
[ ٤ / ٨٦ ]
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ".
﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١١﴾ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴿١٢﴾ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ﴿١٣﴾ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ﴿١٤﴾ إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴿١٥﴾ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ﴿١٦﴾﴾ قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] إلى قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] فكشف عنهم، ثم عادوا إلى الكفر، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] وذلك يوم بدر.
رواه البخاري، عن محمد بن كثير.
قوله: يغشى الناس، من صفة قوله: بدخان، والناس هم أهل مكة، وهم الذين يقولون: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١١﴾ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾ [الدخان: ١١-١٢] الجوع والدخان، إنا مؤمنون بمحمد، والقرآن.
قال الله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدخان: ١٣] التذكر والاتعاظ، يقول: كيف يتذكرون ويتعظون، وحالهم أنه ﴿قَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣] ظاهر الصدق، والدلالة.
﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الدخان: ١٤] أعرضوا عنه، ولم يقبلوا قوله، وقالوا معلم أي: هو معلم، يعلمه بشر، مجنون بادعائه النبوة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ [الدخان: ١٥] يعني: عذاب الجوع، قليلًا أي: زمانا يسيرا، قال مقاتل: يعني: إلى يوم بدر.
﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] في كفركم، وتكذيبكم.
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] أي: واذكر لهم ذلك اليوم، يعني: يوم بدر، وهذا قول الأكثرين، قالوا: لما كشف عنهم الجوع، عادوا إلى التكذيب، فانتقم الله منهم بيوم بدر.
وقال الحسن: البطشة الكبرى يوم القيامة.
وهو قول ابن عباس في رواية عكرمة.
ومعنى البطش: الأخذ بشدة، إنا منتقمون منهم ذلك اليوم.
[ ٤ / ٨٧ ]
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴿١٧﴾ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴿١٨﴾ وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿١٩﴾ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ﴿٢٠﴾ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ﴿٢١﴾﴾ [الدخان: ١٧-٢١] .
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ﴾ [الدخان: ١٧] بلونا قبل هؤلاء، قوم فرعون بإرسال موسى إليهم، وهو قوله: ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] على ربه، وقال مقاتل: حسن الخلق.
﴿أَنْ أَدُّوا﴾ [الدخان: ١٨] بأن أدوا، ﴿إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ [الدخان: ١٨] هذا من وقول موسى لفرعون وقومه، يقول: أطلقوا بني إسرائيل من العذاب والتسخير، فإنهم أحرار.
كما قال: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥]، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الدخان: ١٨] على الرسالة.
﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾ [الدخان: ١٩] لا تتجبروا عليه، بترك طاعته، ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٩] بحجة بينة، تدل على صدقي.
فلما قال هذا، توعدوه بالقتل، فقال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠] تقتلون.
﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ [الدخان: ٢١] لم تصدقوني، فاعتزلون فاتركوني، لا معي ولا علي، وقال ابن عباس: فاعتزلوا أذاي.
﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ﴿٢٢﴾ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ﴿٢٣﴾ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴿٢٤﴾ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٢٥﴾ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿٢٦﴾ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴿٢٧﴾ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ﴿٢٨﴾ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ﴿٢٩﴾﴾ [الدخان: ٢٢-٢٩] .
فكفروا ولم يؤمنوا ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ﴾ [الدخان: ٢٢] بأن هؤلاء، قوم مجرمون قال الكلبي، ومقاتل: مشركون، لا يؤمنون.
فأجاب الله دعاه، وأمره أن يسري، وهو قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا﴾ [الدخان: ٢٣] يعني: من آمن به من بني إسرائيل، إنكم متبعون يتبعكم فرعون وقومه، أعلمه الله أنهم يتبعونهم، إذا سروا ليلًا لطلبهم.
ثم يكون ذلك سببًا لغرقهم ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤] أي: ساكنًا، والرهو: مشي في سكون، يقال: رها يرهو رهوًا فهو راه، ويقال لكل شيء ساكن، لا يتحرك: راه.
قال مجاهد: رهوًا ساكنًا كما هو، أي: كهيئته بعد أن ضربه.
يقول: لا تأمره يرجع، اتركه
[ ٤ / ٨٨ ]
حتى يدخله آل فرعون وجنوده.
وقال قتادة: لما قطع موسى البحر، عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم، وخاف أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤] أي: كما هو.
ونحو هذا قال مقاتل.
والمعنى: اترك البحر راهيًا، أي: ساكنًا على حاله، فسمي بالمصدر، أو يكون المعنى: ذا رهو، فحذف المضاف، وقال ابن عباس: اتركه طريقًا.
والرهو يكون بمعنى الفرجة بين الشيئين، قال الأصمعي: ونظر أعرابي إلى فالج، قال: سبحان الله رهو بين سنامين! ويكون المعنى على هذا: ذا رهو، أي: ذا فرجة، يعني: الطريق الذي أظهره فيما بين الماء، قوله: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] أخبر الله موسى أنه يغرقهم، ليطمئن قلبه في ترك البحر كما جاوزه.
ثم ذكر ما تركوا بمصر من عقارهم، ومساكنهم، فقال: كم تركوا يعني: بعد الغرق، من جنات والآية مفسرة في ﴿[الشعراء.
ونعمة وعيش لين رغد،] كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [سورة الدخان: ٢٧] مفسر فيما تقدم.
كذلك قال الكلبي: كذلك أفعل بمن عصاني.
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] صيرناها إليهم، وأعطيناهم إياها، كما قال في الشعراء: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] .
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] .
٨٣٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو بَحْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ كوثر، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى الْعَطَّارُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ،
[ ٤ / ٨٩ ]
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانٍ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ إِلا وَلَهُ بَابَانِ بَابٌ يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ وَبَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ، فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] .
وفي غير هذه الرواية، أنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملًا صالحًا تبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم، ولا من عملهم كلام طيب، ولا عمل صالح، فيفقدهم، ويبكي عليهم، وهذا قول جماعة المفسرين، قالوا: لم تبك عليهم مصاعد أعمالهم من السماء، ولا مواضع سجودهم من الأرض.
وقال مجاهد: ما مات مؤمن، إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا.
﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] لم ينظروا حين أخذهم العذاب لتوبة، ولا لغيرها.
﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴿٣٠﴾ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴿٣١﴾ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٣٢﴾ وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴿٣٣﴾﴾ [الدخان: ٣٠-٣٣] .
﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [الدخان: ٣٠] يعني: قتل الأبناء، واستخدام النساء، والتعب في العمل.
﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣١] كان جبارًا عاصيًا من المشركين، والعالي في الإحسان صفة مدح، والعالي في الإساءة صفة ذم.
ولقد اخترناهم يعني: بني إسرائيل، على علم علمه الله فيهم، على العالمين على عالمي زمانهم.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ﴾ [الدخان: ٣٣] يعني: فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، والنعم التي أنعمها عليهم، وهو قوله: ﴿مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣] أي: نعمة ظاهرة.
ثم رجع إلى ذكر كفار مكة، فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ ﴿٣٤﴾ إِنْ هِيَ إِلا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ﴿٣٥﴾ فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٣٦﴾ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴿٣٧﴾﴾ [الدخان: ٣٤-٣٧] .
﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ ﴿٣٤﴾ إِنْ هِيَ إِلا مَوْتَتُنَا الأُولَى﴾ [الدخان: ٣٤-٣٥] ما الموتة إلا موتة نموتها في الدنيا، ثم لا بعث بعدها، وهو قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥] بمبعوثين.
﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ [الدخان: ٣٦] أي: ابعثوهم لنا، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] في البعث بعد الموت.
ثم خوفهم مثل عذاب الأمم الخالية، فقال: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] أي:
[ ٤ / ٩٠ ]
ليسوا خيرًا منهم، يعني: أقوى وأشد وأكثر، قالت عائشة ﵂: «وكان تبع رجلًا صالحًا، ألا ترى أن الله تعالى ذم قومه، ولم يذمه» .
قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ ﴿٣٨﴾ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿٣٩﴾ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٤٠﴾ يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴿٤١﴾ إِلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٤٢﴾﴾ [الدخان: ٣٨-٤٢] .
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] قال مقاتل: لم نخلقهما عابثين لغير شيء.
﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] أي: للحق، يعني: الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية، ولكن أكثرهم يعني: المشركين، لا يعلمون.
قوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ [الدخان: ٤٠] يعني: يوم يفصل الرحمن بين العباد، ميقاتهم ميعادهم، أجمعين يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون.
ثم نعت ذلك اليوم، فقال: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ [الدخان: ٤١] لا ينفع قريب قريبًا، ولا يدفع عنه شيئًا، ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] لا يمنعون من عذاب الله.
﴿إِلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان: ٤٢] يريد: المؤمنين، فإنه يشفع بعضهم في بعض، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الدخان: ٤٢] في انتقامه من أعدائه، الرحيم بالمؤمنين.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ﴿٤٣﴾ طَعَامُ الأَثِيمِ ﴿٤٤﴾ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ﴿٤٥﴾ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ﴿٤٦﴾ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴿٤٧﴾ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ﴿٤٨﴾ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴿٤٩﴾ إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴿٥٠﴾﴾ [الدخان: ٤٣-٥٠] .
﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] تقدم تفسيره.
طعام الأثيم ذي الإثم، وهو أبو جهل، لعنه الله.
كالمهل
[ ٤ / ٩١ ]
وهو دردي الزيت، وعكر القطران، وقد تقدم تفسيره، ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٥] يعني: بطون الكفار، وقرئ بالتاء لتأنيث الشجرة، ومن قرأ بالياء حمله على الطعام، واختار أبو عبيد الياء، قال: لأن المهل مذكر، وهو الذي يلي الفعل، فصار أولى به، للتذكير وللقرب.
قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يحمل الغلي على المهل، لأن المهل إنما ذكر للتشبيه به في الذوب.
ألا ترى أن المهل لا يغلي في البطون، إنما يغلي ما شبه به، وهو قوله: كغلي الحميم يعني: الماء الحار إذا اشتد غليانه؟ خذوه أي: يقال للزبانية: خذوه، يعني: الأثيم، فاعتلوه العتل: القود بالعنف، يقال: عتله يعتله ويعتله، إذا جره بالعنف، وذهب به إلى مكروه، قال مقاتل، ومجاهد: ادفعوه على وجهه.
﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧] وسطه، كقوله تعالى: ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] .
﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ [الدخان: ٤٨] قال مقاتل: إن خازن النار يضربه على رأسه، فيثقب رأسه عن دماغه، ثم يصب فيه ماء حميمًا قد انتهى حره.
ويقول له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وذلك أنه كان يقول: أنا أعز أهل هذا الوادي، وأكرمهم.
فيقول له الملك: ذق العذاب، أيها المتعزز المتكرم في زعمك، وفيما كنت تقوله.
وقرأ الكسائي أنك بفتح الألف، على تأويل: ذق العذاب بأنك، أو لأنك، قال الفراء: أي بهذا القول الذي قلته في الدنيا.
ويقول لهم الخازن: إن هذا العذاب، ﴿مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] تشكون في الدنيا، وتكذبون به.
ثم ذكر مستقر المتقين، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ﴿٥١﴾ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٥٢﴾ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ ﴿٥٣﴾ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ﴿٥٤﴾ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ﴿٥٥﴾ لا يَذُوقُونَ
[ ٤ / ٩٢ ]
فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿٥٦﴾ فَضْلا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٥٧﴾﴾ [الدخان: ٥١-٥٧] .
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] أمنوا فيه الغير من الموت والحوادث، والمقام: المجلس كقوله: ومقام كريم، وقرئ بضم الميم، يراد به: موضع الإقامة، ومعنى القراءتين واحد.
وما بعد هذا مفسر فيما تقدم إلى قوله: كذلك أي: الأمر كما وصفنا، ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] أي: قرناهم بهن، وليس من عقد التزويج، لأنه لا يقال: زوجته بامرأة.
وقال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجًا بهن، كما يزوج النعل بالنعل، أي: جعلناهم اثنين اثنين.
ونحو هذا، قال الأخفش: جعلناهم أزواجًا بالحور.
وهن البيض الوجوه، وقال أبو عبيدة: الحوراء: الشديدة بياض العين، الشديدة سوادها.
والعين جمع عيناء، وهي: العظيمة العينين.
﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] من التخم، والأسقام، والأوجاع.
﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] أي: سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا، وهذا قول الفراء، والزجاج، وقالا: إلا بمعنى سوى.
كقوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أي: سوى ما قد سلف، وقال ابن قتيبة: إنما استثنى الموتة الأولى، وهي في الدنيا، من موت في الجنة، لأن السعداء حين يموتون، يصيرون بلطف الله وقدرته، إلى أسباب من الجنة، يلقون الروح والريحان، ويرون منازلهم من الجنة، ويفتح لهم أبوابها، فإذا ماتوا في الدنيا، فكأنهم ماتوا في الجنة، لاتصالهم بأسبابها، ومشاهدتهم إياها.
وقوله: ﴿فَضْلا مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان: ٥٧] أي: فعل الله ذلك بهم فضلًا منه.
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٥٨﴾ فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ ﴿٥٩﴾﴾ [الدخان: ٥٨-٥٩] .
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [الدخان: ٥٨] هونا القرآن على لسانك، لعلهم يتذكرون لكي يتعظوا، فيؤمنوا به.
فارتقب فانتظر بهم العذاب، إنهم مرتقبون منتظرون هلاكك.
[ ٤ / ٩٣ ]