مكية، وهي ثمانون وتسع آيات.
٨٢٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سَلْهَمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّخْرُف كَانَ مِمَّنْ يُقَالُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا عِبَادِي، لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ".
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم ﴿١﴾ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٣﴾ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴿٤﴾ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴿٥﴾﴾ [الزخرف: ١-٥] .
﴿حم ﴿١﴾ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾﴾ [الدخان: ١-٢] أقسم الله تعالى بالقرآن، الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة في الشريعة.
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أي: صيرنا قراءة هذا الكتاب عربيا، لأن من التنزيل ما هو عبري وسرياني، وكتاب محمد ﷺ يقرأ بالعربية، وهذا يدل على أنه إذا قرئ بغير العربية لا يكون قرآنا.
وإنه يعني: القرآن، ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤] في اللوح المحفوظ، قال الزجاج: أم الكتاب: أصل الكتاب، وأصل كل شيء أمه، والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، كما قال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ﴿٢١﴾ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴿٢٢﴾﴾ [البروج: ٢١-٢٢] .
وقوله: لدينا قال ابن عباس: يريد الذي عندنا.
لعلي حكيم قال
[ ٤ / ٦٣ ]
قتادة: يخبر عن منزلته وشرفه، وفضله، أي: إن كذبتم به يأهل مكة، فإنه عندنا رفيع شريف، محكم من الباطل.
قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] يقال: ضربت عنه، وأضربت عنه، أي: تركته، وأمسكت عنه، والصفح مصدر قولهم: صفحت، عند إذا أعرضت عنه، وذلك أنك توليه صفحة وجهك وعنقك، والمراد بالذكر ههنا القرآن، قال الكلبي: يقول الله لأهل مكة: أفنترك عنكم الوحي صفحا، فلا نأمركم ولا ننهاكم، ولا نرسل إليكم رسولا؟ وهذا استفهام معناه الإنكار، أي: لا نفعل ذلك، ومعنى الآية: أفنمسك عن إنزال القرآن ونهملكم، فلا نعرفكم ما يجب عليكم، من أجل أنكم أسرفتم في كفركم؟ وهو قوله: ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥] والمعنى: لأن كنتم، والكسر في إن على أنه جزاء استغنى عن جوابه بما تقدمه، كما تقول: أنت ظالم إن فعلت كذا.
قال الفراء: ومثله ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: ٢] بالفتح والكسر، وقد تقدم.
ثم عزى نبيه ﷺ، بقوله: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ ﴿٦﴾ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٧﴾ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ ﴿٨﴾﴾ [الزخرف: ٦-٨] .
﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ﴾ [الزخرف: ٦] إلى قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ [الزخرف: ٨] أقوى من قومك، يعني: الأولين الذين أهلكوا بتكذيبهم الرسل، ﴿وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨] سبق فيما أنزلنا إليك تشبيه حال الكفار الماضية بحال هؤلاء في التكذيب، ولما أهلكوا أولئك بتكذيبهم، فعاقبة هؤلاء أيضا إلى هلاك.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴿٩﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٠﴾ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا
[ ٤ / ٦٤ ]
بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴿١١﴾ وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ﴿١٢﴾ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿١٣﴾ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴿١٤﴾﴾ [الزخرف: ٩-١٤] .
ولئن سألتهم سألت قومك، ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] أقروا بعزتي وعلمي، وهذا إخبار عن غاية جهلهم، إذ أقروا بأن الله خلق السموات والأرض، ثم عبدوا معه غيره، وأنكروا قدرته على البعث، وقد تم الإخبار عنهم.
ثم ابتدأ جل وعز دالا على نفسه بصنيعه، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف: ١٠] وتفسير هذه الآية قد سبق في ﴿[طه، وقوله:] لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف: ١٠] لكي تهتدوا في أسفاركم إلى مقاصدكم.
﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [الزخرف: ١١] قال ابن عباس: يريد ليس كما أنزل على قوم نوح بغير قدر، حتى أغرقهم وأهلكهم، بل هو بقدر، حتى يكون معاشا لكم، ولأنعامكم.
﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [الزخرف: ١٢] الأصناف والضروب والألوان، والذكر والأنثى، وكل هذا قول للمفسرين، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢] في البحر، والبر.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] على ظهور ما جعل لكم، فالكناية تعود إلى لفظ ما، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣] يعني: النعمة بتسخير ذلك المركب في البر والبحر، قال مقاتل، والكلبي: هو أن يقول: الحمد لله الذي رزقني هذا، وحملني عليه.
﴿وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف: ١٣] ذلل لنا هذا المركب، قال قتادة: قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم.
﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] قال ابن عباس: يريد: ولا طاقة لنا بالإبل، ولا بالفلك، ولا بالبحر لولا أن الله تعالى سخره لنا.
ومعنى المقرن: المطيق، يقال: أقرنت هذا البعير، أي: أطقته.
٨٢٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا رَوْحٌ، نا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَلِيًّا الْأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ
[ ٤ / ٦٥ ]
عُمَرَ عَلَّمَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا فِي سَفَرِهِ كَبَّرَ ثَلاثًا، وَقَالَ: " ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَالْعَمَلَ بِمَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ ".
وَإِذَا رَجَعَ، قَالَ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ رَوْحٍ.
ثم رجع إلى ذكر الكفار الذين قدم ذكرهم، فقال: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ﴿١٥﴾ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ ﴿١٦﴾ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿١٧﴾ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴿١٨﴾﴾ [الزخرف: ١٥-١٨] .
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] حكموا بأن بعض العباد، وهم الملائكة، له أولاد، ومعنى الجعل ههنا: الحكم بالشيء، وهذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، قالوا: زعموا أن الملائكة بنات الله.
تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وقال الأزهري: ومعنى الآية: أنهم جعلوا لله من عباده نصيبا على معنى أنهم جعلوا نصيب الله من الولد.
إن الإنسان يعني: الكافر، لكفور جحود لنعم الله، مبين ظاهر الكفران.
ثم أنكر عليهم هذا، فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: ١٦] وهذا استفهام توبيخ وإنكار، يقول: أتخذ ربكم لنفسه البنات؟ وأصفاكم أخلصكم، بالبنين كقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] الآية.
ثم زاد في الاحتجاج عليهم بقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا﴾ [الزخرف: ١٧] بما جعل لله شبها، وذلك أن ولد كل شيء شبيهه وجنسه، والآية مفسرة في ﴿[النحل.
ثم وبخهم بما افتروه، فقال:] أَوَمَنْ يُنَشَّأُ
[ ٤ / ٦٦ ]
فِي الْحِلْيَةِ﴾ [سورة الزخرف: ١٨] قال المبرد: تقدير الآية: أوتجعلون له من ينشأ في الحلية؟ يعني: البنت تنبت في الزينة، وقرأ حمزة: ينشأ بالتشديد على غير تسمية الفاعل، وهو رديء، لأنه لم يحك في اللغة نشأ بمعنى أنشأ، إلا أن قال: إنه في القياس بلغ وأبلغ، وفرج وأفرج.
﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾ [الزخرف: ١٨] يعني: المخاصمة، غير مبين للحجة، قال قتادة: قل ما تتكلم امرأة بحجتها، إلا تكلمت بالحجة عليها.
﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴿١٩﴾ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ﴿٢٠﴾ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴿٢١﴾ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴿٢٢﴾﴾ [الزخرف: ١٩-٢٢] وجعلوا الملائكة الجعل ههنا بمعنى القول، والحكم على الشيء، كما تقول: جعلت زيدا أفضل الناس، أي: وصفته بذلك، وحكمت به، ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ١٩] وقرئ: عند الرحمن وكل صواب، وقد جاء التنزيل بالأمرين جميعا في وصف الملائكة، وذلك قوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وفي قوله: عند الرحمن دلالة على رفع
[ ٤ / ٦٧ ]
المنزلة، والقربة من الكرامة، وقوله: إناثا يعني قولهم: الملائكة بنات الله، قال الله تعالى: أشهدوا خلقهم من الشهادة التي هي بمعنى الحضور، وبخوا على ما قالوا ما لم يشاهدوا، مما يعلم بالمشاهدة، وقرأ نافع: أو أشهدوا خلقهم على أفعلوا من الإشهاد، وقبلها همزة الاستفهام، وتخفيف الهمزة الثانية على معنى: أحضروا خلقهم حتى علموا أنهم إناث؟ وهذا كقوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠]، قال ابن عباس: يريد: أحضروا أم عاينوا خلقهم؟ وقال الكلبي، ومقاتل: لما قالوا هذا القول، سألهم النبي ﷺ، فقال: «وما يدريكم أنهم إناث؟» قالوا: سمعنا من آبائنا، ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا أنهم إناث.
فقال الله تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] عنها في الآخرة.
﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] يعني: بني مليح من خزاعة، كانوا يعبدون الملائكة، ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠] أي: بما قالوا من قولهم: الملائكة إناث، وهم بنات الله، أخبر الله تعالى أنهم لم يقولوا ذلك عن علم، وأنهم كذبوا في ذلك، وهو قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] أي: ما هم إلا كاذبون فيما قالوا، ولم يتعرض لقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] بشيء، قال صاحب النظم: لأن هذا القول من الكفار حق، وإن كان من الكفار.
وهذا كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] .
وإن جعلت قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠] ردا لقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] كان المعنى: أنهم قالوا: إن الله قررنا على عبادتها، فلا يعاقبنا، لأنه رضي بذلك منا.
وهذا كذب منهم، لأن الله تعالى وإن أراد كفر الكافر لا يرضاه، وتقريره الكافر على كفره، لا يكون
[ ٤ / ٦٨ ]
رضا منه.
قوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الزخرف: ٢١] يقول: هل أعطيناهم كتابا من قبل القرآن، بأن يعبدوا غير الله، ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] يأخذون بما فيه؟ ثم أعلم أنهم اتبعوا ملة آباءهم في الضلالة، فقال: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] على سنة وملة، ودين، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] جعلوا أنفسهم باتباع آبائهم مهتدين، وليست لهم حجة إلا تقليد آبائهم.
ثم أخبر الله أن غيرهم قال هذا القول.
فقال: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴿٢٣﴾ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴿٢٤﴾ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿٢٥﴾﴾ [الزخرف: ٢٣-٢٥] .
وكذلك أي: وكما قالوا، ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ [الزخرف: ٢٣] ملوكها وأغنياؤها، ورؤساؤها: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] بهم.
فقال الله تعالى لنبيه ﵇، قال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤] قال الزجاج: قل لهم: أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم، وإن جئتكم بأهدى منه؟ فأبوا أن يقبلوا ذلك، ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ [الزخرف: ٢٤] أيها الرسل، كافرون.
ثم ذكر ما فعل بالأمم المكذبة، تخويفا لهم، فقال: فانتقمنا منهم الآية، يعني: ما صنع بقوم نوح، وعاد، وثمود.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦﴾ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴿٢٧﴾ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٢٨﴾﴾ [الزخرف: ٢٦-٢٨] .
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ [الزخرف: ٢٦] يعني: حين خرج من المسرب، وهو ابن سبع عشرة سنة، رأى قومه وأباه يعبدون الأصنام، فقال لهم: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] والبراء: مصدر لا يثنى، ولا يجمع، ويريد بالمصدر الفاعل.
ثم استثنى خالقه من البراء، فقال: ﴿إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٧] يرشدني لدينه.
وجعلها وجعل كلمة التوحيد، وهى لا إله إلا الله، ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] في ذرية إبراهيم، ونسله، قال قتادة: لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده.
لعلهم يرجعون لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين، ويرجعوه إلى دينك دين إبراهيم، إذ كانوا من ولده، قال السدي: لعلهم يتوبون، ويرجعون عما هم عليه إلى عبادة
[ ٤ / ٦٩ ]
الله.
ثم ذكر نعمته على قريش، فقال: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ﴿٢٩﴾ وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ﴿٣٠﴾ وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴿٣١﴾ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴿٣٢﴾ وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴿٣٣﴾ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ﴿٣٤﴾ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٣٥﴾﴾ [الزخرف: ٢٩-٣٥] .
﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٩] يعني: المشركين، يقول: أمتعتهم بأنفسهم وأموالهم، وأنواع النعم، ولم أعاجلهم بعقوبة كفرهم، ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ [الزخرف: ٢٩] يعني: القرآن، ورسول مبين يبين لهم الأحكام والدين، وكان من حق هذا الإنعام أن يطيعوا الرسول بإجابته، فلم يجيبوه، وعصوا.
وهو قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ [الزخرف: ٣٠] يعني: القرآن، ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠] .
﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يعنون: الوليد بن المغيرة بمكة، وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف.
فقال الله ﷿ ردا عليهم، وإنكارا لما قالوا: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] يعني: النبوة، وذلك أنهم اعترضوا على الله بقولهم: لم لم ينزل هذا القرآن على غير محمد ﷺ؟ فبين الله أنه هو الذي يقسم النبوة لا غيره، قال مقاتل: يقول: أبأيديهم مفاتيح الرسالة، فيضعونها حيث شاءوا؟ ثم قال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] أي: قسمنا الرزق في المعيشة، وليس لأحد أن يتحكم في شيء من ذلك، فكما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق، كذلك اصطفينا للرسالة من نشاء، ومعنى الآية: إنا تولينا قسم معايشهم، فكذلك تولينا قسم النبوة.
٨٢٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَايِعُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، نا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ
[ ٤ / ٧٠ ]
نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ [الزخرف: ٣٢] الآية.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاقَكُمْ كَمَا قَسَّمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ وَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ أَحَبَّ وَمَنْ لا يُحِبُّ، وَلا يُعْطِي الدِّينَ إِلا مَنْ أَحَبَّ فَمَنْ أَعْطَاهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ.
وقال قتادة في قوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ [الزخرف: ٣٢]: تلقى الرجل ضعيف الحيلة، عيي اللسان، وهو مبسوط له في الرزق، وتلقاه شديد الحيلة، بسط اللسان، وهو مقتر عليه.
وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] يعني: الفضل في الغنى والمال، ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] ليستخدم بعضهم بعضا، فيتسخر الأغنياء بأموالهم الفقراء، ليلتئم قوام أمر العالم، وقال قتادة: ليملك بعضهم بما لهم بعضا، فيتخذونهم عبيدا ومماليك.
وقوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] يعني: الجنة للمؤمنين خير مما يجمع الكفار من الدنيا، أي: النبوة لك خير من أموالهم التي يجمعونها.
ثم أخبر عن قلة الدنيا عنده، فقال: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣] لولا أن يجتمعوا على الكفر، ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٣] لهوان الدنيا عندنا، ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] يعني: سماء البيت، وهو واحد يدل على الجمع، وعلم بقوله: لبيوتهم أي: أن لكل بيت سقفا، وقرئ: سقفا وهو جمع سقف، مثل رهن ورهن، وفرس ورد، وخيل ورد، ومعارج يعني: الدرج، عليها يظهرون يرتقون ويعلون، يقال: ظهر على البيت وعلى السطح، إذا علاه.
ولبيوتهم أبوابا أي: من فضة، وسررا من فضة، وهو جمع سرير، عليها يتكئون من الاتكاء، وهو التحامل على الشيء.
وزخرفا كلهم قالوا: إنه الذهب.
والمعنى: ونجعل لهم مع ذلك ذهبا وغنى، ومعنى الآية: لولا أن تميل الدنيا بالناس، فيصير الخلق كفارا، لأعطى الله
[ ٤ / ٧١ ]
الكافر في الدنيا غاية ما يتمنى فيها، لقلتها عنده، ولكنه ﷿ لم يفعل ذلك، لعلمه بأن الغالب على الخلق حب العاجلة، ثم أخبر أن جميع ما ذكر إنما يتمتع به في الدنيا، فقال: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٥] الفراء على تخفيف لما وهو لغو، والمعنى: لمتاع الحياة الدنيا، وقرأ حمزة: لما بالتشديد، جعله في معنى إلا، حكى سيبويه: نشدتك الله لما فعلت، بمعنى: إلا فعلت، ويقوي هذه القراءة أن في حرف أُبَيِّ: وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا قال ابن عباس: يزول ويذهب.
وقال مقاتل: يتمتعون فيها قليلا.
والآخرة يعني: الجنة، ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] خاصة لهم.
قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴿٣٦﴾ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٣٧﴾ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ﴿٣٨﴾ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴿٣٩﴾﴾ [الزخرف: ٣٦-٣٩] .
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٦] يعرض عن القرآن، ويقال: عشوت إلى النار أعشو عشوا، أي: قصدتها مهتديا بها، وعشوت عنها: أعرضت عنها، كما تقول: عدلت إلى فلان، وعدلت عنه، وملت إليه، وملت عنه، قال الزجاج: معنى الآية: أن من أعرض عن القرآن وما فيه من الحكمة، إلى أباطيل المضلين، نعاقبه بشيطان، نقيضه له حتى يضله، ويلازمه قرينا له، فلا يهتدي، مجازاة له حين آثر الباطل على الحق البين.
وهو قوله: ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] صاحب له، يزين له العمى، ويخيل إليه أنه على الهدى، وهو على الضلالة.
وذلك قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الزخرف: ٣٧] وإن الشياطين ليمنعونهم عن سبيل الهدى، وجمع الكناية، لأن قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف: ٣٦] في مذهب جمع، وإن كان اللفظ على الواحد، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧] يحسب كفار بني آدم أنهم على هدى.
٨٢٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو يَعْلَى، نا مُحَرِزُ بْنُ عَوْنٍ، نا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ، نا
[ ٤ / ٧٢ ]
عَبْدُ الْغَفُورِ، عَنْ أَبِي نَضِيرٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " عَلَيْكُمْ بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَالاسْتِغْفَارِ، فَأَكْثِرُوا مِنْهُمَا، فَإِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ: أَهْلَكْتُ النَّاسَ بِالذُّنُوبِ، وَأَهْلَكُونِي بِلا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَالاسْتِغْفَارِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَهْلَكْتُهُمْ بِالْأَهْوَاءِ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ".
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ [الزخرف: ٣٨] يعني: الكافر، وقرئ: جاآنا يعني: الكافر وشيطانه، جعلا في سلسلة واحدة، وروى معمر عن الجريري، قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره، أخذ بيده شيطان، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار.
فذلك حيث يقول: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣٨] بعد ما بين المشرق والمغرب، فغلب لفظ المشرق، كما قالوا: القمران، والعمران، فبئس القرين أنت أيها الشيطان.
ويقول الله تعالى في ذلك اليوم للكفار: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩] أشركتم في الدنيا، ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] قال المفسرون: لا يخفف الاشتراك عنهم شيئا من العذاب، لأن لكل واحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب.
ثم ذكر أنه لا ينفع الدعوة والوعظ من سبقت له الشقاوة، فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٤٠﴾ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ﴿٤١﴾ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ﴿٤٢﴾ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٤٣﴾ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴿٤٤﴾﴾ [الزخرف: ٤٠-٤٤] .
﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف: ٤٠] قال ابن عباس: يريد أنهم لا يعقلون ما جئت به، ولا يبصرونه، لأن من أعميت قلبه لم يهتد.
﴿وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] يريد من ظهرت ضلالته بتكذيب الصادق الأمين.
[ ٤ / ٧٣ ]
قوله: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ [الزخرف: ٤١] بأن نميتك قبل أن نريك النقمة في كفار مكة، ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] بالقتل بعدك.
أو نرينك في حياتك، ما وعدناهم من العذاب بالذل، والقتل، ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] يقول الله تعالى لنبيه ﵇ مطيبا قلبه: إن ذهبنا بك انتقمنا لك، ممن كذبك بعدك، أو أريناك في حياتك ما وعدناهم من العذاب، فإنا قادرون عليهم، متى شئنا عذبناهم.
ثم أري ذلك يوم بدر.
ثم أمره بالتمسك بالقرآن، فقال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] يعني: دين الإسلام.
وإنه وإن القرآن الذي أوحي إليك، ﴿لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] شرف لك بما أعطاك الله من الحكمة، ولقومك المؤمنين بما هداهم به، حتى أدركوا الحق.
وروى الضحاك، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان إذا سئل: لمن هذا الأمر بعدك؟ لم يخبر بشيء، حتى نزلت هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا سئل، قال: «لقريش» .
فهذا يدل على أن النبي ﷺ فهم من هذا أنه يلي على المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن، ثم قومه من قريش يخلفونه في الولاية، بشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم، ومذهب مجاهد: أن القرآن ههنا العرب، والقرآن لهم شرف إذ أنزل بلغتهم، ثم يختص بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب، حتى يكون الشرف أكثر لقريش من غيرهم، ثم لبني هاشم.
وسوف تسألون عن شكر ما جعله الله لكم من الشرف، قاله الكلبي، والزجاج.
وقال غيرهما: تسألون عن القرآن، وعما يلزمكم من القيام بحقه.
قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴿٤٥﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٦﴾ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا
[ ٤ / ٧٤ ]
يَضْحَكُونَ ﴿٤٧﴾ وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٤٨﴾﴾ [الزخرف: ٤٥-٤٨] .
﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الزخرف: ٤٥] الآية.
قال عطاء، عن ابن عباس: لما أسري بالنبي ﷺ، بعث الله له آدم ومن ولد من المرسلين، فأذن جبريل، ثم أقام وقال: يا محمد، تقدم فصل بهم.
فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة، قال له جبريل: سل يا محمد ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الزخرف: ٤٥] الآية.
فقال رسول الله ﷺ: «لا أسأل، قد اكتفيت» .
وهذا قول الزهري، وسعيد بن جبير، وابن زيد، قالوا: جمع له الرسل ليلة أسري به، فلقيهم، وأمر أن يسألهم، فلم يشكك، ولم يسأل.
وقال أكثر المفسرين: سل مؤمني أهل الكتاب، الذين أرسلت إليهم الأنبياء: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد؟ وعلى هذا قال الزجاج: المعنى: سل أمم من أرسلنا؟ فحذف المضاف.
وقال ابن الأنباري: سل أتباع من أرسلنا.
ومعنى الأمر بالسؤال: التقرير لمشركي قريش، بأنه لم يأت رسول، ولا كتاب بعبادة غير الله.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [الزخرف: ٤٦] إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] أي: يهزءون بآياته، ويضحكون منها، جهلا وغفلة.
﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨] يعني: ما ترادف عليهم من الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمس وكانت كل آية من هذه الآيات أكبر من
[ ٤ / ٧٥ ]
التي قبلها، وهي العذاب المذكور في قوله: وأخذناهم بالعذاب لأنهم عذبوا بهذه الآيات، فكانت عذابا لهم، ودلالات لموسى ﵇، فغلب عليهم الشقاء، ولم يؤمنوا.
﴿وَقَالُوا يَأَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴿٤٩﴾ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ ﴿٥٠﴾﴾ [الزخرف: ٤٩-٥٠] .
﴿وَقَالُوا يَأَيُّهَا السَّاحِرُ﴾ [الزخرف: ٤٩] قال الكلبي: يأيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيما يعظمونه، ولم يكن صفة ذم.
وقال الزجاج: خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر.
﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] فيمن آمن به من كشف العذاب عنه، إننا لمهتدون مؤمنون بك.
فدعا موسى ربه، فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠] العهد الذي عاهدوا موسى.
﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴿٥١﴾ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ ﴿٥٢﴾ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴿٥٣﴾ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴿٥٤﴾ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٥٥﴾ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ ﴿٥٦﴾﴾ [الزخرف: ٥١-٥٦] .
ونادى فرعون إلى قوله: وهذه الأنهار يعني: أنهار النيل، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] أراد: من تحت قصوري، وقال قتادة: بين يدي في جناني.
وقال الحسن: بأمري.
وعلى هذا معناه: تجري تحت أمري، أفلا تبصرون عظمتي، وشدة ملكي، وفضلي على موسى.
[ ٤ / ٧٦ ]
قال قتادة: افتخر عدو الله بملكه، وقال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] أي: بل أنا خير وأفضل، ﴿مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] ضعيف حقير.
يعني: موسى ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] الكلام، يعني: آفة بلسانه، وهي اللثغة التي كانت بلسان موسى ﷺ.
﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٥٣] هلا حلي بأ ﴿[الذهب إن كان عظيما، وكان الرجل فيهم إذا سودوه سوروه بسوار، وطوقوه بطوق من ذهب، أي: إن كان سيدا تجب طاعته، هلا سور،] أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [سورة الزخرف: ٥٣] متتابعين، يعينوه على أمره الذي بعث له، ويشهدون له بصدقه.
فاستخف فرعون، قومه القبط، أي: حملهم على خفة الجهل بكيده وغروره، فأطاعوه على تكذيب موسى، وقبلوا قوله، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤] عاصين لله.
قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا﴾ [الزخرف: ٥٥] قال المفسرون: أغضبونا.
والأسف الغضب، ذكرنا ذلك عند قوله: غضبان أسفا.
أخبرني محمد بن عبد العزيز المروزي، فيما كتب إلي أن أبا الفضل الحدادي أخبرهم، عن محمد بن يزيد، أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، نا معمر، عن سماك بن الفضل، قال: كنا عند عروة بن الزبير، وإلى جانبه وهب بن منبه، فجاء قوم فشكوا عاملهم، وذكروا منه شيئا قبيحا، فتناول وهب عصا كانت في يد عروة، فضرب بها رأس العامل، حتى سال دمه، فضحك عروة، واستلقى على قفاه، وقال: يعيب علينا أبو عبد الله الغضب، وهو يغضب.
فقال وهب: وما لي لا أغضب، وقد غضب الذي خلق الأحلام، إن الله يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، يقول: أغضبونا.
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أنا أبو بكر ابن الأنباري، نا محمد بن أبي العوام، يقول:
[ ٤ / ٧٧ ]
سمعت أبي، يقول: سمعت شعيب بن حرب، يقول: قال عمر بن ذر: يا أهل المعاصي، لا تغتروا بطول حلم الله ﷿ عنكم، فاحذروا أسفه، فإنه قال عز من قائل: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] .
فجعلناهم سلفا جمع سالف، مثل خادم وخدم، وحارس وحرس، يقال: سلف يسلف سلوفا، إذا تقدم ومضى.
قال الفراء، والزجاج، يقول: جعلناهم متقدمين، ليتعظ بهم الآخرون.
وقرأ حمزة: سلفا بالضم، وهو جمع سليف من سلف بضم اللام، أي: تقدم، فهو سليف، ومثلا للآخرين أي: عبرة وعظة لمن بقي بعدهم، والمعنى: أن حال غيرهم يشبه حالهم، إذا أقاموا على العصيان.
قوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴿٥٧﴾ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴿٥٨﴾ إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿٥٩﴾ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴿٦٠﴾ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٦١﴾ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٦٢﴾﴾ [الزخرف: ٥٧-٦٢] .
﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا﴾ [الزخرف: ٥٧] أكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مجادلة ابن الزبعري مع النبي ﷺ، لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآية.
وقد ذكرنا تلك القصة، قال مقاتل: ولما وصف ابن مريم شبها في العذاب بالآلهة، أي: فيما قالوه وعلي زعمهم.
لأن الله تعالى لم يذكر عيسى ابن مريم ﵇ في تلك الآية، ولم
[ ٤ / ٧٨ ]
يرده بقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآية، وإنما أراد أوثانهم، ولكنهم ألزموه عيسى جدالا، وعنتا، وضربوه مثلا لآلهتهم، وشبهوه بها في أنه معبود للنصارى من دون الله، وقوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] يعني: قومه الكفار، كانوا يضجون ضجيج المجادلة حيث خاصموه، وقالوا: رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى.
وهو قوله: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨] أي: ليست آلهتنا خيرا من عيسى، فإن كان عيسى في النار بأنه يعبد من دون الله فكذلك آلهتنا، وقرئ يصدون بكسر الصاد وضمها، قال الفراء، والزجاج، والأخفش، والكسائي: هما لغتان، معناهما: يضجون.
قال الله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا﴾ [الزخرف: ٥٨] قال مقاتل: ما وصفوا لك ذكر عيسى إلا ليجادلوك به، لأنهم قد علموا أن المراد بحصب جهنم ما اتخذوه من الموات، ثم ذكر أنهم أصحاب خصومات، فقال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] .
ثم ذكر عيسى، فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] أي: بالنبوة، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] آية وعبرة لهم، يعرفون به قدرة الله على ما يريد، حيث خلقه من غير أب، فهو مثل لهم يشبهون به ما يرون من أعاجيب صنع الله.
ثم خاطب كفار مكة، فقال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] أي: لو نشاء أهلكناكم، وجعلنا بدلا منكم ملائكة، ﴿فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] يكونون خلفا منكم، قال الأزهري: ومن قد تكون للبدل، كقوله: جعلنا منكم، يريد: بدلا منكم.
ثم رجع إلى ذكر عيسى، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] يعني: نزول عيسى من أشراط الساعة، يعلم به قربها، ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف: ٦١] قال ابن عباس: لا تكذبون بها.
واتبعون على التوحيد، هذا الذي أنا عليه، صراط مستقيم من دين إبراهيم.
قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ
[ ٤ / ٧٩ ]
وَأَطِيعُونِ ﴿٦٣﴾ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٦٤﴾ فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴿٦٥﴾ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ﴿٦٦﴾ الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ ﴿٦٧﴾﴾ [الزخرف: ٦٣-٦٧] .
﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى﴾ [الزخرف: ٦٣] بني إسرائيل، بالبينات قال قتادة، ومقاتل: يعني: الإنجيل.
وهو قوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾ [الزخرف: ٦٣] وقال عطاء: يريد النبوة.
﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣] قال مجاهد: يعني: من أحكام التوراة.
وقال ابن عباس: ما تختلفون فيه من أمري، وأمر دينكم.
وقال قتادة: يعني: اختلاف الفرق الذين تحزبوا في أمر عيسى.
وقال الزجاج: الذي جاء به عيسى في الإنجيل، وإنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، وبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه.
وما بعد هذا مفسر فيما مضى إلى قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ﴾ [الزخرف: ٦٦] أي: هل يرتقبون إلا القيامة، يعني: أن تأتيهم لا محالة، فكأنهم يرتقبونها، وإن كانوا أمواتا فهم أيضا يرتقبونها، ولكن لا يدري، متى تفجأ؟ وهو قوله: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٦] .
الأخلاء في الدنيا، يومئذ يوم تأتي الساعة، ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] يعني: أن الخلة إذا كانت على المعصية والكفر، صارت عداوة يوم القيامة، إلا المتقين يعني: الموحدين المؤمنين، الذين يخال بعضهم بعضا على الإيمان والتقوى، فإن خلتهم لا تصير عداوة.
قوله: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿٦٨﴾ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ﴿٦٩﴾ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ﴿٧٠﴾ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٧١﴾ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٧٢﴾ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٧٣﴾﴾ [الزخرف: ٦٨-٧٣] .
﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الزخرف: ٦٨] قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم القيامة، نادى مناد: يا
[ ٤ / ٨٠ ]
عبادي لا خوف عليكم، أي: من عذاب اليوم، فإذا سمعوا النداء، رفع الخلائق رءوسهم.
فيقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩] فينكس أهل الأديان رءوسهم غير المسلمين.
ويقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠] تكرمون، وتنعمون.
﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ﴾ [الزخرف: ٧١] جمع صحفة، وهي القصعة الواسعة العريضة، وأكواب جمع كوب، وهو إناء مستدير مدور الرأس، لا عرى لها، وفيها ما تشتهي الأنفس، وقرئ: تشتهيه بالهاء، وحذف الهاء ههنا كإثباتها، وأكثر ما جاء في التنزيل حذف الهاء من الصلة، كقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ [الفرقان: ٤١]، ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، وإنما صنعوا كيد سحر، والأصل إثبات الهاء، والحذف حسن كثير، وقد جاءت مثبتة كقوله: ﴿إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله: وتلذ الأعين يقال: لذذت الشيء ألذه، مثل استلذذته، والمعنى: أنه ما من شيء اشتهته نفس، أو استلذته عين، إلا وهو في الجنة، وقد عبر الله تعالى بهذين اللفظين عن جميع نعيم أهل الجنة، فإنه ما من نعمة إلا وهي نصيب النفس، أو العين، ثم تمم هذه النعم بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] لأنها لو انقطعت لم تطب.
وتلك الجنة يعني: الجنة التي ذكرها في قوله: ادخلوا الجنة، التي أورثتموها قال ابن عباس: الكافر يرث نار المؤمن، والمؤمن يرث جنة الكافر.
وهذا كقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] وقد تقدم.
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴿٧٤﴾ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴿٧٥﴾ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ﴿٧٦﴾ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴿٧٧﴾ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴿٧٨﴾ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴿٧٩﴾ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴿٨٠﴾﴾ [الزخرف: ٧٤-٨٠] .
وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: وما ظلمناهم أي: ما عذبناهم على غير ذنب، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]
[ ٤ / ٨١ ]
لأنفسهم، بما جنوا عليها من العذاب.
وقوله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] يدعون خازن جهنم، ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] الموت، والمعنى: أنهم توسلوا بمالك إلى الله تعالى، ليسأل لهم الموت، فيستريحوا من شدة العذاب، فيسكت عنهم، ولا يجيبهم أربعين سنة في قول عبد الله بن عمرو، والكلبي، ومقاتل.
وألف سنة فيما روي عن ابن عباس.
ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] مقيمون في العذاب.
﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٧٨] يقول الله تعالى: أرسلنا إليكم يا معشر قريش محمدا رسولنا، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] قال ابن عباس: يريد: كلكم كارهون لما جاء به محمد ﷺ.
﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾ [الزخرف: ٧٩] بل أحكموا أمرا في كيد محمد، والمكر به، فإنا مبرمون محكمون في مجازاتهم، قال مجاهد: إن كادوا شرا، كدتهم مثله.
﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠] سرهم: ما يسرونه من غيرهم، ونجواهم: ما يتناجون به بينهم، بلى نسمع ذلك، ورسلنا من الملائكة، يعني: الحفظة، لديهم يكتبون.
قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١] في قولكم، وعلى زعمكم، ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] أول من عبد الله ووحده، والمعنى: فأنا أول الموحدين، لأن من عبد الله واعترف بأنه إلهه، فقد دفع أن يكون له ولد.
قال ابن قتيبة: لما قال المشركون: لله ولد.
ولم يرجعوا عن مقالتهم، بما أنزل الله على رسوله من التبرؤ من ذلك، قال الله ﷿ لرسوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ﴿٨١﴾ سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿٨٢﴾ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴿٨٣﴾﴾ [الزخرف: ٨١-٨٣] .
قل لهم، ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١] أي: عندكم، وفي ادعائكم، ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] أول الموحدين، ومن وحد الله فقد عبده، ومن جعل له ولدا أو ندا، فليس من العابدين، وإن اجتهد.
[ ٤ / ٨٢ ]
وقال ابن عباس في رواية عطاء: إن كان للرحمن ولد كما تزعمون، فأنا أول من غضب للرحمن أن يقال: له ولد.
وعلى هذا القول العابد من العبد بمعنى الغضب، قال الفراء: عبد عليه، أي: غضب.
وروي أن سفيان بن عيينة سئل عن هذه الآية، فقال: يقول: فكما أني لست أول من عبد الله، فكذلك ليس لله ولد.
وهذا كما تقول: إن كنت كاتبا فأنا حاسب، تريد: لست أنت كاتبا ولا أنا حاسب.
ثم نزه نفسه، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: ٨٢] قال مقاتل: عما يقولون من الكذب.
فذرهم يعني: كفار مكة، حين كذبوا بالعذاب في الآخرة، يخوضوا في باطلهم، ويلعبوا في دنياهم، حتى يلاقوا يوم القيامة.
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴿٨٤﴾ وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٨٥﴾ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٨٦﴾ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٨٧﴾ وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ﴿٨٨﴾ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٨٩﴾﴾ [الزخرف: ٨٤-٨٩] .
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] قال قتادة: يعبد في السماء، وفي الأرض، وهو إله واحد لا إله إلا الله.
وقال أبو علي الفارسي: المعنى عن الإخبار بإلهيته، لا عن الكون في السماء، أي: أنه تبارك اسمه يقصد بالعبادة في السماء والأرض.
وهو الحكيم في ملكه، العليم بخلقه.
ذكر أنه لا شفاعة لمعبوديهم عند الله، فقال: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ
[ ٤ / ٨٣ ]
الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، ثم استثنى عيسى وعزيرا والملائكة، فقال: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] قال قتادة: إنهم عبدوا من دون الله، ولهم عند الله شفاعة ومنزلة.
ومعنى شهد بالحق: شهد أنه لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وهم يعلمون بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم، وفي هذا دليل على أنه لا يتحقق إيمان، وشهادة حتى يكون ذلك عن علم بالقلب، لأن الله تعالى، شرط مع الشهادة العلم، وقد قال أصحابنا: إن شرط الإيمان طمأنينة القلب على ما اعتقده، بحيث لا يتشكك إذا شكك، ولا يضطرب إذا حرك.
﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] قال قتادة: هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه.
وقال ابن عباس: شكا إلى ربه تخلف قومه عن الإيمان، قال: وتقدير الآية: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله يا رب.
قال المبرد: العطف على المنصوب حسن، وإن تباعد المعطوف من المعطوف عليه.
ومن قرأ بكسر اللام فعلى معنى: وعندهم علم الساعة وعلم قِيله يَا رَبِّ، والقيل: مصدر كالقول، قال أبو عبيد: يقال: قلت قولًا، وقيلًا، وقالا.
﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٩] أعرض عنهم، وقل سلام قال عطاء: يريد مداراة حتى ينزل حكمي فيهم، ومعناه: المتاركة، كقوله: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] .
فسوف يعلمون عاقبة كفرهم، وهذا تهديد، ومن قرأ بالتاء فعلى الأمر للنبي ﷺ علم بأن يخاطبهم بهذا، قال مقاتل: نسخ السيف الإعراض والسلام.
[ ٤ / ٨٤ ]