مكية، وهي خمسون وأربع آيات.
٨١٠ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو عُثْمَانَ الْمُقْرِي، نا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا أَبُو إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الْمَدَايِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ حم السَّجْدَة أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدِدِ كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ»
﴿حم ﴿١﴾ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٢﴾ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ﴿٤﴾ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴿٥﴾﴾ [فصلت: ١-٥] .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم ﴿١﴾ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٢﴾﴾ [فصلت: ١-٢] قال الأخفش، والزجاج: تنزيل مبتدأ، وخبره قوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٣] .
بين حلاله وحرامه، ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] اللسان العربي.
بشيرا لأولياء الله تعالى، ونذيرا لأعدائه، فأعرض أكثرهم أكثر أهل مكة، ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤] تكبرا عنه.
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] مثل الكنانة التي فيها السهام، فهي لا تفقه ما تقول، ولا يصل إليها دعاؤك، ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] ثقل وصمم، يمنع من استماع قولك، والمعنى: إنا في ترك القبول عنك بمنزلة من لا يفهم ولا يعقل، ولا يسمع قولك، ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] أي: بيننا وبينك فرقة في الدين، وحاجز في النحلة فلا نوافقك على ما تقول، وقال مقاتل: إن أبا جهل رفع ثوبه بينه وبين النبي ﷺ، فقال: يا محمد، أنت من ذلك الجانب، ونحن من هذا الجانب.
فاعمل
[ ٤ / ٢٤ ]
أنت على دينك ومذهبك، إننا عاملون على ديننا ومذهبنا.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿٦﴾ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿٧﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٨﴾﴾ [فصلت: ٦-٨] .
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت: ٦] أي: إنما أنا كواحد منكم، ولولا الوحي ما دعوتكم، وهو قوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٦] لا تميلوا عن سبيله، وتوجهوا إليه بالطاعة، واستغفروه من الشرك، ثم توعدهم، فقال: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿٦﴾ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦-٧] قال ابن عباس في رواية عطاء، وعكرمة: لا يقولون: لا إله إلا الله.
والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد، وقال الحسن وقتادة: لا يقرون بالزكاة، ولا يرون إيتاءها، ولا يؤمنون بها.
وقال الكلبي: عابهم الله بها، وقد كانوا يحجون ويعتمرون.
وقال قتادة: كان يقال: الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها برئ ونجا، ومن لم يقطعها هلك.
ثم أخبر عنهم
[ ٤ / ٢٥ ]
بأعظم من هذا، فقال: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿٧﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٨﴾﴾ [فصلت: ٧-٨] غير مقطوع، ولا منقوص.
ثم وبخهم على كفرهم، فقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٩﴾ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ﴿١٠﴾ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴿١١﴾ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿١٢﴾﴾ [فصلت: ٩-١٢] .
﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] الأحد والاثنين، ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [فصلت: ٩] تتخذون معه آلهة، ذلك الذي فعل ما ذكر، ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٩﴾ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ [فصلت: ٩-١٠] جبالا ثوابت من فوق الأرض، وبارك فيها بالأشجار، والثمار، والحبوب، والأنهار.
﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] قال الحسن، ومقاتل: وقسم في الأرض أرازق العباد والبهائم.
وقال الكلبي: قدر الخبز لأهل قطر، والتمر لأهل قطر، والسمك لأهل قطر.
﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] أي: في تتمة أربعة أيام، ويعني: الثلاثاء والأربعاء، وهما مع الأحد والاثنين أربعة، سواء نصب على المصدر، على معنى: استوت سواء واستواء، كما تقول: في أربعة
[ ٤ / ٢٦ ]
أياما تماما، ومن خفض فعلى النعت للأيام، ومن رفع فعلى معنى: هي سواء، للسائلين قال السدي، وقتادة: سواء لا زيادة ولا نقصان، جوابا لمن سأل: في كم خلقت الأرض والأقوات؟ فيقال: في أربعة أيام.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] عمد، وقصد إلى خلقها، وهي دخان قال السدي: كان ذلك الدخان من نفس الماء، حين تنفس خلقها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبعا في يومين الخميس والجمعة.
﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] أي: ائتيا ما آمركما، أي: افعلاه، كما يقال: إيت ما هو الأحسن، أي: افعله، قال المفسرون: إن الله تعالى، قال: أما أنت يا سماء، فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وأما أنت يا أرض، فشققي أنهارك، وأخرجي ثمارك ونباتك، قال لهما: افعلا ما آمركما طوعا، وإلا ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه كرها.
قال الزجاج: أطيعا طاعة، أو تكرهان كرها، فأطاعتا وأجابتا بالطوع.
وهو قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] أي: أتينا أمرك طائعين، ولما ركب الله فيهن العقول، وخوطبن خطاب من يعقل، جمعهن جمع من يعقل، كما قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .
فقضاهن صنعهن وأحكمهن، وفرغ من خلقهن، ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] قال مقاتل: وأمر في كل سماء بما أراد.
وقال عطاء، عن ابن عباس: خلق في كل سماء من الملائكة، والبرد، والثلوج، وما لا يعلمه إلا الله.
﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت: ١٢] وحفظناها من استماع الشياطين
[ ٤ / ٢٧ ]
بالكواكب حفظا، ذلك الذي ذكر من صنعه، تقدير العزيز في ملكه، العليم بخلقه.
قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴿١٣﴾ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴿١٤﴾﴾ [فصلت: ١٣-١٤] .
فإن أعرضوا عن الإيمان بعد هذا البيان، ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] هلاكا مثل هلاكهم، والصاعقة: المهلكة من كل شيء.
﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [فصلت: ١٤] أتت الرسل آباءهم، ومن كان قبلهم، ومن خلفهم من خلف الرسل، الذين بعثوا إلى آبائهم رسل إليهم أن لا، بأن لا، ﴿تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] أي: لو شاء ربنا دعوة الخلق، لأنزل ملائكة، ثم أظهروا الكفر بهم، وهو قولهم: ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ١٤] .
ثم قص قصة عاد وثمود، فقال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿١٥﴾ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ﴿١٦﴾ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿١٧﴾ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿١٨﴾﴾ [فصلت: ١٥-١٨] .
﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [فصلت: ١٥] تكبروا عن الإيمان وعملوا، بغير الحق وأعجبتهم أجسامهم، ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وذلك أن هودا هددهم بالعذاب، فقالوا: نحن نقدر على دفعه عنا، بفضل قوتنا.
فقال الله تعالى، ردا عليهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] يكفرون بحججنا عليهم.
ثم ذكر عذابهم، بقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦] عاصفا، شديدة الصوت، من الصرة وهي: الصيحة، وقال ابن عباس: وهي الباردة من الصر، وهي: البرد.
وقال الفراء: هي الباردة، تحرق كما تحرق النار.
﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] نكدات مشئومات، ذات نحوس،
[ ٤ / ٢٨ ]
قال ابن عباس: كانوا يتشاءمون بتلك الأيام.
والقراء قرءوا بكسر الحاء وسكونها، قال الزجاج: من قرأ بكسر الحاء فواحدها نحس، ومن قرأ بالسكون فواحدها نحس.
﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [فصلت: ١٦] أي: عذاب الهوان والذل، وهو العذاب الذي يخزون به، ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى﴾ [فصلت: ١٦] أشد إهانة، ﴿وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦] أي، لا يمنعون من العذاب.
ثم ذكر قصة ثمود، فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] قال ابن عباس: بينا لهم سبيل الهدى.
وقال مجاهد: دعوناهم.
وقال الفراء: دللناهم على مذهب الخير، أي: بإرسال الرسول.
﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] فاختاروا الكفر على الإيمان، ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت: ١٧] أي: ذي الهوان، وهو الذي يهينهم ويخزيهم، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧] من تكذيبهم صالحا، وعقرهم الناقة.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿١٩﴾ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٠﴾ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢١﴾ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٢٢﴾ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٢٣﴾﴾ [فصلت: ١٩-٢٣] .
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩] يحبس أولهم على آخرهم، ليتلاحقوا، والمعنى: إذا حشر أعداء الله، وقفوا.
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ [فصلت: ٢٠] جاءوا النار التي حشروا إليها، ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠] قال مقاتل: تنطق جوارحهم بما كتبت الألسن، من عملهم بالشرك.
٨١١ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيُّ فِيمَا أَجَازَ لِي، أَنَّ
[ ٤ / ٢٩ ]
أَبَا الْفَرَجِ الْقَاضِي أَخْبَرَهُمْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ، أنا شَرِيكٌ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلا تَسْأَلُونِي مِمَّا ضَحِكْتُ؟ قَالُوا: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " عَجِبْتُ مِنْ مُجَادَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَيْسَ وَعَدْتَنِي أَنْ لا تَظْلِمَنِي؟ قَالَ: فَإِنَّ لَكَ ذَلِكَ، قَالَ: فَإِنِّي لا أَقْبَلُ عَلَيَّ شَاهِدًا إِلا مِنْ نَفْسِي، قَالَ: أَوَلَيْسَ كَفَى بِي شَهِيدًا وَبِالْمَلائِكَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَجَرْتَنِي مِنَ الظُّلْمِ فَلَنْ أُجِيزَ الْيَوْمَ عَلَيَّ شَاهِدًا إِلا مِنْ نَفْسِي.
قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَتَتَكَلَّمُ أَرْكَانُهُ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ، قَالَ: فَيَقُولُ لَهُنَّ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، عَنْكُنَّ كُنْتُ أُجَادِلُ.
وقوله: ﴿وَجُلُودُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠] قال ابن عباس: يريد فروجهم.
وهو قول الجميع.
قالوا: كنى الله تعالى عنها بالجلود.
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] أي: مما ينطق، وتم الكلام، ثم قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [فصلت: ٢١] وليس هذا من جواب الجلود.
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ﴾ [فصلت: ٢٢] أي: من أن يشهد، عليكم لأنكم ما كنتم تظنون ذلك، ولكن ظننتم الآية، قال ابن عباس: إن الكفار كانوا يقولون: إن الله لا يعلم ما في أنفسنا، ولكنه يعلم ما نظهر.
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] أي: ظنكم أن الله لا يعلم ما تعملون، أرداكم أهلككم.
وقال ابن عباس: طرحكم في النار.
ثم أخبر عن حالهم، فقال:
[ ٤ / ٣٠ ]
﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ﴿٢٤﴾ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ﴿٢٥﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴿٢٦﴾ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٧﴾ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿٢٨﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ﴿٢٩﴾﴾ [فصلت: ٢٤-٢٩] .
فإن يصبروا أي: على النار، ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٤] مسكن، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] أن يسألوا أن يرجع بهم إلى ما يحبون، لم يرجع بهم، لأنهم لا يستحقون ذلك، يقال: أعتبني فلان، أي: أرضاني بعد إسخاطه إياي، واستعتبته: طلبت منه أن يعتب، أي: يرضى.
قوله: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: ٢٥] قال مقاتل: هيأنا لهم.
قرناء من الشياطين، وقال الزجاج: سببنا لهم حتى أضلوهم.
وهو قوله: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [فصلت: ٢٥] من أمر الآخرة، أنه لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا حساب، وما خلفهم من أمر الدنيا، فزينوا لهم اللذات، وجمع الأموال، وترك النفقة في وجوه البر، وباقي الآية قد تقدم تفسيره.
قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ﴾ [فصلت: ٢٦] أي: لا تستمعون، وعارضوه باللغو والباطل، وهو قوله: والغوا فيه يقال: لغى يلغي لغا فهو لغ، واللغا واللغو كل كلام لا وجه له، ولا فائدة فيه، وكان الكفار يوصي بعضهم بعضا، إذا سمعتم القرآن من محمد وأصحابه، فارفعوا أصواتكم، حتى تلبسوا عليهم قولهم، فيسكنون، وهو قوله تعالى: لعلكم تغلبون فيسكنون، قال مقاتل: لكي تغلبوهم فيسكنون.
ثم وعدهم الله تعالى بقوله: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي﴾ [فصلت: ٢٧] .
قال مقاتل: بأسوأ ما.
كانوا يعملون وهو الشرك.
ذلك العذاب الشديد، ﴿جَزَاءُ
[ ٤ / ٣١ ]
أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٢٨] وقوله: النار بدل من قوله: ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٢٨] ثم ذكر أن إقامتهم فيها دائمة، أي: فقال لهم فيها في النار، دار الخلد دار الإقامة، لا انتقال منها، جزاء أي: للجزاء، ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ٢٨] قال مقاتل: يعني: القرآن يجحدون أنه من عند الله.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فصلت: ٢٩] أي: في النار، يقولون: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ [فصلت: ٢٩] يعنون: إبليس وقابيل، لأنهما سنا المعصية، ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت: ٢٩] أسفل منا في النار، ليكونا في الدرك الأسفل من النار، قال ابن عباس: ليكونا أشد عذابا منا.
ثم ذكر المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠﴾ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿٣١﴾ نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴿٣٢﴾ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣٣﴾﴾ [فصلت: ٣٠-٣٣] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قال أبو بكر الصديق ﵁: استقاموا على أن الله ربهم.
٨١٢ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ وَاقِدٍ الْحَرَّانِيُّ، نا زُهَيْرٌ، نا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ نِمْرَانَ، أَنَّهُ قَالَ: قَرَأَ
[ ٤ / ٣٢ ]
أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، أَوْ قَرَأَ عَلَيْهِ رَجُلٌ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَا الاسْتِقَامَةُ؟ قَالَ: الاسْتِقَامَةُ أَنْ لا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ الذَّيِنَ لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا حَتَّى يَلْقَوْهُ.
٨١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرْكَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَاعِزٍ الْعَامِرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، " مُرْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ، قَالَ: قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَكْثَرُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا ".
وَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا تَلا هَذِهِ الْآيَةَ، قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّنَا فَارْزُقْنَا الاسْتِقَامَةَ
٨١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي الْمُطَّوِعِيِّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ، نا الْجَرَّاحُ بْنُ مَخْلَدٍ، نا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، نا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ، نا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ
[ ٤ / ٣٣ ]
ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] فَقَالَ: " قَدْ قَالَهَا نَاسٌ ثُمَّ كَفَرَ أَكْثَرُهُمْ، فَمَنْ قَالَهَا حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَقَامَ عَلَيْهَا.
وذهب كثير من المفسرين إلى: أن الاستقامة على طاعة الله، وأداء فرائضه، ولزوم السنة.
قال الكلبي، عن ابن عباس: استقاموا على ما فرض عليهم.
وروى الزهري، عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه تلا هذه الآية، فقال: «استقاموا لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب» .
وقوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] قال ابن عباس: عند الموت.
وقال قتادة، ومقاتل: إذا قاموا من قبورهم.
ألا بأن لا، تخافوا من الموت، ولا تحزنوا على ما خلفتم من أهل وولد، وروى جعفر، عن ثابت، أنه قال: بلغنا أنه إذا انشقت الأرض يوم القيامة، نظر المؤمن إلى حافظيه، قائمين على رأسه، يقولان له: لا تخف اليوم ولا تحزن، وأبشر بالجنة التي كنت توعد، نحن أولياؤك في الحياة الدنيا وفي الآخرة، أبشر يا ولي الله، إنك سترى اليوم أمرا لم تر مثله، فلا يهولنك، وإنما يراد به غيرك.
قال ثابت: فما عظيمة تغشى الناس يوم القيامة، إلا وهي لكل مؤمن قرة عين لما هداه الله في الدنيا.
وقال مجاهد: لا تخافوا ما تقدمون عليه من أمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتم من أمر دنياكم، من ولد أو أهل أو دين، فإنه سيخلفكم في ذلك كله.
﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت: ٣١] هذا من قول الملائكة للمؤمنين، يقولون: نحن الحفظة الذين كنا معكم في الحياة الدنيا، وفي الآخرة يقولون: لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة.
ولكم فيها في الآخرة، ﴿مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١] من الكرامات واللذات، ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] تتمنون، كقوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] وقد مر.
نزلا يجوز أن يكون جمع نازل، ويكون المعنى: ولكم فيها ما تدعون ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] نازلين، ويجوز أن يراد به: القوت الذي
[ ٤ / ٣٤ ]
يقام للنازل والضيف، والمعنى: ثبت لهم ما يدعون ﴿نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] .
قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] قال ابن عباس: هو رسول الله ﷺ، دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
وقال الحسن: هو المؤمن أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته.
وعمل صالحا في إجابته، ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] لربي، وقالت عائشة ﵂: «أرى هذه الآية نزلت في المؤذنين» .
وقال عطاء: وعمل صالحا: قام لله بحقه وفرائضه.
وقال قيس بن أبي حازم: هو الصلاة بين الأذان والإقامة.
﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٣٥﴾ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٦﴾﴾ [فصلت: ٣٤-٣٦] ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤] لا الثانية زائدة، لأن المعنى: ولا تستوي الحسنة والسيئة، يعني: الصبر والغضب، والحلم والجهل، والعفو والإساءة، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] كدفع الغضب بالصبر، والإساءة بالعفو، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ
[ ٤ / ٣٥ ]
وَبَيْنَهُ﴾ [فصلت: ٣٤] أي: فإذا فعلت ذلك، ودفعت السيئة بالتي هي أحسن، صار ﴿الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ [فصلت: ٣٤] كالصديق القريب، وقال عطاء: التي هي أحسن: السلام إذا لقي من يعاديه، سلم عليه ليلين له.
وقال مقاتل بن حيان: هو أبو سفيان بن حرب، وذلك أنه لان للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي ﷺ، ثم أسلم فصار وليا في الإسلام، حميما بالقرابة.
وما يلقاها قال الزجاج: وما يلقى هذه الفعلة وهذه الحالة، وهي دفع السيئة بالحسنة.
﴿إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥] على كظم الغيظ، واحتمال المكروه، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] في الثواب والخير، وقال قتادة: الحظ العظيم: الجنة، أي: ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة.
ثم أمره أن يستعيذ بالله إن صرفه الشيطان عن الاحتمال، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [فصلت: ٣٦] الآية مفسرة في آخر ﴿[الأعراف.
ثم ذكر علامات توحيده، ودلالات قدرته، فقال:] وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿٣٧﴾ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ
[ ٤ / ٣٦ ]
وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ﴿٣٨﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٣٩﴾﴾ [سورة فصلت: ٣٧-٣٩] .
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ [فصلت: ٣٧] الآية ظاهرة.
فإن استكبروا تكبروا عن عبادتي، والسجود لي، ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٣٨] يعني: الملائكة، ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [فصلت: ٣٨] يصلون له، وينزهونه عن السوء، ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] لا يملون، ويفترون.
ومن آياته دلائل قدرته، ﴿أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩] قال الأزهري: إذا يبست الأرض ولم تمطر قيل: قد خشعت.
قال ابن عباس: مقشعرة.
﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾ [فصلت: ٣٩] تحركت بالنبات، وهذا مفسر فيما سبق.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٤٠﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴿٤١﴾ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴿٤٢﴾ مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴿٤٣﴾ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿٤٤﴾﴾ [فصلت: ٤٠-٤٤] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [فصلت: ٤٠] تقدم تفسير الإلحاد، وقال مقاتل: يميلون عن الإيمان بالقرآن.
وقال مجاهد: ﴿يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [فصلت: ٤٠] بالمكاء، واللغط.
﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠] أي: إنا نعلمهم، فنجازيهم بما يعملون، ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ [فصلت: ٤٠] وهو أبو جهل، ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠] وهو حمزة، ثم هددهم بقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] قال الزجاج: لفظه لفظ الأمر، ومعناه الوعيد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ [فصلت: ٤١] بالقرآن، لما جاءهم ثم أخذ في وصف الذكر، وترك جواب ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فصلت: ٤١] على تقدير: إن
[ ٤ / ٣٧ ]
الذين كفروا بالذكر، يجازون بكفرهم، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] قال الكلبي: كريم على الله.
وقال قتادة: أعزه الله، فلا يجد الباطل إليه سبيلا.
وهو قوله: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] قال مقاتل: لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله، ولا يجيء من بعده كتاب فيبطله.
وهو قول الكلبي.
وقال الزجاج: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه، فيأتيه الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه.
وهذا قول قتادة، والسدي.
ومعنى الباطل على هذا: الزيادة والنقصان.
﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٢] في خلقه، حميد إليهم.
ثم عزى نبيه ﷺ على تكذيبهم، فقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] قال قتادة: يقول: قد قيل للأنبياء من قبلك: ساحر، وكذبوا كما كذبت.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ [فصلت: ٤٣] لمن آمن، ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣] أليم لمن كذبك.
قوله: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا﴾ [فصلت: ٤٤] لو جعلنا هذا الكتاب الذي تقرؤه على الناس بغير لغة العرب، ﴿لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] هلا بينت آياته بالعربية، حتى نفهمه، أأعجمي وعربي أكتاب أعجمي ونبي عربي؟ وهذا استفهام على وجه الإنكار، أي: أنهم كانوا يقولون: المنزل عليه عربي، والمنزل أعجمي، فكان ذلك أشد لتكذيبهم، قل لهم يا محمد: هو أي: القرآن، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ [فصلت: ٤٤] من الضلالة، وشفاء من الأوجاع، وقال مقاتل: شفاء لما في القلوب، للبيان الذي فيه، ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٤٤] لأنهم صم عن استماع القرآن، والانتفاع بما فيه من البيان، ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] قال قتادة: عموا عن القرآن، وصموا عنه.
وقال السدي: عميت قلوبهم عنه.
والمعنى: وهو عليهم ذو عمى، ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] أي: أنهم لا يسمعون ولا يفهمون، كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع، ولم يفهم، قال الفراء: تقول للرجل الذي لا يفهم كلامك: أنت تنادي من مكان بعيد.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي
[ ٤ / ٣٨ ]
شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴿٤٥﴾ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴿٤٦﴾ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ﴿٤٧﴾ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ﴿٤٨﴾﴾ [فصلت: ٤٥-٤٨] .
قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [فصلت: ٤٥] هذا تعزية للنبي ﷺ، يقول: كما آتيناك الكتاب، فكذب به قومك، وصدق بعضهم، آتينا موسى الكتاب، فمن مكذب به، ومن مصدق، وهو قوله: ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٤٥] في تأخير العذاب عن مكذبي القرآن إلى أجل مسمى، يعني: القيامة، لقضي بينهم بالعذاب الواقع لمن كذب، ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [فصلت: ٤٥] من صدقك، وكتابك، مريب موقع لهم الريبة.
قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧] أخبر أن علم القيامة متى يقوم عند الله، لا يعلمه غيره، فعلمها إذا سئل عنها مردود إليه، وما تخرج من ثمرة من أكمامها أوعيتها، وهي ما كانت فيه الثمرة، واحدها كم، وقرئ ثمرات، والإفراد يدل على الكثرة، فيستغنى به عن الجمع، ويوم يناديهم ينادي الله تعالى المشركين، أين شركائي أي: في قولكم وزعمكم، كما قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]، قالوا آذناك أعلمناك، ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧] شاهد بأن لك شريكا، يتبرءون يومئذ من أن يكون مع الله شريك.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [فصلت: ٤٨] زال وبطل في الآخرة، ما كانوا يعبدون في الدنيا، وظنوا علموا وأيقنوا، ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨] فرار عن النار.
قوله: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴿٤٩﴾ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿٥٠﴾ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ﴿٥١﴾﴾ [فصلت: ٤٩-٥١] .
[ ٤ / ٣٩ ]
﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] لا يمل الكافر، ولا يزال يسأل ربه الخير والمال، والغنى، ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ [فصلت: ٤٩] البلاء، والشدة، والفقر، فيئوس قنوط شديد اليأس، قنوط من روح الله.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا﴾ [فصلت: ٥٠] ولئن آتيناه خيرا، وعافية، وغنى، ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠] قال مجاهد: هذا بعملي، وأنا محقوق به.
وكل هذا من أخلاق الكافر حب المال، والغنى، غير سائم منه، حتى إذا مسه الشر، صار إلى حال الآيس، فإذا عاد إليه المال، نسي أن الله هو المتفضل عليه بما أعطاه، فيبطر ويظن أنه المستحق لذلك، ثم يشك في البعث، فيقول: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [فصلت: ٥٠] ثم يتوهم أن له مع كفره في الآخرة منزلة، فيقول: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ [فصلت: ٥٠] أي: لست على يقين من البعث، فإن كان الأمر على ذلك، ورددت إلى ربي، ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠] الجنة، أي: كما أعطاني في الدنيا، سيعطيني في الآخرة الجنة، قال الله تعالى: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [فصلت: ٥٠] قال ابن عباس: لنقفنهم يوم القيامة على مساوئ أعمالهم.
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [فصلت: ٥١] مفسر في ﴿[بني إسرائيل، قوله:] فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [سورة فصلت: ٥١] أي: كثير، والمعنى: أنه يسأل ربه أن يكشف ما به، لا يمل من الدعاء في الشدة، ويعرض عن الدعاء في الرخاء.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴿٥٢﴾ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿٥٣﴾ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴿٥٤﴾﴾ [فصلت: ٥٢-٥٤] .
قل يا محمد لأهل مكة، ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ﴾ [فصلت: ٥٢] القرآن، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ﴾ [فصلت: ٥٢] خلاف للحق، بعيد عنه، وهو أنتم، أي: فلا أحد أضل منكم.
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ﴾ [فصلت: ٥٣] ما يفتح من القرى على محمد ﷺ، وللمسلمين في النواحي والأطراف، وفي أنفسهم يعني: فتح مكة، وهذا قول مجاهد، والسدي، والحسن، قالوا: هي ظهور محمد ﷺ على الآفاق، وعلى مكة.
يقول: يفتح القرى ومكة على محمد، حتى يعرفوا
[ ٤ / ٤٠ ]
أن الذي أتى به من القرآن هو من عند الله، لأنهم بذلك يعرفون أنه مؤيد من قبل الله، بعد ما كان واحدا لا ناصر له، وهو قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] أي: أن القرآن من عند الله، ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] قال مقاتل: أولم يكف بربك شاهدا أن القرآن من الله.
قال الزجاج: ومعنى الكفاية ههنا: أن الله ﷿ قد بين لهم ما فيه كفاية في الدلالة.
والمعنى: أولم يكف بربك، لأنه على كل شيء شهيد، شاهد للأشياء لا يغيب عنه شيء.
﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ [فصلت: ٥٤] في شك من البعث، والثواب والعقاب، ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] أحاط بكل شيء علما، لأنه عالم الغيب والشهادة.
[ ٤ / ٤١ ]