مكية، وهي ثمانون وخمس آيات.
٨٠٦ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُطَّوِعِيُّ، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا الْمُحَارِبِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَرَّاجٍ الْكِنْدِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ السُّدِّيُّ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْتَعَ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ فَلْيَقْرَأْ بِالْحَوَامِيمِ فِي صَلاةِ اللَّيْلِ»
٨٠٧ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ حم الْمُؤْمِن لَمْ يَبْقَ رُوحُ نَبِيٍّ وَلا صِدِّيقٍ وَلا مُؤْمِنٍ إِلا صَلَّوْا عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم ﴿١﴾ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٢﴾ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿٣﴾﴾ [غافر: ١-٣] .
حم قال ابن عباس في رواية الوالبي: حم قسم.
وقال في رواية عكرمة: الر،
[ ٤ / ٣ ]
وحم و«نون» حروف الرحمن مقطعة.
وقال في رواية عطاء، والكلبي: حم قضى ما هو كائن، هذا ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ [غافر: ٢] في ملكه، العليم بخلقه.
غافر الذنب لمن يقول: لا إله إلا الله.
وهم أولياؤه، وأهل طاعته، وقابل التوب من الشرك وهو جمع توبة، ويجوز أن تكون مصدرا من تاب يتوب توبا، شديد العقاب لمن لا يوحده، ذي الطول: ذي الغنى عمن لا يوحده، ولا يقول: لا إله إلا الله.
وقال الكلبي: ذي الفضل على عباده، والمن عليهم.
وقال مجاهد: ذي السعة والغنى.
﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣]: مصير العباد إليه في الآخرة، فيجزيهم بأعمالهم.
قوله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ﴿٤﴾ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴿٥﴾ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴿٦﴾﴾ [غافر: ٤-٦] .
﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٤]: ما يخاصم فيها بالتكذيب، وفي دفعها بالباطل، ﴿إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر: ٤] بالتجارات والغنى، وسلامتهم في ترفهم بعد كفرهم، فإن عاقبة أمرهم العذاب، كعاقبة من قبلهم من الكفار.
ثم بين ذلك، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [غافر: ٥] يعني: رسولهم نوحا، ﴿وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر: ٥] وهم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب نحو عاد، وثمود، ومن بعدهم، ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ﴾ [غافر: ٥] فصدوه، ليأخذوه قال ابن عباس: ليقتلوه، ويهلكوه.
كقوله:
[ ٤ / ٤ ]
﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤]، وجادلوا بالباطل خاصموا رسولهم، فقالوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥] وهلا أرسل الله إلينا ملائكة؟ وأمثال هذا القول، ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: ٥] الذي جاءت به الرسل، فأخذتهم بالعذاب، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥] استفهام تقرير لعقوبتهم الواقعة بهم.
وكذلك ومثل ما حق على الأمم المكذبة، ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٦] بالعذاب، ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٦] من قومك، ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦] قال الأخفش: لأنهم أو بأنهم.
ثم أخبر بفضل المؤمنين، فقال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿٧﴾ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٨﴾ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٩﴾﴾ [غافر: ٧-٩] .
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧] يعني: حملة العرش والطائفين به، الكروبيون، سادة الملائكة، ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧] ينزهون الله بالتحميد والتسبيح، ويؤمنون به يصدقون بأنه واحد لا شريك له، ويقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر: ٧] من الشرك، واتبعوا سبيلك دينك: الإسلام وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: وقهم السيئات قال قتادة: يعني: العذاب.
﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ [غافر: ٩]: يوم القيامة، فقد رحمته لأن المعافى من العذاب مرحوم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ
[ ٤ / ٥ ]
إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴿١٠﴾ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ﴿١١﴾ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴿١٢﴾﴾ [غافر: ١٠-١٢] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ﴾ [غافر: ١٠] الآية.
قال المفسرون: إنهم لما رأوا أعمالهم، ونظروا في كتابهم، وأدخلوا النار، مقتوا أنفسهم لسوء صنيعهم، ناداهم مناد: لمقت الله إياكم في الدنيا، ﴿أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ﴾ [غافر: ١٠]، ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] أنفسكم اليوم.
قال قتادة: ينادون يوم القيامة لمقت الله أهل الضلالة، حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا فتركوه، أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله.
ثم أخبر عما يقولون في النار بقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] أي: كنا نطفا في الدنيا أمواتا، فخلقت فينا الحياة، ثم أمتنا وبعثتنا بعد الموت، وهذا كقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] وإنما قالوا هذا، لأنهم كانوا قد كذبوا في الدنيا بالبعث، فاعترفوا في النار بما كذبوا به، وهو قوله: فاعترفنا بذنوبنا أي: بالتكذيب، وما كنا نكذب به في الدنيا، ثم سألوا الرجعة، فقالوا: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] هل من خروج من النار إلى الدنيا فنعمل بطاعتك؟ قال الله تعالى لهم: ذلكم أي: ذلكم العذاب الذي نزل بكم، ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافر: ١٢] إذا قيل: لا إله إلا الله، أنكرتم، وقلتم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] .
﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢]: وإن يجعل له شريك، تؤمنوا: تصدقوا ذلك الذي أشرك، وتشهدوا أن له شريكا، فالحكم لله أي: أنه حكم بعذاب من أشرك به، ولا يرد حكمه، العلي الكبير الذي لا أعلى منه، ولا أكبر.
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ ﴿١٣﴾ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿١٤﴾ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ﴿١٥﴾ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ
[ ٤ / ٦ ]
الْقَهَّارِ ﴿١٦﴾ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿١٧﴾﴾ [غافر: ١٣-١٧] ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [غافر: ١٣] مصنوعاته التي تدل على قدرته، وتوحيده من السماء والأرض، والشمس والقمر، والسحاب، ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] يعني: المطر الذي هو سبب الأرزاق، وما يتذكر وما يتعظ بهذه الآيات، فيوحد الله، ﴿إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] يرجع إلى طاعته.
ثم أمر المؤمنين بتوحيده، فقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤] موحدين، تخلصون له الطاعة، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] من أهل مكة.
ثم عظم نفسه، فقال: رفيع الدرجات قال عطاء، عن ابن عباس: يريد درجاتكم، والرفيع بمعنى الرافع.
والمعنى: أنه يرفع درجات الأنبياء، والأولياء في الجنة، ذو العرش: خالقه ومالكه، يلقي الروح ينزل الوحي من السماء، من أمره قال ابن عباس: من قضائه.
وقال مقاتل: بأمره.
لينذر النبي ﷺ بما أوحي إليه، يوم التلاق بيوم التلاق، يلتقي في ذلك اليوم أهل السماء، وأهل الأرض.
﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ [غافر: ١٦] من قبورهم، ﴿لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ [غافر: ١٦] لا يستتر منهم أحد، وقال ابن عباس: لا يخفى على الله من أعمالهم شيء.
ويقول الله في ذلك: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] .
قال الحسن: هو السائل وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه.
وهذا قول جماعة المفسرين.
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] يجزى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
قال رسول الله ﷺ: " يقول الله تعالى: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولا لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة حتى أقصها منه ".
وتلا هذه الآية.
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴿١٨﴾ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴿١٩﴾ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿٢٠﴾ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ
[ ٤ / ٧ ]
كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴿٢١﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٢٢﴾﴾ [غافر: ١٨-٢٢] .
وأنذرهم يقول لمحمد ﷺ: وأنذر أهل مكة بـ يوم الآزفة يعني: القيامة، قال ابن عباس: أزف أمرها، أي: دنا.
يقال: أزف الشيء يأزف أزفا.
قال الزجاج: وقيل لها آزفة، لأنها قريبة، وإن استبعد الناس أمرها، وما هو كائن فهو قريب.
﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨] وذلك أنها تزول عن مواضعها من الخوف، حتى تصير إلى الحنجرة، كقوله: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] .
كاظمين: مغمومين، مكروبين، ممتلئين غما، ما للظالمين قال ابن عباس، ومقاتل: يريد المشركين، والمنافقين.
من حميم قريب ينفعهم، ﴿وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] فيهم، فتقبل فيهم شفاعته.
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] خيانتها، وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل، ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]: وما تسر القلوب، في السر من المعصية.
﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] يحكم به، فيجزي بالحسنة والسيئة، ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [غافر: ٢٠] من الشركاء، ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] لا يجازون، لأنهم لا يعلمون ولا يقدرون، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ﴾ [غافر: ٢٠] لما يقوله الخلق، البصير بأعمالهم.
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [غافر: ٢١] ظاهر إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢١] أي: من عذاب الله، من واق يقي العذاب عنهم.
ذلك أي: ذلك العذاب الذي نزل بهم، ﴿بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ﴾ [غافر: ٢٢] الآية.
ثم ذكر قصة موسى وفرعون ليعتبروا، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٢٣﴾ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٢٤﴾ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ﴿٢٥﴾ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ﴿٢٦﴾ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴿٢٧﴾﴾ [غافر: ٢٣-٢٧] .
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [غافر: ٢٣] إلى قوله: ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [غافر: ٢٥] قال ابن عباس: أعيدوا عليهم القتل فيهم كالذي كان أولا.
وقال قتادة: كان فرعون أمسك عن قتل الولدان، فلما بعث الله موسى، ﵇، إليه أعاد عليهم القتل ليصدهم بذلك عن متابعة موسى.
قوله: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي
[ ٤ / ٨ ]
ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] أي: يذهب كيدهم باطلا، ويحيق بهم ما يريده الله ﷿.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر: ٢٦] وإنما قال هذا، لأنه كان في خاصة قوم فرعون، من يمنعه من قتله خوفا من الهلاك، وليدع ربه الذي يزعم أنه أرسله إلينا رسولا، فليمنعه من القتل إن قدر، ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦]: يبدل عبادتكم إياي، ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] أراد ظهور الهدى، وتغير أحكام فرعون، فجعل ذلك فسادا، ومعنى أو: وقوع أحد الشيئين، المعنى: أخاف أن يبدل دينكم، وإن لم يبدله أوقع فيه الفساد، ومن قرأ: وأن يظهر فيكون المعنى: أخاف إبطال دينكم والفساد معه، وقرئ يظهر بضم الياء، الفساد نصبا وهو أشبه بما قبله، لإسناد الفعل إلى موسى.
فلما قال فرعون هذا، استعاذ موسى بالله، فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ [غافر: ٢٧]: متعظم عن الإيمان.
ولما قصد فرعون قتل موسى وعظهم المؤمن من آله، وهو قوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴿٢٨﴾ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿٢٩﴾ وَقَالَ الَّذِي
[ ٤ / ٩ ]
آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ ﴿٣٠﴾﴾ [غافر: ٢٨-٣٠] .
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٨] قال مقاتل، والسدي: كان قبطيا ابن عم فرعون.
﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ﴾ [غافر: ٢٨] لأن يقول: ربي الله وهو استفهام إنكار، ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] أي: بما يدل على صدقه من المعجزات، ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر: ٢٨] لا يضركم ذلك، ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾ [غافر: ٢٨] وكذبتموه، ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] قال أبو عبيدة، وأبو الهيثم: كل الذي يعدكم أي: ينذركم، ويتوعدكم به.
أي: إن قتلتموه وهو صادق، أصابكم ما يتوعدكم به من العذاب، والمراد بالبعض الكل في هذه الآية، وقال الليث: بعض ههنا صلة يريد: يصبكم الذي يعدكم.
وقال أهل المعاني: هذا على المظاهرة في الحجاج.
كأنه قال لهم: أقل ما يكون في صدقه، أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وفي بعض ذلك هلاككم، فذكر البعض ليوجب الكل، لا أن البعض هو الكل، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ [غافر: ٢٨] أي: إلى دينه، ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ [غافر: ٢٨] مشرك، كذاب مفتر.
ثم ذكرهم هذا المؤمن ما هم فيه من الملك، لتشكروا ذلك بالإيمان بالله، فقال: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [غافر: ٢٩] غالبين في أرض مصر، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] من يمنعنا من عذاب الله، إن جاءنا والمعنى: أنه يقول: لكم الملك، فلا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب، وقتل النبي ﷺ، فلا مانع من عذابه إن حل بكم.
فقال فرعون عند ذلك: ما أريكم من الرأي، ﴿إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى.
ثم ذكرهم
[ ٤ / ١٠ ]
المؤمن ما نزل بمن قبلهم، فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ [غافر: ٣٠] .
ثم فسر ذلك، فقال: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ﴿٣١﴾ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ﴿٣٢﴾ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٣٣﴾﴾ [غافر: ٣١-٣٣] .
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر: ٣١] الآية، أي: مثل حالهم في العذاب، أو مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب، حتى أتاهم العذاب، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] لا يهلكهم قبل اتخاذ الحجة عليهم.
ثم حذرهم عذاب الآخرة، فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر: ٣٢] يعني: يوم القيامة، لأنه ينادى فيه كل أناس بإمامهم، وينادي فيه أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار، وينادى فيه بسعادة السعداء، وبشقاوة الأشقياء.
﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٣] قال قتادة، ومقاتل: إلى النار بعد الحساب.
وقال الضحاك: إنهم إذا سمعوا زفير النار، ولوا هربا، فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه.
﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٣] ما لكم من عذاب الله من يعصمكم ويمنعكم.
ثم وعظهم ليفكروا، فقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ﴿٣٤﴾ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴿٣٥﴾﴾ [غافر: ٣٤-٣٥] .
[ ٤ / ١١ ]
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ﴾ [غافر: ٣٤] يعني: يوسف بن يعقوب، من قبل من قبل موسى، بالبينات يعني: قوله لهم: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ﴾ [يوسف: ٣٩] الآية.
﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر: ٣٤] قال ابن عباس: من عبادة الله وحده لا شريك له.
﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ [غافر: ٣٤] أي: أقمتم على كفركم، وظننتم أن الله لا يجدد عليكم إيجاب الحجة، كذلك مثل ذلك الضلال، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ [غافر: ٣٤] مشرك، مرتاب شاك في توحيد الله، وصدق أنبيائه.
قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٣٥] قال الزجاج: هذا تفسير المسرف المرتاب على معنى هم الذين يجادلون.
ومعنى ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٣٥] أي: في إبطالها ودفعها، والتكذيب بها، بغير سلطان بغير حجة أتتهم من الله، كبر مقتا كبر جدالهم مقتا، ﴿عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٣٥] قال ابن عباس: يمقتهم الله، ويمقتهم الذين آمنوا بذلك الجدال.
كذلك كما طبع الله على قلوبهم حتى كذبوا، وجادلوا بالباطل، ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] قال ابن عباس: يختم على قلوبهم فلا يسمعون الهدى، ولا يعقلون الرشاد.
قال مقاتل: متكبر عن عبادة الله والتوحيد، جبار قتال في غير حق.
وقرئ:
[ ٤ / ١٢ ]
على كل قلب بالتنوين.
قال الزجاج: الوجه الإضافة، لأن المتكبر هو الإنسان.
قال: ويجوز أن تقول: قلب متكبر، أي: صاحبه متكبر.
وإذا وصف القلب بالتكبر، كان صاحبه في المعنى متكبرا.
ولما وعظه المؤمن من أهل فرعون وأقاربه، وزجره عن قتل موسى، قال فرعون لوزيره: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ ﴿٣٦﴾ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ ﴿٣٧﴾ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿٣٨﴾ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴿٣٩﴾ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٤٠﴾﴾ [غافر: ٣٦-٤٠] .
﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] قصرا مشيدا بالآجر، ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦] يعني: الطرق من سماء إلى سماء.
﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٧] بالرفع نسق على قوله: أبلغ الأسباب أي: لعلي أبلغ ولعلي أطلع، ومن نصب جعله جوابا للفعل بالفاء على معنى: إني إذا بلغت اطلعت، ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧] أي: فيما يقول من أن له ربا في السماء، وما قال موسى له ذلك قط، ولكنه لما قال له: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، قال موسى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشعراء: ٢٤] ظن فرعون باعتقاده الباطل أنه لما لم يره في الأرض، أنه في السماء، فرام الصعود إلى السماء، لرؤية إله موسى، وكذلك ومثل ما وصفنا، ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ
[ ٤ / ١٣ ]
السَّبِيلِ﴾ [غافر: ٣٧] قال ابن عباس: صده الله عن سبيل الهدى.
ومن قرأ: وصد بنى الفعل لفرعون، أراد وصد فرعون الناس عن السبيل، ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٣٧] في إبطال آيات موسى، ﴿إِلا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] خسار وهلاك.
ثم عاد الكلام إلى ذكر نصيحة المؤمن لقومه، وهو قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨] طريق الهدى.
﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٣٩] يعني: الحياة في هذه الدار، متاع يتمتع بها أياما، ثم تنقطع، ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩] التي تستقر فلا تزول.
﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ [غافر: ٤٠] يعني: الشرك، ﴿فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا﴾ [غافر: ٤٠] في العظم، يعني: النار، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ [غافر: ٤٠] قال ابن عباس: يريد قول: لا إله إلا الله.
﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [غافر: ٤٠] مصدق بالله وبجميع الأنبياء، ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠] قال مقاتل: يقول: لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير.
ثم قال: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ﴿٤١﴾ تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ﴿٤٢﴾ لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴿٤٣﴾ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿٤٤﴾ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿٤٥﴾ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴿٤٦﴾﴾ [غافر: ٤١-٤٦] .
﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غافر: ٤١] أي: ما لكم، كما تقول: ما لي أراك حزينا، معناه: ما لك.
يقول: أخبروني عنكم كيف هذه الحال، ﴿أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غافر: ٤١] من النار، بالإيمان بالله، ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١] إلى الشرك الذي يوجب النار.
ثم فسر الدعوتين، فقال: ﴿تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [غافر: ٤٢] بأنه شريك له، ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ﴾ [غافر: ٤٢] في انتقامه ممن كفر، الغفار لذنوب أهل التوحيد.
لا جرم حقا، ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [غافر: ٤٣] من المعبودين من دون الله، ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣] قال السدي: لا يستجيب لأحد لا في الدنيا، ولا في الآخرة.
[ ٤ / ١٤ ]
والتقدير: ليس له استجابة دعوة، ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٣] مرجعنا ومصيرنا إليه، فيجازي كلا بما يستحقه، وأن المسرفين المشركين، ﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴿٤٣﴾ فَسَتَذْكُرُونَ﴾ [غافر: ٤٣-٤٤] إذا نزل بكم العذاب، ﴿مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر: ٤٤] في الدنيا من النصيحة، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤] لا أشتغل بمجازاتكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤] بأوليائه، وأعدائه.
ثم خرج المؤمن من بينهم، فطلبوه، فلم يقدروا عليه، وذلك قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥] ما أرادوا به من الشر، وحاق أحاط، ونزل بهم، سوء العذاب قال الكلبي: غرقوا في البحر، ودخلوا النار.
وذلك قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]،
[ ٤ / ١٥ ]
قال ابن مسعود: إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود، يعرضون على النار كل يوم مرتين، فيقال: يا آل فرعون هذه داركم.
وقال مقاتل: تعرض روح كل كافر على النار، غدوا وعشيا ما دامت الدنيا.
وهو قول قتادة، والسدي، والكلبي.
٨٠٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَنَا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ الْمُسْتَفَاضِ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنَ النَّارِ، يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
ثم أخبر بمستقرهم في الآخرة، فقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر: ٤٦] أي: يقال للملائكة: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] .
ومن قرأ بالوصل، فهو على الأمر لهم بالدخول، قال ابن عباس: يريد ألوان العذاب، غير الذي كانوا يعذبون به منذ غرقوا.
قوله:
[ ٤ / ١٦ ]
﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ﴿٤٧﴾ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴿٤٨﴾ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ﴿٤٩﴾ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ﴿٥٠﴾﴾ [غافر: ٤٧-٥٠] .
وإذ يتحاجون واذكر يا محمد لقومك إذ يختصمون، يعني: أهل النار، في النار والآية مفسرة في ﴿[إبراهيم.
] قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [سورة غافر: ٤٨] وهم القادة والرؤساء، ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ [غافر: ٤٨] نحن وأنتم، أي: الملوك والأتباع، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٨] وقضى بهذا علينا وعليكم.
فلما ذاقوا شدة العذاب، قالوا لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فاحتج عليهم الخزنة في ترك التخفيف عنهم، بإتيان الرسل إياهم، وتركهم الإجابة، وهو قوله: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر: ٥٠] أنتم، أي: إنا لا ندعو لكم بالتخفيف، لأنهم علموا أن الكفار لا يخفف عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] أي: أن ذلك يبطل ويضل، فلا ينفع.
قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ﴿٥١﴾ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴿٥٢﴾ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ﴿٥٣﴾ هُدًى وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ ﴿٥٤﴾ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ﴿٥٥﴾﴾ [غافر: ٥١-٥٥] .
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١] النصر قد يكون بالحجة، ويكون بالغلبة والقهر، ويكون بإهلاك العدو، وكل هذا قد كان للأنبياء والمؤمنين من قبل الله تعالى، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وقد نصرهم الله بالقهر على من ناوأهم، وقد نصرهم بإهلاك عدوهم،
[ ٤ / ١٧ ]
وأنجاهم مع من آمن معهم، وقد يكون نصر بالانتقام لهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل، حتى قتل به سبعون ألفا، فهم لا محالة منصورون في الدنيا بأحد هذه الوجوه، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] يعني: يوم القيامة، تقوم الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالتبليغ، وعلى الكفار بالتكذيب، وواحد الأشهاد شاهد مثل طائر وأطيار.
ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] إن اعتذروا من كفرهم لم يقبل منهم، وإن تابوا لم تنفعهم التوبة، ولهم اللعنة البعد من الرحمة، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢] جهنم.
قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ [غافر: ٥٣] قال مقاتل: الهدى من الضلالة، يعني: التوراة، وأورثنا من بعد موسى، ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ [غافر: ٥٣] وما فيه من البيان.
هدى أي: هو هدى، وذكرى وتذكير، لأولي الألباب.
قوله: فاصبر على أذاهم، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٥٥] في نصرتك، وإظهار دينك، ﴿حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] يعني: الصغائر على قول من جوزها على الأنبياء، وعند من لا يجوزها، يقول: هذا تعبد من الله لنبيه بهذا الدعاء، لكي يزيده درجة، وليصير سنة لمن بعده، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٥٥] وصل شاكرا لربك، بالعشي والإبكار قال ابن عباس: يريد الصلوات الخمس.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿٥٦﴾ لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴿٥٧﴾ وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ ﴿٥٨﴾ إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴿٥٩﴾﴾ [غافر: ٥٦-٥٩] .
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ [غافر: ٥٦] يعني: كفار قريش، وقد تقدم تفسير هذا، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] قال ابن عباس: ما يحملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من العظمة.
﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] مقتضى ذلك الكبر، لأن الله تعالى مذلهم، وقال ابن قتيبة: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] تكبر على محمد ﷺ، وطمع أن يغلبوه، وما هم ببالغي ذلك.
فاستعذ بالله من شرهم، وكرهم، ﴿إِنَّهُ
[ ٤ / ١٨ ]
هُوَ السَّمِيعُ﴾ [غافر: ٥٦] لقولهم، البصير بهم.
ثم نبه على عظم قدرته، بقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [غافر: ٥٧] مع عظمهما، وكثرة أجزائهما، ووقوفهما من غير عمد، وجريان الأفلاك بالكواكب من غير سبب، أعظم في النفس، وأهول في الصدر، ﴿مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وإن كان عظيما بالحواس المهيأة للإدراك، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] يعني: الكفار حين لا يستدلون بذلك على توحيد خالقهما.
ثم ضرب مثل الكافر والمؤمن، فقال: وما يستوي إلى قوله: ﴿قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨] يعني: الكفار، يقول: قل نظرهم فيما ينبغي أن ينظروا فيه مما دعوا إليه.
وقرأ أهل الكوفة بالتاء، أي: قل لهم ذلك.
قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴿٦٠﴾ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴿٦١﴾ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴿٦٢﴾ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿٦٣﴾ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٦٤﴾ هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦٥﴾﴾ [غافر: ٦٠-٦٥] .
وقال ربكم قال مقاتل: يعني: لأهل الإيمان.
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قال ابن عباس: وحدوني واعبدوني أثبكم.
ويدل على صحة هذا التفسير:
٨٠٩ - مَا أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رُحَيمٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ، أنا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ يَسِيعَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] الآية.
والدعاء بمعنى: العبادة
[ ٤ / ١٩ ]
كثير في التنزيل، ولما عبر عن العبادة بالدعاء، جعل الإثابة استجابة ليتجانس اللفظ، ويدل على هذه الجملة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] صاغرين ذليلين.
ثم ذكرهم النعم، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ [غافر: ٦١] الآية، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤] أي: موضع قرار، كما قال: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] .
والسماء بناء سقفا كالقبة، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] قال مقاتل: خلقكم فأحسن خلقكم.
وقال ابن عباس: خلق ابن آدم قائما معتدلا، يأكل بيده ويتناول بيده، وكل ما خلق الله يتناول بفيه.
وقال الزجاج: خلقكم أحسن الحيوان كله.
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر: ٦٤] يعني: من غير رزق الدواب، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] الذي فعل ذلك الذي ذكر كله، وروى مجاهد، عن ابن عباس، قال: من قال: لا إله إلا الله، فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين.
يريد قول الله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥] .
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِي الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦٦﴾ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٦٧﴾ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٦٨﴾﴾ [غافر: ٦٦-٦٨] .
قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [غافر: ٦٧] الآية أكثرها مفسر في ﴿[الحج، وقوله:] وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى﴾ [سورة غافر: ٦٧] قال ابن عباس: يريد أجل الحياة إلى الموت، فلكل أجل حياته تنتهي إليه.
ولعلكم تعقلون ولكي تعقلوا توحيد ربكم، وقدرته في خلقكم وله.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ﴿٦٩﴾ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٧٠﴾ إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿٧١﴾ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ
[ ٤ / ٢٠ ]
يُسْجَرُونَ ﴿٧٢﴾ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٧٣﴾ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ﴿٧٤﴾ ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ﴿٧٥﴾ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٧٦﴾﴾ [غافر: ٦٩-٧٦] .
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٦٩] يعني: القرآن أنه ليس من عند الله، وهم المشركون، أنى يصرفون كيف صرفوا عن دين الله، الذي هو الحق إلى الباطل؟ ثم وصفهم، فقال: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ [غافر: ٧٠] بالقرآن، ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٧٠] من التوحيد، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم.
قوله: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] يجرون.
﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] قال مقاتل، ومجاهد: توقد بهم النار.
فصاروا وقودها.
﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ [غافر: ٧٣] على وجه التوبيخ: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [غافر: ٧٣] .
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ [غافر: ٧٤] فقدناهم فلا نراهم، ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤] أي: شيئا ينفع ويضر، كما يقول من ضاع عمله: ما كنت أعمل شيئا، كذلك أي: كما أضل هؤلاء، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] .
ذلكم العذاب الذي نزل بكم، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر: ٧٥] أي: الباطل الذي كنتم تشتغلون به، ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] قال مقاتل: يعني: البطر والخيلاء.
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴿٧٧﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ﴿٧٨﴾﴾ [غافر: ٧٧-٧٨] .
[ ٤ / ٢١ ]
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٧٧] بنصرك، ﴿حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ [غافر: ٧٧] الآية مفسرة في ﴿[الرعد.
وقوله:] وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة غافر: ٧٨] بأمر الله تعالى، وبإرادته، وذلك أن كفار مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم بآية، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [غافر: ٧٨] قضاؤه بين أنبيائه وأممهم، قضي بالحق أي: لم يظلموا إذا عذبوا، وهو قوله: وخسر هنالك عند كذلك، المبطلون المكذبون بالعذاب والمفترون، والمبطل: صاحب الباطل.
ثم ذكر منته عليهم بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٧٩﴾ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿٨٠﴾ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ﴿٨١﴾ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٨٢﴾﴾ [غافر: ٧٩-٨٢] .
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ﴾ [غافر: ٧٩] إلى قوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ [غافر: ٨٠] قال مجاهد، ومقاتل: تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد، وتبلغوا عليها حاجاتكم في البلاد ما كانت.
﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠] على الإبل في البر، وعلى السفن في البحر.
ويريكم آياته أي: دلائل قدرته، ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١] استفهام توبيخ، يقول: أيها تنكرون، بأنها ليست من الله؟ ثم ذكر أن الرسل أتت من قبلهم، وأنهم لم يؤمنوا، بقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٨٣﴾ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴿٨٤﴾ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا
[ ٤ / ٢٢ ]
رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ﴿٨٥﴾﴾ [غافر: ٨٣-٨٥] .
﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣] رضوا بما عندهم من العلم، وقالوا: نحن أعلم لن نبعث، ولن نعذب.
وسمي ذلك علما على ما يدعونه ويزعمونه، وهو في الحقيقة جهل.
وقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] قال ابن عباس: يريد هذا قضائي في خلقي، أن من كذب أنبيائي، وجحد ربوبيتي، فإذا نزل به العذاب استكان، وتضرع، لم ينفعه ذلك عندي.
والمعنى: سن الله هذه السنة في الأمم كلها، أن لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب، ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٥] قال ابن عباس: هلك عند ذلك المكذبون.
وقال الزجاج: الكافر خاسر في كل وقت، ولكنه لم يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب.
[ ٤ / ٢٣ ]