مكية، وهى خمسون وثلاث آيات.
٨١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعرافِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الشروطي، نا أَبُو إِسْحَاقَ الْأَسَدِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا الْمَدَائِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿حم ﴿١﴾ عسق ﴿٢﴾﴾ [الشورى: ١-٢] كَانَ مِمَّنْ تُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَيَسْتَرْحِمُونَ لَهُ ".
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم ﴿١﴾ عسق ﴿٢﴾ كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٣﴾ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴿٤﴾ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥﴾ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴿٦﴾﴾ [الشورى: ١-٦] .
حم عسق روى عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: ح: حلمه، م: مجده، ع: علمه، س: سناؤه، ق: قدرته، أقسم الله تعالى بها.
﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الشورى: ٣] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد إخبار الغيب.
وما يكون قبل أن يكون أوحي إليك وإلى الذين من قبلك، والمعنى: كالوحي الذي تقدم، يوحي إليك إخبار الغيب، وقرأ ابن كثير يوحى بضم الياء وفتح الحاء، وحجته قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الزمر: ٦٥]،
[ ٤ / ٤٢ ]
وقوله: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣] على هذه القراءة تبيين للفاعل، كأنه قيل: من يوحي؟ فقيل: الله.
﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ [الشورى: ٥] يريد كل واحدة منها تتفطر فوق التي تليها، من قول المشركين: اتخذ الله ولدا.
نظيرها التي في آخر ﴿[مريم،] وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [سورة الشورى: ٥] ينزهونه عما لا يجوز في صفته، ويعظمونه، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] قال ابن عباس: للمصدقين بالله ورسوله.
قال قتادة: للمؤمنين منهم.
﴿أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥] لأوليائه، وأهل طاعته.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الشورى: ٦] يعني: كفار مكة، اتخذوا آلهة، فعبدوها من دون الله، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦] حافظ على أعمالهم، ليجازيهم بها، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦] لم نوكلك بهم، حتى تؤاخذ بهم.
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴿٧﴾ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴿٨﴾ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٩﴾﴾ [الشورى: ٧-٩] .
وكذلك ومثل ما ذكرنا، ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الشورى: ٧] ليفهموا ما فيه، ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الشورى: ٧] أي: أهل أم القرى، وهي مكة، سميت أم القرى، لأن الأرض دحيت من تحتها، ومن حولها يعني: قرى الأرض كلها، ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ [الشورى: ٧] وتنذرهم بيوم الجمع، وهو يوم القيامة، يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين، وأهل السموات وأهل الأرض، ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧] لا شك في الجمع أنه كائن، ثم بعد الجمع يتفرقون، وهو قوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] قال ابن عباس: فريق في الجنة يتمتعون ويتنعمون، وفريق في السعير يعذبون.
[ ٤ / ٤٣ ]
٨١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبُحْتُرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، نا قُتَيْبَةُ، نا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، عَنْ شُفَيٍّ الْأَصْبَحِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ، فَقَالَ: " أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟ فَقُلْنَا: لا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا أَنْ تُخْبِرَنَا، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ تَسْمِيَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَتَسْمِيَةُ آبَائِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، لا يُزَادُ فِيهِمْ وَلا يُنْقَصُ، وَقَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: هَذَا كِتَابٌ كَتَبَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِ تَسْمِيَةُ أَهْلِ النَّارِ وَتَسْمِيَةُ آبَائِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، لا يُزَادُ فِيهِمْ وَلا يُنْقَصُ.
قَالُوا: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّ عَامِلَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ عَامِلَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ.
فَرَغَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] ".
ثم ذكر سبب افتراقهم، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى: ٨] قال ابن عباس: على دين واحد.
وقال مقاتل: على ملة الإسلام.
كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] فبين لهم أنهم افترقوا بالمشيئة الأزلية، ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨] في دينه الإسلام، والظالمون الكافرون، ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [الشورى: ٨] يدفع عنهم العذاب، ولا نصير يمنعهم من النار.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الشورى: ٩] بل اتخذ الكافرون من دون الله أولياء، ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى: ٩] قال ابن عباس: وليك يا محمد وولي من اتبعك.
﴿وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [الشورى: ٩] يبعثهم للجزاء، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الشورى: ٩] من الإحياء، وغيره، قدير.
قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴿١٠﴾ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ
[ ٤ / ٤٤ ]
شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١١﴾ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١٢﴾﴾ [الشورى: ١٠-١٢] .
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] قال الكلبي: أي من أمر الدين.
﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] أي: يقضي فيه، وقال مقاتل: إن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن، وآمن به بعضهم، فقال الله تعالى: الذي اختلفتم فيه، فإن حكمه إلي، أحكم فيه.
يعني: يوم القيامة، يحكم للمؤمنين بالقرآن بالجنة، وللمكذبين به بالنار، وقيل: إن هذا عام فيما اختلف فيه العباد، يحكم الله فيه يوم القيامة بالفصل الذي يزيل الريب، ويبطل الاختلاف، ذلكم الله الذي يحكم بين المختلفين، هو ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [الشورى: ١٠] في كفاية مهماتي، وإليه أنيب أرجع في المعاد.
﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشورى: ١١] تقدم تفسيره، ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الشورى: ١١] جعل لكم مثل خلقكم نساء، ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ [الشورى: ١١] أصنافا: ذكورا وإناثا، أي: خلق الذكر والأنثى من الحيوان كله، يذرؤكم فيه يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر من جعل الأزواج، وذلك أنه جعل سبب خلقنا الأزواج، والكفاية في قوله: فيه تعود إلى الجعل المراد بقوله: جعل لكم، وقال الزجاج: المعنى: يذرؤكم به، أي: يجعله منكم، ومن الأنعام أزواجنا.
وهذا قول الفراء، جعل في بمعنى: الباء.
وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] قال ابن عباس: ليس له نظير.
والكاف مؤكدة، والمعني: ليس مثله شيء، وهو السميع لما يقال، البصير بأعمال الخلق.
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشورى: ١٢] قال ابن عباس: يريد مفاتيح الرزق في السموات والأرض.
وقال الكلبي: مقاليد السموات: خزائن المطر، وخزائن الأرض النبات.
والمعنى: أنه يقدر على فتحها، يملك فتح السماء بالمطر، والأرض بالنبات، يدل على هذا قوله: ﴿يَبْسُطُ
[ ٤ / ٤٥ ]
الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الشورى: ١٢] لأن مفتاح الرزق بيده، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الشورى: ١٢] من البسط والقدر، عليم.
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ﴿١٣﴾ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴿١٤﴾ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿١٥﴾﴾ [الشورى: ١٣-١٥] .
شرع لكم بين لكم، وأوضح، ﴿مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] يعني: التوحيد، والبراءة من الشرك، ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] من القرآن، وشرائع الإسلام، وما وصينا وشرع لكم، ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣]، ثم بين ما وصى به هؤلاء، فقال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى: ١٣] قال مقاتل: يعني: التوحيد.
﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] يقول: لا تختلفوا في التوحيد، وقال مجاهد: يعني: أنه شرع لكم، ولمن قبلكم من الأنبياء دينا واحدا.
﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] قال ابن عباس: من توحيد الله تعالى، والإخلاص له وحده لا شريك له.
وقال مقاتل: عظم على مشركي مكة ما تدعوهم إليه من التوحيد، لأنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] .
ثم خص أولياءه بقوله: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى: ١٣] يصطفي الله من عباده لدينه من يشاء، ويهدي إلى دينه، من ينيب من يقبل إلى طاعته، واتبع دينه.
ثم ذكر تفرقهم بعد الإيصاء بترك الفرقة، فقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الشورى: ١٤] أي: ما تفرقوا إلا عن علم بأن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي، وهو قوله: بغيا بينهم قال عطاء: بغيا منهم على محمد ﷺ.
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الشورى: ١٤] في تأخير المكذبين من هذه الأمة، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الشورى: ١٤] يعني: يوم القيامة، لقضي بينهم بين من آمن، وبين من كفر، يعني: لنزل العذاب بالمكذبين في
[ ٤ / ٤٦ ]
الدنيا، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾ [الشورى: ١٤] يعني: اليهود والنصارى، من بعدهم من بعد أنبيائهم، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [الشورى: ١٤] من محمد ﷺ، ﴿مُرِيبٍ ﴿١٤﴾ فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ [الشورى: ١٤-١٥] قال الفراء، والزجاج: فإلى ذلك فادع، كما تقول: دعوت إلى فلان ولفلان.
وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد، ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى: ١٥] على الدين الذي أمرت به، ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى: ١٥] أهواء أهل الكتاب، وذلك أنهم دعوه إلى دينهم، وقل لهم: ﴿آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى: ١٥] أي: آمنت بكتب الله كلها، ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] قال ابن عباس: أمرت أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم في الأحكام.
ومعنى العدل بينهم في الأحكام: هو أنهم إذا ترافعوا إليه، لم يلزمهم شيئا، لا يلزمهم الله، ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [الشورى: ١٥] أي: إلهنا واحد، وإن اختلفت أعمالنا، فكل يجازى بما يعمل، وهو قوله: لنا أعمالنا أي: ثوابها، ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] لا خصومة، وهذا قبل أن أمر بالقتال، وإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة، لم تكن بينه وبين من لا يجيب خصومة، ولا قتال، ثم ذكر مصير الفريقين إلى الله، فيجازي كلا بعمله وهو قوله: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] .
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] .
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٦] يخاصمون في دين الله نبيه، قال قتادة: هم اليهود والنصارى، قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا فبل نبيكم، فنحن خير منكم.
فهذه خصومتهم، وإنما قصدوا بما قالوا دفع ما أتى به محمد ﷺ، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ [الشورى: ١٦] أي: من بعد ما دخل الناس في الإسلام، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] خصومتهم باطلة حين زعموا أن دينهم أفضل من الإسلام، ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] في الآخرة.
﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ﴿١٧﴾ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا
[ ٤ / ٤٧ ]
يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴿١٨﴾ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴿١٩﴾﴾ [الشورى: ١٧-١٩] .
﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ [الشورى: ١٧] القرآن، بالحق بما ضمنه من الأمر والنهي، والفرائض، والأحكام وكله حق من الله تعالى، وقوله: والميزان قال قتادة، ومجاهد، ومقاتل: العدل.
وسمي العدل ميزانا، لأن الميزان آلة الإنصاف، والتسوية بين الخلق، قال ابن عباس: أمر الله تعالى بالوفاء، ونهى عن البخس.
وقال مقاتل: وذكر النبي ﷺ الساعة، وعنده قوم من المشركين، فقالوا: متى تقوم الساعة؟ تكذيبا بها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] .
وقد تقدم هذا في آخر ﴿[الأحزاب.
] يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [سورة الشورى: ١٨] لأنهم لا يخافون ما فيها، إذ لم يؤمنوا بها، فهم يطلبون قيامها إبعادا لكونها، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ [الشورى: ١٨] قال مقاتل: لأنهم لا يدرون على ما يهجمون.
وقال الزجاج: لأنهم يعلمون أنهم محاسبون، ومجزيون.
﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] أنها آتية لا ريب فيها، ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ﴾ [الشورى: ١٨] يدخلهم المرية والشك، ﴿فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] حين لم يفكروا، فيعلموا أن الله الذي خلقهم أولا، قادر على بعثهم.
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] حفي، بار، رفيق بأوليائه وأهل طاعته، وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر، لا يهلكهم جوعا.
يدل على هذا قوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى: ١٩] فكل من رزقه الله تعالى من مؤمن وكافر،
[ ٤ / ٤٨ ]
وذي روح، فهو ممن شاء الله أن يرزقه، وهو القوي على ما أراد من رزقه من يرزقه، العزيز الغالب، فلا يغلب فيما أراد.
قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴿٢٠﴾ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢١﴾ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴿٢٢﴾﴾ [الشورى: ٢٠-٢٢] .
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ [الشورى: ٢٠] معنى الحرث في اللغة: الكسب، يقال: هو يحرث لعياله ويحترث، أي: يكتسب، قال ابن عباس: من كان يريد العمل لله بما يحب الله، ويرضى.
﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] أعينه على عبادتي، وأسهل عليه، ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ [الشورى: ٢٠] أي: من كان يسعى لدنياه، وآثرها على آخرته، نؤته منها قال قتادة: أي: بقدر ما قسم له، كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] .
﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] لأن عمل لدنياه، لا لآخرته، وهذا يعني به الكافر.
قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الشورى: ٢١] يعني: كفار مكة، يقول: ألهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ قال ابن عباس: شرعوا لهم دينا غير دين الإسلام.
﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٢١] لولا أن الله تعالى حكم في كلمة الفصل بين الخلق، بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الآخرة، لفرغ من عذاب الذين يكذبونك في الدنيا، وإن الظالمين الذين يكذبونك، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] في الآخرة.
ترى الظالمين يعني: في الآخرة، مشفقين خائفين، مما كسبوا من الكفر والتكذيب، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢] أي: وجزاؤه واقع بهم، قال الزجاج: وجزاء كسبهم واقع بهم.
وباقي الآية ظاهر التفسير.
قوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴿٢٣﴾ أَمْ يقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى
[ ٤ / ٤٩ ]
قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٢٤﴾ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿٢٥﴾ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴿٢٦﴾﴾ [الشورى: ٢٣-٢٦] .
﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ﴾ [الشورى: ٢٣] يعني: ما تقدم ذكره من الجنات، يبشر الله به، ﴿عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورى: ٢٣]، وقوله: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] .
٨١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ الصُّوفِيُّ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْمُؤَمَّلُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ، نا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَجِبْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ إِلا وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ قَرَابَةٌ، وَإِنَّمَا قَالَ: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ أَجْرًا إِلا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ شُعْبَةَ.
وقال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية، فكتبنا إلى ابن عباس فسأله، فكتب ابن عباس: " إن رسول الله كان أوسط النسب في قريش، ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولدوه، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ﴾ [الشورى: ٢٣] على ما أدعوكم إليه أجرا إلا أن تودوني في قرابتي منكم، وتحفظوني لها.
وقال عكرمة: لا أسألكم أجرا على ما أدعوكم إليه من الحق، إلا أن تحفظوني في قرابتي بيني وبينكم، قال: وليس كما يقول الكذابون.
[ ٤ / ٥٠ ]
أخبرنا محمد بن عبد العزيز المروزي فيما كتب إلي، أنا محمد بن الحسين الحدادي، أنا محمد بن يزيد بن يحيى، أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا علي بن عبد الله مولى بني قراد، عن عبد الكريم وهو أبو أمية، قال: سألت مجاهدا عن هذه الآية، فقال: " أما إني لا أقول قول الخشبية، يقول: يا معشر قريش، لا أسألكم على ما أقول أجرا، ارقبوني في الذي بيني وبينكم، لا تعجلوا إلي، ودعوني والناس ".
وهذا قول قتادة، ومقاتل، والسدي، والضحاك، وابن زيد، ورواية الوالبي، والعوفي، عن ابن عباس.
وقال الحسن: إلا أن توددوا إلى الله تعالى، فيما يقربكم إليه من العمل الصالح.
٨١٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ الْجَوْهَرِيُّ، نا حَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ، نا قَزَعَةُ بْنُ سُوَيْدٍ، نا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «لا أَسْأَلُكُمْ عَلَى مَا آتَيْتُكُمْ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى أَجْرًا إِلا أَنْ تُوَادُّوا اللَّهَ وَأَنْ تَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ» .
وفي الآية قول ثالث:
٨١٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ السُّدِّيُّ، نا
[ ٤ / ٥١ ]
يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، نا حُسَيْنٌ الْأَشْقَرُ، نا قَيْسٌ، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْمُرُنَا اللَّهُ تَعَالَى مَوَدَّتَهُمْ؟ قَالَ: عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَوَلَدَيْهِمَا ".
٨٢٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَيْدٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ مِهْرَانَ،
[ ٤ / ٥٢ ]
نا عَبْدُ الْغَفُورِ أَبُو الصَّبَّاحِ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرَّمَانِيِّ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: فِينَا فِي آلِ حم آيَةٌ لا يَحْفَظُ مَوَدَّتَنَا إِلا كُلُّ مُؤْمِنٍ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]
وقال الكلبي: قل لا أسألكم على الإيمان جعلا، إلا أن تودوا أقاربي، حث الله تعالى الناس عن ذوي قرابته.
وعلى الأقوال كلها قول: إلا المودة استثناء ليس من الأول، وليس المعنى أسألكم المودة في القربى، لأن الأنبياء ﵈ لا يسألون أجرا على تبليغ الرسالة، والمعنى: ولكني أذكركم المودة في القربى، وأذكركم قرابتي منكم، وغلط من قال: إن هذه الآية نسخت، بقوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧]، وقوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] لأنه لا يصح أن يقال: نسخت مودة النبي ﷺ، وكف الأذى عنه لأجل قرابته، ولا مودة آله وأقاربه، ولا التقرب إلى الله بالطاعة، ومن ادعى النسخ، توهم أن الاستثناء متصل، ورأى إبطال الأجر في هاتين الآيتين، وليس الأمر على ذلك، فإن الاستثناء منقطع، ولا تنافي بين هذه الآية، والآيتين الأخرتين، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ [الشورى: ٢٣] قال مقاتل: يكتسب حسنة واحدة.
﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] نضاعفها بالواحدة عشرا فصاعدا، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ [الشورى: ٢٣] للذنوب، شكور للقليل حتى يضاعفه.
أم يقولون بل أيقولون، يعنى: كفار مكة، ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الشورى: ٢٤] حين زعم أن القرآن من عند الله، ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] يربط على قلبك، بالصبر على أذاهم، حتى لا يشق عليك قولهم: إنه مفتر.
ثم أخبر أنه يذهب ما يقولونه باطلا، فقال: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ [الشورى: ٢٤] أي: الإسلام، بكلماته بما أنزله من كتابه، وقد فعل الله ذلك، فأزهق باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] بما في قلوب خلقه.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] قال ابن عباس: يريد أولياءه، وأهل طاعته.
﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] من خير وشر، ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للمشركين، وتهديد لهم.
قوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
[ ٤ / ٥٣ ]
الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورى: ٢٦] يجيبهم إلى ما يسألونه، وقال عطاء، عن ابن عباس: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧]، ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦] سوى ثواب أعمالهم، تفضلا عليهم.
وقال أبو صالح عنه: يشفعهم في إخوانهم.
قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴿٢٧﴾ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴿٢٨﴾﴾ [الشورى: ٢٧-٢٨] .
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٧] قال خباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال قريظة والنضير، فتمنيناها، فأنزل الله هذه الآية.
قال مقاتل: يقول: لو أوسع الله الرزق لعباده، فرزقهم من غير كسب.
﴿لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] لعصوا، وبطروا النعمة، وطلبوا ما ليس لهم أن يطلبوه، ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] نظرا منه لأوليائه وأهل طاعته، ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] يعلم أنه لو أعطاهم ما يتمنون بغوا.
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [الشورى: ٢٨] أي: المطر، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] من بعد ما يئس الناس منه، وذلك أدعى لهم إلى شكر منزله، والمعرفة بموقع إحسانه، قال مقاتل: حبس الله تعالى المطر عن أهل مكة سبع سنين، حتى قنطوا، ثم أنزل الله المطر، فذكرهم النعمة.
وينشر رحمته يبسط مطره، وهو الولي لأهل طاعته، الحميد عند خلقه.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ﴿٢٩﴾ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴿٣٠﴾ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴿٣١﴾﴾ [الشورى: ٢٩-٣١] .
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى: ٢٩] يعني: الناس وغيرهم من الملائكة، قال مجاهد: الناس والملائكة.
﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٩] يوم القيامة في الآخرة، ﴿إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] .
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ [الشورى: ٣٠] يعني: ما يلحق المؤمن مما يكره من نكبة حجر، أو عثرة قدم، فصاعدا،
[ ٤ / ٥٤ ]
﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] من المعاصي، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] من السيئات، فلا يعاقب بها، وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، ما من خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» .
٨٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ، أنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَلَبِيُّ، نا عُبَيْدُ بْنُ جَنَادٍ الْحَلَبِيُّ، نا عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَزْهَرَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ الْخَضِرِ بْنِ الْقَوَّاسِ، عَنْ أَبِي سُخَيْلَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " خَيْرُ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] يَا عَلِيُّ، مَا مِنْ خَدْشٍ وَلا نَكْبَةِ قَدَمٍ إِلا بِذَنْبٍ وَمَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِيهِ، وَمَا عَاقَبَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَى عَبْدِهِ ".
في
[ ٤ / ٥٥ ]
مصاحف المدينة والشام بما كسبت أيديكم بغير فاء، قال الزجاج: إثبات الفاء أجود، لأن الفاء مجازاة جواب الشرط.
ومن حذف الفاء فعلى أن ما في معنى الذي، والمعنى: الذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم.
وما أنتم يا معشر المشركين، ﴿بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٣١] لا تعجزونني حيث ما كنتم، ولا تسبقونني هربا في الأرض، ولا في السماء لو كنتم فيها.
قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ ﴿٣٢﴾ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿٣٣﴾ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ﴿٣٤﴾ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ﴿٣٥﴾ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٣٦﴾﴾ [الشورى: ٣٢-٣٦] .
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ﴾ [الشورى: ٣٢] السفن التي تجري، ﴿فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] كالجبال، جمع علم، وهو الجبل الطويل.
﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ [الشورى: ٣٣] التي تجريها، فيظللن يعني: الجواري، رواكد يعني: ثوابت على ظهر البحر، لا تجري ولا تبرح، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [الشورى: ٣٣] الذي ذكر، ﴿لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى: ٣٣] أي: لكل مؤمن، لأن من صفة المؤمن الصبر في الشدة، والشكر في الرخاء.
أو يوبقهن يهلكهن ويغرقهن، يعني: أهلها، بما كسبوا بما أشركوا، واقترفوا من الذنوب، ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤] من ذنوبهم، فينجيهم من الهلكة، ولا يفرقهم.
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى: ٣٥] يعني: أن الكفار الذين يكذبون بالقرآن، إذا صاروا إلى الله تعالى بعد البعث، علموا ألا مهرب لهم من عذاب الله، والوجه قراءة ويعلمُ رفعا، لأنه يقطعه من الأول، ويجعله جملة معطوفة على جملة، ومن قرأ بالنصب، فقال الفراء: هو مردود على الجزم، إلا أنه صرف، والجزم إذا صرف عنه
[ ٤ / ٥٦ ]
معطوفة نصب.
قوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الشورى: ٣٦] مفسر فيما تقدم إلى قوله: للذين آمنوا وهو بيان أن ما عند الله خير للمؤمنين، لا للكافرين، فقد استوى الفريقان في أن ما أعطوه من الدنيا متاع يتمتعون به ثم يزول، فإذا صاروا إلى الآخرة كان ما عند الله خيرا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: ٣٦] .
﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴿٣٧﴾ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣٨﴾ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴿٣٩﴾ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿٤٠﴾ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ﴿٤١﴾ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٤٢﴾ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴿٤٣﴾﴾ [الشورى: ٣٧-٤٣] .
﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ﴾ [الشورى: ٣٧] تقدم تفسير الكبائر في ﴿[النساء، وقرأ حمزة: كبير الإثم على الواحد وهو يريد الجمع، كقوله:] وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [سورة النحل: ١٨]، أو يريد بكبير الإثم: الشرك، على ما فسره ابن عباس، قال: يريد: الشرك.
وقوله: والفواحش يعني: الزنا وأنواعه، وقال مقاتل: يعني: ما تقام فيه الحدود في الدنيا.
﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] أي: يكظمون الغيظ، ويعفون عمن ظلمهم، يطلبون بذلك ثواب الله تعالى، وعفوه.
﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أجابوه إلى ما دعاهم إليه، من توحيد الله تعالى، وعبادته، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] هي فعلى من المشاورة، وهي الأمر الذي يتشاور فيه، يقال: صار هذا الأمر شورى بين القوم، إذا تشاوروا فيه، والمعنى: أنهم يتشاورون فيما يبدو لهم، ولا يعجلون في الأمر، قال الحسن: والله ما تشاور قوم قط، إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم.
٨٢٢ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا
[ ٤ / ٥٧ ]
الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ، نا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ، عَنْ سَعِيدٍ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارُكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءُكُمْ وَأَمْرُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كاَنَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا» .
قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩] الظلم والعدوان، هم ينتصرون ممن ظلمهم، قال عطاء: يعني المؤمنين الذين أخرجهم الكفار من مكة، وبغوا عليهم، ثم مكنهم الله في الأرض، حتى انتصروا ممن ظلمهم.
وقال ابن زيد: جعل الله المؤمنين صنفين: صنف يعفون عن ظالمهم، فبدأ بذكرهم، وهو قوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]: وصنف ينتصرون من ظالمهم، وهم الذين ذكروا في هذه الآية.
ومن انتصر فأخذ بحقه، ولم يجاوز في ذلك ما حد الله تعالى له، فهو مطيع لله، ومن أطاع الله فهو محمود.
ثم ذكر حد الانتصار، فقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] قال مقاتل: يعني القصاص في الجراحات والدماء.
وقال مجاهد، والسدي: هو جواب القبيح إذا قال: أخزاك الله، يقول: أخزاك الله من غير أن يعتدي.
ثم ذكر العفو، فقال: فمن عفا أي: عمن ظلمه، وأصلح بالعفو بينه وبين ظالمه، ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ضمن الله تعالى له أجره بالعفو، وقال الحسن: إذا كان يوم القيامة، قام مناد، فنادى: من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من عفا، ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] .
قال مقاتل: يعني من يبدأ بالظلم.
ثم ذكر المنتصر، فقال: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: ٤١] بعد ظلم الظالم إياه، والمصدر ههنا مضاف إلى المفعول، كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، وبسؤال نعجتك، فأولئك يعني: المنتصرين ﴿مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] بعقوبة ومؤاخذة.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] قال
[ ٤ / ٥٨ ]
ابن عباس: يريد: يبدءون بالظلم.
﴿وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] يعملون فيها بالمعاصي.
ولمن صبر فلم ينتصر، ﴿وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ﴾ [الشورى: ٤٣] الصبر والتجاوز، ﴿لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] قال مقاتل: من الأمور التي أمر الله بها.
وقال الزجاج: الصابر يؤتى بصبره ثوابا، فالرغبة في الثواب أتم عزم.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ﴿٤٤﴾ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ ﴿٤٥﴾ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ﴿٤٦﴾﴾ [الشورى: ٤٤-٤٦] .
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٤٤] عن الهدى، ﴿فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الشورى: ٤٤] فما له من أحد يلي هدايته، بعد إضلال الله إياه، وترى الظالمين المشركين، ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [الشورى: ٤٤] في الآخرة، يسألون الرجعة إلى الدنيا، يقولون: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] .
﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [الشورى: ٤٥] على النار، قبل دخولهم النار، ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] ساكنين، متواضعين، ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] يعني: خفي النظر لما عليهما من الذل، يسارقون النظر إلى النار، خوفا منها، وذلة في أنفسهم، وعرف المؤمنون خسران الكافرين ذلك اليوم، فقالوا: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الشورى: ٤٥] بأن صاروا إلى النار، وأهليهم في الجنة، بأن صاروا لغيرهم، قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى: ٤٥] .
قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ﴾ [الشورى: ٤٦] ظاهر.
قوله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ﴿٤٧﴾ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنْسَانَ كَفُورٌ ﴿٤٨﴾﴾ [الشورى: ٤٧-٤٨] .
[ ٤ / ٥٩ ]
استجيبوا لربكم أجيبوا داعي ربكم، يعني: محمدا ﷺ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ [الشورى: ٤٧] لا يقدر أحد على رده ودفعه، وهو يوم القيامة، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ﴾ [الشورى: ٤٧] تلجئون إليه، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] إنكار وتغيير للعذاب.
قوله: فإن أعرضوا عن الإجابة، ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الشورى: ٤٨] تحفظ أعمالهم، وإنما أرسلناك داعيا ومبلغا، وهو قوله: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] ما عليك إلا أن تبلغهم، ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ [الشورى: ٤٨] قال ابن عباس: يعني الغنى والصحة.
فرح بها يعني: الكافر، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٨] يعني: قحط المطر، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الشورى: ٤٨] من الكفر، ﴿فَإِنَّ الإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: ٤٨] أي: لما تقدم من نعمة الله عليه، ينسى ويجحد بأول شديدة جميع ما سلف من النعم.
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ﴿٤٩﴾ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴿٥٠﴾﴾ [الشورى: ٤٩-٥٠] .
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشورى: ٤٩] له التصرف فيهما بما يريد، ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ [الشورى: ٤٩] يعني: البنات ليس فيهم ذكر، كما وهب للوط ﵇، لم يولد له إلا بنات، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩] يعني: البنين ليس معهم أنثى، كإبراهيم ﵇، لم يولد له إلا ذكور.
أو يزوجهم يعني: الإناث والذكور، يجعلهم أزواجا، وهو أن يولد للرجل ذكور وإناث، قال الحسن: يجمع لهم الإناث والذكران، كما جمع لمحمد ﷺ.
فإنه ولد له أربعة بنين وأربع بنات، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠] لا يولد له، كعيسى ويحيى ﵉، والآية عامة، وهذه الأقسام موجودة في غير الأنبياء، وإنما ذكر الأنبياء تمثيلا، إنه عليم بما خلق، قدير على ما يشاء.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴿٥١﴾ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٥٢﴾ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴿٥٣﴾﴾ [الشورى: ٥١-٥٣] .
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] يريد الوحي في المنام، أو الإلهام، كما كان الأنبياء
[ ٤ / ٦٠ ]
﵈، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] كما كلم موسى ﵇، يريد أن كلامه يسمع من حيث لا يرى، كما يرى سائر المتكلمين ليس إن ثم حجابا يفصل موضعا من موضع، فيدل ذلك على تحديد المحجوب، فهو بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب، حيث لم ير المتكلم، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ [الشورى: ٥١] جبريل، أو غيره من الملائكة، فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله، ما يشاء الله، قال الزجاج: المعنى: أن كلام الله للبشر، إما أن يكون بإلهام يلهمهم الله، أو يكلمهم من وراء حجاب، كما كلم موسى، أو برسالة ملك إليهم، وتقدير الكلام: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي وحيا، أو يكلمه من وراء حجاب، أو يرسل رسولا.
ومن قرأ يرسل رفعا، أراد وهو يرسل، فهو ابتداء واستئناف، والوقف كاف على ما قبله.
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ٥٢] أي: فعلنا في الوحي إليك، كما فعلنا بالرسل من قبلك، ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] قال مقاتل: يعين الوحي بأمرنا.
ومعناه: القرآن، لأنه يهتدى به، ففيه حياة من موت الكفر، ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي﴾ [الشورى: ٥٢] قبل الوحي، ﴿مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] لأنه كان لا يعرف القرآن قبل الوحي، وما كان يعرف شرائع الإيمان ومعالمه، وهي كلها إيمان، وهذا القول هو اختيار إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يعني: الصلاة سماها إيمانا، وشيخنا الأستاذ أبو إسحاق، يقول في هذا التخصيص بالوقت، فقال: كان هذا قبل البلوغ، وحين كان طفلا في المهد ما كان يعرف الإيمان.
والحسين بن الفضل البجلي يجعل الآية من باب حذف المضاف، يقول: معناه: ولا أهل الإيمان، يعني: من الذي يؤمن، ومن الذي لا يؤمن؟ إجماع الأصوليين على أن الرسل قبل الوحي كانوا مؤمنين، ونبينا محمد ﷺ يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم ﵇.
[ ٤ / ٦١ ]
٨٢٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ النَّصْرَابَاذِيِّ، أنا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ الرَّسْعَنِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ زُرَيْقٍ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، نا أَبُو سَيَّارٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: " هَلْ عَبَدْتَ وَثَنًا قَطُّ؟ قَالَ: لا.
قَالُوا: هَلْ شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ؟ قَالَ: لا، وَمَا زِلْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ كُفْرٌ، وَمَا كُنْتُ أَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ، وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] .
قوله: ولكن جعلناه يعني: القرآن، نورا يعني: ضياء، ودليلا على التوحيد والإيمان، ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] نرشده إلى الدين الحق، وإنك لتهدي قال ابن عباس، ومقاتل، والسدي، وقتادة: وإنك لتدعو.
فالهدى ههنا دعوة وبيان، والمعنى: وإنك لتدعو بما أوحينا إليك، إلى طريق مستقيم، يعني: الإسلام.
﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي﴾ [الشورى: ٥٣] شرعه لعباده، الذي ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣] ملكا وخلقا، ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] يعني: أمور الخلائق في الآخرة.
[ ٤ / ٦٢ ]