وهي ثمانون وخمس آيات مكية.
٧٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَفَّافُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ ص أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بِوَزْنِ كُلِّ جَبَلٍ سَخَّرَهُ اللَّهُ لِدَاوُدَ حَسَنَاتٍ، وَعَصَمَهُ اللَّهُ، تَعَالَى، أَنْ يُصِرَّ عَلَى ذَنْبٍ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا»
[ ٣ / ٥٣٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ص وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ ﴿١﴾ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴿٢﴾ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴿٣﴾﴾ [ص: ١-٣] ص قال الضحاك: صدق الله.
وقال عطاء، عن ابن عباس: صدق محمد ﷺ.
﴿وَالْقُرْءَانِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] الشرف، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وجواب القسم قد تقدم، أقسم الله تعالى بالقرآن أن محمدا ﷺ قد صدق، كما تقول: فعل والله، وقام والله.
وقال أهل المعاني: جواب القسم محذوف بتقدير والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول الكفار.
ودل على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢] قال مقاتل: كفروا بالتوحيد من أهل مكة.
في عزة حمية وتكبر عن الحق، وشقاق خلاف وعداوة لمحمد ﷺ.
ثم خوفهم، فقال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [ص: ٣] يعني: الأمم الخالية المهلكة بتكذيب الرسل، فنادوا عند وقوع الهلاك بهم باستغاثة، ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] أي: ساعة لا منجى ولا فوت.
قال ابن عباس: ليس حين نزو ولا فرار.
وقال قتادة: نادى القوم على غير حين النداء.
والمناص: مصدر ناص ينوص وهو الفوت والتأخر.
ولات بمعنى ليس بلغة أهل اليمن، وقال النحويون: هي لا زيدت فيها
[ ٣ / ٥٣٨ ]
التاء.
كما قالوا: ثم وثمت، ورب وربت، وأصلها هاء وصلت بلا، فقالوا: لا لغير معنى حادث، كما زادوا هاء في ثمة، فلما وصلوها جعلوها تاء.
والوقف عليها بالتاء عند الزجاج وأبي علي.
وعند الكسائي الوقف عليها بالهاء، نحو قاعدة وضاربة.
وعند أبي عبيد الوقف على ثم يبتدئ: تحين مناص، لأن عنده أن هذه التاء تزاد مع حين، فيقال: كان هذا تحين كان ذاك.
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٤﴾ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿٥﴾ وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴿٦﴾ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ ﴿٧﴾ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ﴿٨﴾﴾ [ص: ٤-٨] قوله: وعجبوا يعني: الكفار الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢]، ﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٤] يعني: رسولا من أنفسهم ينذرهم النار، ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: ٤] حين زعم أنه رسول.
﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] وذلك أن النبي ﷺ أبطل عبادة ما كانوا يعبدون من الآلهة مع الله ودعاهم إلى عبادة الله وحده فتعجبوا من ذلك، وقالوا: كيف جعل لنا إلها واحدا بعد ما كنا نعبد آلهة كثيرة، قوله: إن هذا الذي يقول محمد من أن الإله واحد، لشيء عجاب لأمر عجيب، وهذا كما يقال كبير وكبار، وطويل وطوال.
وقوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٦] قال المفسرون: إن أشراف قريش أتوا أبا طالب واجتمعوا عنده وشكوا إليه النبي ﷺ،
[ ٣ / ٥٣٩ ]
وقالوا: إنه سفه أحلامنا وسب آلهتنا وعاب ديننا.
فعاتب أبو طالب النبي ﷺ، وقال: ما تريد من قولك يا ابن أخي؟ فقال: أدعوهم إلى كلمة واحدة.
قال: وما هي؟ قال: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ.
فنفروا من ذلك وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] وخرجوا من عند أبي طالب يقول بعضهم لبعض: ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] فذلك قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٦] أي: انطلقوا من مجلسهم الذي كانوا فيه عند أبي طالب وهم يقولون: اثبتوا على عبادة آلهتكم، واصبروا على دينكم.
إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد، لشيء يراد لأمر يراد بنا.
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ [ص: ٧] الذي يقول محمد، أي: من التوحيد، ﴿فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] يعني النصرانية، لأنها آخر الملل، والنصارى لا يوحدون، لأنهم يقولون ثالث ثلاثة.
وقال قتادة: يعنون دينهم الذي هم عليه.
إن هذا ما هذا الذي جاء به محمد من التوحيد والقرآن، إلا اختلاق كذب وافتعال.
ثم أنكروا تخصيص الله إياه بالقرآن والنبوة، فقالوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] قال الزجاج: قالوا كيف أنزل على محمد القرآن من بيننا ونحن أكبر سنا وأعظم شرفا منه.
فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ [ص: ٨] يعني حين قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] والمراد بالذكر القرآن، ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨] تهديد لهم، أي أنهم سيذوقونه.
ثم أجاب عن إنكارهم نبوته بقوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ﴿٩﴾ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ ﴿١٠﴾ جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ ﴿١١﴾﴾ [ص: ٩-١١] ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [ص: ٩] يقول أبأيديهم مفاتيح النبوة والرسالة فيضعونها حيث شاءوا؟ أي أنها ليست بأيديهم، ولكنها بيد العزيز في ملكه، الوهاب وهب النبوة لمحمد ﷺ.
ثم أخبر أن الملك له يصطفي من يشاء، وهو قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ﴾ [ص: ١٠] أي: إن ادعوا شيئا من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء.
قال قتادة، ومقاتل: يعني الأبواب التي في السماء.
وقال الكلبي: يقول: في
[ ٣ / ٥٤٠ ]
طرقها من سماء إلى سماء، وكل ما يوصلك إلى شيء من باب وطريق فهو سببه.
ثم أخبر عن هزيمتهم ببدر، وهو قوله: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ﴾ [ص: ١١] قال قتادة: أخبر الله تعالى، وهو يومئذ بمكة، أنه سيهزم جند المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر.
وجند خبر ابتداء محذوف بتقدير هم جند، وما زائدة، وهنالك إشارة إلى بدر ومصارعهم بها، والأحزاب سائر من تقدمهم من الكفار الذين تحزبوا على الأنبياء.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ ﴿١٢﴾ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ ﴿١٣﴾ إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴿١٤﴾ وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ ﴿١٥﴾ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ﴿١٦﴾﴾ [ص: ١٢-١٦] يدل على هذا قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ﴾ [ص: ١٢] قال المفسرون: كانت له أوتاد يعذب الناس عليها، وذلك أنه كان إذا غضب على أحد وَتَّدَ يَدَهُ ورجليه ورأسه على الأرض.
وقال عطية: ذو الجنود والجموع الكثيرة.
يعني أنهم كانوا يقوون أمره ويشددون ملكه كما يقوي الوتد الشيء، وقيل: ذو الملك الشديد الثابت، كما قال الأسود:
في ظل ملك ثابت الأوتاد
[ ٣ / ٥٤١ ]
ولما ذكر هؤلاء المكذبين، قال: أولئك الأحزاب فأعلمنا أن مشركي قريش حزب من هؤلاء الأحزاب.
إن كل ما كل منهم، ﴿إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ص: ١٤] فوجب عليهم عقابي بتكذيبهم.
﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ﴾ [ص: ١٥] يعني كفار مكة، أي: ما ينتظرون لوقوع العذاب بهم، ﴿إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [ص: ١٥] يعني: النفخة الأخيرة، ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] وقرئ بالضم، قال الزجاج: فواق وفواق بضم الفاء وفتحها، أي: ما لها من رجوع.
والفواق ما بين حلبتي الناقة، وهو مشتق من الرجوع أيضا، لأنه يعود اللبن إلى الضرع بين الحلبتين، وأفاق من مرضه أي رجع إلى الصحة.
قال مجاهد: ما لها من فواق رجوع.
أي: ما يرد ذلك الصوت فيكون له رجوع، وهو معنى قول مقاتل: من مرد ولا رجعة.
وقال قتادة، والضحاك: ليس لها مثنوية.
أي صرف ورد، والمعنى أن تلك الصيحة التي هي ميعاد عذابهم إذا جاءت لم ترد ولم تصرف حتى يبعثوا وينجز لهم ميعاد العذاب.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦] معنى القط في اللغة: النصيب، من القط بمعنى القطع، والنصيب إنما هو القطعة من الشيء، وتسمى كتب الجوائز قطوطا لأنهم كانوا يكتبون الأنصباء من العطايا في الصحائف.
يقال: أخذ فلان قطة إذ أخذ كتابه الذي كتب له بجائزته وصلته، ثم سميت الكتب قطوطا وإن لم تكن للصلة، والمفسرون مختلفون على هذين القولين: فقال ابن عباس: قطنا، حظنا من العذاب والعقوبة.
وقال قتادة: نصيبنا من العذاب، يقولون ذلك استهزاء.
وقال سعيد بن جبير، والسدي: لما ذكر لهم ما في الجنة ﴿قَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا﴾ [ص: ١٦] نصيبنا منها في الدنيا.
[ ٣ / ٥٤٢ ]
وقال أبو العالية، والكلبي، ومقاتل: لما نزلت ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩]، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] قالت قريش: زعمت يا محمد أنا نؤتى كتابنا بشمالنا، فعجل لنا قطنا قبل يوم الحساب.
يقولون ذلك تكذيبا له، فقال الله ﷿: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿١٧﴾ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ ﴿١٨﴾ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ﴿١٩﴾ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ﴿٢٠﴾﴾ [ص: ١٧-٢٠] اصبر يا محمد، ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ص: ١٧] من تكذيبك، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ [ص: ١٧] لكي تتقوى على الصبر بذكر قوته على العبادة، وهو قوله: ذا الأيد أي: ذا القوة على العبادة، وفي طاعة الله، قال الزجاج: وكانت قوة داود على العبادة أتم قوة، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وذلك أشد الصوم، وكان يصلي نصف الليل.
إنه أواب رجاع عن كل ما يكره الله إلى ما يحب الله.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ [ص: ١٨] هذا كقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وقد مر تفسيره، وقوله: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] قال الكلبي: غدوة وعشية.
يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت.
وروي عن ابن عباس ﵁ بطرق أنه فسر التسبيح بالإشراق في هذه الآية بصلاة
[ ٣ / ٥٤٣ ]
الضحى.
٧٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْوَاعِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا عُبَيْدُ اللَهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ بَخْتَوَيْهِ، نا أَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا الْحَجَّاجُ بْنُ نُصَيْرٍ، نا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵁، فِي قَوْلِهِ: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ لا أَدْرِي مَا هِيَ حَتَّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى الضُّحَى، وَقَالَ: «يَا أُمَّ هَانِئٍ هَذِهِ صَلاةُ الإِشْرَاقِ»
والطير معطوفة على الجبال، كأنه قال: وسخرنا الطير، محشورة مجموعة إليه تسبح لله معه، قال ابن عباس: كان داود إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير، فسبحت معه.
وهو قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩] رجاع إلى طاعته وأمره، أي: كل له مطيع بالتسبيح معه.
وشددنا ملكه قوينا ملكه بالحرس والجنود، قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان يحرسه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل، فإذا أصبح قيل: ارجعوا فقد رضي عنكم نبي الله، وهذا قول جماعة المفسرين.
٧٩٢ - أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فِيمَا أَجَازَ لِي، أَنَّ أَبَا الْفَضْلِ الْحَدَّادِيَّ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْخَالِدِيِّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، نا دَاوُدُ بْنُ أَبِي
[ ٣ / ٥٤٤ ]
الْفُرَاتِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ رَجُلا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَعْدَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ عِنْدَ دَاوُدَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا غَصَبَنِي بَقَرًا لِي، فَسَأَلَ دَاوُدُ الرُّجَل عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَأَلَ الآخَرَ الْبَيِّنَةَ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِنَّةٌ، فَقَالَ لَهُمَا دَاوُدُ: قُومَا حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمَا، فَقَامَا مِنْ عِنْدِهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ، تَعَالَى، إِلَى دَاوُدَ فِي مَنَامِهِ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدَى عَلَيْهِ.
فَقَالَ: هَذِهِ رُؤْيَا وَلَسْتُ أَعْجَلُ حَتَّى أَتَثَبَّتَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِي مَنَامِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ الثَّالِثَةَ أَنْ يَقْتُلَهُ، أَوْ تَأْتِيَهُ الْعُقُوبَةُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ أَقْتُلَكَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ فَقَالَ دَاوُدُ: نَعَمْ، وَاللَّهِ لأُنَفِّذَنَّ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ.
فَلَمَّا عَرَفَ الرَّجُلُ أَنَّهُ قَاتِلُهُ؛ قَالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتَّى أُخْبِرَكَ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أُخِذْتُ بِهَذَا الذَّنْبِ، وَلَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ أَبَا هَذَا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ.
فَأَمَرَ بِهِ دَاوُدُ فَقُتِلَ فَاشْتَدَّتْ هَيْبَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِدَاوُدَ، ﵇، عِنْدَ ذَلِكَ وَشُدِّدَ بِهِ مُلْكُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾
وقوله: وآتيناه الحكمة قال ابن عباس: النبوة والمعرفة بكل ما حكم.
وقال مقاتل: الفهم والعلم.
وفصل الخطاب يعني الشهود والإيمان، البينة على المدعي واليمين على من أنكر، لأن خطاب الخصوم إنما ينقطع وينفصل بهذا، وهذا قول أكثر المفسرين.
وقال ابن مسعود، ومقاتل، وقتادة: هو العلم بالقضاء والفهم فيه.
قوله تعالى: ﴿
[ ٣ / ٥٤٥ ]
وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ﴿٢١﴾ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ﴿٢٢﴾ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴿٢٣﴾ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ﴿٢٤﴾ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴿٢٥﴾ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴿٢٦﴾﴾ [ص: ٢١-٢٦] ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ [ص: ٢١] قال مقاتل: بعث الله تعالى إلى داود ﵇ ملكين جبريل وميكائيل لينبهه على التوبة فأتياه في المحراب.
وهو قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] يقال: تسورت الحائط والسور إذا علوته.
وإنما قال: تسوروا والخصم ههنا اثنان، لأنه على مذهب من يجعل الاثنين جماعة، والمحراب ههنا كالغرفة، قال محمد بن إسحاق: بعث الله تعالى إليه ملكين يختصمان إليه، مثلا ضربه الله له وأصحابه، فلم يرع داود إلا بهما واقفين على رأسه في محرابه، فقال: ما أدخلكما علي؟ قالا: لا تخف.
[ ٣ / ٥٤٦ ]
وهو قوله: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى﴾ [ص: ٢٢] أي نحن، ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] فجئناك لتقضي بيننا، وهو قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢] يقال: شط الرجل وأشط شططا وإشطاطا إذا جار في حكمه وقضيته.
قال المفسرون: لا تجر علينا.
﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢] احملنا على الحق ولا تخالف بنا إلى غيره.
فقال داود: تكلما.
فقال أحد الملكين: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ﴾ [ص: ٢٣] أي: على ديني، ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] يعني امرأة، والنعجة البقرة الوحشية، والعرب تكني بها عن المرأة وتشبه النساء بالنعاج من البقر، وإنما عنى بهذا داود لأنه كانت له تسع وتسعون امرأة، ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] امرأة واحدة، فقال أكفلنيها ضعها إلي واجعلني كافلها، وهو الذي يعولها وينفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوجها، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] قال عطاء، عن ابن عباس: كان أعز مني وأقوى على مخاطبتي، لأنه كان الملك.
والمعنى أنه كان أقدر على الخطاب بعزة ملكه.
وهذه القصة تمثيل لأمر داود مع أوريا زوج المرأة التي أراد أن يتزوج بها.
قال داود: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤] أي: بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه، أي: إن كان الأمر على ما تقول فقد ظلمك أخوك بما كلفك من تحولك عن امرأتك ليتزوجها هو، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤] وهم الشركاء، واحدهم خليط، وهو المخالط في المال.
يريد أن الشركاء كثير منهم يظلم بعضهم بعضا، وهو قوله: ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤] وظن داود أنهما شريكان فلذلك قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤] وقوله: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [ص: ٢٤] أي: فإنهم لا يظلمون أحدا، ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] أي: هم قليل، يعني الصالحين الذين لا يظلمون، قال المفسرون: فلما قضى بينهم داود ﵇ نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك وصعد إلى السماء، فعلم داود أن الله ابتلاه، وأن ما ذكر من القصة تمثيل لقصته هو.
وقوله: ﴿
[ ٣ / ٥٤٧ ]
وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: ٢٤] أي: أيقن وعلم أنا ابتليناه بما وقع له من القصة، ونظره إلى المرأة، وافتتانه بها، وكان قد أعجب بعبادته، فلما ابتلي بها هويها وقال لزوجها تحول لي عنها، فعوتب على محبة امرأة من له امرأة واحدة، وله تسع وتسعون امرأة، فكان ذلك ذنبا من ذنوب الأنبياء التي يعاتبون عليها، وذلك قوله: فاستغفر ربه سأل ربه غفران ذلك الذنب.
[ ٣ / ٥٤٨ ]
وخر راكعا قال ابن عباس: ساجدا.
وعبر عن السجود بالركوع لأن كليهما بمعنى الانحناء، وأناب راجع إلى ما يحب الله من التوبة والاستغفار.
٧٩٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، ﵁، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأُمَوِيُّ، أنا الرَّبِيعُ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ، ﵁: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ لا يَسْجُدُ فِي ص وَيَقُولُ: إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ
﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥] قال ابن عباس: غفر له ذلك الذنب.
﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ [ص: ٢٥] لقربة ومكانة ومنزلة حسنة.
أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد، أنا أبو علي الفقيه، أنا إبراهيم بن عبد الله العسكري، أنا محمد بن صالح، حدثني محمد بن منصور البرداني، عن جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار في قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ [ص: ٢٥] قال: يقول الله ﷿ لداود وهو قائم بساق العرش: يا داود، مجدني بذلك الصوت الرخيم اللين.
فيقول: كيف وقد سلبتنيه في الدنيا؟ فيقول: إني أرده عليك.
قال: فيرفع داود صوته بالزبور فيستفرغ نعيم أهل الجنة.
قوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] يعني الجنة التي هي مآب الأنبياء والأولياء.
قوله: يا داود أي: قلنا له يا داود إنا جعلناك صيرناك، ﴿خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦] تدبر أمور العباد من قبلنا بأمرنا، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] بالعدل الذي هو حكم الله بين خلقه، ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] قال مقاتل: لا يستزلنك الهوى عن طاعة الله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ
[ ٣ / ٥٤٩ ]
الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] قال عكرمة، والسدي: في الآية تقديم وتأخير على تقدير ولهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا، أي: تركوا القضاء بالعدل.
وقال الزجاج: أي بتركهم العمل لذلك اليوم صاروا بمنزلة الناسين، وإن كانوا ينذرون ويذكرون.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴿٢٧﴾ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴿٢٨﴾ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ ﴿٢٩﴾﴾ [ص: ٢٧-٢٩] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا﴾ [ص: ٢٧] قال ابن عباس: لا للثواب والعقاب.
﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] يعني أهل مكة، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] هم الذين ظنوا أنهم خلقوا لغير شيء، وأنه لا قيامة ولا حساب، قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين: إنا نعطى في الآخرة من الخير ما تعطون.
فأنزل الله تعالى ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [ص: ٢٨] أي: صدقوا بي، وعملوا الصالحات عملوا بفرائضي، ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [ص: ٢٨] بالمعاصي، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾ [ص: ٢٨] يريد به أصحاب النبي ﷺ، كالفجار وهم الكفار كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] الآية، وقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥]: وهم الكفار لقوله: كتاب أي:
[ ٣ / ٥٥٠ ]
هذا الكتاب، يعني القرآن، ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩] كثير خيره ونفعه، ليدبروا ليتدبروا، آياته وليتفكروا فيها فيقرر عندهم صحتها، وليتذكر بما فيه من المواعظ أهل اللب والعقل.
قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿٣٠﴾ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ﴿٣١﴾ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ﴿٣٢﴾ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ ﴿٣٣﴾﴾ [ص: ٣٠-٣٣] ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٠] يعني ولدا، ثم مدح سليمان بقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠] راجع عما يكره الله إلى ما يحب.
﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ [ص: ٣١] بعد العصر، الصافنات يقال: صفن الفرس يصفن صفونا إذا قام على ثلاث، وقلب أحد حوافره.
والجياد جمع جواد، وهو الشديد الحضر من الخيل.
قال ابن عباس: يريد الخيل السوابق إذا وقفت صفنت على أطراف حوافرها، عرضت عليه حتى شغلته عن صلاة العصر إلى أن غابت الشمس.
فذلك قوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] يعني الخيل، والخيل مال، والخير بمعنى المال كثير في التنزيل.
قال الزجاج: الخير ههنا الخيل، والنبي ﷺ سمى زيد الخيل: زيد الخير، وسميت الخيل خيرا لأن الخير معقود بنواصيها: الأجر والمغنم.
قال الفراء: يقول: آثرت حب الخير وكل من أحب شيئا فقد آثره.
وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] أي: على ذكر ربي، يعني صلاة العصر، ﴿حَتَّى تَوَارَتْ
[ ٣ / ٥٥١ ]
بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] حتى استترت الشمس بما يحجبها عن الأبصار.
قال الحسن: إن سليمان ﵇ لما شغله عرض الخيل حتى فاتته صلاة العصر غضب لله تعالى، فقال: ردوها علي أي: أعيدوها عليّ، فطفق قال أبو عبيدة: طفق يفعل، مثل ما زال يفعل، وهو مثل ظل وبات، يقال: طفق يطفق طفقا وطفوقا.
وقوله: مسحا أي: يمسح مسحا، أي يضرب، يقال: مسح علاوته أي ضرب عنقه، وهذا قول الفراء، وأبي عبيدة.
قال الفراء: والمسح ههنا القطع.
والمعنى أنه أقبل يضرب سوقها وأعناقها، لأنها كانت سبب فوت صلاته.
وهذا قول ابن عباس، ومقاتل، قالا: يريد قطع السوق والأعناق.
وقال الحسن: كسّف عراقيبها، وقطع أعناقها، وقال: لا تشغلني عن عبادة ربي مرة أخرى.
قال الزجاج: ولم يكن ليفعل ذلك إلا وقد أباح الله له ذلك.
وجائز أن يباح ذلك لسليمان ويحظر في هذا الوقت، والسوق
[ ٣ / ٥٥٢ ]
جمع ساق، مثل لاب ولوب.
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ﴿٣٤﴾ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴿٣٥﴾ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ﴿٣٦﴾ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ﴿٣٧﴾ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ﴿٣٨﴾ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٩﴾ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴿٤٠﴾﴾ [ص: ٣٤-٤٠] قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤] أي: ابتليناه واختبرناه بسلب ملكه.
قال أكثر المفسرين: تزوج سليمان ﵇ امرأة من بنات الملوك، فعبدت الصنم في داره، ولم يعلم بذلك سليمان، فامتحن بسبب غفلته كانت عن ذلك.
قال ابن عباس في رواية عطاء ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤]: يريد بصخر، الشيطان الذي لم يكن سخر له، وكان شيطانا ماردا عظيما لا يقوى عليه جميع الشياطين، وكان نبي الله سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه، فجاء صخر في صورة سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة من نسائه وأقام أربعين يوما في مكانه، وسليمان هارب.
وقال مجاهد: إن شيطانا قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك.
فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فذهب ملكه، وقعد الشيطان على كرسيه، ومنعه الله نساء سليمان، فلم يقربهن، وكان سليمان يستطعم، فيقول: أتعرفونني؟ أطعموني.
فيكذبونه، حتى أعطته امرأته يوما حوتا فشق بطنه فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه
[ ٣ / ٥٥٣ ]
ملكه، فذلك قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤] يعني الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس، ثم أناب رجع بعد أربعين يوما إلى ملكه.
[ ٣ / ٥٥٤ ]
فلما رجع ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] قال مقاتل، وأبو عبيدة: لا يكون، فاستجاب الله له ذلك فلم يكن لأحد بعده من الملك ما كان له.
٧٩٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَنْصُورِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ، أنا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا شَبَابَةُ، أنا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، أَنَّهُ صَلَّى صَلاةً فَقَالَ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي، يُفْسِدُ عَلَيَّ الصَّلاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَذَعَتُّهُ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوَثِّقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ أَجْمَعِينَ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ، ﵇ ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا، أَوْ خَائِبًا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ
[ ٣ / ٥٥٥ ]
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَوْحٍ، وَغُنْدَرٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، كُلُّهُمْ، عَنْ شُعْبَةَ
ويدل على ما ذكرنا قوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ [ص: ٣٦] ولم نسخرها لأحد بعده ولا ملكها سواه، ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ [ص: ٣٦] لينة الهبوب ليست بالعاصفة، حيث أصاب أراد من النواحي، قال الزجاج: إجماع أهل اللغة والمفسرين حيث أصاب، أي حيث أراد من النواحي.
قال الزجاج: وحقيقته حيث قصد.
وقال الأصمعي: العرب تقول: أصاب فلان الصواب فأخطأ الجواب، معناه أنه قصد الصواب وأراده فأخطأ مراده ولم يتعمد الخطأ.
والشياطين أي: وسخرنا له الشياطين، كل بناء يبنون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، وغواص يغوصون في البحار يستخرجون له الدر من البحار.
وآخرين أي: وسخرنا له آخرين، يعني مردة الشياطين سخروا له حتى قرنهم في الأصفاد، وهو قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٨] يقال: قرنهم في الحبال إذا كانوا جماعة كثيرة، والأصفاد الأغلال، واحدها صفد.
قال الزجاج: هي السلاسل من الحديد، وكل ما شددته شدا وثيقا بالحديد وغيره فقد صفدته.
قال أبو عبيد: يقال صفدت الرجل فهو مصفود، وأصفدته فهو مصفد.
هذا عطاؤنا أي: قلنا له هذا الملك، يعني ما سأل من قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥]، ﴿فَامْنُنْ﴾ [ص: ٣٩] لمن الإحسان إلى من لا تستثيبه.
قال عطاء، عن ابن عباس: أعط من شئت وأمسك عمن شئت.
بغير حساب لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما أمسكت.
قال الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه تبعة إلا سليمان، فإن الله تعالى قال: هذا عطاؤنا الآية، إن أعطي أجر، وإن لم يعط لم يكن عليه
[ ٣ / ٥٥٦ ]
تبعة.
قال الزجاج: قوله: بغير حساب أي: بغير جزاء، يعني: أعطيناك تفضلا لا مجازاة.
ثم أخبره بمنزلته في الآخرة، فقال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٠] .
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴿٤١﴾ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴿٤٢﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ ﴿٤٣﴾ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿٤٤﴾﴾ [ص: ٤١-٤٤] قوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] النصب والنصب كالحزن والحزن، والعدم والعدم، وهو الضر والمكروه والشدة، يعني ما ابتلاه الله به حين سلط عليه الشيطان، قاله ابن عباس.
قال قتادة: بضر في الجسد وعذاب في المال.
وقال السدي: النصب ما أنصب الجسد، والعذاب أهلك المال.
ثم فرج الله عنه، وهو قوله: اركض برجلك أي: قلنا له اركض برجلك، قال ابن عباس: اضرب الأرض برجلك، فركض فنبعت بركضته عين ماء.
وهو قوله: هذا مغتسل وهو ما اغتسل به من الماء، بارد وشراب شرب منه، قال مقاتل: انفجرت له عين فاغتسل منها، فخرج منها صحيحا، ثم مشى أربعين خطوة فدفع الأرض برجله الأخرى فنبعت عين أخرى ماء عذبا باردا، فذلك قوله: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ﴾ [ص: ٤٢] يعني الذي اغتسل فيه، وشراب
[ ٣ / ٥٥٧ ]
أراد الذي شرب منه.
وقال الحسن ركض ركضة أخرى فإذا عين تنبع حتى غمرته، فرد الله إليه جسده، فركض ركضة أخرى فإذا عين أخرى فشرب منها فطهرت جوفه، وغسلت كل قذر كان فيه.
وما بعد هذا مفسر في ﴿[الأنبياء إلى قوله:] وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [سورة ص: ٤٤] وهو ملء الكف من الشجر والحشيش والشماريخ، وكان حلف ليجلدن امرأته مائة جلدة.
قال سعيد بن المسيب: اتهمها أنها قارفت شيئا من الخيانة، لأنها أتته يوما بزيادة على ما كانت تأتي به من الخبز.
وقال قتادة: عرض لها إبليس وأراد أن تحمل زوجها على شيء، فقالت لأيوب: لو تقربت إلى الشيطان بشيء فذبحت له عناقا.
فحلف أيوب لئن شفاه الله ليجلدنها مائة جلدة، فأمر أن يأخذ عيدانا رطبة من تمام مائة عود، فيضرب به كما أمره الله تعالى، وهو قوله: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] فكان ذلك تحلة ليمينه، وتخفيفا عن امرأته، ثم أثنى على أيوب، فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] أي: على البلاء الذي ابتليناه به، نعم العبد هو، إنه أواب رجاع إلى ما يحب الله من طاعته.
قوله: ﴿
[ ٣ / ٥٥٨ ]
وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ﴿٤٥﴾ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴿٤٦﴾ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ ﴿٤٧﴾ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ ﴿٤٨﴾ هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴿٤٩﴾﴾ [ص: ٤٥-٤٩] واذكر عبادنا وقرأ ابن كثير عبدنا على الواحد اختصاصا بالإضافة إلى الله على وجه المكرمة، وهو قراءة ابن عباس، يقول: إنما ذكر إبراهيم، ثم ذكر ولده بعده.
قال مقاتل: واذكر يا محمد صبر عبدنا إبراهيم حين ألقي في النار، وصبر إسحاق للذبح، وصبر يعقوب
[ ٣ / ٥٥٩ ]
حين ذهب بصره، ولم يذكر إسماعيل لأنه لم يبتل بشيء.
﴿أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] قال ابن عباس: أولي القوة في طاعة
[ ٣ / ٥٦٠ ]
الله، والأبصار في المعرفة بالله.
فالأيدي في هذه الآية جمع اليد التي هي بمعنى القدرة والقوة.
قال قتادة: أعطوا قوة في العبادة وصبرا في الدين.
وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، والمفسرين.
قوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: ٤٦] قال مجاهد: اصطفيناهم بذكر الآخرة فأخلصناهم بذكرها.
وقال قتادة: كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله.
وقال السدي: أخلصوا بخوف الآخرة.
فمن قرأ بالتنوين في بخالصة كان المعنى: جعلناهم لنا خالصين بأن خلصت لهم الذكرى الدار، والخالصة مصدر بمعنى الخلوص، والذكرى بمعنى التذكير، أي: خلص لهم تذكير الدار، وهو أنهم يذكرون بالتأهب لها ويزهدون في الدنيا، وذلك شأن الأنبياء صلوات الله عليهم، وأما من أضاف فالمعنى: أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار، والخالصة مصدر مضاف إلى الفاعل.
قال ابن عباس: أخلصوا بذكر الدار الآخرة، وأن يعملوا لها.
والذكرى على هذا بمعنى الذكر.
﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧] قال ابن عباس: يريد اصطفيتهم واخترتهم.
﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ [ص: ٤٨] أي: اذكرهم بصبرهم وفضلهم لتسلك طريقهم، ﴿وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٨] اختارهم الله للنبوة.
هذا ذكر شرف وذكر جميل يذكرون به أبدا، ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] يرجعون في الآخرة إلى مغفرة الله.
ثم بين حسن ذلك المرجع، فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ ﴿٥٠﴾ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ﴿٥١﴾ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ
[ ٣ / ٥٦٢ ]
الطَّرْفِ أَتْرَابٌ ﴿٥٢﴾ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴿٥٣﴾ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ ﴿٥٤﴾﴾ [ص: ٥٠-٥٤] ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠] قال الفراء: المعنى مفتحة لهم أبوابها، والعرب تجعل الألف واللام خلفا من الإضافة.
وقال الزجاج: المعنى مفتحة لهم الأبواب منها، فالألف واللام للتعريف لا للبدل.
متكئين فيها في الجنات، يدعون فيها تقدير الآية: يدعون في الجنات متكئين فيها.
﴿بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ [ص: ٥١] بألوان الفاكهة وألوان الشراب، والمعنى: وشراب كثير، فحذف للدلالة عليه.
﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [ص: ٥٢] تقدم تفسيره.
أتراب أقران أسنانهن واحدة، بنات ثلاث وثلاثين سنة.
هذا يعني ما ذكر فيما تقدم ما يوعد به المتقون على لسان النبي ﷺ، ومن قرأ بالتاء فالمعنى: قل للمتقين: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٥٣] ليوم الجزاء.
ثم أعلم أن ذلك غير منقطع، فقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] أي: انقطاع وفناء.
قال ابن عباس: ليس لشيء في الجنة نفاد، وما أكل من ثمارها خلف مكانه مثله، وما أكل من حيوانها وطيرها عاد مكانه حيا.
﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ﴿٥٥﴾ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿٥٦﴾ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴿٥٧﴾ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴿٥٨﴾ هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ ﴿٥٩﴾ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴿٦٠﴾ قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ ﴿٦١﴾﴾ [ص: ٥٥-٦١] هذا، أي: الأمر هذا الذي ذكرناه.
ثم ذكر ما للكفار، فقال: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: ٥٥] للذين طغوا على الله وكذبوا الرسل، لشر مآب شر مرجع ومصير.
ثم أخبر بذلك، فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [ص: ٥٦] قال ابن عباس: بئس المسكن وبئس الممهد.
﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] قال الفراء، والزجاج: تقدير الآية: هذا حميم غساق فليذوقوه.
أي: يقال لهم في ذلك اليوم: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وعادت الكناية إلى أحدهما اكتفاء به عن
[ ٣ / ٥٦٣ ]
الثاني كقوله: ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] ومثله كثير، والحميم: الحار الذي قد انتهى حره، والغساق: ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد، من قولهم: غسقت عينه إذا انصبت، الغسقان الانصباب، والوجه التخفيف في غساق، لأنه اسم موضوع، قال: ومن شدد ذهب به إلى غسق يغسق فهو غساق.
وآخر وعذاب آخر، من شكله من مثل ذلك الأول، والشكل المثل، ويريد ضربا من العذاب على شكل الحميم والغساق في الكراهة.
قال المفسرون: هو الزمهرير.
ومن قرأ وأخر فالمعنى: وأنواع أخر من شكله.
وقوله: أزواج أي: ألوان وأنواع وأشباه.
هذا فوج قال صاحب النظم: هذا من قول الملائكة، يقولونه لأهل النار إذا جاءوهم بفوج سواهم من أهل النار.
والفوج القطيع من الناس، وجمعه أفواج، والمقتحم الداخل في الشيء رميا بنفسه فيه.
قال الكلبي: إنهم يضربون بالمقامع حتى يثبوا في النار خوفا من تلك المقامع، ويوقعوا أنفسهم فيها.
فلما قالت الملائكة ذلك لأهل النار قالوا: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ [ص: ٥٩] المرحب والرحب معناه السعة، أي: لا اتسعت بهم مساكنهم، والمعنى: لا كرامة لهم.
هذا إخبار أن مودتهم تنقطع وتصير عداوة.
﴿إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [ص: ٥٩] داخلوها كما دخلنا، ومقاسون حرها.
فأجابهم الفوج، فقالوا: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ [ص: ٦٠] هؤلاء الأتباع يقولون ذلك للقادة وقد سبقوهم إلى النار، يقولون لهم: ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ [ص: ٦٠] أنتم بدأتم بالكفر قبلنا، فبئس القرار بئس المستقر والمسكن جهنم.
ثم قالت الأتباع: ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾ [ص: ٦١] من شرع وسن لنا هذا الكفر، ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ [ص: ٦١] أي: مضاعفا، أي: زدهم على عذابهم عذابا آخر في النار.
[ ٣ / ٥٦٤ ]
﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ ﴿٦٢﴾ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ ﴿٦٣﴾ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ﴿٦٤﴾ قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿٦٥﴾ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴿٦٦﴾﴾ [ص: ٦٢-٦٦] قال الكلبي: ثم ينظرون في النار فلا يرون من كان يخالفهم معهم وهم المؤمنون.
فعند ذلك قالوا: ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ﴾ [ص: ٦٢] في الدنيا، ﴿مِنَ الأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢] يعنون فقراء المؤمنين: عمارا، وخبابا، وصهيبا، وبلالا، وسلمان.
ثم ذكروا أنهم كان يسخرون من هؤلاء، وهو قوله: اتخذناهم سخريا ومن قرأ بفتح الألف على الاستفهام فهو بعيد، لأنهم علموا أنهم اتخذوهم سخريا، فكيف يستقيم أن يستفهموا عن ذلك وقد علموه؟ ووجهه أنه على اللفظ لا على المعنى، وذلك لتعادل أم في قوله: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٣] قال مقاتل: أم زاغت أبصارنا عنهم، فهم معنا في النار ولا نراهم.
وقال قتادة: زاغت أبصارنا عنهم فلم نرهم حين دخلوا النار.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] يعني ما ذكرنا قبل هذا لحق.
ثم بين ما هو فقال: ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤] يعني: تخاصم القادة والأتباع على ما أخبر به عنهم.
قل لهم يا محمد، لأهل مكة: ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ [ص: ٦٥] أنذركم وأحذركم عقوبة الله.
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾ [ص: ٦٥] وقل لهم أيضا: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥] لخلقه.
﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [ص: ٦٦] الآية.
[ ٣ / ٥٦٥ ]
٧٩٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، أنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ، أنا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إِذَا تَضَوَّرَ مِنَ اللَّيْلِ؛ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ»
﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴿٦٧﴾ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴿٦٨﴾ مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿٦٩﴾ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٧٠﴾﴾ [ص: ٦٧-٧٠] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] يعني القرآن في قوله الجميع.
قال مقاتل: القرآن حديث عظيم، لأنه كلام الله ﷿.
وقال الزجاج: قل النبأ الذي أنبأتكم به عن الله نبأ عظيم.
يعني ما أنبأهم به من قصص الأولين، وذلك دليل على صدقه ونبوته، لأنه لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله تعالى.
﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨] لا تتفكرون فيه فتعلموا صدقي في نبوتي.
يدل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى﴾ [ص: ٦٩] يعني الملائكة، إذ يختصمون يعني ما ذكر في قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] إلى آخر القصة، ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [ص: ٧٠] ما يوحى إليَّ، ﴿إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص: ٧٠] قال الفراء: المعنى ما يوحى إليَّ إلا لأنني نبي ونذير.
مبين أبين لكم ما تأتون به من الفرائض والسنن، وما تدعون من الحرام والمعصية.
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ﴿٧١﴾ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴿٧٢﴾ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿٧٣﴾ إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٧٤﴾ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ﴿٧٥﴾ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴿٧٦﴾﴾ [ص: ٧١-٧٦] ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [ص: ٧١] متصل بقوله: إذ يختصمون فاعترض بينهما كلام، وما بعد هذا مفسر فيما مضى من ﴿[الحجر.
]
[ ٣ / ٥٦٦ ]
لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص: ٧٥] أي: لما توليت خلقه كما قال: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] وهو مر.
﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] استفهام توبيخ وإنكار، يقول: أستكبرت بنفسك حتى أبيت السجود لآدم؟ أم كنت من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود بكونك من قوم يتكبرون؟ وما بعد هذا مفسر فيما تقدم.
قوله: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴿٧٧﴾ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴿٧٨﴾ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿٧٩﴾ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴿٨٠﴾ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴿٨١﴾ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨٢﴾ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿٨٣﴾ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ﴿٨٤﴾ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨٥﴾ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴿٨٦﴾ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿٨٧﴾ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴿٨٨﴾﴾ [ص: ٧٧-٨٨] ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٤] انتصب الحق الأول على تقدير فبالحق، حذف الخافض ونصب كما تقول: والله لأفعلن، والحق الثاني يجوز أن يكون الأول وكرره للتأكيد، ويجوز أن يكون الحق منصوبا بأقول، كأنه قال: وأقول الحق.
وقرأ الكوفيون والحق رفعا وهو مبتد وخبره محذوف على تقدير الحق مني، كما قال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧] وهذا قول مجاهد، قال: يقول الله: الحق مني وأنا أقول الحق.
أقسم الله تعالى أن يملأ جهنم من إبليس وأتباعه وهو قوله: ﴿
[ ٣ / ٥٦٧ ]
لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [ص: ٨٥] الآية.
قل لكفار مكة: ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [ص: ٨٦] على تبليغ الوحي والقرآن، من أجر مال تعطونيه، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] أي: ما أتيتكم رسولا من قبل نفسي، ولم أتكلف هذا الإتيان بل أمرت به.
٧٩٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ السِّمِذِيُّ، أنا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجَنَدِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ اللَّخْمِيُّ، نا أَبُو قُرَّةَ، قَالَ: ذَكَرَ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لا تَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ، ﷺ، ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ
﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧] ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين، ولتعلمن أنتم يا كفار مكة، نبأه خبر صدقه، بعد حين قال ابن عباس، وقتادة: بعد الموت.
وقال عكرمة: يعني يوم القيامة.
وقال الكلبي: من بقي علم ذلك لما ظهر أمره وعلا، ومن مات علمه بعد الموت.
وقال الحسن: ابن آدم، عند الموت يأتيك الخبر اليقين.
[ ٣ / ٥٦٨ ]