أربعون وثنتان آية، مكية.
١٢٧٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ عبس وتولى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ ضَاحِكٌ مُسْتَبْشِرٌ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿١﴾ أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى ﴿٢﴾ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿٣﴾ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ﴿٤﴾ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ﴿٥﴾ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ﴿٦﴾ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ﴿٧﴾ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴿٨﴾ وَهُوَ يَخْشَى ﴿٩﴾ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ﴿١٠﴾ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴿١١﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴿١٣﴾ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿١٤﴾ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴿١٥﴾ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴿١٦﴾﴾ [عبس: ١-١٦] .
عبس يعني: النبي ﷺ، وتولى أعرض، أن جاءه لأن جاءه، الأعمى وهو ابن أم مكتوم، أتى النبي ﷺ وعنده رهط من أشراف قريش، وهو مقبل عليهم يدعوهم إلى الله، وإلى الإسلام، ويرجو أن يجيبوه إلى ذلك، إذ أتى الأعمى، فجعل يناديه وهو يقول: علمني يا رسول الله مما علمك الله.
ولا يدري أنه مشتغل عنه بغيره، فكلح النبي ﷺ، وأعرض عنه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات.
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٣] يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح، وما يتعلمه منك.
أو يذكر يتذكر، فيتعظ بما تعلمه من مواعظ القرآن، ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: ٤] ومن قرأ بالنصب فعلى جواب لعل.
﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ [عبس: ٥] قال ابن عباس: عن الله تعالى، وعن الإيمان، بما له من المال.
﴿فَأَنْتَ لَهُ
[ ٤ / ٤٢٢ ]
تَصَدَّى﴾ [عبس: ٦] تقبل عليه بوجهك، وتميل إليه، يقال: تصدى له.
أي: تعرض له، وفيه قراءتان: التشديد على الإدغام، والتخفيف على الحذف.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٧] أي: أن لا يؤمن ولا يهتدى، والمعنى: أي شيء عليك في ألا يسلم؟ فإنه ليس عليك إلا البلاغ.
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ [عبس: ٨] يعمل في الخير، يعني: ابن أم مكتوم.
وهو يخشى الله ﷿.
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١٠] تتشاغل، وتعرض عنه.
كلا لا تفعل ذلك، إنها إن آيات القرآن، تذكرة تذكير للخلق.
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] قال ابن عباس: فمن شاء الله ألهمه وفهمه القرآن حتى يذكره ويتعظ به.
ثم أخبر بجلالته عنده، فقال: في صحف كتب، مكرمة قال المفسرون: يعني: اللوح المحفوظ.
مرفوعة يعني: في السماء السابعة، مطهرة لا يمسها إلا المطهرون، وهم الملائكة.
بأيدي سفرة يعني: الكتبة من الملائكة، واحدهم سافر، مثل: كاتب وكتبة، وقال الفراء: السفرة ههنا الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله وبين رسله، من السفارة وهي السعي بين القوم.
ثم أثنى عليهم، فقال: كرام أي: على ربهم، بررة مطيعين، جمع بار، قال مقاتل: كان ينزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر، إلى الكتبة من الملائكة، ثم ينزل به جبريل إلى محمد ﷺ.
﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴿١٧﴾ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴿١٨﴾ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴿١٩﴾ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴿٢٠﴾ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴿٢١﴾ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ﴿٢٢﴾ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴿٢٣﴾ فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴿٢٤﴾ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ﴿٢٥﴾ ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا ﴿٢٦﴾ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ﴿٢٧﴾ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴿٢٨﴾ وَزَيْتُونًا وَنَخْلا ﴿٢٩﴾ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ﴿٣٠﴾ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴿٣١﴾ مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴿٣٢﴾﴾ [عبس: ١٧-٣٢] .
قوله: قتل الإنسان يقول: لعن الكافر.
يعني: عتبة بن أبي لهب، ما أكفره ما أشد كفره بالله، قال الزجاج: معناه: اعجبوا أنتم من كفره.
ثم بين من أمره ما كان ينبغي معه أن يعلم أن الله خالقه، فقال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] لفظه استفهام، ومعناه التقرير.
ثم فسر، فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] أطوارًا نطفة، ثم علقة إلى آخر خلقه، وذكرًا أو أنثى، وشقيًا أم سعيدًا، وقال الكلبي: قدر خلقه، ورأسه، وعينيه،
[ ٤ / ٤٢٣ ]
ويديه، ورجليه.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] قال السدي، ومقاتل: أخرجه من الرحم، وهداه للخروج من بطن أمه.
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] جعل له قبرًا يوارى فيه، ولم يجعله ممن يلقى للسباع والطير.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] بعثه بعد الموت.
كلا قال الحسن: حقًا.
﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] ما عهد إليه في الميثاق الأول، ولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر، فقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] لينظر كيف خلق الله طعامه، الذي جعله سببًا لحياته.
ثم بين، فقال: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ومن فتح أنا فقال الزجاج: الكسر على الابتداء، والاستئناف، والفتح على معنى البدل من الطعام، المعنى: فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا الماء صبا.
وأراد بصب الماء المطر.
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] بالنبات.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] يعني: الحبوب التي يتغذى بها.
وعنبًا وقضبًا وهو القت الرطب يقضب مرة بعد أخرى، يقطع يكون علقًا للدواب.
وزيتونًا وهو ما يعتصر منه الزيت، ونخلًا جمع نخلة.
وحدائق غلبًا يريد: الشجر العظام، الغلاظ الرقاب، وقال مجاهد، ومقاتل: الغلب الملتفة الشجر بعضه في بعض.
وفاكهة يعني: ألوان الفاكهة، وأبا وهو المرعى، والكلأ الذي لم يزرعه الناس مما يأكله الأنعام.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢] أي: منفعة لكم، ولأنعامكم.
ثم ذكر القيامة، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴿٣٣﴾ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿٣٦﴾ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴿٣٧﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴿٣٨﴾ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴿٣٩﴾ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴿٤٠﴾ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴿٤١﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴿٤٢﴾﴾ [عبس: ٣٣-٤٢] .
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] يعني: صيحة القيامة، وهي الصاخة لشدة صوتها تصخ الآذان.
ثم ذكر في أي وقت تجيء، فقال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] إلى قوله: وبنيه أي: لا يلتفت إلى واحد من أدانيه، لعظم ما هو فيه.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] لكل إنسان شأن يشغله عن الأقرباء،
[ ٤ / ٤٢٤ ]
ويصرفه عنهم.
١٢٧٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاكِمِ، نا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا يُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ، وَيَبْلُغُ شَحْمَةَ الْأُذُنِ، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ، قَالَ: شُغِلَ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ، وَتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] .
١٢٧٩ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدُونَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، نا بَقِيُّةُ، عَنِ الزَّبِيدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
[ ٤ / ٤٢٥ ]
فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] .
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] مشرقة، مضيئة، ضاحكة بالسرور، مستبشرة فرحة بما نالت من كرامة الله.
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] سواد، وكآبة للهم، ترهقها تعلوها، وتغشاها، قترة سواد، وكسوف عند معاينة النار.
ثم بين من أهل هذه الحالة، فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] جمع الكافر، والفاجر.
[ ٤ / ٤٢٦ ]