وهي أربعون وخمس آيات، مكية.
٨٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ق هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَارَاتِ الْمَوْتِ وَسَكَرَاتِهِ»
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ق وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ﴿١﴾ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴿٢﴾ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴿٣﴾ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴿٤﴾ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ﴿٥﴾﴾ [ق: ١-٥] .
ق قال المفسرون: هو اسم جبل محيط بالدنيا، من زبرجد أو زمردة، والسماء مقببة عليه، وهو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة.
وحكى الفراء، والزجاج: أن قومًا قالوا: معنى ق قضي الأمر ما هو كائن، كما قيل في حم: حم الأمر.
والقرءان
[ ٤ / ١٦٢ ]
المجيد الكريم على الله، الكثير الخير.
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق: ٢] مفسر في ﴿[ص،] فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [سورة ق: ٢] معجب، عجبوا من كون محمد ﷺ رسولًا إليهم، فأنكروا رسالته، وأنكروا البعث بعد الموت، وهو قوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [ق: ٣] أي: أنبعث إذا متنا؟ ذلك رجع رد إلى الحياة، بعيد غير كائن، أي: يبعد عندنا أن نبعث بعد الموت.
قال الله ﷿: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق: ٤] أي: ما تأكل من لحومهم، ودمائهم، وأشعارهم، يعني: أن ذلك لم يعزب عن علمه، وأخبر أن عنده بذلك كتبًا، فقال: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤] حافظ لعدتهم وأسمائهم، وهو اللوح المحفوظ، وقد أثبت فيه ما يكون.
ثم أخبر بتكذيبهم، فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ [ق: ٥] بالقرآن، ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] مختلط ملتبس، قال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم.
وذكر الزجاج معنى اختلاط أمرهم، فقال: هو أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ مرة: شاعر، ومرة: ساحر، ومرة: معلم.
وللقرآن: إنه سحر، ومرة يقولون: إنه رجز، ومرة يقولون: مفترى.
فكان أمرهم ملتبسًا، مختلطًا عليهم.
ثم دلهم على قدرته على البعث بعظيم خلقه، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴿٦﴾ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴿٧﴾ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴿٨﴾ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ﴿٩﴾ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ﴿١٠﴾ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴿١١﴾﴾ [ق: ٦-١١] .
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق: ٦] بغير عمد، وزيناها بالكواكب، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] فتوق، وشقوق، وصدوع.
والأرض مددناها بسطناها، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق: ٧] جبالًا ثوابت، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] من كل لون حسن.
تبصرة وذكرى قال الزجاج: أي: فعلنا ذلك لنبصر، ونذكر به.
فهي تذكير لكل عبد منيب يرجع إلى الله، ويفكر في قدرته.
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] كثير الخير، وفيه حياة كل شيء، وهو المطر، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] يعني: ما يقتات به، ويحصد من الحبوب، وأراد نبت الحب الحصيد.
[ ٤ / ١٦٣ ]
والنخل باسقات طوالًا، يقال: بسقت النخلة بسوقًا إذا طالت، لها طلع وهو: أول ما يظهر من ثمر النخل قبل أن ينشق، نضيد منضود بعضه على بعض، وذلك قبل أن ينفتح وهو نضيد في أكمامه، فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد.
رزقًا للعباد أي: أنبتنا هذه الأشياء للرزق، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١] يعني: بالمطر أنبتنا الكلأ، كذلك الخروج من القبور، أي: كما خلقنا هذه الأشياء نبعثكم.
ثم ذكر الأمم المكذبة، تخويفًا لكفار مكة، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ﴿١٢﴾ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ﴿١٣﴾ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ﴿١٤﴾ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿١٥﴾﴾ [ق: ١٢-١٥] .
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [ق: ١٢] إلى قوله: وقوم تبع وهو: تبع الحميري، الذي ذكر في قوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧]، كل من هؤلاء المذكورين: ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] أي: وجب عليهم عذابي، وحقت عليهم كلمة العذاب.
ثم أنزل جوابًا لقولهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣]: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ﴾ [ق: ١٥] يعني: أعجزنا حين خلقناهم أولًا ولم يكونوا شيئًا؟ فكيف نعجز عن بعثهم؟ وهذا تقرير لهم، لأنهم اعترفوا بأن الله هو الخالق، وأنكروا البعث، ويقال لكل من عجز عن شيء: عيي به.
ثم ذكر أنهم في شك من البعث بعد الموت، فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] أي: في ضلال وشك عن إعادة الخلق جديدًا.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴿١٦﴾ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿١٧﴾ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴿١٨﴾ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴿١٩﴾ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴿٢٠﴾ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴿٢١﴾ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴿٢٢﴾﴾ [ق: ١٦-٢٢] .
قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ﴾ [ق: ١٦] ابن آدم، ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] يحدث به قلبه، أي: نعلم ما يخفي، ويكن في نفسه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق: ١٦] بالعلم، ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وهو عرق يتفرق في البدن،
[ ٤ / ١٦٤ ]
مخالط للإنسان في جميع أعضاءه، وذلك أن أبعاض الإنسان يحجب بعضها بعضًا، ولا يحجب علم الله عنه شيء.
ثم ذكر أنه مع علمه، وكل به ملكين، يكتبان ويحفظان عليه عمله، إلزامًا للحجة، فقال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق: ١٧] قال مقاتل: يعني: الملكين يتلقيان عمل ابن آدم ومنطقه، أي: يأخذان ذلك ويثبتانه.
والتلقي: الأخذ، ذكر ذلك عند قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] أراد: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، والمراد بالقعيد ههنا: الملازم الذي لا يبرح، لا القاعد الذي هو ضد القائم.
قال مجاهد: عن اليمين كاتب الحسنات، وعن الشمال كاتب السيئات.
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ [ق: ١٨] ما يتكلم عن كلام، فيلفظه، أي: يرميه من فمه، ﴿إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ [ق: ١٨] حافظ، يعني: الملك الموكل به: إما صاحب اليمين، وإما صاحب الشمال، عتيد حاضر معه أينما كان.
٨٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلاءِ، نا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ صَاحِبَ الشِّمَالِ لَيَرْفَعُ الْقَلَمَ سِتَّ سَاعَاتٍ، عَنِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ الْمُخْطِئِ أَوِ الْمُسِيءِ، فَإِنْ نَدِمَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهَا أَلْقَاهَا، وَإِلا كَتَبَ وَاحِدَةً»
٨٧٥ - أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ
[ ٤ / ١٦٥ ]
إِسْمَاعِيلَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ الْقَطَّانُ، نا إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ عَلِيٍّ مَوْلَى عِيسَى الْعَطَّارِ، نا الْمُسَيِّبُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " صَاحِبُ الْيَمِينِ أَمِيرٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ، فَإِذَا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَهَا لَهُ صَاحِبُ الْيَمِينِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً فَأَرَادَ صَاحِبُ الشِّمَالِ أَنْ يَكْتُبَهَا، قَالَ لَهُ صَاحِبُ الْيَمِينِ: أَمْسِكْ، فَيُمْسِكُ عَنْهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ".
٨٧٦ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ، نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا شُرَيْحُ بْنُ يُونُسَ، نا هُشَيْمٌ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمَّازٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَكَّلَ بِعَبْدِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبَانِ عَلَيْهِ، فَإِذَا مَاتَ قَالا: يَا رَبِّ قَدْ قَبَضْتَ عَبْدَكَ فُلانًا، فَإِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: سَمَائِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ مَلائِكَتِي يَعْبُدُونَنِي وَأَرْضِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ خَلْقِي يُطِيعُونَنِي، اذْهَبَا إِلَى قَبْرِ عَبْدِي فَسَبِّحَانِي، وَكَبِّرَانِي، وَهَلِّلانِي، وَاكْتُبَا ذَلِكَ فِي حَسَنَاتِ عَبْدِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ".
قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ [ق: ١٩] أي: غمرته، وشدته التي تغشى
[ ٤ / ١٦٦ ]
الإنسان، وتغلب على عقله، بالحق قال مقاتل: يعني: أنه حق كائن.
ويقال لمن جاءته سكرة الموت: ذلك أي: ذلك الموت، ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] تهرب وتميل، يقال: حاد عنه يحيد حيدًا إذا مال عنه.
قال أبو عباس: تكره.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [ق: ٢٠] يعني: نفخة البعث، ذلك اليوم، يوم الوعيد قال مقاتل: يعني بالوعيد: العذاب في الآخرة.
والمعنى: ذلك يوم وقوع الوعيد.
وجاءت في ذلك اليوم، ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ﴾ [ق: ٢١] يسوقها إلى المحشر، وشهيد يشهد عليها بما عملت، قال الكلبي: السائق هو الذي كان يكتب عليه السيئات، والشهيد الذي كان يكتب الحسنات.
والمراد بالنفس ههنا: نفس الكافر، يدل عليه قوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢] أي: يقال له: لقد كنت في غفلة من هذا اليوم في الدنيا، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] الذي كان في الدنيا يغشي قلبك، وسمعك، وبصرك، ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] فأنت اليوم عالم، نافذ البصر، تبصر ما كنت تنكر في الدنيا.
﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴿٢٣﴾ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴿٢٤﴾ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ﴿٢٥﴾ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴿٢٦﴾ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴿٢٧﴾ قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ﴿٢٨﴾ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴿٢٩﴾ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴿٣٠﴾﴾ [ق: ٢٣-٣٠] .
وقال قرينه يعني: الملك الذي كان يكتب عمله السيئ في الدنيا، يقول لربه: كنت وكلتني به، وقد أحضرته.
وهو قوله: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] يعني: الشخص الذي أتى به، وما بمعنى من، وهذا قول مجاهد، وقال ابن قتيبة: يعني: ديوان أعماله، وما كتبه عليه، يقول: ما كتبته من عمله، حاضر عندي.
يقول الله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] هذا خطاب للواحد بلفظ الثنية على عادة العرب، يقولون للواحد: ارحلاها وازجراها.
والخطاب لخازن النار، وقال الزجاج: هذا أمر للملكين الموكلين به، وهما السائق والشهيد.
كل كفار للنعم، عنيد مجانب للإيمان.
مناع للخير لا يبذل خيره، ولا يعطي في حق الله، معتد آثم ظالم، لا يقر بتوحيد الله، مريب شاك في الحق، وهو توحيد الله، من قولهم: أراب الرجل إذا صار ذا ريب.
قال قرينه يعني: شيطانه، ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ [ق: ٢٧] ما أضللته، وما أغويته، أي: لم أتول ذلك من نفسي، ولكنه كان في الدنيا في ضلال بعيد عن الحق، بخذلانك إياه، وذلك أن شيطانه يعتذر إلى ربه، فيقول: لم تكن لي قوة أن أضله بغير سلطانك.
ومعنى: ضلال بعيد طويل، لا يرجع عنه إلى الحق.
فيقول الله تعالى: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨] وذكر الله اختصامهم في ﴿[الصافات عند قوله:] وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
[ ٤ / ١٦٧ ]
يَتَسَاءَلُونَ ﴿٢٧﴾ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ﴿٢٨﴾﴾ [سورة الصافات: ٢٧-٢٨] الآيات، ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨] قد أخبرتكم على لسان الرسل، بعذابي في الآخرة لمن كفر.
﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] لا خلف لوعدي، وقد قضيت ما أنا قاض عليكم من العذاب، فلا تبديل له، وقال قوم: معنى قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩]: ما يكذب عندي، ولا يغير القول عن جهته، لأني أعلم الغيب، أعلم كيف ضلوا، وكيف أضللتموهم.
وهذا قول الكلبي، واختيار الفراء، وابن قتيبة وهو أظهر، لأنه قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] ولم يقل: ما يبدل قولي، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] فأعاقب من غير جرم.
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ [ق: ٣٠] وقرأ نافع: يقول بالياء، على معنى: يقول الله لجهنم، هل امتلأت قال المفسرون: أراها الله تصديق قوله: لأملأن جهنم، فلما امتلأت، قال لها: هل امتلأت.
﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] أي: قد امتلأت، ولم يبق في موضع لم يمتلئ، وهذا استفهام إنكار، هذا الذي ذكرنا قول عطاء، ومجاهد، ومقاتل بن سليمان، وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: إنها تستزيد إلى ما فيها.
ووجه هذا القول، أن هذا السؤال في قوله: هل امتلأت كان قبل دخول جميع أهلها فيها، ويجوز أن يكون المعنى: أنها طلبت أن يزداد فيها في سعتها، لتضايقها بأهلها.
قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴿٣١﴾ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴿٣٢﴾ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴿٣٣﴾ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ﴿٣٤﴾ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴿٣٥﴾﴾ [ق: ٣١-٣٥] .
وأزلفت الجنة قربت الجنة، وأدنيت للمتقين الشرك، غير بعيد ينظرون إليها قبل دخولها.
ويقال لهم: هذا الذي ترونه: ﴿مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ [ق: ٣٢] راجع عن معاصي الله، قال مجاهد: هو الذي يذكر ذنبه، فيستغفر منه.
وقال سعيد بن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب.
حفيظ يحفظ ذنوبه حتى يرجع عنها، ويستغفر لها، ذكره يحيى بن وثاب، عن ابن عباس.
﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ [ق: ٣٣] أي: هو من خشي، يعني: الأواب
[ ٤ / ١٦٨ ]
الحفيظ، ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق: ٣٣] خافه، وأطاعه، ولم يره، ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣] مخلص، راجع عن معاصي الله إلى طاعة الله.
ادخلوها أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة، بسلام أي: بسلامة من الهموم، والعذاب، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق: ٣٤] في الجنة، لأنه لا موت فيها.
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ [ق: ٣٥] وذلك أنهم يسألون الله حتى تنتهي مسألتهم، فيعطون ما شاءوا، ثم يزيدهم الله من عنده ما لم يسألوه، وهو قوله: ولدنيا مزيد.
٨٧٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، أنا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ، نا زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] قَالَ: يَتَجَلَّى لَهُمْ
ثم خوف كفار مكة، فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ﴿٣٦﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴿٣٧﴾﴾ [ق: ٣٦-٣٧] .
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ [ق: ٣٦] ساروا، وتقلبوا، وطافوا، وأصله من النقب وهو: الطريق، كأنهم سلكوا كل طريق، فلم يجدوا محيصًا عن أمر الله.
قال الزجاج: لم يروا محيصًا من الموت.
وفي هذا إنذار لأهل مكة، وأنهم على مثل سبيلهم، لا يجدون مفرًا
[ ٤ / ١٦٩ ]
من الموت، يموتون فيصيرون إلى عذاب الله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [ق: ٣٧] الذي ذكر من الإهلاك للقرى، لذكرى تذكرة، وموعظة، ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] قال ابن عباس: عقل.
قال الفراء: وهذا جائز في العربية، أن تقول ما لك قلب، وما قلبك معك، أي: ما عقلك معك.
﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ [ق: ٣٧] أي: استمع ما يقال له، يقال: ألق سمعك إلىّ، أي: استمع مني، وهو شهيد شاهد القلب والفهم، وليس بغافل، ولا ساه.
٨٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْقِلٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، نا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، عَنْ شَبِيبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] قَالَ: كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَجْلِسُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَخْرُجُونَ فَيَقُولُونَ: مَاذَا قَالَ آنِفًا؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ قُلُوبُهُمْ
قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ﴿٣٨﴾ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴿٣٩﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴿٤٠﴾ وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴿٤١﴾ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ﴿٤٢﴾ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ﴿٤٣﴾ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴿٤٤﴾ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴿٤٥﴾﴾ [ق: ٣٨-٤٥] .
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [ق: ٣٨] الآية، قال جماعة المفسرين: إن اليهود قالت: خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فلذلك لا يعمل فيه شيئًا.
فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] يقال: لغب يلغب لغوبًا، إذا أعيا من التعب.
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩] في بهتهم وكذبهم، وهذا من قبل أن أمر بالقتال، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [ق: ٣٩] صل حمدًا لله تعالى، ﴿قَبْلَ طُلُوعِ
[ ٤ / ١٧٠ ]
الشَّمْسِ﴾ [ق: ٣٩] يعني: الفجر، وقبل الغروب يعني: الظهر، والعصر.
٨٧٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعَفْرٍ، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْفَقِيهُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْبَلَوِيُّ، نا أَبُو شِهَابٍ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَنْ صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ فَافْعَلُوا، وَقَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَاصِمِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [ق: ٤٠] يعني: المغرب والعشاء، وإدبار السجود بكسر الهمزة، مصدر أدبر الشيء إدبارًا إذا ولى، ومن فتح الهمزة جعله جمع دبر، بمعنى: خلف، قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الوتر، الذي جعله الله تعالى سنة بعد الصلاة.
وأكثر المفسرين على أن المراد به: ركعتان بعد صلاة المغرب، وروي ذلك مرفوعًا.
٨٨٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
[ ٤ / ١٧١ ]
إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، نا أَبُو كُرَيْبٍ، نا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ رُشْدِ بْنِ كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ «رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلاةِ الْغَدَاةِ إِدْبَارُ النُّجُومِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ إِدْبَارُ السُّجُودِ»
واسمتع أي: صيحة القيامة، والبعث، والنشور، ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١] قال مقاتل: هو إسرافيل ينادي بالحشر، فيقول: يأيها الناس، هلموا إلى الحساب.
﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] قال قتادة: كنا نحدث أنه ينادي من صخرة بيت المقدس.
قال الكلبي: وهي أقرب الأرض إلى السماء باثني عشر ميلًا.
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ٤٢] يعني: قول المنادي: يا أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، إن الله يأمركن، أن تجتمعن لفصل القضاء.
وقوله: بالحق قال الكلبي: بالبعث.
وقال مقاتل: يعني: أنها كائنة حقًا.
﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] من القبور.
قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ [ق: ٤٣] أراد نميت في الدنيا، ونحيي بالبعث، وإلينا المصير بعد البعث.
وهو قوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ [ق: ٤٤] أي: خارجين سراعًا يسرعون إلى الداعي، ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤] جمع علينا هين.
ثم عزى نبيه ﷺ، فقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [ق: ٤٥] في تكذيبك، يعني: كفار مكة، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥] بمسلط، قال ابن عباس: لم تبعث لتجبرهم على الإسلام، إنما بعثت مذكرًا.
وذلك قبل أن يؤمر بالقتال، فذكر بالقرءان فعظ به، ﴿مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] ما أوعدت من عصاني من العذاب.
[ ٤ / ١٧٢ ]