وهي ثلاثون وثمان آيات، مدنية.
٨٤٠ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» .
بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿١﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴿٢﴾ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ﴿٣﴾﴾ [محمد: ١-٣] .
الذين كفروا بتوحيد الله، وصدوا الناس، ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ١] الإيمان، والإسلام، يعني: مشركي قريش، أضل أعمالهم أبطلها، وأذهبها حتى كأنها لم تكن، إذ لم يروا في الآخرة لها ثوابًا، وأراد بأعمالهم: إطعامهم الطعام، وصلتهم الأرحام.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [محمد: ٢] يعني: أصحاب النبي ﷺ، ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢] من آيات القرآن، وهو الحق الصدق، من ربهم من عند ربهم، ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [محمد: ٢] سترها عنهم: بأن غفرها لهم، فلا يحاسبون عليها يوم القيامة، كما أضل أعمال الكفار، وأصلح بالهم قال المبرد: البال الحال ههنا.
قال ابن عباس: عصمهم أيام حياتهم، يعني: أن هذا الإصلاح يعود إلى إصلاح أعمالهم حتى لم يعصوا، ويعود إلى إصلاح حالهم في الدنيا من إعطاء المال.
ثم ذكر السبب في ذلك، فقال:
[ ٤ / ١١٨ ]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٣] أي: ذلك الإصلاح والإضلال، باتباع الكافرين الشرك، وعبادة الشيطان، واتباع المؤمنين التوحيد، والقرآن، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ [محمد: ٣] قال الزجاج: كذلك يبين الله للناس أمثال حسنات المؤمنين، وإضلال أعمال الكافرين.
يعني: أن من كان كافرًا أضل الله عمله، ومن كان مؤمنًا كفر سيئاته، كما ذكر ههنا في الفريقين.
ثم علم المؤمنين كيف يصنعون بالكافرين إذا لقوهم، فقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿٤﴾ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴿٥﴾ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴿٦﴾﴾ [محمد: ٤-٦] .
﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٤] أي: في القتال، فضرب الرقاب أي: فاضربوا رقابهم، والمعنى: اقتلوهم، لأنه أكثر مواضع القتل ضرب العنق، فإن ضربه على مقتل آخر كان كما لو ضرب عنقه، لأن القصد قتله، ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ [محمد: ٤] بالغتم في قتلهم، وأكثرتم القتل، فشدوا الوثاق يعني: في الأسر، والأسر يكون بعد المبالغة في القتل، كما قال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، والوثاق اسم من الإيثاق، يقال: أوثقه إيثاقًا ووثاقًا إذا شد أسره، كيلا يفلت، ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] أي: بعد أن تأسروهم، إما مننتم عليهم منًا فأطلقتموهم بغير عوض، وإما أن تفدوا فداء، قال الوالبي، عن ابن عباس: لما كثر المسلمون، واشتد سلطانهم، أنزل الله على نبيه في الأسارى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] فجعل الله النبي ﷺ، والمؤمنين بالخيار في الأسارى: إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادوهم.
ويجوز الإطلاق بغير فداء، لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ [محمد: ٤] والإمام يتخير في الأسارى البالغين من الكفار بين هذه الخلال الأربع: من القتل، والاسترقاق، والفداء، والمن وذهب جماعة من المفسرين إلى نسخ المن والفداء بالقتل، لقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ [الأنفال: ٥٧] الآية، وهو قول قتادة، ومجاهد، والحسن، والسدي.
قال أبو عبيد: لم يزل رسول الله
[ ٤ / ١١٩ ]
ﷺ عاملًا بهذه الأحكام كلها من القتل، والفداء، والمن، حتى توفاه الله على ذلك، ولا نعلمه نسخ شيئًا منها.
وقوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] قال ابن عباس: حتى لا يبقى أحد من المشركين.
وقال مجاهد: حتى لا يكون دين إلا دين الإسلام.
وقال سعيد بن جبير: يعني: خروج المسيح.
ومعنى الآية: حتى تضع حربكم، وقتالكم أوزار المشركين، وقبائح أعمالهم بأن يسلموا، فلا يبقى دين غير الإسلام، ولا يعبد وثن، وهذا كما قال النبي ﷺ: «الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن تقاتل آخر أمتي الدجال» .
قال الزجاج: أي: اقتلوهم وأسروهم حتى يؤمنوا، فما دام الكفر فالحرب قائمة أبدًا.
وقال الفراء: المعنى: حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم.
وقوله: ذلك أي: الأمر ذلك الذي ذكرنا، ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ [محمد: ٤] أن أنه قادر على الانتصار من الكفار بإهلاكهم، وتعذيبهم بما شاء، ولكن أمركم بالحرب، ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] قال ابن عباس: يريد من قتل من المؤمنين صار إلى الثواب، ومن قتل من المشركين صار إلى العذاب.
والمعنى: أن الله تعالى ابتلى الفريقين أحدهما بالآخرة، ليثيب المؤمن، ويكرمه بالشهادة، ويخزي الكافر بالقتل، وَالَّذِينَ قَاتلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ جاهدوا المشركين، ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] كما أضل أعمال الكافرين، وقرأ أبو عمرو ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا﴾ [محمد: ٤] والوجه قراءة العامة، لأنها تشمل من قاتل ممن قتل ولم يقتل، وقراءة أبي عمرو تخص المقتولين.
[ ٤ / ١٢٠ ]
ولأن الله تعالى قال: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٥]، قال ابن عباس: سيهديهم إلى أرشد الأمور، ويعصمهم أيام حياتهم في الدنيا.
وهذا لا يحسن في وصف المقتولين.
ويدخلهم الجنة في الآخرة، عرفها لهم بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال، وذلك أنهم إذا دخلوا الجنة، تفرقوا إلى منازلهم، فكانوا أعرف بها من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم، هذا قول عامة المفسرين.
وروى عطاء، عن ابن عباس، قال: يريد طيبها لهم.
وهذا من العرف وهو الرائحة الطيبة، وطعام معرف، أي: مطيب، والمعنى: طيبها لهم بما خلق فيها من الروائح الطيبة.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴿٧﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿٨﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴿٩﴾﴾ [محمد: ٧-٩] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ [محمد: ٧] تنصروا دينه، ورسوله، ينصركم على عدوكم، ويثبت أقدامكم عند القتال.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٨] قال المبرد: فمكروها لهم وسوءًا.
وهذا إنما يقال لمن دعي عليه بالشر والهلكة، يقال: تعس يتعس تعسًا، إذا انكب وعثر.
قال ابن عباس: يريد في الدنيا العثرة، وفي الآخرة التردي في النار.
وأضل أعمالهم ذكرنا تفسيره.
ذلك التعس والإضلال، ﴿بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [محمد: ٩] على نبيه محمد ﷺ، وبين من الفرائض من الصلاة والزكاة، فأحبط أعمالهم لأنها لم تكن في إيمان.
ثم خوف كفار مكة، بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴿١٠﴾ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ ﴿١١﴾ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴿١٢﴾ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً
[ ٤ / ١٢١ ]
مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ ﴿١٣﴾﴾ [محمد: ١٠-١٣] .
أفلم يسيروا إلى قوله: وللكافرين أمثالها أي: أمثال عاقبة الأولين، من إهلاكهم بالعذاب، والتدمير عليهم.
ثم ذكر سبب نصر المؤمنين، فقل: ذلك النصر، ﴿بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١] وليهم، وناصرهم، ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] لا ولي، ولا ناصر لهم.
٨٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، أنا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا الْعَسْكَرِيُّ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ الْكَوَّاءِ: مَنْ رَبُّ النَّاسِ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ مَوْلَى النَّاسِ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: كَذَبْتَ، اللَّهُ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَإِنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ
ثم ذكر ما للفريقيين، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١٢] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ [محمد: ١٢] أي: في الدنيا، ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ﴾ [محمد: ١٢] تأكل وتشرب، ولا تدري ما في غد، كذلك الكفار لا يلتفتون إلى الآخرة، ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] منزل، ومقام، ومصير.
ثم خوفهم ليحذروا، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ﴾ [محمد: ١٣] يعني: مكة، التي أخرجتك أخرجك أهلها، الكلام على القرية والمراد الأهل، قال ابن عباس: كم من رجال هم أشد من أهل مكة.
ولهذا قال: أهلكناهم فكنى عن الرجال، قال مقاتل: أي: بالعذاب حين كذبوا رسولهم.
﴿فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] قال ابن عباس: لم يكن لهم ناصر.
ثم ذكر ما بين المؤمن والكافر، فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴿١٤﴾ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴿١٥﴾﴾ [محمد: ١٤-١٥] .
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [محمد: ١٤] يقين من دينه، ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤] يعني: عبادة الأوثان، واتبعوا أهواءهم في عبادتها.
ثم وصف الجنات التي وعدها المؤمنين بقوله: مثل الجنة أي: صفتها، وقد تقدم تفسير هذا في ﴿[الرعد،] الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة محمد: ١٥] قال الكلبي، ومقاتل: هم أمة النبي محمد ﷺ يتقون الشرك.
﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] يقال: أسن الماء، يأسن ويأسن أسنًا وأسنًا وأسونا إذا تغير، وهو الذي لا يشربه أحد من نتنه فهو آسن وأسن، مثل حاذر وحذر، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥] لم يحمض، كما يتغير ألبان أهل الدنيا، لأنها لم تخرج من ضروع الإبل والغنم،
[ ٤ / ١٢٢ ]
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] لذيذة لهم، كما قال: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات: ٤٦]، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] من العكر والكدر، ولهم فيها في الجنة، ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ [محمد: ١٥] قال الفراء: أراد: أمن كان في هذا النعيم، كمن هو خالد في النار؟ ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ [محمد: ١٥] شديد الحر، تستعر عليه جهنم منذ خلقت، فقطع أمعاءهم في الجوف، من شدة الحر.
٨٤٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَايِعُ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ حَلِيمٍ الْمَرْوَزِيُّ، نا أَبُو الْمُوَجَّهِ، أنا عَبْدَانُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " إِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [مُحَمَّد: ١٥] .
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن الفضل، أنا عبد المؤمن بن خلف، أنا أبو العباس أحمد بن محمد المسروقي، حدثني علي بن يحيى، عن محمد بن عبيد الله الكاتب، قال: قدمت من مكة، فلما صرت إلى طيزناباذ، ذكرت بيت أبي نواس:
بطيزناباذ كرم ما مررت به إلا تعجبت ممن يشرب الماء
فهتف بي هاتف، أسمع صوته، ولا أراه:
[ ٤ / ١٢٣ ]
وفي الجحيم حميم ما تجرعه حلق فأبقى له في البطن أمعاء
والأمعاء: جميع ما في البطن من الحوايا، وأحدها معاء.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴿١٦﴾ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴿١٧﴾ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ﴿١٨﴾ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴿١٩﴾﴾ [محمد: ١٦-١٩] .
ومنهم يعني: من المنافقين، كانوا يستمعون إلى خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة، وكان يعرض بهم، ويعينهم، فإذا خرجوا من المسجد، قالوا لأولي العلم من الصحابة: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦] أي: الساعة، ومعنى الآنف من الائتناف، يقال: ائتنفت الأمر، أي: ابتدأته، وأصله من الأنف وهو ابتداء كل شيء، وإنما سألوا أولي العلم، لأنهم لم يعقلوا ما قاله النبي ﷺ، لمنع الله تعالى إياهم عن ذلك، وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦] قال مقاتل: ختم الله على قلوبهم بالكفر، فلا يعقلون الإيمان.
﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] في الكفر والنفاق.
والذين اهتدوا يعني: أهل الإسلام، زادهم ما قال الرسول ﷺ، هدى قال الضحاك: كلما أتاهم من الله تنزيل فرحوا به، فزادهم الله به هدى.
وآتاهم تقواهم وفقهم للعمل بما أمروا به، وهو التقوى، ويجوز أن يكون المعنى: وآتاهم ثواب تقواهم، أي: في الآخرة.
ثم خوف كفار مكة بقرب الساعة، وأنها إذا أتت لم يقبل منهم شيء، فقال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [محمد: ١٨] وقد تقدم تفسير هذا في آي كثيرة، وقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] أي: علاماتها واحدها شرط، قال ابن عباس: معالمها.
يريد أن النبي ﷺ من أشراطها، وقد قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين» .
وقال مقاتل: يعني: أعلامها من انشقاق القمر، والدخان، وخروج النبي ﷺ، فقد عاينوا هذا كله.
﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨] قال قتادة: يقول: أني لهم أن يتذكروا، أو يتوبوا إذا جاءتهم الساعة.
وقال عطاء: من أين لهم التوبة إذا جاءتهم الساعة؟ ومثله قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣] .
وقوله: ﴿فَاعْلَمْ
[ ٤ / ١٢٤ ]
أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] قال الزجاج: الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره، ويجوز أن يكون المعنى: أقم على ذلك العلم، واثبت عليه.
ويجوز أن يكون هذا متعلقًا بما قبله، على معنى: إذا جاءتهم الساعة ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، يعني: أن الممالك تبطل عند ذلك، فلا ملك، ولا حكم لأحد إلا الله تعالى، واستغفر لذنبك إنما أمر بالاستغفار مع أنه مغفور له، لتستن به أمته في الاستغفار.
٨٤٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ حَمْدَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [مُحَمَّد: ١٩] الدَّوَامُ وَالثَّبَاتُ عَلَيْهِ.
٨٤٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحِذَامِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ السُّكَّرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَسَدِيُّ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ﵁ وَتَلا قَوْلَ اللَّهِ ﷿: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [مُحَمَّد: ١٩] ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [مُحَمَّد: ١٩]، قَالَ: كُنْتُ رَجُلا ذَرِبَ اللِّسَانِ عَلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَخْشَى أَنْ يُدْخِلَنِي لِسَانِي النَّارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ؟ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»
وقوله: وللمؤمنين والمؤمنات هذا إكرام من الله تعالى لهذه الأمة، حين أمر نبيهم ﷺ أن يستغفر لذنوبهم، وهو الشفيع المجاب فيهم، ثم أخبر عن علمه بأحوال الخلق ومآلهم، بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩] قال ابن عباس: متصرفكم في أعمالكم في الدنيا، ومصيرهم في الآخرة، إلى الجنة أو إلى النار.
وقال مقاتل: منتشركم بالنهار، ومأواكم بالليل.
والمعنى: أنه عالم بجميع أحوالكم، فلا يخفى عليه شيء منها.
[ ٤ / ١٢٥ ]
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ﴿٢٠﴾ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴿٢١﴾ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴿٢٢﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴿٢٣﴾ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴿٢٤﴾﴾ [محمد: ٢٠-٢٤] .
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ [محمد: ٢٠] قال ابن عباس: إن المؤمنين سألوا ربهم أن ينزل ﴿[فيها ثواب القتال في سبيل الله.
قال الله تعالى:] فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ [سورة محمد: ٢٠] أي: لم ينسخ منها شيء، ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [محمد: ٢٠] وهم المنافقون، ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠] قال ابن قتيبة، والزجاج: يريد: أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم، وينظرون نظرًا شديدًا، كما ينظر الشاخص بصره عند الموت، وإنما ذلك لأنهم منافقون، يكرهون القتال.
فأولى لهم تهديد، ووعيد لهم، قاله مقاتل، والكلبي، وقتادة.
قال الأصمعي: معنى قولهم في التهديد أولى لك، أي: وليك، وقاربك ما تكره.
﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١] ابتداء محذوف الخبر، تقديره: طاعة وقول معروف أمثل وأحسن، والمعنى على هذا: أن الله تعالى، قال: لو أطاعونا، وقالوا قولًا معروفًا، كان أمثل وأحسن.
ويجوز أن يكون هذا متصلًا بما قبله، على معنى: فأولى لهم طاعة الله ورسوله وقول معروف بالإجابة، أي: لو أطاعوا كانت الطاعة والإجابة أولى لهم، وهذا معنى قول ابن عباس، في رواية عطاء، واختيار الكسائي، ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١] أي: جد الأمر، ولزم فرض القتال، وصار الأمر معزومًا عليه، وجواب إذا محذوف، يدل عليه قوله: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١] وتقديره: فإذا عزم الأمر نكلوا، أو كذبوا فيما وعدوا من أنفسهم، ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ [محمد: ٢١] في إيمانهم وجهادهم، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١] من المعصية، والكراهية.
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢] يقول: فلعلكم، إن توليتم أعرضتم عن الإسلام، وما جاء به محمد ﷺ، ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي
[ ٤ / ١٢٦ ]
الأَرْضِ﴾ [محمد: ٢٢] يعني: تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية فتفسدوا، ويقتل بعضكم بعضًا، وهو قوله تعالى: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] وكأن الله تعالى يذكر منته عليهم بالإسلام حين جمعهم به، وأكرمهم بالألفة، بعدما كانوا عليه من القتل، والبغي، وقطيعة الرحم، فيقول: لعلكم إذا كرهتم الإسلام، تريدون أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه.
ثم ذم من يريد هذا، بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] فلا يسمعون الحق، ولا يهتدون لرشد.
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ [محمد: ٢٤] فيعرفوا ما أعد الله للمتمسك بالإسلام، ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] قال مقاتل: يعني: الطبع على القلب.
والأقفال استعارة لانغلاق القلب عن معرفة الإسلام والقرآن، ومعنى تنكير القلوب: إرادة قلوب هؤلاء، ومن كان مثلهم من غيرهم، وفي إضافة الأقفال إلى القلوب تنبيه على أن المراد بها ما هو للقلوب بمنزلة الأقفال للأبواب، إذ ليست للقلوب أقفال حقيقية، ومعنى الاستفهام في قوله: أم: الإخبار أنها كذلك، لأن معنى أم ههنا: بل.
٨٤٥ - أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، أنا أَبُو يَزِيدَ الْخَالِدِيُّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، نا وُهَيْبٌ، نا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقْرِئُ شَابًّا فَقَرَأَ: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [مُحَمَّد: ٢٤] فَقَالَ الشَّابُّ: عَلَيْهَا أَقْفَالُهَا حَتَّى يُفَرِّجَهَا اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقْتَ»
ثم ذكر اليهود، وسوء عاقبتهم حين ارتدوا بعد المعرفة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ﴿٢٥﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴿٢٦﴾ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴿٢٧﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴿٢٨﴾﴾ [محمد: ٢٥-٢٨] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ [محمد: ٢٥] رجعوا كفارا، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥] ظهر لهم أمر النبي ﷺ بنعته، وصفته في كتابهم، ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥] زين لهم القبيح، وأملى لهم الله أمهلهم موسعًا عليهم، ليتمادوا في طغيانهم، ولم يعجل عليهم بالعقوبة، كما قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] ويحسن الوقف على قوله: ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥] لأنه فعل الشيطان، والإملاء فعل الله تعالى.
وعلى قول الحسن لا يحسن الوقف، لأنه يقول في تفسير وأملى لهم: مد لهم الشيطان في الأمل.
وقرأ أبو عمرو وأملي لهم على ما لم
[ ٤ / ١٢٧ ]
يسم فاعله، وهي حسنة للفصل بين فعل الشيطان وفعل الله، ويعلم يقينًا أنه لا يؤخر أحد مدة أحد، ولا يوسع فيها إلا الله ﷿، وإن كان قد بني الفعل للمفعول.
وقوله: ذلك أي: ذلك الإملاء لليهود، ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ [محمد: ٢٦] يعني: المشركين، ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾ [محمد: ٢٦] يعنى: في التعاون على عداوة محمد ﷺ، وهم قالوا ذلك سرًا فيما بينهم، فأخبر الله به عنهم، وأعلم أنه يعلم ذلك، فقال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أسرارَهُمْ وقرئ بكسر الألف على المصدر.
ثم خوفهم، فقال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [محمد: ٢٧] أي: فكيف يكون حالهم، ﴿إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧] وقد مر تفسيره.
ثم ذكر سبب ذلك الضرب، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨] قال ابن عباس: بما كتموا من التوراة، وكفروا بمحمد ﷺ، ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨] كرهوا ما فيه رضوان الله وهو الطاعة والإيمان، وإذا كرهوا ما فيه الرضوان فقد كرهوا الرضوان، ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨] التي كانوا يعملونها من صلاة، وصدقة، وصلة رحم، لأنها في غير إيمان.
ثم رجع إلى ذكر المنافقين، فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ﴿٢٩﴾ وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴿٣٠﴾ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴿٣١﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ﴿٣٢﴾﴾ [محمد: ٢٩-٣٢] .
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد: ٢٩] أن لن يطلع الله على ما في قلوبهم، من الحقد والعداوة لرسول الله ﷺ، وللمؤمنين، ومعنى يخرج الله: يظهر الله ذلك من ستر الكتمان، والضغن والضغينة: الحقد.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ [محمد: ٣٠] لأعلمناكهم، ولعرفناكهم، فلعرفتهم بسيماهم قال الزجاج: المعنى: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة وهي السيماء، فلعرفتهم بتلك العلامة.
﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] قال أبو زيد يقال: لحنت له ألحن إذا
[ ٤ / ١٢٨ ]
قلت له قولًا يفقهه عنك، ويخفى على غيره.
ولحن القارئ فيما قرأ إذا ترك الإعراب الصواب وعدل عنه، قال المفسرون: ولتعرفنهم في فحوى القول ومعناه، ومقصده، ومغزاه، وما يعرضون به من تهجين أمرك، وأمر المسلمين والاستهزاء بهم.
وكان بعد هذا لا يتكلم منافق عنده إلا عرفه بكلامه لما نبهه الله على ذلك بقوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] استدل بفحوى كلامهم على فساد دخيلتهم.
ولنبلونكم ولنعاملنكم معاملة المختبر، بأن نأمركم بالقتال والجهاد، حتى يتبين المجاهد، والصابر على دينه، من غيره وهو قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] أي: العلم الذي هو علم وجود، وهو الذي يقع به الجزاء، ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] أي: نظهرها، ونكشفها، بإباء من يأبى القتال، ولا يصبر على الجهاد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ٣٢] يعني: قريظة والنضير، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٣٢] بما بين لهم في التوراة، ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [محمد: ٣٢] إنما يضرون أنفسهم، بتركهم الهدى، وسيحبط الله أعمالهم، فلا يرون لها في الآخرة ثوابًا.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴿٣٣﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴿٣٤﴾﴾ [محمد: ٣٣-٣٤] .
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ٣٣] إلى قوله: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] قال عطاء: بالشك والنفاق.
وقال الكلبي: بالرياء، والسمعة.
وقال الحسن: بالمعاصي والكبائر.
وقال أبو العالية: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضر مع الإخلاص لله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فخافوا الكبائر بعد أن تحبط الأعمال.
ثم قال للمسلمين: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴿٣٥﴾ إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ﴿٣٦﴾ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ﴿٣٧﴾ هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴿٣٨﴾﴾ [محمد: ٣٥-٣٨] .
[ ٤ / ١٢٩ ]
﴿فَلا تَهِنُوا﴾ [محمد: ٣٥] لا تضعفوا، ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] لا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداء، قال الزجاج: منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا.
وأنتم الأعلون الغالبون، قال الكلبي: آخر الأمر لكم، وإن غلبوكم في بعض الأوقات.
والله معكم بالعون، والنصرة على عدوكم، ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] لن ينقصكم شيئًا من ثواب أعمالكم، يقال: وتره يتره وترًا، وترة إذا نقصه حقه، قال مقاتل بن حيان: لن يظلمكم أعمالكم الصالحة.
أي: يؤتيكم أجورهم.
ثم حض على طلب الآخرة، فقال: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] باطل وغرور، وتفنى وتزول عن قريب، وإن تؤمنوا بمحمد ﷺ، وتتقوا الفواحش والكبائر، يؤتكم أجوركم بجزاء أعمالكم في الآخرة، ﴿وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] كلها في الصدقة.
﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ﴾ [محمد: ٣٧] يجهدكم بمسألة جميعها، يقال: أحفى فلان فلانًا إذا أجهده، وألحف عليه بالمسألة، تبخلوا بها فلا تعطوها، قال السدي: إن يسألكم جميع ما في أيديكم ﴿تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد: ٣٧] ويظهر بغضكم، وعداوتكم لله ورسوله، ولكنه فرض عليكم يسيرًا: ربع العشر.
قال قتادة: علم الله تعالى أن في مسألة الأموال خروج الأضغان.
﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ٣٨] يعني: ما فرض عليهم في أموالهم، أي: إنما تؤمرون بإخراج ذلك، وإنفاقه في طاعة الله، ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ [محمد: ٣٨] بما فرض عليه من الزكاة، ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨] قال مقاتل: إنما يبخل بالخير، والفضل في الآخرة عن نفسه.
والله الغني عما عندكم من الأموال، وأنتم الفقراء إليه، وإلى ما عنده من الخير والرحمة، وإن تتولوا عن الإسلام، وعما افترضت عليكم من حقي، ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] أمثل، وأطوع لله منكم، ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] بل يكونون خيرًا منكم وأطوع، قال الكلبي: لم يتولوا، ولم يستبدل بهم.
٨٤٦ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، نا جَدِّي، أنا عَلِيُّ بْنُ
[ ٤ / ١٣٠ ]
حُجْرٍ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيحٍ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ إِنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُوا ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَنَا؟ قَالَ: وَكَانَ سَلْمَانُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى فَخِذِ سَلْمَانَ، فَقَالَ: «هَذَا وَقَوْمُهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ» .
[ ٤ / ١٣١ ]