مدنية وآياتها مائتان
١٣٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا أَمَانًا عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ»
١٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقُرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ وَإِنَّهُمَا يُظِلانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ غَيَابَتَانِ، أَوْ فِرْقَانِ، مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ»
[ ١ / ٤١١ ]
﴿الم ﴿١﴾ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴿٢﴾ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ﴿٣﴾ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴿٤﴾ إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ﴿٥﴾ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٦﴾﴾ [آل عمران: ١-٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم وتفسير الم قد تقدم، وكذلك تفسير ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] .
وقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٣] يعني القرآن، وإنما قال: نزل.
ثم قال: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ [آل عمران: ٣] لأن التنزيل للتكثير، والقرآن نزل نجوما شيئا بعد شيء، والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة.
وقوله: بالحق أي: بالصدق في أخباره وجميع دلالاته، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] موافقا لما تقدم الخبر به في سائر الكتب، وفي ذلك دليل على صحة نبوة محمد ﷺ.
وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] من مجاز الكلام، وذلك أن ما بين يديك فهو أمامك، فقيل لكل ما تقدم على الشيء: هو بين يديه.
﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ [آل عمران: ٣] وهي اسم لكتاب موسى، والإنجيل اسم لكتاب عيسى.
من قبل من قبل القرآن هدى للناس هاديين لمن آمن بهما إلى طريق الحق، ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٤] يعني كتاب محمد ﷺ الذي فرق بين الحق والباطل.
قال السدي: في الآية تقديم وتأخير، لأن التقدير: وأنزل التوراة والإنجيل وأنزل الفرقان هدى للناس.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤] بمحمد ﷺ والقرآن، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٤] في النار، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ [آل عمران: ٤] غالب قوي، ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٤] ممن كفر به، يقال: انتقم منه انتقاما، إذا كافأه عقوبة بما صنع.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥] لا يغيب عن علمه شيء فيهما.
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ﴾ [آل عمران: ٦] جمع رحم، وهي مستقر الولد في بطن الأم، كيف يشاء ذكرا أو
[ ١ / ٤١٢ ]
أنثى، قصيرا أو طويلا، أسود أو أبيض، سعيدا أو شقيا، ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ [آل عمران: ٦] في ملكه، الحكيم في خلقه.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ﴿٧﴾ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴿٨﴾ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴿٩﴾﴾ [آل عمران: ٧-٩] قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] قال ابن عباس، في رواية عطاء المحكمات: هي الثلاث آيات في آخر ﴿[الأنعام] قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ [سورة الأنعام: ١٥١] إلى آخر الآيات الثلاث.
وهذه الآيات محكمات لأنها لا تحتمل من التأويل غير وجه واحد.
قال ابن الأنباري: الآية المحكمة: التي منعت كثرة التأويلات، لأنها لا تحتمل إلا تفسيرا واحدا.
﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] أي: أصل الكتاب الذي يعمل عليه، والآيات الثلاث في الأنعام هن أم كل كتاب أنزله الله على النبي، فيهن كل ما أحل وفيهن كل ما حرم.
ووحد الأم بعد قوله: هن لأنهن بكمالهن أم، وليست كل واحدة منهن أم الكتاب على انفرادها.
[ ١ / ٤١٣ ]
وقوله: وأخر جمع أخرى، متشابهات يريد: التي تشابهت على اليهود، وهي حروف التهجي في أوائل السور، وذلك لأنهم أولوها على حساب الجمل، وطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة، فاختلط عليهم واشتبه.
والمتشابه من القرآن: ما احتمل من التأويل أوجها، وسمي متشابها لأن لفظه يشبه لفظ غيره، ومعناه يخالف معناه، قال الله تعالى في وصف ثمار الجنة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] أي: متفق المناظر مختلف الطعوم.
ثم يقال لكل ما غمض ودق: متشابه.
وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره، ألا ترى أنه قيل للحروف المقطعة في أوائل السور: متشابه.
وليس الشك فيها لمشاكلتها غيرها والتباسها به.
وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] أي: ميل عن الحق، وهم اليهود، طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجه من الحروف المقطعة، وهو قوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] قال مجاهد: طلب اللبس ليضلوا به جهالهم.
﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] التأويل: التفسير، ومعناه: ما يئول إليه الشيء، أي: يرجع، قال ابن عباس: وابتغاء تأويله: طلب مدة أجل أمة محمد ﷺ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] يريد: ما يعلم انقضاء مدة ملك أمة محمد ﷺ إلا الله، لأن انقضاء ملك هذه الأمة مع قيام الساعة، ولا يعلم ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل.
ثم ابتدأ وقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] أي: الثابتون فيه، والرسوخ في اللغة: الثبوت في الشيء.
وعند أكثر المفسرين: المراد بالراسخين: علماء مؤمني أهل الكتاب، قال ابن عباس ومجاهد والسدي:
[ ١ / ٤١٤ ]
بقولهم آمنا به سماهم الله تعالى راسخين في العلم، فرسوخهم في العلم: قولهم: آمنا به أي: بالمتشابه، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] المحكم والمتشابه وما علمناه وما لم نعلمه.
١٤١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْهِسِنْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: فَوَجْهٌ حَلالٌ وَحَرَامٌ لا يَسَعُ أَحَدًا جَهَالَتُهُمَا، وَوَجْهٌ عَرَبِيٌّ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ، وَوَجْهُ تَأْوِيلٍ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَوَجْهُ تَأْوِيلٍ لا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ فَمَنِ انْتَحَلَ فِيهِ عِلْمًا فَقَدْ كَذَبَ
وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] أي: ما يتعظ بالقرآن إلا ذوو العقول.
قوله: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] أي: ويقول الراسخون: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] .
لا تملها عن الهوى والقصد كما أزغت قلوب اليهود والنصارى والذين في قلوبهم زيغ، ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] للإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك.
وروت أم سلمة أن النبي ﷺ كان يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» .
ثم قرأ: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] .
[ ١ / ٤١٥ ]
قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩] يعني: يوم القيامة يجمعهم الله للجزاء في ذلك اليوم، وهذا إقرار من المؤمنين بالبعث، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩] يعني: ميعاد الجمع والبعث.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴿١٠﴾ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿١١﴾ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿١٢﴾ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ ﴿١٣﴾﴾ [آل عمران: ١٠-١٣] قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٠] قال ابن عباس: يعني قريظة والنضير.
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] لن تنفع ولن تدفع عنهم أموالهم، ﴿وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠] قال الكلبي: من عذاب الله.
﴿شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠] أي: هم الذين توقد بهم النار.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: ١١] قال ابن عباس ومجاهد والسدي: كفعل آل فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب، يريد: أن اليهود كفرت بمحمد ﷺ كعادة آل فرعون في تكذيب موسى بعدما عرفوا صدقه.
والمعنى: دأبهم في الكفر كدأب آل فرعون، والدأب معناه في اللغة: الأمر والشأن والعادة، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١] يعني كفار الأمم الخالية، ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران: ١١] .
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٢] قال ابن عباس: يعني يهود المدينة، وقال مقاتل: يعني مشركي مكة.
﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] ستصيرون مغلوبين بنصرة الله المؤمنين عليكم، وقد فعل ذلك، فاليهود غلبوا بوضع الجزية عليهم، والمشركون غلبوا بالسيف.
قوله: ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١٢] وعيد لهم بالنار.
[ ١ / ٤١٦ ]
وقرئ بالتاء والياء، قال الفراء: يجوز في مثل هذا التاء والياء، لأنك تقول في الكلام: قل لعبد الله أنه قائم وأنك قائم.
وفي حرف عبد الله قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف قوله: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢] قال ابن عباس: بئس ما قد مهد لكم وبئس ما مهدتم لأنفسكم.
قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] يخاطب الذين ذكرهم في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٢] وأراد بالآية: علامة تدل على صدق محمد ﷺ.
﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣] يعني: رسول الله ﷺ وأصحابه يوم بدر، ومشركي مكة حين خرجوا لقتاله، ﴿الْتَقَتَا﴾ [آل عمران: ١٣] اجتمعتا، ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٣] وهم المؤمنون، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] يعني المشركين، ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣] ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة، ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣] وهم كانوا ثلاثة أمثالهم.
ولكن الله أرى المسلمين أن المشركين لا يزيدون عن مثليهم، وذلك أن الله كان قد أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار فأراهم المشركين على قدر ما أعلمهم أنهم يغلبونهم لتقوى قلوبهم.
ومن قرأ ترونهم بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود، والمعنى: ترون أيها اليهود المشركين ضعفي المؤمنين، على ما ذكرنا من تقليل الله المشركين في الأعين.
وقوله: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣] يجوز أن تكون مصدرا، يقال: رأيته رأيا ورؤية.
ويجوز أن تكون ظرفا للمكان، كما تقول: ترونهم أمامكم.
﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ [آل عمران: ١٣] يقوي، ﴿بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٣] يعني: المؤمنين نصرهم يوم بدر على قلتهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ١٣] أي:
[ ١ / ٤١٧ ]
فيما فعل من نصرة المؤمنين، ﴿لَعِبْرَةً﴾ [آل عمران: ١٣] العبرة: الاعتبار، وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم، وأصله من العبور، وهو النفوذ من جانب إلى جانب، لأن المعتبر بالشيء تارك جهله وواصل إلى علمه بما رأى.
وقوله: ﴿لأُولِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣] أي: لأولي العقول، يقال: لفلان بصر بهذا الأمر.
أي: علم ومعرفة.
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] أي: بما جعل في طباعهم من الميل إلى هذه الأشياء محنة كما قال ﷿: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: ٧] .
و﴿الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤]: جمع شهوة، وهي توقان النفس إلى الشيء ميلا إليه.
﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ [آل عمران: ١٤] جمع قنطار، وهو المال الكثير، حكى أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون: هو وزن لا يحد.
قال مجاهد: هو سبعون ألف دينار.
وقال معاذ بن جبل: القنطار: ألف ومائتا أوقية.
وقال الضحاك: اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار.
وقال أبو نضرة: هو ملء مسك ثور ذهبا.
و﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] قال قتادة: المال الكثير بعضه على بعض.
وقوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] الخيل: جمع لا واحد له من لفظه، كالقوم والنساء والرهط.
فأما المسومة فقال ابن عباس في رواية
[ ١ / ٤١٨ ]
عطاء: هي الراعية، يقال: أسمت الماشية وسومتها، إذا رعيتها.
فهي مسامة ومسومة، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] .
وقال في رواية الوالبي: هي المعلمة من السيما التي هي العلامة.
ومعنى العلامة ههنا: الكي في قول المؤرج، والبلق في قول ابن كيسان، والشية في قول قتادة.
قوله: ﴿وَالأَنْعَامِ﴾ [آل عمران: ١٤] جمع نعم، والنعم من الإبل والبقر والغنم، ﴿وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] الأرض المهيأة للزراعة، قوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤] يعني ما ذكر من هذه الأشياء، وهي مما يتمتع به في الدنيا، ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] أي: المرجع، يقال: آب الرجل ويئوب أوبة وأيبة وإيابا.
وفي هذا ترغيب فيما عند الله من الجنة والثواب، إذ ذكر أن عنده حسن المآب.
ثم أعلم أن خيرا من جميع ما في الدنيا ما أعده لأوليائه، فقال: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿١٥﴾ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿١٦﴾ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ﴿١٧﴾﴾ [آل عمران: ١٥-١٧] ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] قل لهم يا محمد: أأخبركم ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] الذي ذكرت؟ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [آل عمران: ١٥] قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار، أراد الله أن يعزيهم ويشوقهم إلى المعاد، ويدخل في هذا كل من آمن بالله واتقى الشرك.
[ ١ / ٤١٩ ]
وما بعد هذا قد تقدم تفسيره إلى قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥] وقرئ بضم الراء، وهي لغة قيس وتميم، قال الفراء: يقال: رضيت رضا ورضوانا ورضوانا ومرضاة.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥] عالم بهم، وإذا كان عالما بهم جازاهم بما يستحقون.
ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٦] الآية.
ثم زاد في وصفهم فقال: الصابرين قال ابن عباس: على دينهم وعلى ما أصابهم.
والصادقين قال قتادة: هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم، فصدقوا في السر والعلانية.
والقانتين الطائعين لله، والمنفقين قال ابن عباس: الذين ينفقون الحلال في طاعة الله.
والمستغفرين بالأسحار قال مجاهد وقتادة: يعني: المصلين بالأسحار، جمع سحر، وهو الوقت قبيل طلوع الفجر.
قال الزجاج: وصف الله هؤلاء بما وصف، ثم بين أنهم مع ذلك لشدة خوفهم يستغفرون بالأسحار.
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١٨﴾ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿١٩﴾ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿٢٠﴾﴾ [آل عمران: ١٨-٢٠] قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] قال الزجاج: معنى شهد الله: بين وأظهر، لأن الشاهد هو العالم الذي يبين ما علمه، والله ﷿ قد دل على توحيده بجميع ما خلق، فبين أنه لا يقدر أحد أن ينشئ شيئا واحدا مما أنشأ.
[ ١ / ٤٢٠ ]
وقوله: وأولو العلم أي: وشهد بتوحيده أولو العلم بما ثبت عندهم، قال مقاتل: هم مؤمنو أهل الكتاب.
وقال عطاء، عن ابن عباس: يعني المهاجرين والأنصار.
وقال السدي والكلبي: يعني علماء المؤمنين كلهم.
وقوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] أي: بالعدل، كما يقال: فلان قائم بهذا الأمر، أي: يجريه على الاستقامة في جميع الأمور، والله تعالى يجري التدبير على الاستقامة في جميع الأمور.
١٤٢ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَجَا، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ قَالَ: أَتَيْتُ الْكُوفَةَ فِي تِجَارَةٍ، فَنَزَلْتُ قَرِيبًا مِنَ الأَعْشَى، فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَرَدْتُ أَنْ أَنْحَدِرَ إِلَى الْبَصْرَةِ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، فَمَرَّ بِهَذِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] ثُمَّ قَالَ الأَعْشَى: وَأَنَا أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ بِهِ، وَأَسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لِي عِنْدَ اللَّهِ وَدِيعَةٌ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] قَالَهَا مِرَارًا.
قُلْتُ: لَقَدْ سَمِعَ فِيهَا شَيْئًا، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ وَوَدَّعْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: آيَةٌ سَمِعْتُكَ تُرَدِّدُهَا، قَالَ: أَوَمَا بَلَغَكَ مَا فِيهَا؟ قُلْتُ: أَنَا عِنْدَكَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ لَمْ تُحَدِّثْنِي.
قَالَ: وَاللَّهِ لا أُحَدِّثُكَ بِهَا سَنَةً، فَكَتَبْتُ عَلَى بَابِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَأَقَمْتُ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَتِ السَّنَةُ قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَدْ مَضَتِ السَّنَةُ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنَّ لِعَبْدِي هَذَا عَنِّي عَهْدًا، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِالْعَهْدِ أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ "
[ ١ / ٤٢١ ]
قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] الأحسن كسر ألف إن لأن الكلام الذي قبله قد تم، ووجه قراءة من قرأ بالفتح: أن تكون الشهادة واقعة على أن، على أن يكون بدلا من الأولى، فكأن التقدير: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، ولا يقبل غيره ولا يجزي إلا به.
ومعنى الإسلام في اللغة: الدخول في السلم، أي: في الانقياد والمتابعة، ثم من الإسلام ما هو متابعة وانقياد باللسان دون القلب، وهو قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، ومنه ما هو متابعة وانقياد باللسان والقلب، وهو قوله: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] روى الحسن، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ، قال: " تعرض الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول: أي رب، إني الصلاة.
فيقول الله ﷿: إنك على خير.
ثم تجيء الصدقة فتقول: أي رب، إني الصدقة.
فيقول: إنك على خير.
ويجيء الصيام، وتجيء الأعمال كذلك، ويجيء، أحسبه قال: الإسلام.
فيقول: أي رب، أنت السلام وأنا الإسلام.
فيقول الله: إنك على خير، بك آخذ اليوم وبك أعطي ".
ثم قال الحسن: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
[ ١ / ٤٢٢ ]
قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٩] قال ابن عباس: يعني قريظة والنضير وأتباعهم.
يقول: لم تختلف اليهود في صدق نبوة محمد ﷺ لما كانوا يجدونه في كتابهم من نعته.
﴿إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [آل عمران: ١٩] يعني النبي ﷺ، وسمي علما لأنه كان معلوما عندهم.
والمعنى: أنهم كانوا يصدقونه بنعته وصفته قبل بعثه، فلما جاءهم اختلفوا، فآمن بعضهم وكفر آخرون، فقالوا: لست الذي وعدنا به، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] .
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩] هذا شرط وجواب يتضمن وعيدا لليهود الذين كفروا بمحمد ﷺ.
وذكر معنى سريع الحساب في ﴿[البقرة.
قوله: فإن حاجوك أي: جادلوك، يعني اليهود والنصارى،] فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [سورة آل عمران: ٢٠] قال الفراء: أخلصت عملي لله.
ومعنى الوجه ههنا: العمل، وتقدم الكلام في هذا عند قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] .
وقوله: ومن اتبعن يريد: المهاجرين والأنصار، ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٢٠] يعني اليهود، والأميين يعني العرب أأسلمتم قال الفراء والزجاج: معناه الأمر، أي: أسلموا.
ومثله قول: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أي: انتهوا، فإن أسلموا أي: انقادوا للقرآن، صدقوا بما جئت به، فقد اهتدوا صاروا مهتدين، وإن تولوا أعرضوا عنك، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠] فليس عليك إلا أن تبلغ الرسالة، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] قال ابن عباس: يريد: بمن آمن بك وصدقك، وبمن كفر بك وكذبك.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢١﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴿٢٢﴾﴾ [آل عمران: ٢١-٢٢] قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ٢١] تقدم تفسيره في ﴿[البقرة.
[ ١ / ٤٢٣ ]
وقوله:] وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: ٢١] روى أبو عبيدة بن الجراح: أن النبي ﷺ، قال: «قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار، فهم الذين ذكرهم الله في كتابه وأنزل الآية فيهم» .
وأخبر ببطلان عملهم فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٢٢] يريد بأعمالهم: ما هم عليه من ادعائهم التمسك بالتوراة وإقامة شريعة موسى، وأراد ببطلانها في الدنيا: أنها لم تحقن دماءهم وأموالهم، وفي الآخرة: لم يستحقوا بها مثوبة، فصارت كأنها لم تكن.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿٢٣﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿٢٤﴾ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴿٢٥﴾﴾ [آل عمران: ٢٣-٢٥] قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٢٣] يعني علماء اليهود من قريظة والنضير، أعطوا حظا من التوراة لأنهم كانوا يعلمون بعضها، ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] قال ابن عباس في رواية الضحاك: المراد ب ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] ههنا: القرآن.
وهو قول قتادة، قال: دعوا إلى القرآن بعد أن ثبت أنه كتاب الله، حيث لم يقدر بشر أن يعارضه.
وقوله: ليحكم بينهم جعل الله تعالى القرآن حكما بين اليهود وبين النبي ﷺ، فحكم القرآن عليهم بالضلالة فأعرضوا عنه، وهو قوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣] يعني مَنْ أعرض عن حكم القرآن فلم يؤمن به من رؤساء اليهود.
وقوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣] قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعرضون الباقين من اليهود، ويجوز أن يكون
[ ١ / ٤٢٤ ]
الفريق المتولي هم المعرضون.
ثم بين سبب إعراضهم فقال: ذَلِكَ أي: ذلك الإعراض عن حكمك يا محمد، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٤] بسبب اغترارهم ومقالتهم، حيث ﴿قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] ومضى تفسير هذا.
وقوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ﴾ [آل عمران: ٢٤] الغرور: الإطماع فيما لا يصح.
وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤] يعني قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] .
قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٥] كيف معناه: السؤال عن الحال، والتقدير: فكيف حالهم إذا جمعناهم؟ ليوم أي: لجزاء يوم، أو لحساب يوم، ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] يعني: يوم القيامة، يجمع الخلق فيه للحساب والجزاء.
وتأويل الكلام: أي حالة تكون حال من اغتر بالدعاوى الباطلة إذا جمعوا ليوم الجزاء؟ قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [آل عمران: ٢٥] أي: وفرت وجوزيت، ما كسبت أي: جزاء ما كسبت من خير أو شر، يعني: أعطيت كل نفس جزاءها كاملا، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٥] لا ينقص من حسناتهم، ولا يزاد على سيئاتهم.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٦﴾ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٢٧﴾﴾ [آل عمران: ٢٦-٢٧] قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآية، قال ابن عباس: لما فتح رسول الله ﷺ مكة ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، فارس والروم أعز وأمنع من أن يُغْلَبَ على بلادهم.
فأنزل الله هذه الآية.
ومعنى اللهم: يا الله، مالك الملك مصرفه ومدبره كما يشاء، ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] محمدا
[ ١ / ٤٢٥ ]
وأصحابه، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] الروم والعجم، ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] قال ابن عباس: يريد: المهاجرين والأنصار، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] يريد: الروم وفارس، بيدك الخير عز الدنيا والآخرة.
١٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْجَارِيُّ، أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُمُعَةَ بْنِ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وَالآيَتَيْنِ مِنْ آلِ عِمْرَانَ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] و﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] مُشَفَّعَاتٌ، مَا بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ، لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُنْزِلَهُنَّ تَعَلَّقْنَ بِالْعَرْشِ فَقُلْنَ: يَا رَبِّ: تُهْبِطُنَا إِلَى أَرْضِكَ وَإِلَى مَنْ يَعْصِيكَ، قَالَ اللَّهُ: بِي حَلَفْتُ لا يَقْرَأْكُنَّ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِي دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ إِلا جَعَلْتُ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ عَلَى مَا كَانَ فِيهِ، وَإِلا أَسْكَنْتُهُ حَظِيرَةَ الْقُدْسِ، وَإِلا قَضَيْتُ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ حَاجَةً أَدْنَاهَا الْمَغْفِرَةُ "
[ ١ / ٤٢٦ ]
قوله: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ٢٧] قال جميع المفسرين: تجعل ما نقص من أحدهما زيادة في الآخر.
والإيلاج: الإدخال، يقال: أولجت الشيء في الشيء، إذا أدخلته فيه.
﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران: ٢٧] قال أكثر أهل التفسير: تخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.
﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] قال الزجاج: بغير تقتير وتضييق.
يقال: فلان ينفق بغير حساب، إذا كان يوسع في النفقة.
وكأنه لا يحسب ما ينفقه.
﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴿٢٨﴾ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٩﴾ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴿٣٠﴾﴾ [آل عمران: ٢٨-٣٠] قوله: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] نزلت الآية في قوم من المؤمنين كانوا يباطنون اليهود ويوالونهم، نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ويوالونهم.
[ ١ / ٤٢٧ ]
ثم أوعد على ذلك فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: اتخاذ الأولياء من الكفار، ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: من دين الله، والمعنى: أنه قد برئ منه وفارق دينه.
ثم استثنى فقال: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] يقال: تقيته تقاة وتقى وتقية.
وهذا في المؤمن إذا كان في قوم كفار ليس فيهم غيره، وخافهم على نفسه وماله، فله أن يداريهم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه.
قال ابن عباس: يعني: مداراة ظاهرة.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] يخوفكم الله على موالاة الكفار عذاب نفسه، قال الزجاج: معنى نفسه: إياه، كأنه قال: وحذركم الله إياه.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: إليه يرجع الخلق كلهم بعد الموت.
قوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: ٢٩] يعني: من مودة الكفار وموالاتهم، أو تبدوه أي: تظهروه، يعلمه الله أي: يجازيكم على ذلك، لأنه عالم به، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٢٩] إتمام التحذير، لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فكيف عليه الضمير؟ وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩] تحذير من عقاب من لا يعجزه شيء.
قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] يريد بيان ما عملت بما ترى من صحائف الحسنات، ويجوز أن يكون المعنى: جزاء ما عملت بما ترى من الثواب، ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] قال مقاتل: كما بين المشرق والمغرب.
وقال الحسن: يسر أحد أن لا يلقى عمله أبدا.
والأمد: الغاية التي ينتهي إليها.
﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠] قال الحسن: من رأفته بهم أن حذرهم نفسه ولم يهلكهم من غير تحذير.
[ ١ / ٤٢٨ ]
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٣١﴾ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴿٣٢﴾﴾ [آل عمران: ٣١-٣٢] قوله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] الآية، قال ابن عباس في رواية الضحاك: وقف النبي ﷺ على قريش، وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام، فقال: «يا معشر قريش، والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم» .
فقالت قريش: إنما نعبد هذه حبا لله، ليقربونا إلى الله.
فقال الله: قل يا محمد، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] وتعبدون الأصنام بتقربكم إلى الله، ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فأنا رسوله إليكم، وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم.
ومعنى محبة العبد لله: إرادته طاعته، وإيثاره أمره، ورضاه بشرائعه.
ومعنى محبة الله للعبد: إرادته لثوابه، وعفوه عنه، وإنعامه عليه.
ومعنى الآية: إن كنتم تحبون طاعة الله وتريدون رضاه وثوابه فاتبعوني وأطيعوا أمري يثبكم الله، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] .
ثم بين أن طاعة الله معلقة بطاعة الرسول، فلا يتم لأحد طاعة الله مع عصيان الرسول، فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢] قال ابن عباس: يريد محمدا ﷺ، فإن طاعتكم له طاعة لي.
فإن تولوا أعرضوا عن طاعتك، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] لا يغفر لهم ولا يثني عليهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٣٣﴾ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٣٤﴾ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٥﴾ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿٣٦﴾ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا
[ ١ / ٤٢٩ ]
كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٧﴾﴾ [آل عمران: ٣٣-٣٧] ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] الآية، أي: جعلهم صفوة خلقة، واختارهم بالنبوة والرسالة.
وأراد بآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وبآل عمران: موسى وهارون، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء بأسرهم من نسلهم.
وقوله: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] يعني عالمي زمانهم.
﴿ذُرِّيَّةً﴾ [آل عمران: ٣٤] نصب على البدل من الذين اصطفاهم، ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] أي: من ولد بعض، لأن الجميع ذرية آدم ثم ذرية نوح، والله سميع لما تقوله الذرية المصطفاة، عليم بما تضمره، فلذلك فضلها على غيرها.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] أي: اذكر يا محمد لقومك هذه القصة، وهي: إذ قالت امرأة عمران، يعني حنة أم مريم جدة عيسى ﵇، ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ [آل عمران: ٣٥] معنى ﴿نَذَرْتُ﴾ [آل عمران: ٣٥]: أوجبت، والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه.
وقوله: ﴿مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] أي: عتيقا خالصا لله، خادما للكنيسة، مفرغا للعبادة ولخدمة الكنيسة، وكل ما أخلص فهو محرر، يقال: حررت العبد، إذا أعتقته.
قال ابن عباس: ولم يكن يحرر في ذلك الوقت إلا الغلمان، فحررت ما في بطنها قبل أن تعلم ما هو، حتى وضعت.
فلما وضعتها إذا هي جارية ف ﴿قَالَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] عند ذلك: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] اعتذرت إلى الله حين فعلت ما لا يجوز من تحرير الأنثى للكنيسة، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] هذا من كلام الله، لا من كلام حنة، ولو كان من كلامها لكان: وأنت أعلم بما وضعتُ.
لأنها تخاطب الله تعالى.
ومن ضم التاء جعل هذا من كلام أم مريم، قالت: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] بعد قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] .
[ ١ / ٤٣٠ ]
قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] أي: في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها، لما يلحق الأنثى من الحيض والنفاس.
﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ [آل عمران: ٣٦] أي: أمنعها وأجيرها بك، وذريتها يعني عيسى، ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] المطرود المرمي بالشهب.
١٤٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرَوَيْهِ الْهَرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلا يَسِمُهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَابْنِهَا عِيسَى» .
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ «وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] أي: رضيها، وكان المحرر الذي نذرته حنة، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى، ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] قال ابن الأنباري والزجاج: وأنبتها فنبتت نباتا حسنا.
قال ابن عباس: يريد: في صلاح ومعرفة بالله وطاعة له وخدمة للمسجد.
﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] أي: ضمنها إلى نفسه، وقام بأمرها، قال الزجاج: ضمن القيام بأمرها، يقال: كفل يكفل كفالة فهو كافل.
وهو الذي كفل إنسانا يعوله وينفق عليه.
[ ١ / ٤٣١ ]
وفي زكريا قرءاتان: القصر والمد، وهما لغتان، كقولهم: الهيجاء والهيجا.
وقرأ حمزة وكفلها مشددة، وزكريا على هذه القراءة منصوب لأنه المفعول الثاني للتكفيل، ومعناه: ضمنها الله زكريا فضمنها إليه.
وقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧] لما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها محرابا في المسجد لا يرقى إليه إلا بسلم ولا يصعد إليها غيره.
قال الأصمعي: ﴿الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧]: الغرفة.
قال عمر بن أبي ربيعة:
ربة محراب إذ جئتها لم أدن حتى أرتقي سلما
أي: ربة بيت.
قال ابن عباس: صارت عنده لها غرفة تصعد إليها تصلي فيها الليل والنهار.
وقوله: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] كان زكريا كلما دخل عليها غرفتها وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، تأتيها بها الملائكة من الجنة.
﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧] من أين لك هذا؟ ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] فقال زكريا: إن الذي رزقك العنب في غير حينه قادر على أن يرزقني من العقيم الولدَ.
فدعا زكريا أن يهب الله له ولدا، فذلك قوله: ﴿
[ ١ / ٤٣٢ ]
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴿٣٨﴾ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٣٩﴾ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴿٤٠﴾ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ﴿٤١﴾﴾ [آل عمران: ٣٨-٤١] هنالك أي: عند ذلك، ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ [آل عمران: ٣٨] أي: من عندك، ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] نسلا مباركا تقيا، ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨] قال ابن عباس: يريد: لأوليائك وأهل طاعتك.
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] وقرأ حمزة فناداه الملائكة بالتذكير.
قال الزجاج: الجماعة يلحقها التأنيث للفظ الجماعة، ويجوز أن يعبر عنها بلفظ التذكير، لأنه يقال: جمع الملائكة.
وهذا كقوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [يوسف: ٣٠] .
وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٩] قرئ بفتح إن وكسرها، فمن فتح كان المعنى: فنادته الملائكة بأن الله، ثم حذف الجار، ومن كسرَ أضمرَ القول كأنه يقول: نادته الملائكة فقالت: إن الله، وإضمار القول في القرآن كثير كقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴿٢٣﴾ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤] أي: يقولون سلام عليكم.
وقرأ حمزة والكسائي يبشرك مخففا، من البشر بمعنى التبشير، يقال: بشره يبشره بشرا.
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] قال ابن عباس: يريد: مصدقا بعيسى أنه روح الله وكلمته، وسمي عيسى:
[ ١ / ٤٣٣ ]
كلمة الله، لأنه حدث عند قوله: كُنْ فوقع عليه اسم الكلمة، لأنه بها كان.
وكان يحيى أول من آمن بعيسى وصدقه.
قوله: وسيدا قال الضحاك والربيع: السيد: الحليم.
وقال أبو صالح وسعيد بن جبير: السيد: التقي.
وقال عكرمة: السيد: الذي لا يغلبه غضبه.
وقال الزجاج: السيد: الذي يفوق في الخير قومه.
وقوله: وحصورا وهو الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن، قال ابن قتيبة: هو فعول بمعنى مفعول، كأنه محصور عنهن، أي: مأخوذ محبوس، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل، كأنه حصر نفسه عن الشهوات.
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [آل عمران: ٤٠] لما بشر زكريا بالولد على كبر سنه استخبر الله تعالى عند ذلك فقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [آل عمران: ٤٠] أي: على أي حال يكون ذلك؟ أتردني إلى حال الشباب وامرأتي، أم مع حال الكبر؟ ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠] وهو مصدر، كبر الرجل: إذا أسن.
قال ابن عباس: كان زكريا يوم بشر بالولد ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة.
قوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠] أي: ذات عقر لا تلد، قيل له: كذلك أي: مثل ذلك من الأمر، وهو هبة الولد على
[ ١ / ٤٣٤ ]
الكبر، ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] فسبحان من لا يعجزه شيء.
فسأل الله علامة يعرف بها وقت حمل امرأته ليزيد في العبادة شكرا على هبة الولد، وهو قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [آل عمران: ٤١] قال المفسرون: إن زكريا لما بشر بالولد سأل الله علامة يعرف بها وقت حمل امرأته ليزيد في العبادة شكرا لله على هبة الولد ف قال الله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] أي: علامة ذلك أن يمسك لسانك عن الكلام وأنت صحيح سوي، كما قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] .
قال الحسن وقتادة: أمسك لسانه ثلاثة أيام، فلم يقدر أن يكلم الناس إلا إيماء، وجعل ذلك علامة حمل امرأته.
والرمز: الإيماء بالشفتين والحاجبين والعينين، يقال: رمز يرمز ويرمز.
وإنما حبس لسانه عن التكلم بأمور الدنيا وما يدور بين الناس، ولم يحبس لسانه عن التسبيح وذكر الله، وهو قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١] .
والعشي: جمع عشية، وهي آخر النهار، والإبكار مصدر أبكر، إذا صار في وقت البكرة، ثم يسمى ما بين طلوع الفجر إلى الضحى: إبكارا، كما يسمى: إصباحا.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴿٤٢﴾ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿٤٣﴾ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿٤٤﴾﴾ [آل عمران: ٤٢-٤٤] وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] قال ابن عباس: من ملامسة الرجال.
وقيل: من الحيض والنفاس.
[ ١ / ٤٣٥ ]
﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] قال الأكثرون: معناه: على عالمي زمانها فضلت عليهن.
قال الزجاج: وجائز أن تكون على نساء العالمين كلهن، لأنه ليس في النساء امرأة ولدت من غير أب غير مريم، ولأنها قبلت في التحرير للمسجد، ولم يكن التحرير في الإناث، فهي مختارة على النسوان كلهن بما لها من الخصائص.
﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣] قال ابن عباس: قومي للصلاة بين يدي ربك.
وقال مجاهد: اطلبي القيام في الصلاة.
وقال قتادة: أطيعي ربك.
﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣] قدم السجود لفظا وهو مؤخر في المعنى، والواو لا توجب ترتيبا عند النحويين، وقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] ولم يقل: مع الراكعات.
لأن الراكعين أعم، لوقوعه على الرجال والنساء إذا اجتمعوا.
قال المفسرون: كلمت الملائكة مريم بهذا شفاهًا، فقامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالت دما وقيحا.
قوله: ذلك يعني ما قص من حديث مريم وزكريا ويحيى، ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ٤٤] أخبار ما غاب عنك وعن قومك، نوحيه إليك نلقيه إليك بإرسال جبريل بها، ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] فيه إضمار، والمعنى: أيهم أرفق بكفالتها.
قال ابن عباس في رواية عطاء: هؤلاء جماعة كانوا من الأنبياء اختصموا في مريم، كل واحد يقول: أنا أولى بها.
فقال زكريا: هي بنت عمي، وخالتها عندي.
قالوا: فتعالوا حتى نستهم.
فجمعوا سهامهم ثم أتوا بها إلى الماء
[ ١ / ٤٣٦ ]
وقالوا: اللهم من كان أولى بها فليقم سهمه وليغرق البقية.
وألقوا سهامهم فارتز قلم زكريا وانحدرت أقلام الباقين، فقرعهم زكريا.
قال قتادة: كانت مريم بنت إمامهم وسيدهم عمران بن ماثان، كانوا أهل بيت صالح من الله بمكان، فتشاح عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا بسهامهم أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا، فكفلها زكريا.
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥﴾ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٤٦﴾ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٤٧﴾ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ﴿٤٨﴾ وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٤٩﴾ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿٥٠﴾ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٥١﴾﴾ [آل عمران: ٤٥-٥١] قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٤٥] قال ابن عباس: يريد جبريل.
﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] يعني عيسى ﵇، قال الحسن وقتادة: إنما قيل لعيسى: كلمة الله.
لأنه كان بكلمة الله، وهي كن.
والمعنى: أنه كان أوجده بالكلمة، وكوَّنه بها من غير توليد من فحل.
وقوله اسمه المسيح قال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك: إنما سمي عيسى مسيحا لأنه كان لا يمسح
[ ١ / ٤٣٧ ]
بيده ذا عاهة إلا برئ.
وقال إبراهيم النخعي: المسيح: الصديق.
وقال أبو عبيدة: هو بالسريانية: مشيحا، فعربته العرب.
وقوله: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥] يعني الوجيه: ذو الجاه والشرف والقدر، يقال: وجه الرجل يوجه فهو وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس.
وقوله: ومن المقربين إلى ثواب الله وكرامته.
وقوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [آل عمران: ٤٦] يعني: صغيرا، والمهد: الموضع الذي مهد لنوم الصبي.
ويعني بكلامه في المهد: تبرئته أمه مما قرفت به، حين ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ٣٠] الآية، وقوله: وكهلا الكهل: الذي اجتمع قوته وتم شبابه.
وقال ابن عباس: يريد أنه يتكلم بكلام النبوة كهلا.
ومن الصالحين قال: يريد: مثل موسى وإسرائيل وإسحاق وإبراهيم.
قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] تعجبت حين بشرت بولد من غير أب، لخروج ذلك عن العادة، والبشر: الخلق، واحده وجمعه سواء.
﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٧] أي: يخلق الله ما يشاء مثل ذلك من الأمر، وهو خلق الولد من غير مسيس.
وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٤٨] يعني الكتابة، والحكمة العلم، ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨] .
﴿وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٩] قال الزجاج: وتجعله رسولا.
﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] ثم ذكر
[ ١ / ٤٣٨ ]
تلك الآية فقال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران: ٤٩] أي: أقدر وأصور، والخلق معناه: التقدير في اللغة.
﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [آل عمران: ٤٩] الهيئة: الصورة المهيأة، من قولهم: هيأت الشيء، إذا قدرته.
فأنفخ فيه أي: في الطين، ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] وقرأ نافع طائرا على معنى: يكون ما أنفخ فيه طائرا.
قال ابن عباس: أخذ طينا فجعل منه خفاشا، ثم نفخ فيه، فإذا هو يطير.
وأبرئ الأكمه أي: أجعله بصيرا بعد الكمه، وهو الذي يولد أعمى.
والأبرص وهو الذي به وضح، ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] أحيا عازر وكان صديقا له، ودعا سام بن نوح من قبره، فخرج حيا، ومر عليه بابن عجوز على سرير ميتا فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حيا، ورجع إلى أهله، وبقي، وولد له.
﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] قال مجاهد: بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه، وقال قتادة: بما تأكلون من المائدة، وما تدخرون منها.
وقوله: ومصدقا أي: وجئتكم مصدقا، ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٠] أي: الكتاب الذي أنزل من قبله، ﴿وَلأُحِلَّ
[ ١ / ٤٣٩ ]
لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] قال المفسرون: أحل لهم على لسان المسيح: لحوم الإبل والثروب، وأشياء من الطير والحيتان مما كان محرما في شريعة موسى.
قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] قال الزجاج: أي: لم أحل لكم شيئا بغير برهان، فهو حقيق عليكم اتباعي.
وإنما وحد الآية وكان قد أتاهم بآيات، لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على الرسالة.
وقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١] أي: طريق من طرق الدين مستو.
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿٥٢﴾ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴿٥٣﴾ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴿٥٤﴾ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٥٥﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴿٥٦﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿٥٧﴾ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴿٥٨﴾﴾ [آل عمران: ٥٢-٥٨] قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى﴾ [آل عمران: ٥٢] قال ابن عباس: أحس: علم.
وقال مقاتل: رأى.
وقال الزجاج: أحس في اللغة: علم ووجد ورأى.
وقوله منهم الكفر يريد: القتل، وذلك أنهم أرادوا قتله حين دعاهم إلى الله فاستنصر عليهم، و﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] والأنصار: جمع نصير، مثل شريف وأشراف.
ومعنى قوله: إلى الله أي: مع الله.
[ ١ / ٤٤٠ ]
وقوله: قال الحواريون قال ابن عباس، في رواية سعيد بن جبير: كانوا صيادين سموا حواريين لبياض ثيابهم.
وقال في رواية عطاء: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، اتبعوا عيسى وصدقوه.
وقال قتادة والكلبي: الحواريون: خواص عيسى وأصفياؤه.
وقال الزجاج: الحذاق باللغة يقولون: الحواريون: صفوة الأنبياء الذين خلصوا في التصديق بهم ونصرتهم، ومنه قوله ﷺ: «. . . وحواري الزبير بن العوام» .
وقوله: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي: أنصار دين الله، ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ﴾ [آل عمران: ٥٢] يا عيسى، ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] .
قوله: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ [آل عمران: ٥٣] يعني: ما أنزل الله على عيسى وهو الإنجيل، واتبعنا الرسول عيسى ﵇، ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] مع الذين شهدوا للأنبياء بالصدق، أي: اثبت أسماءنا مع أسمائهم لنفوز بمثل ما فازوا به من الدرجة والكرامة.
قوله: ومكروا قال ابن عباس: إن عامة بني إسرائيل كفروا بعيسى وهموا بقتله، فذلك مكرهم به، حيث أرادوا أن يقتلوه اغتيالا.
وقوله: ومكر الله قال المفسرون: مكر الله بهم بإلقاء شبه عيسى على من دل عليه، فجعله الله في صورة عيسى فأخذ وصلب.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] أي: أفضل المجازين بالسيئة العقوبة.
قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] أي: قابضك من الأرض وافيا تاما من غير أن تنال اليهود منك شيئا، وهذا قول الحسن والكلبي وابن جريج.
[ ١ / ٤٤١ ]
وقال ابن عباس في رواية عطاء: هذا مقدم ومؤخر، يريد: إني رافعك إلي ومتوفيك بعد أن أهبطك إلى الأرض حتى تكون فيها وتتزوج ويولد لك حتى تموت.
وهذا اختيار الفراء، قال: يقال: إن هذا مقدم ومؤخر، والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا.
وقوله: ورافعك إلي أي: إلى سمائي ومحل كرامتي، فجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم.
﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] أي: مخرجك من بينهم، لأن كونه في جملتهم التنجيس له بهم.
﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥] قال قتادة والربيع والكلبي ومقاتل: هم أهل الإسلام من أمة محمد ﷺ، اتبعوا دين المسيح وصدقوه بأنه رسول الله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه، فوالله ما اتبعه من دعاه ربا.
ومعنى ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] بالبرهان والحجة، ومحتمل بالعز والغلبة.
ثم رجع عن الغيبة إلى الخطاب فقال: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥] من الدين وأمر عيسى.
ثم بين ذلك الحكم فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ٥٦] يعني: بالقتل وسبي الذراري وأخذ الجزية، والآخرة وفي الآخرة بالنار، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٦] ما لهم من يمنعهم من عذاب الله.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٥٧] بمحمد وعيسى، ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [آل عمران: ٥٧] يتم لهم جزاءهم من الثواب، ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧] لا يرحمهم، ولا يثني عليهم، وهم الذين لا يطيعون الله فيما أمرهم به من الإيمان بالرسل والكتب.
وقوله: ذلك إشارة إلى ما تقدم من الخبر عن عيسى ومريم والحواريين، نتلوه عليك قال ابن عباس: نخبرك به بتلاوة جبريل عليك، وتلاوته بأمر الله، ومثله قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: ٣] .
وقوله: من الآيات أي: العلامات الدالة على نبوتك، لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب، أو من يوحى إليه، وأنت أمي لا تقرأ.
وقوله: ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] يعني: القرآن الحكيم، أي: المانع من الفساد وكل ما يقبح، ويجوز أن يكون بمعنى المحكم، أي: الممنوع من الباطل.
[ ١ / ٤٤٢ ]
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٥٩﴾ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿٦٠﴾ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴿٦١﴾ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٦٢﴾ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ﴿٦٣﴾﴾ [آل عمران: ٥٩-٦٣] قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٩] الآية:
١٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَاهِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الإِسْلامَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّا قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ، فَقَالَ: كَذَبْتُمَا، إِنَّهُ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الإِسْلامِ ثَلاثَةٌ: عِبَادَتُكُمُ الصَّلِيبِ، وَأَكْلُكُمُ الْخِنْزِيرِ، وَقَوْلُكُمْ: للَّهِ وَلَدٌ، قَالا: مَنْ أَبُو عِيسَى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٩] الآيَةَ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ قِيَاسَ خَلْقِ عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ كَقِيَاسِ خَلْقِ آدَمَ.
وَمَعْنَى ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٩]: أَيْ: فِي الْخَلْقِ وَالإِنْشَاءِ
ثم ذكر خلق آدم فقال: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] يعني: قالبا من تراب لا روح فيه، ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩] بشرا، ﴿فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] بمعنى: فكان، وهذا مما أريد بمثال المستقبل فيه الماضي، كقوله: ﴿تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
وقوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [آل عمران: ٦٠] قال الفراء والزجاج: الحق: مرفوع بخبر ابتداء محذوف، على تقدير: الذي أنبأتك به من قصة عيسى الحق، فحذف لتقدم ذكره.
وقال أبو عبيدة: هو ابتداء وخبره من ربك كما تقول: الحق من ربك والباطل من الشيطان.
وقوله: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] الخطاب للنبي ﷺ، والمراد به: نهي غيره عن الشك، كما قال: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]،
[ ١ / ٤٤٣ ]
والامتراء: الشك، والممتري: الشاك، يقال للشك: المرية.
وقوله: فمن حاجك أي: جادلك وخاصمك، فيه في عيسى، فقل تعالوا أي: ائتوا وهلموا، ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] قال المفسرون: لما احتج الله تعالى على النصارى من طريق القياس بقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾ [آل عمران: ٥٩] الآية، أمر النبي ﷺ أن يحتج عليهم من طريق الإعجاز، وهو المباهلة.
ومعنى المباهلة: الدعاء على الظالم من الفريقين.
فلما نزلت هذه الآية دعا رسول الله ﷺ وفد نجران إلى المباهلة، وخرج رسول الله ﷺ محتضنا الحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول: «إذا دعوت فأمنوا» .
فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن ينزل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.
ثم قبلوا الجزية وانصرفوا، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى حتى هلكوا» .
١٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ
[ ١ / ٤٤٤ ]
الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] دعا رسول اللَّه ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، وَقَالَ: «هَؤُلاءِ أَهْلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ قُتَيْبَةَ
وأراد بالأنفس: بني العم، والعرب تخبر عن ابن العم بأنه نفس، وقد تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أراد: إخوانكم من المؤمنين.
وقيل: ثم نبتهل الابتهال في اللغة على معنيين، أحدهما: التضرع إلى الله، والثاني: الالتعان والدعاء بالبهلة وهي اللعنة، يقال: عليه بهلة الله.
أي: لعنته.
وكلا القولين مروي عن ابن عباس، قال، في رواية الكلبي، في قوله: نبتهل: أي: نجتهد في الدعاء.
وقال في رواية عطاء: ندع الله باللعنة على الكاذبين.
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢] أي: هذا الذي أوحيناه إليك من الآيات والحجج، والقصص: مصدر، من قولك: قص فلان الحديث يقصه قصا وقصصا.
[ ١ / ٤٤٥ ]
﴿الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢] القرآن الصادق فيما أخبر به، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢] نفي لجميع ما ادعى المشركون أنهم آلهة، أي أن عيسى ليس بإله كما زعموا.
قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٢] أي: لا أحد يستحق إطلاق هذه الصفة إلا هو.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: ٦٣] أي: فإن أعرضوا عما أتيت به من البيان فإن الله يعلم من يفسد خلقه، فيجازيه على ذلك.
﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿٦٤﴾ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴿٦٥﴾ هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴿٦٦﴾ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٦٧﴾ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٦٨﴾﴾ [آل عمران: ٦٤-٦٨] قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤] يعني اليهود والنصارى، ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] يريد بالسواء: العدل، وكذلك في قراءة عبد الله إلى كلمة عدل، والمعنى: إلى كلمة عادلة مستقيمة مستوية، إذا أتيناها نحن وأنتم كنا على السواء والاستقامة.
ثم فسر الكلمة فقال: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤] لا نعبد معه غيره، ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤] قال ابن عباس: يريد: كما اتخذت النصارى عيسى ربا، واتخذت بنو إسرائيل عزيرا.
وقال الزجاج: أي: نرجع إلى أن معبودنا الله ﷿ وأن عيسى بشر كما أننا بشر، فلا نتخذه ربا.
[ ١ / ٤٤٦ ]
فإن تولوا أعرضوا عن الإجابة، فخالفوهم أنتم إنكارا عليهم، ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] أي: مقرون بالتوحيد، منقادون لما أتتنا به الأنبياء.
قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥] قال ابن عباس والسدي وقتادة: اجتمعت اليهود ونصارى نجران عند رسول الله ﷺ فتنازعوا في إبراهيم، فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا.
وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا.
فنزلت هذه الآية.
وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ٦٥] يريد: أن اليهودية حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وإنما أنزل الكتابان بعد مهلك إبراهيم بزمن طويل، وليس فيهما اسمه بواحد من دين اليهود والنصارى.
واختلفوا في اشتقاق التوراة ووزنها من الفعل، فقال الفراء: هي في الأصل تورية، على وزن تفعلة، فصارت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقال الخليل: وزنها فوعلة، وأصلها: وورية، ولكن الواو الأولى قلبت تاء كما قالوا: تولج، وهو فوعل ولجت، وقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت تورية، وكتبت بالياء على أصل الكلمة.
وأما اشتقاقها: فحكى ابن الأنباري عن الفراء، قال: التوراة معناها: الضياء والنور، من قول العرب: وري الزند يرى ويورى، إذا أظهر النار.
فالتوراة سميت لظهور الحق بها.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وقال المؤرج: هو من التورية وهو التعريض بالشيء، وكان أكثر التوراة معاريض وتلويحا من غير إيضاح وتصريح.
وأما الإنجيل فقال الزجاج: هو إفعيل من النجل وهو الأصل.
وقال ابن الأنباري: إنجيل: أصل للقوم الذين نزل عليهم، لأنهم يعملون بما فيه.
وقال قوم: الإنجيل مأخوذ من قول العرب: نجلت الشيء، إذا استخرجته وأظهرته.
يقال للماء الذي يخرج من النز: نجل واستنجل الوادي، إذا أخرج الماء.
فسمي كتاب عيسى إنجيلا لأن الله تعالى أظهره للناس بعد طموس الحق ودروسه.
وقال جماعة: التوراة والإنجيل والزبور: أسماء عربت من السريانية والعبرية، وليس يطرد فيها قياس الأسماء العربية، ألا تراهم يقولون لها بالسريانية: توري إنكليون زفوتا؟ وقوله: أفلا تعقلون أي: فساد هذه الدعوى، إذ العقل يزجر عن الإقامة على دعوى بغير حجة.
قوله: هأنتم ها: حرف للتنبيه، كأنه قيل: انتبهوا عن غفلتكم.
هؤلاء أي: يا هؤلاء، جادلتم وخاصمتم، ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] وهو ما وجدوه في كتابهم وأنزل عليهم بيانه وقصته، ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] أي: لم تجادلون في شأن إبراهيم، وليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا؟ والله يعلم شأن إبراهيم، ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦] .
ثم بين حال إبراهيم فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] برأه الله تعالى ونزهه عن الدينين، ووصفه بدين الإسلام فقال: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] الآية، وذكرنا معنى الحنيف فيما تقدم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٨] أي: أقرب الناس إليه وأحقهم به، للذين اتبعوه على دينه وملته، وهذا النبي يعني محمدا ﷺ، والذين آمنوا يعني المهاجرين والأنصار والتابعين ممن آمن بمحمد ﷺ.
[ ١ / ٤٤٨ ]
قال الزجاج: أي: فهم الذين ينبغي أن يقولوا: إنا على دين إبراهيم.
﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] أي: ناصرهم ومعينهم.
﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٦٩﴾ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴿٧٠﴾ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٧١﴾ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٧٢﴾ وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٧٣﴾ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿٧٤﴾﴾ [آل عمران: ٦٩-٧٤] قوله: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٩] أي: تمنت جماعة من اليهود والنصارى، قال ابن عباس: هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أرادوا أن يستزلوا المسلمين عن دينهم ويردوهم إلى الكفر، وهو قوله: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩] لأن المؤمنين لا يقبلون قولهم وما يدعونهم إليه، فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين، وما يشعرون وما يعلمون أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين.
قوله: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٠] يعني اليهود، ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٠] بالقرآن، ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠] بما يدل على صحة القرآن من كتابكم، لأن فيه نعت محمد ﷺ وذكره.
قوله ﴿يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران: ٧١] تقدم تفسيره عند قوله: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] .
قوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٢] الآية، إن أحبار اليهود قالوا لمن دونهم: ائتوا محمدا وأصحابه أول النهار فقولوا: إنا على دينكم.
فإذا كان آخر النهار فقولوا: إنا كفرنا بدينكم، ونحن على ديننا الأول.
فإنه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينهم ويشكوا فيه إذا قلتم: نظرنا في كتبنا فوجدنا محمدا ليس بذلك الذي وعدنا به.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وهو قوله: آمنوا أي: أظهروا الإيمان، ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٧٢] يعني: القرآن المنزل على المؤمنين، وجه النهار أول النهار، ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] أي: اكفروا به آخر النهار، لعلهم يرجعون عن دينهم إلى دينكم.
وقوله: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض، والمعنى: لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم اليهودية وقام بشرائعكم.
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] كلام معترض بين المفعول وفعله، وهو من كلام الله لا من كلام اليهود، ومعناه: إن الدين دين الله، كقوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠] .
﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى والفضائل والكرامات.
أي: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ﴿إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] قوله: أو يحاجوكم عطف على قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ [آل عمران: ٧٣]، المعنى: ولا تؤمنوا بأن يحاجوكم، عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم، فلا يكون لهم عليكم الحجة عند الله، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] قال ابن عباس: يريد: ما تفضل به عليك وعلى أمتك، ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٣] يعني: هذه الأمة.
وقوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤] قال الحسن ومجاهد والربيع: بنبوته.
وقال ابن عباس: بدينه.
وقال ابن جريج: بالقرآن والإسلام.
قال عطاء: يريد: اختصك وتفضل عليك وعلى أمتك بدينه ورحمته.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ﴾ [آل عمران: ٧٤] على أوليائه وأهل طاعته، العظيم لأنه لا شيء أعظم عند الله من الإسلام.
[ ١ / ٤٥٠ ]
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿٧٦﴾ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٧٧﴾﴾ [آل عمران: ٧٥-٧٧] قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ [آل عمران: ٧٥] الآية، قال المفسرون: أخبرنا الله تعالى في هذه الآية عن اختلاف أحوال أهل الكتاب في الأمانة والخيانة، ليكون المؤمنون على بصيرة في ترك الركون إليهم، لاستحلالهم أموال المسلمين.
وقال ابن عباس في رواية الضحاك: أودع رجل عند عبد الله بن سلام ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداه إليه، فمدحه الله تعالى، وأودع رجل فنحاص بن عازوراء دينارا فخانه، وذلك قوله: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] يعني عبد الله بن سلام، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] يعني فنحاص.
وقوله: ﴿إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] أي: بالإلحاح والخصومة في التقاضي والمطالبة، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد.
قال القتيبي: وأصله أن المطالب بالشيء يقوم فيه ويتصرف، والتارك له يقعد عنه، ثم قيل لكل من واظب على مطالبة أمر: قام به.
وإن لم يكنْ ثَمَّ قيامٌ.
[ ١ / ٤٥١ ]
وقال السدي: يعني: إلا ما دمت قائما على رأسه بالاجتماع معه والملازمة والمطالبة له، فإن أنظرته وأخرته أنكر وذهب به.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] أي: ذلك الاستحلال والخيانة بأنهم يقولون: ليس عندنا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل.
لأنهم مشركون.
والمراد ب الأميين ههنا: العرب.
ثم كذبهم الله تعالى فيما قالوا، فقال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [آل عمران: ٧٥] لأنه ليس في كتابهم استحلال الأمانة، وهم يعلمون أنهم كاذبون، يعني: لم يقولوا ذلك عن جهالة فيعذروا.
قوله: بلى رد لقولهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] أي: بلى يكون عليهم سبيل في ذلك.
وقوله: ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ [آل عمران: ٧٦] أي: بما عاهد الله إليه في التوراة، وآمن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن وأداء الأمانة، واتقى الكفر والخيانة ونقض العهد، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦] يعني: من كانت هذه صفته.
قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية، نزلت في رجلين اختصما إلى النبي ﷺ في ضيعة، فهمَّ المدعى عليه أن يحلف فنزلت الآية، فنكل المدعى عليه عن اليمين، وآثر للمدعي حقه.
١٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الأبِيوَرْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»
فقال الأشعث: في والله ذاك، وكان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إِلَى النبي ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ: «ألك بينة؟» قلت: لا، فقال لليهودي: احلف، فقلت يا رسول اللَّه: إذن يحلف فيذهب
[ ١ / ٤٥٢ ]
بمالي، فأنزل اللَّه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية رواه البخاري عن عبدان عن أَبِي حمزة، ورواه مسلم عن ابن نمير أَبِي معاوية، كلاهما عن الأعمش.
ومعنى يشترون: يستبدلون ويأخذون، بعهد الله أي: بما عهد الله إليهم من أداء الأمانة، وأيمانهم الكاذبة، ثمنا قليلا عرضا يسيرا من الدنيا وهو ما يحلفون عليه كاذبين، ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] لا نصيب لهم من الخير، ﴿فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧] أي: بكلام يسرهم، ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] نظرا يسرهم، يعني نظر الرحمة، ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] لا يزيدهم خيرا، ولا يثني عليهم.
١٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرُوَيْهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» قَالَ
[ ١ / ٤٥٣ ]
عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ
١٤٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا؟ قَالَ: «وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ»، قَالَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ: مَا أَشَدَّ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ٧٧] رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ
[ ١ / ٤٥٤ ]
١٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ النَّضْرُوِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنِ ابْنِ زُرْعَةَ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] قوله: وإن منهم يعني: من اليهود، لفريقا جماعة، ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] قال مجاهد والربيع وقتادة: يحرفونه بالتغيير والتبديل، وذلك أنهم يلوون ألسنتهم عن سنن الصواب بما يأتون به من عند أنفسهم.
وقوله: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] أي: لتحسبوا ما لووا ألسنتهم به مما حرفوه وبدلوه من الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] .
[ ١ / ٤٥٥ ]
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴿٧٩﴾ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنِّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿٨٠﴾﴾ [آل عمران: ٧٩-٨٠] قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآية، قال ابن عباس في رواية الكلبي: إن اليهود والنصارى احتجوا بأنهم أولى بإبراهيم وبدينه، فذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «كلا الفريقين منه ومن دينه بريء» .
فغضبوا وقالوا: يا محمد، والله ما تريد إلا أن نتخذك ربا.
فأنزل الله ﷿ هذه الآية.
قال قتادة: يقول: ما ينبغي لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم، يعني الفقه والعلم، والنبوة ثم يأمر عباد الله أن يتخذوه ربا من دون الله.
والمعنى: ما كان لبشر أن يجمع بين هذين، بين النبوة وبين دعاء الخلق إلى عبادة غير الله، وهو قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٩] .
ولكن كونوا أي: ولكن يقول: كونوا ربانيين قال ابن عباس: معلمين.
وقال قتادة وسعيد بن جبير: فقهاء علماء حكماء.
قال سيبويه: زادوا ألفا ونونا في الرباني، إذا أرادوا تخصيصا بعلم الرب كما قالوا: شعراني ولحياني.
فالرباني على هذا القول: منسوب إلى الرب، على معنى التخصيص بعلم الرب، أي: يعلم الشريعة وصفات الرب.
وقال المبرد: الرباني: الذي يرب العلم ويرب الناس، أي: يعلمهم ويصلحهم.
وعلى هذا القول: الرباني: من الرب الذي هو بمعنى التربية.
[ ١ / ٤٥٦ ]
وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] أي: بكونكم عالمين بالكتاب، ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] وبما كنتم دارسين للكتاب.
قال الزجاج: كونوا معلمي الناس بعلمكم ودرسكم، علموا الناس وبينوا لهم.
ومن قرأ تعلمون بالتشديد فالمعنى: بكونكم معلمين، أي: علموا الناس الكتاب وبينوا لهم صفة محمد ﷺ وما فيه من الحق والصواب، حتى تستحقوا هذه الصفة وتكونوا معلمين.
ومعنى تدرسون: تقرءون، ومنه قوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩] .
وقوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ﴾ [آل عمران: ٨٠] من قرأ بالرفع قطعه مما قبله.
قال ابن جريج: ولا يأمركم محمد.
ومن نصب كان المعنى: ما كان لبشر أن يأمركم، فيكون نصبا بالنسق على قوله: أن يؤتيه قال الزجاج: معنى الآية: ولا يأمركم أن تعبدوا الملائكة والنبيين، لأن الذين قالوا: إن عيسى إله.
عبدوه واتخذوه ربا، وقال قوم من الكفار: إن الملائكة أربابنا.
يقال لهم: الصابئون.
وقوله: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ﴾ [آل عمران: ٨٠] استفهام معناه الإنكار، أي: لا يفعل ذلك، ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] أي: بعد إسلامكم.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ
[ ١ / ٤٥٧ ]
الشَّاهِدِينَ ﴿٨١﴾ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٨٢﴾ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴿٨٣﴾﴾ [آل عمران: ٨١-٨٣] قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] الآية، قال قتادة: هذا ميثاق قد أخذه الله من النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده، فبلغت الأنبياء وأخذوا مواثيق أهل الكتاب في كتابهم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ويصدقوه وينصروه، وذلك قوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١] ما ههنا: بمعنى الشرط والجزاء، والمعنى: لئن آتيتكم ومهما آتيتكم من كتاب وحكمة.
وقرأ حمزة لما بكسر اللام، وهي متعلقة بالأخذ، لأن المعنى: أخذ الله ميثاقهم لما أوتوا من الكتاب والحكمة، أي: لأنهم الأفاضل وأصحاب الكتب والشرائع.
وقرأ نافع آتيناكم بالمد، وحجته: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] .
وقوله: ثم جاءكم يعني: ثم جاء أممكم وأتباعكم، وخرج الكلام على النبيين لأن ما لزمهم لزم أممهم.
وقوله: ﴿رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١] يعني محمدا ﷺ، جاء بالقرآن بصدق التوراة في الأخبار والأقاصيص.
قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] يريد: إن أدركتموه، قال أأقررتم أي: قال الله للنبيين: أأقررتم بالإيمان والنصرة له؟ ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] أي: قبلتم، ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٨١] أي: قال الله للنبيين: اشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم.
﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] عليكم وعليهم.
قوله: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٨٢] قال ابن عباس: فمن أعرض عما جئت به، وأنكر ما عاهد الله عليه.
وقال الزجاج: فمن أعرض عن الإيمان بعد أخذ الميثاق وظهور آيات النبي ﷺ.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] أي: الخارجون عن العهد والإيمان.
[ ١ / ٤٥٨ ]
قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] أي: أبعد أخذ الميثاق عليهم بالإيمان بمحمد ﷺ يطلبون دينا غير دين الله وهو ما جاء به محمد ﷺ؟ ! ومن قرأ بالتاء فلأن ما قبله خطاب، كقوله: أأقررتم وأخذتم والياء: على الأخبار عنهم، وقوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] قال ابن عباس في رواية مجاهد: يعني: عند أخذ الميثاق وهو قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقال قتادة: أما المؤمن فأسلم طوعا فنفعه، وأما الكافر فأسلم كارها في وقت اليأس فلم ينفعه ذلك.
وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بأهل السموات والأرض: الملائكة، والمهاجرين والأنصار، وعبد القيس طوعا، وسائر الناس أسلموا كرها، خوفا من السيف.
وقوله: وإليه ترجعون وعيد لمن أعرض عن دين الله، والمعنى: أيبغون غير دين الله مع أن مرجعهم إليه فيجازيهم على تركهم دينه؟ ! ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿٨٤﴾ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٨٥﴾﴾ [آل عمران: ٨٤-٨٥] قوله: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ٨٤] الآية، في هذه الآية إنكار على الكفار من اليهود والنصارى فيما ذهبوا إليه من الإيمان ببعض النبيين دون بعض، وأمر للنبي ﷺ وأمته أن يقولوا: آمنا بالله وبجميع الرسل وما أنزل عليهم، لا نفرق بين جميعهم في الإيمان بهم كما فعلت اليهود والنصارى.
قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] إلى قوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] قال ابن عباس: يريد: خسر ثواب الله
[ ١ / ٤٥٩ ]
وصار إلى عذابه، وخسر الحور العين.
وقال الزجاج: يعني: خسر عمله، حيث لم يجاز به الجنة والثواب.
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿٨٦﴾ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿٨٧﴾ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴿٨٨﴾ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٨٩﴾﴾ [آل عمران: ٨٦-٨٩] قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] قال ابن عباس: يعني اليهود وقريظة والنضير ومن دان بدينهم، كفروا بمحمد ﷺ بعد أن كانوا قبل مبعثه مؤمنين به، وكانوا يشهدون له بالنبوة، فلما بعث وجاءهم بالآيات والمعجزات كفروا بغيا وحسدا.
ومعنى ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٨٦] أي: لا يهديهم الله، كما قال ابن الرقيات:
كيف نومي على الفراش ولما تشمل الشام غارة شعواء
أي: لا نوم لي ولا أنام، ومثله قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٧] أي: لا يكون لهم عهد.
قال الزجاج: أعلم الله تعالى أنه لا جهة لهدايتهم، لأنهم قد استحقوا أن يضلوا بكفرهم، لأنهم قد كفروا بعد البينات.
وقوله: وجاءهم البينات يجوز أن يريد ما بين لهم في التوراة والإنجيل، وهو قول ابن عباس.
ويجوز أن يريد: ما أتى به النبي ﷺ من الكتاب والآيات والمعجزات.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦] قال ابن عباس: لا يرشد من نقض عهود الله وظلم نفسه.
[ ١ / ٤٦٠ ]
وقوله: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٨٩] قال ابن عباس: راجعوا الإيمان بالله والتصديق بنبيه.
وأصلحوا أعمالهم، وقال الزجاج: معنى أصلحوا: أظهروا للناس أنهم كانوا على ضلال، وأصلحوا ما كانوا أفسدوه ومن تغريرهم من تبعهم ممن لا علم عنده.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩] أعلم الله تعالى أن من سعة رحمته وتفضله أن يغفر لمن اجترأ عليه هذا الاجتراء، وذلك أن الذي فعلوا لا غاية وراءه في الكفر، وهو أنهم كفروا بعد تبين الحق لهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ﴿٩٠﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴿٩١﴾﴾ [آل عمران: ٩٠-٩١] قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] قال ابن عباس: نزلت في اليهود، كفروا بمحمد ﷺ قبل بعثه.
﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠] بالإقامة على كفرهم حتى هلكوا عليه.
وقال قتادة: إن اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠] بكفرهم بمحمد والقرآن.
﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠] .
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: ٩١] ملء الشيء: قدر ما يملأه، يقال: ملء القدح.
وانتصب ذهبا على التفسير.
قال الزجاج: المعنى: لو قدم ملء الأرض ذهبا يتقرب به إلى الله ما ينفعه ذلك مع كفره، ولو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهبا لم يقبل منه.
١٥١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ جَعْفَرٍ
[ ١ / ٤٦١ ]
الْكَوْكَبِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالا: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يُقَالُ لِلْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْقَوَارِيرِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢] قوله ﷿: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال عطاء ومقاتل: البر: التقوى في هذه الآية، وقال أبو
[ ١ / ٤٦٢ ]
روق: الخير.
وقال مسروق وعمرو بن ميمون: ﴿الْبِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢]: الجنة.
وقوله: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال الضحاك: يعني الزكاة، يقول: حتى تخرجوا زكاة أموالكم.
وقال الحسن: كل شيء أنفقه المسلم من ماله ويبتغي به وجه الله فإنه من الذي عنى الله سبحانه بقوله: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] حتى الثمرة.
١٥٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَى رَبَّنَا يَسْأَلُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا وَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي بَيْرَحَا للَّهِ ﷿، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ»، فَجَعَلَهَا بَيْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ بَهْزٍ، عَنْ حَمَّادٍ
١٥٣ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]
[ ١ / ٤٦٣ ]
قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ جَارِيَةً مِنْ سَبْيِ جَلُولا، وَيَوْمَ جَلُولا فُتِحَتْ مَدَائِنُ كِسْرَى فِي قِتَالِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَدَعَا بِهَا عُمَرُ فَأَعْتَقَهَا، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٩٣﴾ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٩٤﴾ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٩٥﴾ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴿٩٦﴾ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴿٩٧﴾﴾ [آل عمران: ٩٣-٩٧] قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣] الآية، قال المفسرون: لما ادعى النبي ﷺ أنه على ملة إبراهيم ﵇ قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ ! فقال النبي ﷺ: «كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله» .
فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان محرما على إبراهيم ونوح.
فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] وهو يعقوب، وذلك أنه مرض مرضا، فنذر لئن عافاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحبَّها إليه لُحْمَانُ الإبل وألبانُها، فحرمها الله على ولده، وكان هذا قبل نزول التوراة، وذلك قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣] لتعرفوا أن هذا التحريم إنما كان من جهة يعقوب، ولم يكن في زمن إبراهيم ولا نوح، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] فيما تدعون.
[ ١ / ٤٦٤ ]
فلما ثبتت عليهم الحجة بكتابهم قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٩٤] من بعد ظهور الحجة بأن التحريم كان من جهة يعقوب ولم يكن محرما قبله، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [آل عمران: ٩٤] أنفسهم.
قوله: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٩٥] فيما أخبر، ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥] وملة محمد ﵇ داخلة في ملته، فمن اتبع ملة إبراهيم فقد اتبع ملة محمد ﵇.
قوله ﷿: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] الآية، روى عطاء، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ، قال: «إن أول لمعة وضعت على الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض، وإن أول جبل وضعه الله على هذه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال» .
وهذا قول مجاهد، قال: خلق الله هذا البيت قبل أن يُخلق شيء من الأرض بألفي سنة.
وقال ابن عباس: هو أول بيت بناه آدم في الأرض.
وقال علي ﵁: هو أول بيت مبارك وهدى وضع للناس.
١٥٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَسَوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:
[ ١ / ٤٦٥ ]
قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ عَلَى الأَرْضِ أَوَّلا؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الأَقْصَى، قَالَ: قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ الأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ، فَصَلِّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ
١٥٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: حَدِّثْنِي عَنْ هَذَا الْبَيْتِ، أَهُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ فِي الأَرْضِ؟ فَقَالَ: لا، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَتْ فِيهِ الْبَرَكَةُ وَالْهُدَى وَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا
وقوله: للذي ببكة بكة: هي مكة، فأبدلت الميم باء كقولهم: سمد رأسه وسبده، وضربة لازم ولازب.
وقال أبو مالك وإبراهيم: بكة: موضع البيت، ومكة: القرية.
وقوله: مباركا أي: كثير الخير، بأن جعل فيه وعنده البركة، وهدى قال الزجاج: المعنى: وذا هدى.
قال: ويجوز أن يكون على معنى: وهو هدى.
ومعنى كونه هدى للعالمين: أنه قبلة صلاتهم.
[ ١ / ٤٦٦ ]
وقوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] قال مجاهد: أثر قدميه في المقام آية بينة.
وقال المفسرون: الآيات التي فيها: أمن الخائف، وامتناع الطير من العلو عليه، واستشفاء المريض به، وتعجيل العقوبة لمن انتهك فيه حرمه، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا إخراجه.
وقال زيد بن أسلم: الآيات البينات: مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا.
وهذا اختيار الزجاج، لأنه قال: ومن الآيات أيضا: أمن من دخله.
وقال: معنى أمن من دخله: أن إبراهيم سأل الله ﷿ أن يؤمن سكان مكة وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، فجعل الله ﷿ أمن مكة آية لإبراهيم، فلم يطمع في أهلها جبار، وكان فيما عطف الله تعالى من قلوب العرب في الجاهلية على من لاذ بالحرم حتى يؤمنوه آية بينة.
يدل على هذا قول قتادة في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال: كان ذلك في الجاهلية، فأما اليوم إن سرق فيه أحد قطع، ولو قتل فيه قتل.
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وقرئ حج البيت بالكسر، والمفتوح مصدر، وهو لغة أهل الحجاز، والمكسور: اسم للعمل، قال سيبويه: ويجوز أن يكون مصدرا كالعلم والذكر.
قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال الزجاج: موضع من خفض على البدل من الناس، والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت.
[ ١ / ٤٦٧ ]
وجمهور أهل العلم على أن معنى الاستطاعة الموجبة للحج: القوة، فمن قوي في نفسه بالكون على الراحلة وجب عليه الحج إذا ملك الزاد والراحلة.
وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد، ومذهب الشافعي وأحمد وإسحاق.
١٥٦ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدَانُ الأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ، عَلَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَتَكْفُرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ سَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ
١٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبُ الْمَعْقِلِيُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: قَعَدْنَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: قَالَ: مَا الْحَاجُّ؟ قَالَ: الشَّعِثُ التَّفِلُ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ، فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ "
[ ١ / ٤٦٨ ]
١٥٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَانُ الْجَوَالِيقِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: إِنَّ عَبْدًا أَصْحَحْتُ لَهُ جِسْمَهُ، وَأَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ، لَمْ يَفِدْ إِلَيَّ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ عَامًا لَمَحْرُومٌ "
١٥٩ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ:
[ ١ / ٤٦٩ ]
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَحُجَّ، وَلَمْ يُوصِ بِحَجٍّ، وَلَمْ يُحَجَّ عَنْهُ لَمْ يُقْبَلْ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَلٌ»
أخبرنا أبو حسان المزكي، أخبرنا هارون بن محمد الاستراباذي، أخبرنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو الوليد الأزرقي، أخبرنا جدي أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، أخبرني ابن جريج، قال: بلغنا أن اليهود قالت: بيت المقدس أعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء ولأنه في الأرض المقدسة.
وقال المسلمون: الكعبة أعظم.
فبلغ ذلك للنبي ﷺ، فنزل ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] حتى بلغ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وليس ذلك في بيت المقدس، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وليس ذلك في بيت المقدس، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وليس ذلك في بيت المقدس.
وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] قال ابن عباس والحسن وعطاء: جحد فرض الحج، وزعم أنه ليس بواجب عليه.
وهذا قول جماعة من المفسرين.
قال الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله ﷺ أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا» .
فآمن به المسلمون وكفر الباقون، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
[ ١ / ٤٧٠ ]
﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴿٩٨﴾ قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٩٩﴾﴾ [آل عمران: ٩٨-٩٩] قوله: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٨] هذا استفهام معناه التوبيخ، والمراد بالآيات: ما أنزل الله على محمد ﵇ وما أوتي من المعجزات والعلامات التي تدل على صدقه.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] قال ابن عباس: يريد أنه حاضر لأعمالكم.
ومعنى الآية: أن الله تعالى وبخهم على كفرهم، وأخبر أنه لا ينفعهم الاستمرار به، لأنه شهيد على أعمالهم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ﴾ [آل عمران: ٩٩] يعني: بتكذيب النبي ﷺ، وأن صفته ليست في كتابهم، ولا تقدمت البشارة عندهم.
وقوله: تبغونها عوجا أي: تطلبون لسبيل الله الزيغ والتحريف بالشبه التي تلبسون بها على الناس، وأنتم شهداء بما في التوراة أن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴿١٠٠﴾ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿١٠١﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿١٠٢﴾ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٠٣﴾﴾ [آل عمران: ١٠٠-١٠٣] قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٠٠] يعني الأوس والخزرج، ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] الآية.
قال عكرمة: كان بين هذين الحيين من الأوس والخزرج قتال في الجاهلية، فلما جاء الإسلام اصطلحوا
[ ١ / ٤٧١ ]
وألف الله بين قلوبهم، فجلس يهودي في مجلس فيه نفر من الأوس والخزرج، فأنشد شعرا قاله أحد الحيين في حربهم، فدخلهم من ذلك شيء، فاجتمعوا وأخذوا السلاح واصطفوا للقتال، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، فجاء النبي ﷺ حتى قام بين الصفين فقرأهن، ورفع صوته، فلما سمعوا صوت رسول الله ﷺ أنصتوا له، وجعلوا يستمعون، فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا، وجثوا يبكون.
قوله: وكيف تكفرون الآية، قال الزجاج: أي: على أي حال يقع منكم الكفر، وآيات الله التي تدل على توحيده، ونبوة نبيه محمد ﷺ ﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١] محمد ﷺ بين أظهركم؟ ! ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠١] يتمسك بحبل الله ويمتنع به، ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١] يعني الإسلام.
قوله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال ابن مسعود: حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.
وقال الكلبي، عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية شق على المسلمين مشقة شديدة ولم يطيقوا ذلك.
وحق تقاته: أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى، فلم يطق ذلك العباد، فأنزل الله على نبيه ﵇: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] يقول: ما أطقتم.
فلم يكلف العباد من طاعته وعبادته إلا ما استطاعوا، فنسخت هذه الآية ما قبلها.
[ ١ / ٤٧٢ ]
وقال قتادة: حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى، ثم أنزل الله التخفيف واليسر بعد ذلك فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] .
١٦٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْبِرْتِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَشْعَرِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: أَوْصِنِي، قَالَ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الأَرْضِ وَذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ وَاخْزَنْ لِسَانَكَ إِلا مِنْ خَيْرٍ، فَإِنَّكَ بِذَلِكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ
قوله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] مفسر في ﴿[البقرة.
قوله ﷿:] وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [سورة آل عمران: ١٠٣] قال عبد الله: حبل الله: الجماعة.
وقال الضحاك وقتادة والسدي: حبل الله: القرآن.
وقال أبو عبيدة: الاعتصام بحبل الله: هو ترك الفرقة، واتباع القرآن، لأن المؤمن إذا اتبع القرآن أمن من العذاب.
[ ١ / ٤٧٣ ]
وروى معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣] قال: بعهد الله وبأمره.
قال ابن الأنباري: سمي عهد الله حبلا لأنه سبب النجاة، كالحبل الذي يتمسك به للنجاة من بئر ونحوها.
وقوله: ولا تفرقوا قال ابن عباس: أي: كما كنتم في الجاهلية مقتتلين على غير دين الله.
وقال الزجاج: أي: تناصروا على دين الله ولا تفرقوا.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣] بدين الإسلام، ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ [آل عمران: ١٠٣] يعني ما كان بين الأوس والخزرج من الحرب التي تطاولت عشرين ومائة سنة، إلى أن ألف الله بين قلوبهم بالإسلام، فزالت تلك الأحقاد، وصاروا إخوانا في الإسلام متوادين، وذلك قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] أي: برحمته، يعني الإسلام، إخوانا.
قوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠٣] شفا الشيء: حرفه، مثل: شفا البئر، والجمع: الأشفاء.
قال ابن عباس: يريد: لو متم على ما كنتم عليه في الجاهلية لكنتم من أهل النار.
فأنقذكم منها أي: خلصكم ونجاكم بدينه الإسلام ومحمد ﵇، يقال: أنقذته وتنقذته.
أي: خلصته، وقوله: كذلك أي: كالبيان الذي ذكر، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] لكي تهتدوا.
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٠٤﴾ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٠٥﴾ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿١٠٦﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١٠٧﴾﴾ [آل عمران: ١٠٤-١٠٧] قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤] الخطاب للمؤمنين في هذه الآية، أي: كونوا أمة، ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] قال
[ ١ / ٤٧٤ ]
مقاتل: إلى الإسلام.
ويأمرون بالمعروف يقولون بطاعة الله، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] عن معصية الله، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] يعني الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
١٦١ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ الْمَعْمَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ الدَّلالُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ أَنَّهُ قَدْ حَضَرَهُ شَيْءٌ، فَتَوَضَّأَ وَخَرَجَ، وَمَا كَلَّمَ أَحَدًا، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْعُونِي فَلا أُجِيبُكُمْ، وَتَسْأَلُونِي فَلا أُعْطِيكُمْ، وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلا أَنْصُرُكُمْ "
وقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥] يعني اليهود والنصارى، تفرقوا بالعداوة والمخالفة، ﴿وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] يعني: صاروا فرقا مختلفين وكتابهم واحد.
قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال ابن عباس، في رواية عطاء: تبيض وجوه المهاجرين وتسود وجوه قريظة والنضير الذين كذبوا بمحمد ﵇.
وقال في رواية سعيد بن جبير: تبيض وجوه أهل السنة
[ ١ / ٤٧٥ ]
وتسود وجوه أهل البدعة.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] فقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال ابن عباس: هم اليهود، شهدوا لمحمد ﵇ بالنبوة، فلما قدم عليهم كذبوه وكفروا به.
وقال قتادة: هم أهل البدع كلهم.
١٦٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مَأْمُونُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَأْمُونٍ السَّرِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ الْهِسِنْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قَالَ: هُمُ الْخَوَارِجُ "
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ﴿١٠٨﴾ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴿١٠٩﴾﴾ [آل عمران: ١٠٨-١٠٩] قوله: تلك آيات قال ابن عباس: يعني القرآن.
﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ [آل عمران: ١٠٨] نعرفك إياها ونبينها، بالحق بأنها حق، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨] فيعاقبهم بلا جرم، قال الزجاج: أعلم الله تعالى أنه يعذب من يعذبه باستحقاقه.
[ ١ / ٤٧٦ ]
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿١١٠﴾ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴿١١١﴾ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿١١٢﴾﴾ [آل عمران: ١١٠-١١٢] قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال الفراء والزجاج: كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ.
قالا: ويجوز أن يكون معنى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]: أنتم خير أمة، كقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] وقال في موضع آخر: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦] .
قال ابن عباس: يريد أمة محمد ﵇.
وقال الزجاج: أصل هذا الخطاب لأصحاب رسول الله ﷺ، وهو يعم سائر أمته.
وقوله: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال أبو هريرة: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في دين الإسلام.
وقال عكرمة ومجاهد: خير الناس، لأنه لم يؤمر أحد بالقتال غير محمد ﷺ، فأنتم تسبون الروم وفارس تدخلونهم في دينكم.
١٦٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْجُورِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا
[ ١ / ٤٧٧ ]
شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنْتُمْ وَفَيَّتْمُ سَبْعِينَ أُمَّةً، وَأَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ»
١٦٤ - وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، ثَمَانُونَ مِنْ أُمَّتِي، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ»
[ ١ / ٤٧٨ ]
١٦٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أُمَّتِي مَرْحُومَةٌ، لا حِسَابَ عَلَيْهَا فِي الآخِرَةِ وَلا عَذَابَ»
وذكر عيسى ابن مريم أمة محمد ﵇، فقال: أخف الناس أحلاما وأثقلهم ميزانا، فأما خفة أحلامهم: فلعنهم البهائم، وأما ثقل موازينهم: فذلة ألسنتهم بكلمة ثقلت على من كان قبلهم: لا إله إلا الله.
[ ١ / ٤٧٩ ]
ثم مدحهم بما فيهم من الخصال الحميدة، وأخبر بها عنهم، فقال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
قوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١] أي: ضررا يسيرا باللسان، مثل الوعيد والبهت، ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ﴾ [آل عمران: ١١١] أي: ينهزمون، فيجعلون مآخيرهم مما يليكم.
وهذا وعد من الله تعالى لنبيه والمؤمنين بالنصرة على أهل الكتاب وهزيمتهم عند القتال، فلم يقاتل يهود المدينة رسول الله ﷺ والمسلمين إلا ولوا منهزمين.
قوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران: ١١٢] فسرناه في ﴿[البقرة.
] أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ [سورة آل عمران: ١١٢] صودفوا ووجدوا، ﴿إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أي: بعهد من الله وعهد من المؤمنين، يعني الذمة والأمان الذي يأخذونه من المؤمنين بإذن الله، فيحقن دماءهم، ويمنع فروجهم وأموالهم عن الاغتنام والسبي، وباقي الآية تقدم تفسيره في ﴿[البقرة.
] لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴿١١٣﴾ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١١٤﴾ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴿١١٥﴾﴾ [سورة آل عمران: ١١٣-١١٥] قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: ١١٣] أخبر الله تعالى أن أهل الكتاب غير متساوين، ثم أخبر بافترائهم فقال: ﴿مِنْ
[ ١ / ٤٨٠ ]
أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] قال ابن عباس: أي: على الحق وعلى أمر الله، لم يتركوه كما تركه الآخرون.
وقال السدي: قائمة بطاعة الله.
﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٣] يقرءون كتاب الله، ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ١١٣] ساعاته، الواحد إنى، مقصور، وإني مثل نحي.
أراد مؤمني أهل الكتاب، وهم يسجدون أي: يصلون.
وقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٤] قال ابن عباس: بتوحيد الله.
﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٤] عن الشرك بالله.
وقال الزجاج: يأمرون باتباع النبي ﵇ وينهون عن الإقامة على مشاقته.
﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٤] يبادرونها خوف الفوت بالموت، ويجوز أن يكون المعنى: يعملونها غير متثاقلين فيها.
﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥] لن يعدموا ثوابه، ولن يجحدوا جزاءه، ومن قرأ بالياء فهو كناية وإخبار عن الأمة القائمة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١١٦﴾ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿١١٧﴾﴾ [آل عمران: ١١٦-١١٧] قوله: إن الذين كفروا يعني اليهود، ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٦] لن تدفع عنهم الضرر إذا نزل بهم، ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلا
[ ١ / ٤٨١ ]
أَوْلادُهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٦] المعنى: لن تغني عنهم أموالهم في الصدقات ولا أولادهم في الشافاعات، بخلاف المؤمن، فإن المؤمن ينفعه ماله في الكفارات والصدقات، وأولاده في الشفاعة.
ثم ذكر بطلان نفقاتهم فقال: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١١٧] قال مجاهد: يعني جميع نفقات الكفار في الدنيا وصدقاتهم.
وقال مقاتل: يعني نفقة سفلة اليهود على علمائهم.
وقوله: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧] الصر: البرد الشديد.
قال الزجاج: أعلم الله تعالى أن ضرر نفقتهم عليهم كضرر هذه الريح على هذا الزرع، وهو قوله: ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٧] بالكفر والمعصية، ﴿فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١١٧] لأن كل ما فعله بخلقه فهو منه عدل، ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧] بالكفر والعصيان.
والمعنى: أن هؤلاء رجوا فائدة نفقاتهم، فعادت عليهم بالمضرة، كما رجا أصحاب الزرع عائدة زروعهم فضرتها الريح، فأهلكتها.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١١٨﴾ هَأَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١١٩﴾ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿١٢٠﴾﴾ [آل عمران: ١١٨-١٢٠] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] نزلت في النهي عن مداخلة اليهود
[ ١ / ٤٨٢ ]
والمنافقين، وبطانة الرجل: خاصته الذين يستبطنون أمره، وأصله من البطن.
وقوله: من دونكم أي: من دون المسلمين ومن غير أهل ملتكم.
وقوله: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ [آل عمران: ١١٨] يقال: ألا يألو، إذا فتر وضعف وقصر.
والألو: التقصير، والخبال: الفساد والشر.
والمعنى: لا يدعون جهدهم في مضرتكم وفسادتكم.
قال الزجاج: أي: لا يبقون غاية في إلقائكم فيما يضركم.
وقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ما ههنا: ما المصدر، والمعنى: ودوا عنتكم، وهو دخول المشقة على الإنسان ووقوعه فيما لا يستطيع الخروج منه، قال السدي: تمنوا ضلالكم عن دينكم.
وقوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] قد ظهرت عداوتهم بالشتيمة والوقيعة في المسلمين وإطلاع المشركين على أسرارهم، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] من العداوة والخيانة، أكبر أعظم مما أظهروا، ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨] قال السدي: قد بينا آياتهم لتعرفوهم بها.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] موقع نفع البيان.
﴿هَأَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] قال الزجاج: ها: تنبيه دخل على أنتم، وأولاء في معنى: الذين، كأنه قيل: هأنتم الذين تحبونهم، ولا يحبونكم أي: تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء، وهم يريدونكم على الكفر وهو الهلاك.
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] قال ابن عباس: يريد: بالذي أنزل على محمد والذي أنزل على عيسى والذي أنزل على موسى.
وقوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] أي: عضوا الأنامل من الغيظ عليكم، ففيه تقديم وتأخير.
والغيظ: الإغضاب، يقال: غاظه.
أي: أغضبه.
والأنامل: أطراف الأصابع، الواحدة: أنملة، وعض الأصابع واليد من فعل المغضب الذي فاته ما لا يقدر
[ ١ / ٤٨٣ ]
على أن يتداركه، أو يرى شيئا يكرهه ولا يقدر أن يغيره.
قال المفسرون: وإنما ذلك لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم، وصلاح ذات بينهم، وقوله: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] أمر الله نبيه أن يدعو عليهم بهذا، وهو أن يدوم غيظهم إلى أن يموتوا، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩] بما فيها من خير وشر.
وقال ابن الأنباري: معناه: ما تخفيه القلوب من المضمرات.
قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠] أي: إن نالكم نصر وغنيمة وخصب تسؤهم وتحزنهم، يقال: ساءه كذا، إذا أحزنه.
يسوءه مساءة.
﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠] أي: نالكم ضد ذلك، ﴿يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ [آل عمران: ١٢٠] على ما تسمعون من أذاهم، وتتقوا مقاربتهم في دينهم، والمحبة لهم، ﴿لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠] ضمن الله للمؤمنين النصر إن صبروا، وأعلمهم أن عداوتهم وكيدهم غير ضار لهم، وقرئ لا يضركم من ضاره إذا أضره.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠] أي: عالم به، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
قال قتادة في هذه الآية: إذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهروا على عدوهم غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا فرقة واختلافا، أو أصيب المسلمون سرهم وأعجبوا به.
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١٢١﴾ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ
[ ١ / ٤٨٤ ]
أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١٢٢﴾ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٢٣﴾ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴿١٢٤﴾ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴿١٢٥﴾ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿١٢٦﴾ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴿١٢٧﴾ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴿١٢٨﴾ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٢٩﴾﴾ [آل عمران: ١٢١-١٢٩] قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١] الآية، قال المفسرون: هذا كان يوم أحد، غدا رسول الله ﷺ من منزل عائشة إلى أحد، فجعل يصف أصحابه للقتال.
وقوله: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢١] يقال: بوأته منزلا، وبوأت له منزلا.
أي: أنزلته إياه، والمباءة: المنزل، وقوله: ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] أي: مراكز ومثابت، قال ابن عباس: كل رجل لمقعده.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١] يسمع قولكم ويعلم ما في ضمائركم، وذلك أن رسول الله ﷺ استشار أصحابه في الخروج إلى أحد، فمنهم من أشار عليه بالمقام في المدينة، ومنهم من أشار عليه بالخروج إليهم، فقال الله تعالى: أنا أسمع ما يقوله المشيرون، وأعلم ما يضمرون.
قال المسور بن مخرمة: قلت لعبد الرحمن بن عوف: أي خال، أخبرني عن قصتكم يوم أحد.
قال: اقرأ
[ ١ / ٤٨٥ ]
العشرين ومائة من آل عمران، تجد قصتنا، ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢١] إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً﴾ [آل عمران: ١٥٤] .
قوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ [آل عمران: ١٢٢] أي: تجبنا، يعني بني سلمة وبني حارثة، هما بالانصراف مع عبد الله بن أبي المنافق، فعصمهما الله، وهو قوله: والله وليهما أي: ناصرهما.
وقال جابر بن عبد الله: فينا نزلت ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ﴾ [آل عمران: ١٢٢] نحن الطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة، وما نحب أنها لم تنزل لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] .
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] الآية، بدر: اسم موضع نصر هناك رسول الله ﷺ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] جمع ذليل، أي: بقلة العدد وضعف الحال بقلة السلاح والمال.
١٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ النَّضْرُوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ فَارِسًا يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرُ الْمِقْدَادِ
١٦٧ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرِجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَطَّةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْمَنِيعِيُّ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَاتَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ
[ ١ / ٤٨٦ ]
١٦٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْمَنِيعِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ، قَالَ: كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ الاثْنَيْنِ صَبِيحَةَ سَبْعَةَ عَشَر مِنْ رَمَضَانَ
١٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ الأَبْرَشُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَدَدُ أَهْلِ بَدْرٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلا
[ ١ / ٤٨٧ ]
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣] أي: اتقوا عقاب الله بالعمل بطاعته لتقوموا بشكر نعمته.
قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٤] الآية، قال الشعبي: بلغ المؤمنين أن كرز بن جابر الحنفي يريد أن يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٤] الآية.
قوله: بلى تصديق لوعد الله بالإمداد والكفاية، إن تصبروا على لقاء العدو، وتتقوا معصية الله ومخالفة نبيه، ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥]، وأصل الفور: غليان القدر، يقال: فارت القدر تفور فورا.
ثم يقال للغضبان: فار فائره، إذا اشتد غضبه.
قال ابن عباس وقتادة والربيع: من وجههم.
وقال مجاهد: من غضبهم.
وقوله: يمددكم ربكم أصل المد والإمداد في اللغة: الزيادة، يقال: مد النهر، ومد الماء، إذا زاد ومده نهر آخر.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] أي: يزيد منه، وأكثر ما يستعمل الإمداد في الخير، ومنه قوله: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥]، ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ﴾ [الطور: ٢٢] .
وقوله: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] أي: يزد في عددكم بهذا العدد من الملائكة.
[ ١ / ٤٨٨ ]
ومن فتح الواو من المسومين فمعناه: معلمين قد سوموا، فهم مسومون والسومة: العلامة، ومن كسر الواو: نسب الفعل إليهم، لما روي أن النبي ﷺ قال يوم بدر: «سوموا، فإن الملائكة قد سومت» .
قال ابن عباس: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض، قد أرسلوها في ظهورهم.
وقال الحسن: مسومين بالصوف في نواصي الخيل وأذنابها.
وقال عباد بن عبد الله بن الزبير: كانت على الزبير يوم بدر عمامة صفراء معتجرا، فنزلت الملائكة عليها عمائم صفر.
قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٢٦] أي: ما جعل الله ذكر المدد، ﴿إِلا بُشْرَى لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٦] والبشرى: اسم من الإبشار والتبشير، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] فلا تجزع من كثرة العدو وقلة عدوكم.
وقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] أراد الله أن لا يركن المؤمنون إلى الملائكة، وأعلمهم أنهم وإن حضروا
[ ١ / ٤٨٩ ]
وقاتلوا فما النصر إلا من عند الله ليستعينوا به ويتوكلوا عليه.
والإمداد بالملائكة: بشرى لهم، وطمأنينة لقلوبهم، لما في البشر من الضعف، فأما حقيقة النصر فهو من عند الله، العزيز الحكيم.
وقوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٢٧] أي: ليهلك طائفة، وليقتل قطعة.
قال السدي: ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقتل من قادتهم وسادتهم يوم بدر سبعون، وأسر سبعون.
وقوله: أو يكبتهم الكبت في اللغة: صرع الشيء على وجهه، يقال: كبته فانكبت.
ثم يذكر والمراد به: الإخزاء والهلاك واللعن والهزيمة والإذلال. . . هذا ما ذكره المفسرون في تفسير الكبت.
وقوله: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧] أي: يرجعوا وينصرفوا ولم يدركوا ما أملوا.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] الآية:
١٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو صَادِقٍ مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ ملاسٍ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رُمِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ، وَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: «كَيْفَ يَفْلَحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]
[ ١ / ٤٩٠ ]
ومعنى أو في قوله: أو يتوب معنى حتى، وإلى أن.
قال الفراء: ومثل هذا في الكلام: لألزمنك أو تعطيني حقي.
على معنى: إلى أن تعطيني وحتى تعطيني.
ولما نفى الأمر عن نبيه ذكر أن جميع الأمر له، فقال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩] قال ابن عباس: الذنب العظيم للموحدين.
﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩] قال: يريد المشركين على الذنب الصغير.
والله غفور لأوليائه، رحيم بهم.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٣٠﴾ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴿١٣١﴾ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٣٢﴾﴾ [آل عمران: ١٣٠-١٣٢] قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] قال المفسرون: إنهم كانوا يزيدون على المال ويؤخرون الأجل، كلما أخر عن أجل إلى غيره زيد زيادة.
قال مجاهد: يعني ربا الجاهلية.
واتقوا الله بطاعته، لعلكم تفلحون كي تسعدوا وتبقوا في الجنة، قال الزجاج: المفلح: الذي أدرك ما أمل من الخير.
قوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] قال ابن عباس: يهدد المؤمنين إن استحلوا ما حرم الله عليهم من الربا مما أوجب به النار.
وقال الزجاج: اتقوا أن تحلوا ما حرم الله، فإن من أحل شيئا مما حرم الله فهو كافر بالإجماع.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] فيما يأمران به من النهي عن أكل الربا، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] .
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾ الَّذِينَ
[ ١ / ٤٩١ ]
يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣٤﴾ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٣٥﴾ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴿١٣٦﴾﴾ [آل عمران: ١٣٣-١٣٦] قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] قال عطاء عن ابن عباس: لا تصروا على الذنب، إذا أذنب أحد فليسرع الرجوع، يغفر الله له.
وقال في رواية الكلبي: إلى التوبة من الزنا وشرب الخمر.
وفي الكلام محذوف على تقدير: وسارعوا إلى موجب مغفرة من ربكم.
﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] قال ابن عباس: يريد: لرجل واحد من أوليائه.
وقال كريب: أرسلني ابن عباس إلى رجل من أهل الكتاب أسأله عن هذه الآية، فأخرج أسفار موسى فنظر، فقال: يلفق كما يلفق الثوب، فأما طولها فلا يقدر أحد قدره.
وقال في رواية أبي صالح: الجنان أربع: جنة عدن وهي الدرجة العليا، وجنة الفردوس، وجنة النعيم، وجنة المأوى، وكل جنة منها كعرض السموات والأرض لو وصل بعضها إلى بعض.
أعدت في الآخرة، للمتقين الشرك والفواحش.
ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قال ابن عباس: في اليسر والعسر.
وسمى اليسر سراء لأنه يسر الإنسان، وسمى العسر ضراء لأنه يضر الإنسان.
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] يقال: كظم غيظه، إذا سكت عليه ولم يظهره بقول أو فعل.
قال المراد: تأويله: أنه كتمه على امتلائه منه.
[ ١ / ٤٩٢ ]
والمعنى: الكافين غضبهم عن إمضائه، يردون غيظهم في أجوافهم ويصبرون فلا يظهرون.
١٧١ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَاذِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ زَبَّانَ بْنِ فَائِدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ، دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ فَيُخَيِّرُهُ فِي الْحُورِ الْعِينِ، يُزَوِّجْهُ مِنْهُنَّ أَيَّهَا شَاءَ»
وقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قال ابن عباس: عن المماليك، إذا أذنب واحد منهم ذنبا عفوا عنه لما يرجون من ثواب الله.
وقال زيد بن أسلم ومقاتل: أي: ممن ظلمهم وأساء إليهم.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قال ابن عباس: يريد الموحدين الذين هذه الخصال فيهم.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: ١٣٥] قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت الآية في نبهان التمار، أتته
[ ١ / ٤٩٣ ]
امرأة حسناء تبتاع منه تمرا، فضمها إلى نفسه وقبلها، ثم ندم على ذلك، فأتى النبي ﵇، فذكر له ذلك، فنزلت هذه الآية.
ومعنى الفاحشة ههنا: الزنا.
وقوله: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] قال الكلبي ومقاتل: هو ما دون الزنا من قبلة أو لمسة أو نظر فيما لا يحل، مثل الذي فعل نبهان.
وقوله: ذكروا الله قال الضحاك: ذكروا العرض الأكبر على الله ﷿.
وقال مقاتل والواقدي: تفكروا أن الله سائلهم عنه.
وقوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] أي: قالوا: اللهم اغفر لنا ذنوبنا، فإنا تبنا إليك وندمنا.
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥] لم يقوموا ولم يدوموا، بل تابوا وأقروا واستغفروا.
١٧٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ، قَالَ: لَقِيتُ مَوْلًى لأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقُلْتُ: سَمِعْتُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقوُلُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمْ يُصِرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً»
[ ١ / ٤٩٤ ]
١٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبَانٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ، مِنْ بَنِي أَسَدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَسْمَاءَ، أَوِ ابْنِ أَسْمَاءَ، مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ، قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِذَلِكَ الذَّنْبِ إِلا غَفَرَ لَهُ»، وَقَرَأَ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]
وقوله: وهم يعلمون قال مجاهد: يعلمون أنه يغفر لمن استغفر ويتوب على من تاب إليه.
ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي ذر، عن رسول الله ﷺ، فيما يرويه عن ربه ﷿، أنه قال: من علم أني ذو قدرة على أن أغفر له غفرت له ولا أبالي.
[ ١ / ٤٩٥ ]
ثم ذكر جزاء المستغفرين من الذنب فقال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٦] إلى قوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦] أي: نعم أجر العاملين المغفرة.
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿١٣٧﴾ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٨﴾ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٣٩﴾ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴿١٤١﴾﴾ [آل عمران: ١٣٧-١٤١] قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] السنن: جمع السنة، وهي المثال المتبع والإمام المؤتم به، وسنة الله: أمره ونهيه، وسنة النبي ﵇: طريقته.
يقول الله تعالى: قد مضت مني فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية المكذبة الكافرة سنن بإمهالي واستدراجي إياهم، حتى يبلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلته في إهلاكهم، وبقيت لهم آثار في الدنيا، فيها أعظم الاعتبار.
﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ [آل عمران: ١٣٧] آخر أمر، المكذبين منهم.
وقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] يعني: القرآن بيان من العمى، وهدى من الضلال، وموعظة من الجهل، للمتقين يعني هذه الأمة.
قوله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] هذه الآية تسلية للنبي ﷺ وللمسلمين من الله تعالى، لما نالهم يوم أحد من القتل والجرح.
ومعنى ولا تهنوا: لا تضعفوا، يقال: وهن يهن وهنا فهو واهن، إذا ضعف في العمل.
قال المفسرون: لا تهنوا عن جهاد عدوكم، ولا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة، فإنكم أنتم الأعلون، أي: لكم تكون العافية بالنصر والظفر.
قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] يعني: إن الإيمان يوجب ما ذكر من ترك الوهن والحزن، أي: من كان مؤمنا يجب أن لا يهن ولا يحزن لثقته بالله ﷿.
وقوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠] أي: يصيبكم، يقال: مسه أمر كذا، ومسته الحاجة، إذا أصابته.
[ ١ / ٤٩٦ ]
والقرح قرئ بضم القاف وفتحه، وهما لغتان في غض السلاح ونحوه مما يجرح الجسد، مثل: الضعف والضعف.
يقول: إن أصابكم جرح يوم أحد فقد أصاب المشركين مثله يوم بدر، وهو قوله: ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] .
وقوله: وتلك الأيام قال ابن عباس: يعني أيام الدنيا.
﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] قال الحسن وقتادة والسدي والربيع: نصرفها مرة لفرقة ومرة لفرقة.
والدولة: الكرة، يريد أنه أدال المسلمين من المشركين يوم بدر، وأدال المشركين من المسلمين يوم أحد.
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠] أي: ليعلمهم مميزين بالإيمان من غيرهم، أي: إنما يجعل الدولة للكفار على المسلمين ليميز المؤمن المخلص ممن يرتد عن الدين إذا أصابته نكبة.
والمعنى: ليقع ما علمه غيبا مشاهدة للناس، وليعلم ذلك كائنا موجودا كما علمه غيبا.
المجازاة إنما تقع بما يعلمه موجودا، لا بما علمه غيبا.
وقوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] أي: وليكرم قوما بالشهادة، ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] قال ابن عباس: يعني المشركين.
وفي هذا إشارة إلى أنه إنما يديل الكافرين على المؤمنين لما ذكر، لا لأنه يحبهم.
وإذا أدال المؤمنين أدالهم نصرة لهم ومحبة منه إياهم.
قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤١] أي: ليطهرهم من ذنوبهم ويسقطا عنهم، قال المبرد: تأويل قول الناس: محص عنا ذنوبنا: أذهب ما تعلق بنا من الذنوب.
فمعنى قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤١]: ليخلصهم من ذنوبهم، قال الزجاج: معنى الآية: جعل الله الأيام
[ ١ / ٤٩٧ ]
مداولة بين الناس ليمحص المؤمنين إذا أدال عليهم، ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] ويستأصلهم إذا أدال عليهم، فقابل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين لأن تمحيص هؤلاء هو بإهلاك ذنوبهم، نظير محق الكافرين بإهلاك أنفسهم.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴿١٤٢﴾ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴿١٤٣﴾﴾ [آل عمران: ١٤٢-١٤٣] قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] الآية، خطاب للذين انهزموا يوم أحد، فقيل لهم: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة كما دخل الذين قتلوا وبذلوا مهجتهم وثبتوا على ألم الجراح والضرب، من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم؟ ! وهو قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢] أي: ولما تجاهدوا فيقع العلم به.
والمعنى: ولما يعلم الله ذلك واقعا منكم، لأنه يعلمه غيبا.
قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] انتصب على الصرف عن العطف، قال ابن الأنباري: هذه الواو يسميها أهل النحو واو الصرف، والذي بعدها ينصب على خلاف ما قبلها، كما تقول العرب: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.
أي: لا تجمع بينهما، ولا تأكل السمك في حال شربك اللبن.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] الآية، قال المفسرون: كانوا يتأسفون على ما فاتهم من بدر، ويتمنون يوما مع رسول الله ﷺ، ثم انهزموا يوم أحد فاستحقوا العقاب.
قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ [آل عمران: ١٤٣] يعني: من قبل يوم أحد، وقوله: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ [آل عمران: ١٤٣] أي: رأيتم أسباب الموت وما يتولد منه الموت كالسيف والأسنة، ﴿وَأَنْتُمْ
[ ١ / ٤٩٨ ]
تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] أي: وأنتم بصراء تتأملون الحال في ذلك كيف هي، فلم انهزمتم؟ ! وهذا محذوف، وهو مراد، لأنه موضع العتاب.
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴿١٤٤﴾ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴿١٤٥﴾ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴿١٤٦﴾ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿١٤٧﴾ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤٨﴾﴾ [آل عمران: ١٤٤-١٤٨] قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية، لما نعي رسول الله ﷺ وأشيع أنه قد قتل، قال بعض المسلمين: ليت لنا من يأخذ أمانا من أبي سفيان.
وقال ناس من أهل النفاق: إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول.
فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] معناه: أنه يموت كما ماتت الرسل من قبله، ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أي: أتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد أو قتل؟ ! ويقال لكل من عاد إلى ما كان عليه ورجع وراءه: انقلب على عقبيه.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٤٤] فيه معنى الوعيد، أي: فإنما يضر نفسه باستحقاق العقاب، ﴿
[ ١ / ٤٩٩ ]
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] قال ابن عباس: يريد الطائعين لله من المهاجرين والأنصار.
وقال عبد الرحمن بن عوف في قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]: هو صياح الشيطان يوم أحد: قتل محمد.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] قال الزجاج: اللام في النفس معناها: النقل، بتقدير: وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله.
قال ابن عباس: يريد: بقضائه وقدره.
والمراد بهذا: الحض على الجهاد، من حيث لا يموت أحد فيه إلا بإذن الله.
قال ابن الأنباري: عاتب الله بهذا المنهزمين يوم أحد رغبة في الدنيا وضنا بالحياة، وأخبرهم أن الحياة لا تزيد ولا تنقص، وأن الموت بأجل عنده لا يتقدم ولا يتأخر.
وقوله: كتابا مؤجلا أي: كتب الله ذلك كتابا إلى أجله في اللوح المحفوظ، ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥] أي: من يرد بطاعته وعمله زينة الدنيا وزخرفها نؤته منها ما نشاء مما قدرناه له، كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] .
وعني بهذا الذين تركوا المركز يوم أحد طلبا للغنيمة ورغبة في الدنيا، ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] أي: من كان قصده بعمله ثواب الآخرة، ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥] يعني الذين ثبتوا يوم أحد حتى قتلوا.
أعلم الله أنه يجازي كلا على قصده وإرادته، كما روي عن النبي ﷺ في قوله: «الأعمال بالنيات» .
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ [آل عمران: ١٤٦] الآية، معنى كأين: كم، وتأويله: الكثير، لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم.
[ ١ / ٥٠٠ ]
وقرأ ابن كثير وكائن بوزن كاعن، وهما لغتان بمعنى واحد، وأكثر ما جاء في الشعر على هذه اللغة، قال جرير:
وكائن بالأباطح من صديق يراني لو أصبت هو المصابا
قوله: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] يجوز أن يكون القتل مسندا إلى نبي، ويجوز أن يكون مسندا إلى ربيون، وكذلك الوجهان من قراءة من قرأ قاتل، والربيون: الجماعات الكثيرة، الواحد: ربي، وهو قول جميع المفسرين.
قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦] قال الزجاج: ما جبنوا عن قتال عدوهم، وما فتروا، ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦] وما خضعوا لعدوهم.
والآية احتجاج على المنهزمين يوم أحد، وذلك أن صائحا صاح: قد قتل محمد.
فاضطرب أمر المسلمين، واختلفوا فيما بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية يعاتبهم على ما كان من فعلهم، ويحضهم على الجهاد بسلوك طريقة صحابة الأنبياء.
قال ابن الأنباري: أي فقد كان واجبا عليكم أن تقاتلوا على أمر نبيكم لو قتل كما قاتل أمم الأنبياء بعد قتلهم ولم يرجعوا عن دينهم.
[ ١ / ٥٠١ ]
قوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٧] أي: عند لقاء العدو، ﴿إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] أي: تجاوزنا الحد في المعاصي، وثبت أقدامنا بالقوة من عندك والنصرة.
قال الزجاج: أي ثبتنا على دينك، وإذا ثبتوا على دينهم ثبتوا في حربهم.
﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧] هذا تعليم من الله تعالى، دعاء الاستفتاح والنصرة على الكافرين عند لقائهم في الحرب.
قوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤٨] النصر والظفر والغنيمة، ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] يعني الأجر والمغفرة، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴿١٤٩﴾ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴿١٥٠﴾ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴿١٥١﴾﴾ [آل عمران: ١٤٩-١٥١] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٤٩] قال ابن عباس: يعني اليهود.
وقال السدي: يعني أبا سفيان وأصحابه.
وقال علي ﵁: يعني المنافقين، في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دين آبائكم.
وقوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩] أي: يرجعوكم إلى أول أمركم الشرك بالله، فتنقلبوا خاسرين فتصيروا خائبين من المغفرة والجنة.
﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠] ناصركم ومعينكم، أي: استغنوا عن موالاة الكفار فلا تستنصروهم، فإني وليكم وناصركم.
ثم وعدهم خذلان أعدائهم فقال: ﴿
[ ١ / ٥٠٢ ]
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] قال السدي: لما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد إلى مكة، هموا بالرجوع لاستئصال المسلمين، فألقى الله في قلوبهم الرعب، فمضوا ولم يرجعوا.
والرعب: الخوف الذي يحصل في القلب، والتخفيف والتثقيل فيه لغتان، كالكتب والرسل.
وقوله: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥١] أي: بإشراكهم، وما ههنا: للمصدر، والمعنى: بما عدلوا بالله، ومن عدل بالله شيئا من خلقه فهو كافر.
قوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١] أي: حجة وبرهانا في قول جميع المفسرين، يعني الأوثان التي عبدوها مع الله.
ومأواهم أي: مرجعهم ومصيرهم إلى ﴿النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٥١] هي، والمثوى: المكان الذي يقيم به، وهذا ذم لمكانهم من النار.
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٥٢﴾ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٥٣﴾ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١٥٤﴾ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴿١٥٥﴾﴾ [آل عمران: ١٥٢-١٥٥] قوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أي: تقتلونهم قتلا شديدا كثيرا.
[ ١ / ٥٠٣ ]
قال أبو عبيدة والزجاج: الحس: الاستئصال بالقتل، يقال: جراد محسوس، إذا قتله البرد.
قال المفسرون: كان المسلمون يوم أحد يقتلون المشركين قتلا ذريعا حتى ولوا هاربين، وانكشفوا منهزمين.
فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أي: بعلمه وإرادته.
ثم أخل الرماة بالمكان الذي ألزمهم رسول الله ﷺ إياه، فحمل حينئذ خالد بن الوليد من وراء المسلمين، وتراجع المشركون وقتل من المسلمين سبعون رجلا ثم هزموا.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أي: جبنتم عن عدوكم، يقال: فشل الرجل عن الحرب يفشل إذا ضعف وذهبت قوته، وإنه لفشل وفشل.
وقوله: ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أي: اختلفتم، وكان اختلافهم أن المشركين لما انهزموا في أول الأمر قال بعض الرماة الذين كانوا عند المركز: ما مقامنا ههنا وقد انهزم القوم؟ ! وقال بعضهم: لا نجاوز أمر رسول الله ﷺ.
وقوله: وعصيتم أي: بترك المركز، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] من الظفر والنصر والفتح، ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٥٢] يعني الذين تركوا المركز وأقبلوا إلى النهب، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] يعني الذين ثبتوا حتى قتلوا.
١٧٤ - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَدْلُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:
[ ١ / ٥٠٤ ]
مَا كُنْتُ أَدْرِي أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الدُّنْيَا، حَتَّى نَزَلَ فِينَا مَا نَزَلَ يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]
قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أي: ردكم عنهم بالهزيمة، على معنى: صرف وجوهكم عنهم، وهذا صريح في أن المعصية مخلوقة لله، حيث أضاف انهزامهم إلى نفسه فقال: صرفكم عنهم ولم يقل: انصرفتم.
قوله: ليبتليكم أي: ليختبركم بما جعل عليكم من الدبرة والهزيمة، فتبين الصابر من الجازع، والمخلص من المنافق، ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ذنبكم بعصيان الرسول والانهزام، ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] قال ابن عباس: يريد المغفرة.
١٧٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جُرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتَهُ وَهُشِّمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ وَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُهُ تَغْسِلُ الدَّمَ عَنْهُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا الْمَاءَ بِالْمِجَنِّ فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لا يَزِيدُ الدَّمَ إِلا كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ، حَتَّى إِذَا صَارَ رَمَادًا أَلْزَمَتْهُ الْجَرْحَ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمَ
قوله: إذ تصعدون يقال: أصعد في البلاد، إذا سار ومضى.
ومعنى تصعدون: تبعدون في الهزيمة.
[ ١ / ٥٠٥ ]
﴿وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣] لا تعرجون ولا تقيمون، يقال: مضى فلم يلو على شيء.
أي: لم يعرج، وأصله من لي العنق في الالتفات، ثم استعمل في ترك التعريج.
﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] أي: من خلفكم، يقول: إلي عباد الله، إلي عباد الله.
يقال: جاء فلان في آخر الناس وآخرة الناس وأخرى الناس، إذا جاء خلفهم.
وقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣] الباء بمعنى اللام، أي: جعل مكان ما ترجعون من الثواب أن غمكم بالهزيمة، وظفر المشركين بغم، أي: بغمكم رسول الله ﷺ إذ عصيتموه فعصيتم أمره، فالغم الأول لهم، والثاني للنبي ﵇، وهذا القول اختيار الزجاج.
قوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣] تذكير للتحذير.
قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤] قال المفسرون: إن المشركين لما انصرفوا يوم أحد كانوا يتوعدون المسلمين بالرجوع، ولم يأمن المسلمون كرتهم، وكانوا تحت الحجف متأهبين للقتال، فأنزل الله تعالى عليهم دون المنافقين أمنة، فأخذهم النعاس.
قال ابن عباس: آمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم بعد خوف، وإنما ينعس من أمن، والخائف لا ينام.
قال أبو طلحة: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت لا أرى أحدا من القوم إلا وهو يميد تحت حجفته من النعاس.
قال: وكنت ممن ألقي عليه النعاس يومئذ، فكان السيف يسقط من يدي، فآخذه، ثم يسقط السوط من يدي، فآخذه.
[ ١ / ٥٠٦ ]
والأمنة: مصدر كالأمن، يقال: أمن فلان يأمن أمنا وأمنة وأمانا.
والنعاس: بدل من الأمنة.
قوله: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] قرئ بالياء والتاء، فمن قرأ بالياء فلأن النعاس هو الغاشي، والعرب تقول: غشيني النعاس، وقل ما غشيني الأمن.
ومن قرأ بالتاء جعل الأمنة هي الغاشية، لأن الأصل الأمنة، والنعاس بدل، والأمنة هي المقصود، وإذا حصلت الأمنة حصل النعاس.
وقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] يعني المنافقين: عبد الله بن أبي، ومعتب بن قشير، وأصحابهما، كان همهم خلاص أنفسهم.
يقال: أهمني الشيء.
أي: كان من همي وقصدي.
قوله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١٥٤] أي: يظنون أن أمر محمد ﷺ مضمحل، وأنه لا ينصر، ظن الجاهلية وهي زمان الفترة قبل الإسلام.
والتقدير: ظن أهل الجاهلية، أي: أنهم كانوا على جهالتهم في ظنهم هذا.
﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ١٥٤] هذا استفهام معناه الجحد، أي: ليس لنا من النصر والظفر شيء كما وعدنا، بل هو للمشركين يقولون ذلك على جهة التكذيب، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] قال ابن عباس: يريد: القضاء والقدرة والنصرة والشهادة.
وقرأ أبو عمرو كله بالرفع على الابتداء، ولله الخبر.
[ ١ / ٥٠٧ ]
قال الفراء: ومثله مما قطع مما قبله قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] ومن هذا أيضا ما أجازه سيبويه من قولهم: أين تظن زيد ذاهب.
وقوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران: ١٥٤] من الشك والنفاق وتكذيب الوعد بالنصرة، ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] يعنون: أنهم خرجوا كرها، ولو كان الأمر بيدهم لم يخرجوا.
١٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الأُمَوِيِّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِنَّ النُّعَاسَ لَيَغْشَانَا بَعْدَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ الَّذِي كُنَّا فِيهِ إِذْ سَمِعْتُ مُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ، وَمَا أَسْمَعُهَا إِلا كَالْحُلْمِ، يَقُولُ: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَهُنَا "
ثم رد الله تعالى عليهم هذا الكلام بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] أيها المنافقون، ولم تخرجوا إلى أحد، ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] يعني: لو تخلفوا عن القتال لخرج الذين كتب عليهم القتل، ولم يكن لينجيهم قعودهم.
ويريد بالمضاجع: مصارعهم للقتل إلى حيث يسقطون هناك قتلى.
وقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] قال الزجاج: أي ليختبر ما في صدوركم ليعلمه مشاهدة كما علمه غيبا، لأن المجازاة إنما تقع على ما علمه مشاهدة.
[ ١ / ٥٠٨ ]
وتقدير الآية: وليبتلي الله ما في صدوركم فعل ما فعل يوم أحد.
وقوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] قال قتادة: ليطهرها من الشك والارتياب بما يريكم من عجائب صنعه في إلقاء الأمنة وصرف العدو، وإعلان سرائر المنافقين.
وهذا التمحيص خاص للمؤمنين دون المنافقين، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] أي: بما فيها من خير وشر.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥] يعني الذين انهزموا يوم أحد، ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥] أي: حملهم على الزلة، وكسبهم الزلة، ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] قال مقاتل: يعني معصيتهم النبي ﵇ وتركهم المركز.
﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] غفر لهم تلك الخطيئة، قال قتادة في هذه الآية: تولى أناس من أصحاب النبي ﷺ يوم أحد عن القتال وعن نبي الله، وكان ذلك من أمر الشيطان، فأنزل الله ما تسمعون أنه قد تجاوز عن ذلك وعفا عنهم.
١٧٧ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَيَّانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا الْقَارِي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَفَعَ صَوْتَهُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:
[ ١ / ٥٠٩ ]
بِأَيْشِ تَرْفَعُ صَوْتَكَ عَلَيَّ وَلَقَدْ شَهِدْتُ بَدْرًا وَلَمْ تَشْهَدْ، وَبَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ تُبَايِعْ، يَعْنِي بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَفَرَرْتَ يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ أَفِرَّ.
فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَمَّا قَوْلُكَ شَهِدْتُ بَدْرًا وَلَمْ تَشْهَدْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَلَّفَنِي عَلَى ابْنَتِهِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بَايَعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ أُبَايِعْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ ضَرَبَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ لِعُثْمَانَ، فَشِمَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرٌ مِنْ يَمِينِي، وَلَقَدْ عَلِمْتُ ذَلِكَ أَنْتَ، وَأَمَّا قَوْلُكَ فَرَرْتُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلُمْتَ بِذَنْبٍ عَفَا اللَّهُ لِي عَنْهُ
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١٥٦﴾ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴿١٥٧﴾ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴿١٥٨﴾﴾ [آل عمران: ١٥٦-١٥٨] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] الآية، قال ابن عباس: يريد قوما من المنافقين قالوا فيمن بعثه رسول الله ﷺ من السرايا إلى بئر معونة وإلى الرجيع فأصيبوا: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.
[ ١ / ٥١٠ ]
وقوله: ﴿وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦] أي: في النفاق، ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦] أي: ساروا وسافروا فيها، ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦] جمع غاز، مثل: صائم وصوم، ونائم ونوم.
وفي الآية محذوف يدل عليه الكلام، والتقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا، أو كانوا غزى فقتلوا.
﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] وهذا الظاهر يدل على موتهم وقتلهم.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦] أي: ليجعل ظنهم أنهم لو لم يحضروا الحرب اندفع عنهم القتل، حسرة في قلوبهم، وحسرتهم في مقالتهم التي كانوا كاذبين فيها على القضاء والقدر أشد عليهم مما نازلهم في قتل إخوانهم وموتهم.
وتقدير معنى الآية: لا تكونوا كهؤلاء الكفار عَنَّ هذا القول منهم ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم دونكم.
﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [آل عمران: ١٥٦] أي: ليس ينفع الإنسان تحرزه من إتيان أجله على ما سبق في علم الله، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦] بالياء والتاء، فمن قرأ بالتاء فلأن الآية خطاب، وهو قوله: ولا تكونوا، ومن قرأ بالياء فللغيبة التي قبلها، وهي قوله: وقالوا لإخوانهم.
قوله: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٧] اللام في لئن: لام القسم، بتقدير: والله لئن قتلتم في سبيل الله أيها المؤمنون، أو متم في سبيل الله.
وقرئ متم بكسر الميم، وهو شاذ، ونظيره في الصحيح: فضل يفضل.
والخطاب للمؤمنين، يقول الله تعالى: ولئن قتلتم في الجهاد، أو متم ليغفرن لكم، وهو قوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧] من أعراض الدنيا التي تتركون القتال في سبيل الله للاشتغال بجمعها.
وقرأ حفص يجمعون بالياء، ويكون المعنى: لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعه غيركم مما تركوا القتال لجمعه.
[ ١ / ٥١١ ]
ولئن متم يريد: مقيمين عن الجهاد، أو قتلتم مجاهدين، ﴿لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨] يعني: في الحالين، وهذا تهديد بالحشر، وتحذير من القيامة.
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ما ههنا: صلة، لا تمنع الباء من عملها فيما عملت فيه، وهي كثيرة في القرآن كقوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، و﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ﴾ [ص: ١١]، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] .
والمعنى: فبرحمة من الله، لنت لهم أي: سهلت أخلاقك، وكثر احتمالك.
يقال: لان يلين لينا وليانا، إذا رق وحسن خلقه وانقاد.
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ [آل عمران: ١٥٩] الفظ: الغليظ الجانب، السيء الخلق، يقال: فظظت تفظ فظاظة، فأنت فظ.
وقال الكلبي: لو كنت فظا في القول غليظ القلب في الفعل، ﴿لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] لتفرقوا ونفروا منك.
وقوله: فاعف عنهم أي: عن الشيء يكون منهم، واستغفر لهم من ذلك الذنب، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قال قتادة: أمر الله تعالى نبيه أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحي السماء، لأنه أطيب لأنفس القوم إذا شاور بعضهم بعضا.
وقال الضحاك: ما أمر الله نبيه بالمشورة إلا لما يعلم ما فيها من الفضل.
وروى عمرو بن دينار، عن ابن
[ ١ / ٥١٢ ]
عباس في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قال: يريد أبا بكر وعمر.
وقوله تعالى: فإذا عزمت أي: على ما تريد إمضاءه فتوكل على الله لا على المشاورة.
ومعنى التوكل: تفويض الأمر إلى الله للثقة بحسن تدبيره.
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠] وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠] أي: من الناس.
والمعنى: إن ينصركم الله لم يضركم خذلان من خذلكم.
وإن يخذلكم معنى الخذلان: القعود عن النصرة وقت الحاجة إليها.
﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠] هذا استفهام بمعنى النفي، أي: لا ينصركم أحد من بعده.
وقال الكلبي: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٦٠] يعني أصحاب رسول الله ﷺ كما فعل يوم بدر، ﴿فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠] كما كان يوم أحد، ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠] أي: يمنعكم من عدوكم.
وقوله: من بعده ظاهر الكناية يعود إلى اسم الله تعالى.
والمعنى على حذف المضاف بتقدير: من بعد خذلانه.
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] قوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] روى عكرمة، عن ابن عباس: فقدت قطيفة حمراء يوم بدر
[ ١ / ٥١٣ ]
مما أصيب من المشركين، فقال أناس: لعل النبي ﷺ أخذها.
فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] أي: يخون، من الغلول وهو الخيانة، وأصله: أخذ الشيء في خفية، يقول: ما كان لنبي أن يخون فيكم الغنيمة من أصحابه.
وأن مع الفعل بمنزلة المصدر، كأنه قيل: ما كان لنبي الغلول، أراد: ما غل نبي، ينفي عن الأنبياء الغلول.
وقرئ يغل بضم الياء وفتح الغين، من الأغلال وهو النسبة إلى الغلول، قال الفراء: قرأ أصحاب عبد الله يغل يريدون: أن يسرق ويخون، وذلك جائز، وإن لم يقل: يغلل، فيكون مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] و﴿لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] .
١٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّجَّارُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَزِيدَ النَّرْسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الدُّورِيُّ الْمُقْرِي، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيِّ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلاءِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] وَيَقُولُ: كَيْفَ لا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَغُلَّ، وَقَدْ كَانَ يَقْتُلُ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ﴾ [آل عمران: ١١٢] وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ اتَّهَمُوا النَّبِيَّ ﷺ فِي شَيْءٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]
[ ١ / ٥١٤ ]
١٧٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّ يَقُولُ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَ اللُّتَبْيَةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذِهِ الْهَدِيَّةُ أُهْدِيَتْ إِلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَلا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أُمِّكَ وَأَبِيكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ؟ ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، فَلا أَعْرِفَنَّ رَجُلا يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ يَحْمِلُ عَلَى عُنُقِهِ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ، ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، فَقَالَ: أَلا هَلْ بَلَّغْتُ، ثَلاثًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ١٦١] قال ابن عباس: يريد: تجازى ثواب عملها.
وهم لا يظلمون لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئا.
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿١٦٢﴾ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿١٦٣﴾﴾ [آل عمران: ١٦٢-١٦٣] قوله: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٢] يعني: بالعمل بطاعته والإيمان به، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٢] في العمل بمعصية الله والكفر به، قال ابن عباس ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٢] يريد المهاجرين والأنصار، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٢] يريد المنافقين.
وقال الزجاج: يروى أن النبي ﷺ حين أمر المسلمين يوم أحد بالحرب اتبعه المؤمنون، وتخلف عنه جماعة
[ ١ / ٥١٥ ]
من المنافقين، فأعلم الله أن من اتبع نبيه اتبع رضوان الله، وأن من تخلف عنه فقد باء بسخط من الله.
ومعنى باء به: احتمله ورجع به، وذكرنا هذا في ﴿[البقرة.
قوله:] هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٣] أي: أهل درجات، أو ذوو درجات، فحذف المضاف، والمعنى: أن المؤمنين ذوو درجة رفيعة، والكافرين ذوو خسيسة.
قال ابن عباس: يعني أن من اتبع رضوانه ومن باء بسخط منه مختلفو المنازل عند الله، فلمن اتبع رضوانه الكرامة والثواب، ولمن باء بسخط منه المهانة والعذاب.
وهذا قول الكلبي، قال: أهل الجنة بعضهم أفضل من بعض، وكل في فضل وكرامة، وأهل النار بعضهم أشد عذابا من بعض، وكل في عذاب وهوان.
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] أي: أنعم عليهم وأحسن إليهم، ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] هذا خاص للعرب، لأن النبي ﷺ كان من العرب، ولم يكن حي من أحياء العرب إلا وقد ولده وله فيهم نسب، غير بني تغلب، لأنهم كانوا نصارى، فطهره الله منهم.
ومعنى من أنفسهم: من نسبهم، قال ابن عباس: يريد: من نسبهم، وهو من ولد إسماعيل.
وهذا قول عائشة ﵂، لأنها قالت: هذا للعرب خاصة.
وقال آخرون: المراد به المؤمنون كلهم، ومعنى من أنفسهم: أنه واحد منهم يعرفونه ويعرفون نسبه، وليس بملك ولا أحد من غير بني آدم.
وهذا القول اختيار الزجاج، قال: لو كانت المنة فيه أنه من العرب لكان العجم لا منة عليهم، ولكن المنة فيه أنه قد خبر أمره وشأنه، وعلم صدقه بعد أن علموا أنه كان واحدا منهم، فكان أيسر عليهم معرفة أحواله من الصدق والأمانة.
[ ١ / ٥١٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] أي: وما كانوا من قبل محمد إلا في ضلالة، كقوله: وإن كنتم من قبله لمن الظالمين.
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٦٥﴾ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٦٦﴾ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴿١٦٧﴾ الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٦٨﴾﴾ [آل عمران: ١٦٥-١٦٨] قوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] يعني: أوحين أصابتكم، ألف الاستفهام دخلت على واو العطف، وأراد بالمصيبة: ما أصابهم يوم أحد.
وقوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] يعني يوم بدر، وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] قلتم: من أين أصابنا هذا القتل والهزيمة وقد تقدم الوعد بالنصر ونحن مسلمون ورسول الله ﷺ فينا؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] أي: إنكم تركتم المركز، وطلبتم الغنيمة، وعصيتم الرسول، فمن قِبَلكم جاء الشر.
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ في قوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] أي: يأخذكم الفداء، وذلك أن جبريل ﵇ جاء إلى النبي ﷺ يوم بدر فقال: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء، على أن يقتل منهم عدتهم، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لقومه، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وأخواننا، لا، بل نأخذ فداءهم فنقوى به على قتال العدو، ويستشهد منا بعددهم.
فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدد أسارى أهل بدر، فهو معنى قوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] أي: يأخذكم واختياركم القتل.
[ ١ / ٥١٧ ]
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] أي: من النصر مع الطاعة، وترك النصر مع المخالفة.
قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] يعني يوم أحد، التقى فيه المشركون والمسلمون، فبإذن الله وقال ابن عباس: فبقضاء الله.
﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٦٦﴾ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: ١٦٦-١٦٧] أي: ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم على ما نالهم، ويظهر نفاق المنافقين بفشلهم وقلة صبرهم على ما ينزل بهم.
وذكرنا معنى علم الله فيما لا يزال مع سبق علمه بالكائنات فيما لم يزل.
قال ابن عباس: يريد بالذين نافقوا: عبد الله بن أبي، وأصحابه، وذلك أنهم انصرفوا عن رسول الله ﷺ يوم أحد، فقال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام: أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم.
ودعاهم إلى القتال في سبيل الله، فذلك قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧] .
قال السدي: ادفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا.
وقال جماعة من المفسرين: أو ادفعوا عن أهلكم وبلدكم وحريمكم إن لم تقاتلوا في سبيل الله.
﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] أي: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، يعنون: لا يكون اليوم قتال ولو نعلم أنه يكون قتال لاتبعناكم، ونافقوا بهذا القول لأنه كان في قلوبهم خلاف ما تكلموا به، قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٧] يريد: إنهم بما أظهروا من خذلان المؤمنين صاروا أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان، وذلك أنهم قبل هذا كانوا بظاهر حالهم أقرب إلى الإيمان حتى هتكوا أنفسهم بما فعلوا وقالوا مما لم يكن في قلوبهم ذلك، وهو قوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٧] أي: من النفاق.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٨] يعني عبد الله بن أبي وأصحابه، قالوا لإخوانهم من المنافقين وقعدوا هم عن الجهاد مع رسول الله ﷺ، والواو للحال، لو أطاعونا في القعود عن الحرب، يعنون
[ ١ / ٥١٨ ]
شهداء أحد، ما قتلوا.
فرد الله تعالى عليهم وقال: قل لهم يا محمد، ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] أي: إن صدقتم أن الحذر ينفع من القدر.
ومعنى الدرء في اللغة: الدفع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] .
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿١٦٩﴾ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١٧٠﴾ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٧١﴾ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿١٧٢﴾ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿١٧٣﴾ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴿١٧٤﴾ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٧٥﴾﴾ [آل عمران: ١٦٩-١٧٥] قوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية.
١٨٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعيِد بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ، قَالُوا: مَنْ يُبْلِغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءَ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ؟ لِئَلا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلا يَتَّكِلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ، فَقَالَ اللَّهُ ﷿: أَنَا أُبْلِغُهُمْ عَنْكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]
[ ١ / ٥١٩ ]
١٨١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَذَّاءُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ الْفَاكِهِ الأَنْصَارِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَظَرَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُهْتَمًّا؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُتِلَ أَبِي وَتَرَكَ دَيْنًا وَعِيَالا، فَقَالَ: أَلا أُخْبِرُكَ؟ مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّهُ كَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي سَلْنِي أُعْطِكَ، قَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآيَةَ
١٨٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَال: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، إِنَّ أَرْوَاحَهُمْ كَطَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي أَيِّهَا شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذِ اطَّلَعَ رَبُّكَ عَلَيْهِمُ اطِّلاعَةً، فَقَالَ: سَلُونِي مَا شِئْتُمْ، فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا مَاذَا نَسْأَلُكَ، وَنَحْنُ فِي الْجَنَّةِ نَسْرَحُ فِي أَيِّهَا شِئْنَا؟ قَالَ: فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لا يُتْرَكُونَ مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبَّنَا نَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا إِلَى أَجْسَادِنَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لا يَسْأَلُونَ إِلا هَذَا تَرَكَهُمْ.
[ ١ / ٥٢٠ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ
وقوله: بل أحياء الأصح في حياة الشهداء ما روينا عن النبي ﷺ: أن أرواحهم في أجواف طير، وأنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون.
وقيل: إن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة كأرواح الأحياء من المؤمنين الذين باتوا على الوضوء.
وقوله: عند ربهم أي: في دار كرامته، ومعنى عنده معنى القرب والإكرام بحضور دار السلام.
وقيل عند ربهم أي: في علمه.
وقوله: يرزقون أي: من ثمار الجنة كما رويناه.
﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] أي: بما نالوا من الكرامة، ويستبشرون: الاستبشار: السرور بالبشارة يبشر بها، ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠] أي: أنهم يفرحون بإخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء يقولون: إخواننا يقتلون كما قتلنا، فيصيبون من كرامة الله ما أصابنا.
وهو قوله: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] .
قوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٧١] قرئ بالفتح والكسر، فمن فتحها فعلى معنى: وبأن الله، فهي معطوفة على الباء في بنعمة، ومن كسرها استأنف.
قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢] الآية، قال المفسرون: لما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد ندموا وقالوا: قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا قليل تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم.
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندبهم للخروج في طلب أبي سفيان، فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من الجروح، فذلك قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢] أي: أجابوهما، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢] أي: الجراحات وألمها، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٢] أي: بطاعة الرسول، واتقوا معصيته ومخالفته، أجر عظيم.
[ ١ / ٥٢١ ]
١٨٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢] إِلَى آخِرِهَا، قَالَتْ لِعُرْوَةَ: يَابْنَ أُخْتِي، كَانَ أَبَوَاكَ مِنْهُمُ، الزُّبَيْرُ وَأَبُو بَكْرٍ، لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ مَا أَصَابَ، وَانْصَرَفَ عَنْهُ خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا، فَقَالَ: مَنْ يَذْهَبُ فِي أَثَرِهِمْ فَانْتُدِبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلا، كَانَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآية، قال مجاهد ومقاتل وعكرمة والواقدي والكلبي: إن أبا سفيان حين أراد أن ينصرف يوم أحد قال: يا محمد، إن موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصغرى لقابل.
فقال رسول الله ﷺ: «ذلك بيننا إن شاء الله» .
فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة، ثم ألقى الله تعالى في قلبه الرعب، فبدا له الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، فبعثه أبو سفيان وقال: ثبط عنا محمدا وخوفه حتى لا يلقانا ببدر الصغرى، ولأن يكون الخلف من قبله أحب إلي.
فأتى نعيم المسلمين، فوجدهم يتجهزون لميعاد أبي سفيان، وقال: قد أتوكم في بلدكم وصنعوا بكم ما صنعوا، فكيف بكم إذا أغرتم عليهم في بلدهم وهم أكثر وأنتم أقل؟ ! فذلك قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] يعني نعيما، فأطلق لفظ الناس على الواحد، كما تقول: انتظرت قوما فجاء واحد منهم: قد جاء الناس.
وقال السدي: الناس ههنا: المنافقون، قالوا للمسلمين حين تجهزوا للمسير لميعاد أبي سفيان: إن أتيتموهم في ديارهم لا يرجع منكم أحد.
[ ١ / ٥٢٢ ]
وقوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] يعني أبا سفيان وأصحابه، ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣] زادهم قول الناس لهم إيمانا، أي: تصديقا ويقينا.
قال الزجاج: زادهم ذلك التخويف ثبوتا في دينهم، وإقامة على نصرة نبيهم.
﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي: الذي يكفينا أمرهم الله، ونعم الوكيل أي: الموكول إليه الأمور، فعيل بمعنى مفعول.
قال ابن عباس: آخر كلام إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل.
وقال نبيكم مثلها، ثم قرأ هذه الآية.
قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] وذلك أن رسول الله ﷺ خرج في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى، وكانت موضع سوق لهم يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام، فلم يلقوا أحدا من المشركين، ووافقوا السوق فباعوا واشتروا وربحوا، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، فذلك قوله: فانقلبوا أي: انصرفوا، ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] قال السدي ومجاهد: والنعمة ههنا: العافية، والفضل: التجارة.
وقوله ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] أي: لم يصبهم قتل ولا جراح، ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧٤] في طاعة رسوله، ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] تفضل على المؤمنين بما تفضل به.
وقوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] أي: ذلك الذي يخوفكم أيها المؤمنون هو الشيطان، يوقع في قلوبكم الخوف من الكفار، وهو قوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] أي: يخوفكم بأوليائه وهم المشركون، فحذف المفعول الثاني وحرف الجر.
قال الفراء: ومثله قوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] ومعناه: لينذركم بيوم التلاق، وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] أي: لينذركم ببأس شديد.
[ ١ / ٥٢٣ ]
والذي يدل على هذا قراءة أبي بن كعب يخوفكم بأوليائه.
فلا تخافوهم أي: لا تخافوا أولياء الشيطان، ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] أي: خافوني في ترك أمري إن كنتم مصدقين بوعدي، وقد أعلمتكم أني أنصركم عليهم، فقد سقط عنكم الخوف.
﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٦] وقوله: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦] أكثر القراء على يحزنك بفتح الياء، وقرأ نافع بضم الياء، وحزن وأحزن بمعنى واحد، يقال: حزنني الأمر وأحزنني.
ذكر ذلك الخليل وسيبويه وأبو زيد الزجاج، وأراد ب ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]: المنافقين واليهود، وتأويله: يسارعون في نصرة الكفر.
﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦] يعني: أن عائد الوبال في ذلك عليهم، لا على غيرهم.
وقال عطاء: لن يضروا أولياء الله شيئا.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٧٦] أي: نصيبا في الجنة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٧٧﴾ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴿١٧٨﴾﴾ [آل عمران: ١٧٧-١٧٨] قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٧٧] أي: اختاروا الكفر واتخذوه بدلا من الإيمان، ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٧] .
قوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٧٨] قال ابن عباس: يعني المنافقين وقريظة والنضير.
وقال مقاتل: يعني مشركي مكة.
وقوله: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨] الإملاء: الإمهال والتأخير، قال الأصمعي: يقال: أملى عليه الزمان.
أي: طال عليه.
وأملى له: أي طول له وأمهله.
[ ١ / ٥٢٤ ]
قال ابن عباس في قوله: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨]: يريد تماديهم في معاصي الله.
قوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] أي: إنما نطول أعمارهم في الكفر ليزيد إثمهم، فيكون ذلك أشد لعقوبتهم.
قال الزجاج: هؤلاء قوم أعلم الله نبيه أنهم لا يؤمنون أبدا، وأن بقاءهم يزيدهم إثما وكفرا.
١٨٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا مِنْ عَيْنٍ تَطْرِفُ إِلا وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهَا مِنَ الْحَيَاةِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ الْمُؤْمِنُ يَزْدَادُ صَلاةً وَيَزِيدُ صَوْمًا وَيَزْدَادُ خَيْرًا؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] فَإِنْ كَانَ بَرًّا فَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ الْكَافِرَ أَلَيْسَ إِنْ مَاتَ عُجِّلَ إِلَى النَّارِ، وَهُوَ فِي الدُّنْيَا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَلْبَسُ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] وَلا يَزْدَادُونَ فِي الدُّنْيَا حَيَاةً إِلا ازْدَادُوا إِثْمًا
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٩] الآية، نزلت في المنافقين وتمييزهم عن المؤمنين، ومعنى الآية: وما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين ﴿عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] من التباس المنافق بالمؤمن، والمؤمن بالمنافق، ﴿
[ ١ / ٥٢٥ ]
حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] أي: المنافق من المؤمن.
قال مجاهد: فميز الله يوم أحد المؤمنين من المنافقين، حيث أظهروا النفاق وتخلفوا عن رسول الله ﷺ.
وفي يميز قراءتان: التخفيف والتشديد، وهما لغتان، يقال: مزت الشيء بعضا من بعض فأنا أميزه ميزا، وميزته تمييزا.
أي: فرقته وفصلت بينه، ومنه الحديث: «من ماز أذى من الطريق فهو له صدقة» .
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] فتعرفوا المنافق من المؤمن قبل التمييز، والإطلاع: أن تطلع إنسانا على أمر لم يكن عَلِمَ به، يقال: أطلعته على كذا.
أي: أعلمته.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي﴾ [آل عمران: ١٧٩] أي: يختار لمعرفة ذلك، ﴿مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩] قال ابن عباس: يريد: أنت يا محمد ممن اصطفيته وأطلعته على هذا الغيب.
ثم أمر بالإيمان بجميع الرسل ووعدهم الأجر العظيم على ذلك فقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] .
﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠] قوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] نزله في الباخلين بالزكاة الواجبة عليهم.
[ ١ / ٥٢٦ ]
قال ابن عباس: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] يريد: من الذهب والفضة والحيوان والثمار.
ففسروه بالأشياء التي تجب فيها الزكاة.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] قال الحسن: لأنهم نالوا به عذاب الله.
﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] يجعل ما بخل به من المال حية يطوقها يوم القيامة في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه.
١٨٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَعْقِلِيُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، سَمِعْتُ جَامِعَ بْنَ أَبِي رَاشِدٍ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَعْيَنَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا وَائِلٍ يُخْبِرُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ لا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلا مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ، وَهُوَ يَتْبَعُهُ، حَتَّى يُطَوِّقَهُ فِي عُنُقِهِ»، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] يعني: أنه يفني أهلهما، وتبقى الأملاك والأموال ولا مالك لها إلا الله ﷿.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠] من قرأ بالياء فلأن ما قبله على الغيبة، وذلك قوله: سيطوقون.
والله بما يعملون خبير من منعهم الحقوق فيجازيهم عليه.
ومن قرأ بالتاء فلأن ما قبل هذه الآية خطاب وهو قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٧٩] .
[ ١ / ٥٢٧ ]
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿١٨١﴾ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴿١٨٢﴾ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٨٣﴾ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴿١٨٤﴾﴾ [آل عمران: ١٨١-١٨٤] قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] قال المفسرون: نزلت هذه الآية في اليهود، قالوا لما نزل قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]: إن الله فقير يستقرضنا ونحن أغنياء.
يروى أن قائل هذا رجل من اليهود يقال له: فنحاص.
قال: لو كان الله غنيا لما استقرضنا أموالنا.
فقال الله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران: ١٨١] أي: نأمر الحفظة بإثبات قولهم في صحائف أعمالهم، وذلك أظهر في الحجة عليهم.
وقرأ حمزة سيكتب بضم الياء، اعتبارا بقراءة عبد الله ويقال ذوقوا عذاب الحريق، وهو اسم للنار الملتهبة، وهو بمعنى المحرق.
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢] أي: ذلك العذاب بما سلف لكم من الإجرام، وأن الله أي: وبأن الله، ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] فيعاقبهم بلا جرم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ [آل عمران: ١٨٣] الآية، قال السدي: إن الله أمر بني إسرائيل في
[ ١ / ٥٢٨ ]
التوراة: من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، إلا المسيح ومحمدا، فإنهما يأتيان بغير قربان.
والقربان: البر الذي يتقرب به إلى الله، وأصله المصدر، من قولك: قرب قربانا، ومثل الكفران والرجحان والخسران، ثم سمي به نفس المتقرب به.
قال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله، فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها وسط البيت، والسقف مكشوف، فيقوم النبي ويناجي ربه، وبنو إسرائيل خارجون حول البيت، فتنزل نار بيضاء لها حفيف ولا دخان لها، فتأكل ذلك القربان، فقال الله تعالى إقامة للحجة عليهم: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [آل عمران: ١٨٣] المعجزات الظاهرات، وبالذي قلتم يعني أكل النار القربانَ، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] فيما ذكرتم؟ ! قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٨٤] هذه الآية تعزية للنبي ﷺ في تكذيب اليهود إياه، وبيان أنهم إن كذبوه فالتكذيب عادة للأمم وسائر الرسل، فقد كذبوا كما كذب.
وقوله: جاءوا بالبينات أي: جاءوا أممهم بالمعجزات الظاهرة، والزبر أي: الكتب، وهو جمع زبور، والزبور: الكتاب، بمعنى المزبور، أي: المكتوب، يقال: زبرت الكتاب.
أي: كتبته.
وقرأ ابن عامر وبالزبر، أعاد الباء وإن كان مستغنى عنه لضرب من التأكيد، ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] الهادي إلى الحق، من قولك: أنرت الشيء أنيره إنارة.
أي: بينته وأوضحته.
[ ١ / ٥٢٩ ]
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ذائقة: فاعلة من الذوق، وهذا وعد من الله تعالى بالموت، ووعيد للمكذبين بالقرآن، لأنهم إذا ماتوا حصلوا على خسران وحسرة، وهو قوله: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فمن عمل صالحا وفي وأكمل أجره بدخول الجنة والتبعيد من النار، وهو قوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] أي: بعد عنها، ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] أي: ظفر بالخير ونجا من الشر.
قال الزجاج: يقال لكل من نجا من هلكة وظفر بما يغتبط به: فاز.
وتأويل فاز: تباعد عن المكروه ولقي ما يحب.
وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] يريد: العيش في هذه الدار الفانية يغر الإنسان بما يمنيه من طول البقاء وسينقطع عن قريب.
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] أي: لتختبرن في أموالكم بالخسران والنقصان حتى يتبين الجازع من الصابر، والمخلص من المنافق، وأنفسكم بالأمراض.
والخطاب للمهاجرين، أخذ المشركون أموالهم بمكة، وباعوا رباعهم وعذبوهم، ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] يعني اليهود، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]
أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن الفضل التاجر، أخبرنا أحمد بن الحسن الحافظ، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه: أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا، وكان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله ﷺ يؤذون النبي ﷺ وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه
[ ١ / ٥٣٠ ]
بالصبر على ذلك، وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآية.
وقوله: وإن تصبروا على الأذى الذي ينالكم، وتتقوا بترك المعارضة، ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] أي: مما يعزم عليه من الأمر، لظهور رشده، وكان هذا قبل نزول آية السيف.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآية، نزلت في يهود المدينة أخذ الله ميثاقهم في التوراة ليبينن شأن محمد ونعته ومبعثه ولا يخفونه، وهو قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] .
قال الحسن: هذا مثال ميثاق الله تعالى على علماء أهل الكتاب أن يبينوا للناس ما في كتابهم، وفيه ذكر رسول الله ﷺ والإسلام.
وتقرأ هذه الآية بالياء على الغيبة، وبالتاء على حكاية المخاطبة التي كانت في وقت أخذ الميثاق، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ٨٣] بالياء والتاء.
وقوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] قال ابن عباس: أي: ألقوا ذلك الميثاق خلف ظهورهم.
﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ١٨٧] يعني: ما كانوا يأخذونه من سفلتهم برئاستهم في العلم.
وقوله: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] قال ابن عباس: قبح شراؤهم وخسروا.
﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ
[ ١ / ٥٣١ ]
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٨٨﴾ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٨٩﴾﴾ [آل عمران: ١٨٨-١٨٩] قوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨] الآية، قال أبو سعيد الخدري: نزلت في رجال من المنافقين كانوا يتخلفون عن رسول الله ﷺ في الغزو، ويفرحون بقعودهم عنه، فإذا قدم اعتذروا إليه، فيقبل عذرهم، وأحبوا أن يحمدوا بما ليسوا عليه من الإيمان.
وقال عكرمة ومجاهد: اليهود فرحوا بإضلال الناس وبنسبة الناس إياهم إلى العلم، وليسوا كذلك.
وقوله: بما أتوا قال الفراء: بما فعلوا، كما قال: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] أي: فعلت فعلا.
وقوله: بمفازة أي: بمنجاة من النار، والمعنى: لا تحسبن هؤلاء أنهم ينجون من العذاب.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٩] أي: يملك تدبيرهما وتصريفهما على ما يشاء.
وهذا تكذيب للذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] .
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ ﴿١٩٠﴾ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿١٩١﴾ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴿١٩٢﴾ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ ﴿١٩٣﴾ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴿١٩٤﴾ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا
[ ١ / ٥٣٢ ]
وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴿١٩٥﴾﴾ [آل عمران: ١٩٠-١٩٥] قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] قال ابن عباس: بت في بيت ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد، فنظر في السماء، فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ثم قام فتوضأ، واستن فصلى إحدى عشرة ركعة.
وتفسير الآية قد تقدم في ﴿[البقرة.
قوله:] الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا﴾ [سورة آل عمران: ١٩١] أي: قائمين، وقعودا قاعدين، وعلى جنوبهم مضطجعين.
والمعنى: أنهم يصلون في جميع هذه الأحوال على قدر إمكانهم في صحتهم وسقمهم.
قال عمران بن حصين: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ، فقال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» .
وقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ليدلهم ذلك على قدرة الصانع وتوحيده وحكمته، ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٩١] أي: ويقولون: ربنا ما خلقت هذا الخلق، باطلا لغير شيء، خلقته دليلا على حكمتك وكمال قدرتك.
[ ١ / ٥٣٣ ]
سبحانك تنزيها لك عما لا يجوز في وصفه، ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] أي: قد اعترفنا بوحدانيتك، فلا تعذبنا بالنار.
قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٩٢] قال قتادة: إنك من تخلد في النار، ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] .
قال شمر بن حمدويه: فضحته.
وقال المفضل: أهلكته.
قال عمرو بن دينار: قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة، فسألته عن هذه الآية، فقال: أليس قد أخزاه حين أهلكه بالنار؟ ! إن دون ذلك لخزيا.
ما للظالمين يريد الكافرين، من أنصار أعوان يمنعونهم من عذاب الله.
قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣] المنادي محمد ﷺ من قول ابن عباس والأكثرين.
قال قتادة: ينبئكم الله عن مؤمني الإنس كيف قالوا، وعن مؤمني الجنة كيف قالوا، أما مؤمنو الجنة فقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١]، وأما مؤمنو الإنس فقالوا: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] .
وقال محمد بن كعب القرظي: هو كتاب الله ليس كل أحد لقي رسول الله ﷺ.
قوله: ينادي للإيمان قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير، أي: سمعنا مناديا للإيمان ينادي ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣] .
وقوله: ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣] أي: غطها عنا حتى لا نراها، وجمع بين غفران الذنوب وتكفير السيئات لأن غفران الذنوب بفضله ورحمته، وتكفير السيئات بالطاعات، كتكفير الحنث بالصوم، والظهار بالإعتاق، فالمغفرة بفضله من غير سبب، والتكفير بسبب طاعة.
والسيئات: الأعمال القبيحة، يقال: سوأت الرجل فعله.
أي: قبحته عليه وعبته بما صنع.
وقوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] قال ابن عباس: مع الأنبياء، والمعنى: توفنا في جملتهم.
قوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] قال الكلبي: على لسان رسلك، والمعنى: أن المؤمنين
[ ١ / ٥٣٤ ]
يدعون الله تعالى بأن ينجز لهم ما وعدهم من الثواب على لسان الرسل.
وقوله: ﴿وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٩٤] أي: لا تفضحنا ولا تهنا ولا تهلكنا.
قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] أي: دعاءهم.
وقوله: ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] يعني: لا يضيع لأحد عندي عمل، رجلا كان أو امرأة، وهو قوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥] أي: حكم جميعكم حكم واحد منكم فيما أفعل بكم من مجازاتكم على أعمالكم وترك تضييعها لكم.
﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ [آل عمران: ١٩٥] يعني المؤمنين الذين أخرجوا من مكة وآذاهم المشركون فهاجروا منها إلى المدينة.
وقاتلوا المشركين، وقتلوا وقرأ ابن عباس مشددا، لتكرر القتل فيهم، والتخفيف يقع على القليل والكثير، وقرأ حمزة وقتلوا وقاتلوا وهو كقراءة العامة، لأن الواو لا توجب ترتيبا، ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٩٥] .
وقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] قال الزجاج: هو مصدر مؤكد لما قبله، لأن معنى لأدخلنهم جنات: لأثيبنهم.
﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ﴿١٩٦﴾ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿١٩٧﴾ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ ﴿١٩٨﴾ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا
[ ١ / ٥٣٥ ]
يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿١٩٩﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٢٠٠﴾﴾ [آل عمران: ١٩٦-٢٠٠] قوله: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٩٦] نزلت في مشركي مكة، وذلك أنهم كانوا يتجرون ويتنعمون، ومعنى تقلبهم في البلاد: تصرفهم للتجارات.
أعلم الله تعالى أن ذلك مما لا ينبغي أن يغتبطوا به، لأن مصيرهم بكفرهم إلى النار، ولا يمتعون بما جمعوا، وهو قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] قال الزجاج: ذلك الكسب والربح متاع قليل.
ثم ذكر المؤمنين فقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٨] إلى قوله: ﴿نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] النزل: ما يهيأ للضيف أو القوم إذا نزلوا موضعا.
قال الكلبي: جزاء وثوابا.
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] مما يتقلب فيه الكفار في دار الدنيا.
قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية
١٨٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْعَرُوضِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، إِمْلاءً، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمُ النَّجَاشِيِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَأْمُرُنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَى عِلْجٍ
[ ١ / ٥٣٦ ]
مِنَ الْحَبَشَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]
وهذا قول ابن عباس وجابر وقتادة، أن الآية نزلت في النجاشي حين مات، وصلى عليه رسول الله ﷺ بالمدينة فقال المنافقون: إنه يصلي على نصراني لم يره قط.
وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه.
وقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم.
قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩] يعني القرآن، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩] يعني التوراة، خاشعين لله قال الزجاج: لما ذكر الذين كفروا من أهل الكتاب في قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ١٨٧] ذكر حال من آمن من أهل الكتاب، وأخبر أنهم صدقوا في حال خشوعهم فقال: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ١٩٩] أي: عرضا من الدنيا كفعل اليهود الذين غيروا التوراة.
ثم وعدهم الأجر مع ذلك فقال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] ومضى الكلام في سرعة الحساب.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] قال الحسن: على دينكم، فلا تدعوه لشدة.
وقال زيد بن أسلم: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوكم، فلا يكون أصبر منكم، ورابطوا أقيموا على جهاد عدوكم بالحرب.
[ ١ / ٥٣٧ ]
وأصله من مرابطة الخيل، وهو ارتباطها بإزاء العدو في بعض الثغور، ثم سمي ملازمة الجهاد رباطا ومرابطة، هذا قول أكثر المفسرين وفيه قول آخر:
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد الزاهد، أخبرنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه، حدثنا محمد بن معاذ الماليني، حدثنا الحسين بن الحسن بن حرب المروزي، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا مصعب بن ثابت، حدثني داود بن صالح، قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: يابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؟ قلت: لا.
قال: إنه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يرابطون فيه، ولكن انتظار الصلاة خلف الصلاة.
رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه، عن أبي محمد المزني، عن أحمد بن نجدة.
ودليل صحة هذا القول: الحديث الصحيح الذي
١٨٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْزَقِيُّ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ الْمِهْرِجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ إِلَى الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ".
[ ١ / ٥٣٨ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، كِلاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ انْتِظَارُ الصَّلاةِ رِبَاطًا؛ لأَنَّ كُلَّ مَنْ صَبَرَ عَلَى أَمْرٍ، يُقَالُ: رَبَطَ قَلْبَهُ عَلَيْهِ، وَرَبَطَ نَفْسَهُ، وَقَالَ لَبِيدٌ:
رَابِطُ الْجَأْشِ عَلَى كُلِّ وَجِلٍ
، أَيْ: صَابِرٌ ثَابِتٌ.
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَابْنُ الأَنْبَارِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]: اثْبُتُوا وَدَاوِمُوا، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]
[ ١ / ٥٣٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم