مكية وآياتها اثنتان وخمسون.
٤٩٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ الْحِيرِيُّ بِهَا، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الشُّرُوطِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ الأَسَدِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ إِبْرَاهِيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ عَبَدَ الأَصْنَامَ، وَبِعَدَدِ مَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا» .
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿١﴾ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴿٣﴾ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٤﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿٥﴾ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿٦﴾ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴿٧﴾ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿٨﴾﴾ [إبراهيم: ١-٨] بسم الله الرحمن الرحيم الر قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أنا الله أرى.
وقال في رواية عطاء: أنا الله الرحمن.
كتاب أي: هذا كتاب يعني القرآن، ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] قال ابن عباس: من الشرك إلى الإيمان.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١] قال الزجاج: بما أذن الله لك في تعليمهم، ودعائهم إلى الإيمان.
ثم بين ما ذلك النور، فقال: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] وهو دين الإسلام الذي من سلكه أدَّاه إلى الجنة.
﴿اللَّهِ الَّذِي﴾ [إبراهيم: ٢]
[ ٣ / ٢٢ ]
من رفعه قطعه مما قبله وابتدأ به، وخبره الذي، ومن خفضه جعله بدلا من الحميد، وتفسير الآية ظاهر، قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٣] أي: يؤثرونها ويختارونها، قال ابن عباس: ما تجعل لهم من الدنيا يأخذونه تهاونا بأمر الآخرة واستبعادا لها.
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإنسان: ٢٧] .
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٣] يمنعون الناس عن دين الله تعالى وطاعته، ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [إبراهيم: ٣] ذكرنا تفسيره، ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٣] قال الكلبي: في خطأ بعيد عن الحق.
قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] بلغتهم ليفهموا عنه ويعقلوا، وهو قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٤] قال ابن عباس: جعل المشيئة إليه وحده لا شريك له.
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [إبراهيم: ٥] أي: بالبراهين التي دلت على صحة نبوته مثل العصا واليد وغيرهما، ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] الأيام يعبر بها عن النعم والنقم، لأنها كلها تقع فيها، قال ابن السكيت: العرب تقول: الأيام في معنى الوقائع يقال: فلان عالم بأيام العرب أي: بوقائعها.
قال ابن عباس: يريد بنعم الله.
وهو قول مجاهد، وقتادة.
وأبي بن كعب رواه عن النبي ﷺ في هذه الآية.
٤٩٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضرِيُّ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]، قَالَ: أَيَّامُهُ: نُعَمُهُ
وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة.
قال الزجاج: أي: ذكرهم بنعم الله عليهم، وبنقم أيام الله التي انتقم فيها من قوم نوح وعاد وثمود.
والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، إِنَّ فِي ذَلِكَ التذكير، لآيَاتٍ لدلالات على قدرة الله تعالى، لكل صبار على طاعة الله وعن معاصيه، شكور لأنعم الله، وما بعدها مفسر في ﴿[البقرة إلى قوله:] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ [سورة إبراهيم: ٧] وهذا عطف على قوله: ﴿إِذْ أَنْجَاكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦] كأنه قال: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم، وإذ تأذن ربكم، وهو إخبار عما قال
[ ٣ / ٢٣ ]
موسى لقومه، ومعنى تأذن: أعلم، قال الفراء: تأذن وآذن بمعنى واحد.
وذكرنا هذا في ﴿[الأعراف.
وقوله] لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [سورة إبراهيم: ٧] أي: مما يجب الشكر عليه، وهو النعمة، قال ابن عباس: لئن وحدتموني، وأطعتموني لأزيدنكم طاعتي التي تقود إلى جنتي.
وقال قتادة في هذه الآية: حق على الله أن يعطي من سأله، ويزيد من شكره، والله منعم بحب الشاكرين فاشكروا الله على نعمه.
ومعنى شكر النعمة: الاعتراف بحق المنعم، والاعتراف بحق الله تعالى هو التوحيد والطاعة، ولئن كفرتم جحدتم حقي، وحق نعمتي، ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] تهديد على كفران النعمة.
﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ [إبراهيم: ٨] عن خلقه، لا يزيده طاعتكم ملكا، ولا ينقص كفركم ملكوت الله شيئا، حميد في أفعاله، لأنه إما متفضل بفعله، أو عادل.
ثم أخبرهم، عن القرون الماضية، وعما قالت لهم الرسل، وما ردوا عليهم، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴿٩﴾ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿١٠﴾ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١١﴾ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿١٢﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ﴿١٣﴾ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴿١٤﴾ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴿١٥﴾ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ﴿١٦﴾ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴿١٧﴾﴾ [إبراهيم: ٩-١٧] ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [إبراهيم: ٩] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] أي: من بعد هؤلاء الذين ذكرهم، ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] لا يحصي عددهم إلا الله، قال ابن عباس: لا يعلمهم إلا الله لكثرتهم.
قال ابن الأنباري: إن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، وعفت آثارهم: فليس يعرفهم أحد
[ ٣ / ٢٤ ]
إلا الله، ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] قال ابن مسعود: عضوا عليها غيظا.
والمعنى أنهم ثقل عليهم مكان الرسل، فعضوا على أصابعهم من شدة الغيظ، وقال الكلبي: وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا.
﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ [إبراهيم: ٩] أي: على زعمكم بالإرسال لا أنهم أقروا أنهم أرسلوا.
قالت لهم، ﴿رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] وهذا استفهام إنكار، أي: لا شك في الله، والمعنى: في توحيد الله، ثم ذكر ما يدل على وحدانيته، فقال: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠] بالرسل والكتب، ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠] قال أبو عبيدة: من زائدة.
﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم: ١٠] لا يعالجكم بالعذاب، بل يؤخركم ويمتعكم في الدنيا إلى الأجل المسمى لكم، وهو الموت، قالوا للرسل، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠] ما أنتم إلا مخلوقون مثلنا، ليس لكم علينا فضل، ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا﴾ [إبراهيم: ١٠] على ما تقولون، بسلطان مبين بحجة ظاهرة.
﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: ١١] اعترفوا لهم بأنهم آدميون مخلوقون مثلهم، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] يعنون بالنبوة والرسالة، ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١١] ليس لنا أن نأتيكم ببرهان وحجة ومعجزة إلا أن يشاء الله ذلك، أي: ليس لنا ذلك من قبل أنفسنا، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [إبراهيم: ١١] وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم.
﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١٢] أي: أيُّ شيء لنا إذا لم نتوكل على الله ولم نفوض إليه أمورنا، يعني أن العبد، وإن لم يتوكل، لم يدرك بجهده شيئا لم يقضه الله، ﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم: ١٢] عرفنا طرق التوكل، ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢] وإنما قص هذا وأمثاله في القرآن على نبينا ﷺ ليقتدي بمن قبله من النبيين، ويعلم أنهم أوذوا في سبيل الله، فصبروا وتوكلوا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْزَقِيُّ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا دَاوُدُ، نا ابْنُ الْحَسَنِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْخُوَارِزْمِيُّ، نا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جُمَيْعٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " إِذَا أَذَاكَ الْبَرَاغِيثُ فَخُذْ قَدَحًا مِنْ مَاءٍ، فَاقْرَأْ عَلَيْهِ: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١٢] الآيَةَ، وَتَقُولُ: فَإِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ؛ فَكُفُّوا شَرَّكُمْ وَأَذَاكُمْ عَنَّا، ثُمَّ تَرُشُّ الْمَاءَ حَوْلَ فِرَاشِكَ، فَإِنَّكَ تَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ آمِنًا مِنْ شَرِّهَا "
[ ٣ / ٢٥ ]
قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [إبراهيم: ١٣] أي: ولا نساكنكم على مخالفتكم ديننا، ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم: ١٣] ذكرنا معناه في قصة شعيب في ﴿[الأعراف،] فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة إبراهيم: ١٣] يعني الذين كفروا بالرسل، ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٤] لنعطينكم سكناها بعد هلاكهم، ذَلِكَ الإسكان، ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ [إبراهيم: ١٤] .
قال ابن عباس: خاف مقامه بين يدي.
وقال الكلبي: مقامه بين يدي رب العالمين.
وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول، كما تقول: ندمت على ضربك، ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] قال ابن عباس: خاف مما أوعدت من العذاب.
يعني أن العاقبة بالنصر تكون لمن خاف الله.
واستفتحوا يعني: الرسل، استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما يئسوا من إيمانهم، ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] متكبر عن طاعة الله، عنيد قال قتادة: العنيد المعرض عن طاعة الله.
وقال مجاهد: هو المجانب للحق.
وقال الزجاج: الذي يعدل عن القصد، والمعنى: فاز الرسل بالنصرة، وخاب كل من كفر.
﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: ١٦] قال ابن عباس، والمفسرون: يريد أمامه جهنم، فهي بين يديه.
يعني: أنه يردها ويدخلها، ووراء، يكون لخلف وقدام، ومنه قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم.
﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] الصديد: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح.
قال المفسرون: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزناة.
٤٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَلِيمٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدَانُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ،
[ ٣ / ٢٦ ]
عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ﴿١٦﴾ يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦-١٧] قَالَ: يُقَرَّبُ إِلَيْهِ، فَيَتَكَرَّهُهُ فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ هَوَى وَجْهُهُ، وَوَقَعَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَ؛ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، وَيَقُولُ اللَّهِ، تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩] .
قَوْلُهُ: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧] التَّجَرُّعُ: تَنَاوُلُ الشَّرَابِ جَرْعَةً جَرْعَةً
قال ابن عباس: يريد بالكره.
﴿وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧] يقال: ساغ الشراب في الحلق سوغا وأساغه الله، قال المفسرون: يتحساه ويشربه بالجرع، لا بمرة واحدة، لمرارته، ولا يسيغه إلا بعد إبطاء، لكراهته للذلك الشراب.
وقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾ [إبراهيم: ١٧] أي: همُّ الموت، وألمه، وكربه، ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] قال ابن عباس: من كل شعرة في جسده.
وقال الثوري: من كل عرق في جسده.
﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] موتا تنقطع معه الحياة، ومن ورائه ومن بعد هذا العذاب، وقال الكلبي: ومن بعد هذا الصديد.
﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] متصل الآلام، وقال إبراهيم التيمي: يعني الخلود في النار.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨] قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٨] قال الفراء: تقدير الآية مثل أعمال الذين كفروا بربهم، فحذف المضاف اعتمادا على ذكره بعد المضاف إليه.
وقوله: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] أراد عاصف الريح، فحذف الريح لأنها ذكرت في أول الكلام، ويقال: عصفت الريح عصوفا إذا اشتد هبوبها.
ومعنى الآية أن كل ما تقرب به الذين كفروا إلى الله، فمحبط غير منتفع به، لأنهم أشركوا فيها غير الله، كالرماد الذي ذّرَّتْهُ الريح وصار هباء لا ينتفع به، وذلك قوله: ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [إبراهيم: ١٨] أي في الدنيا، على شيء
[ ٣ / ٢٧ ]
في الآخرة، قال ابن عباس: لا يجدون ثواب ما عملوا.
﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨] يعني: ضلال أعمالهم وذهابها كذهاب الرماد في عصوف الريح.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿١٩﴾ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴿٢٠﴾ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ﴿٢١﴾ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٢﴾ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ ﴿٢٣﴾﴾ [إبراهيم: ١٩-٢٣] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [إبراهيم: ١٩] معنى ألم تر ههنا التنبيه على خلق السموات والأرض، وقرأ حمزة والكسائي خالق السموات على فاعل، كقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] ومعنى قوله: بالحق كقوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥] وقد تقدم، وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] قال ابن عباس: يريد أميتكم يا معشر الكفار، وأخلق قوما غيركم خيرا منكم وأطوع.
وهذا خطاب لأهل مكة ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] قال ابن عباس: لا يعز على الله شيء يريده.
وقال الكلبي: ليس يعز على الله شيء أن يميتكم ويأتي بغيركم.
قوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] خرجوا من قبورهم للبعث، قال الزجاج: جمعهم الله في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع.
فقال الضعفاء وهم الأتباع، ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [إبراهيم: ٢١] والأكابر هم الذين استكبروا عن عبادة الله، إنا كنا في الدنيا، لكم تبعا جمع تابع، مثل خادم وخدم، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٢١] فهل أنتم دافعون عنا من عذاب الله؟ ﴿قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١] لو أرشدنا الله لأرشدناكم، يريدون أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله تعالى أضلهم ولم يهدهم، فدعوا أتباعهم إلى ما كانوا عليه من الضلال، ولو هداهم الله لدعوهم إلى الهدى.
﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: ٢١] قال زيد بن أسلم: جزعوا مائة سنة، وصبروا مائة سنة، فلم ينفعهم أحدهم، فقالوا هذا.
وقوله: ﴿مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] أي: معدل عن العذاب.
قوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] أي: فرغ منه، وقضى الله بين العباد، قال المفسرون: إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في
[ ٣ / ٢٨ ]
النار، اجتمع أهل النار على إبليس، فيقوم فيما بينهم خطيبا، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] أي: كون هذا اليوم، فصدقكم وعده، ووعدتكم أنه لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا حساب، فأخلفتكم الوعد، ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢] ما أظهرت لكم حجة أحتج بها عليكم، ﴿إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] هذا من الاستثناء المنقطع، أي: لكن دعوتكم ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] فصدقتموني وقبلتم مقالتي، ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] حيث أجبتموني وصدقتموني من غير برهان، ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] بمغيثكم، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] بمغيثين لي، أي: لا أنجيكم مما أنتم فيه، ولا تنجوني مما أنا فيه، قال الحسن: إذا كان يوم القيامة، قام إبليس خطيبا على منبر من نار، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية.
والقراءة الصحيحة فتح الياء في مصرخي، وهو الأصل، لأن ياء الإضافة إذا كان قبلها ساكن، حركت إلى الفتح لا غير، نحو هداي وعصاي، وقرأ حمزة بكسر الياء، قال الزجاج: هذه القراءة عند جميع النحويين رديئة مرذولة، لا وجه لها إلا وجه ضعيف، وهو ما أجازه الفراء من الكسر على أصل التقاء الساكنين، وأنشد:
قلت لها هل لك يَا تَا فيَّ
قالت لنا ما أنت بالمرضي
وزعم قطرب أن هذه لغة في بني يربوع، يزيدون على ياء الإضافة ياء، نحو هل لك يا تافي؟ وكان الأصل مصرخي، ثم حذفت الياء الزائدة، وأقرت الكسرة على ما كانت عليه، وقوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] أي: كفرت بإشراككم إياي مع الله في الطاعة، والمعنى: جحدت أن أكون شريكا لله فيما أشركتموني، إن الظالمين يريد المشركين، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] ذكرنا تفسيره في ﴿[يونس.
قوله:] أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿٢٤﴾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٢٥﴾ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴿٢٦﴾ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴿٢٧﴾﴾ [سورة إبراهيم: ٢٤-٢٧] ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ [إبراهيم: ٢٤] بين الله شبها، ثم فسر ذلك المثل، فقال: كلمة طيبة قال ابن عباس: يريد لا إله إلا الله، وهو قول الجميع.
﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] قالوا: يريد النخلة.
والمعنى: كشجرة طيبة الثمرة.
أصلها أي:
[ ٣ / ٢٩ ]
أصل هذه الشجرة، ثابت في الثرى، وفرعها أعلاها عال، ﴿فِي السَّمَاءِ ﴿٢٤﴾ تُؤْتِي﴾ [إبراهيم: ٢٤-٢٥] تعطي هذه الشجرة، أكلها ثمرها وما يؤكل منها، كل حين قال ابن عباس: يريد ستة أشهر.
وهو قول سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، قالوا: ما بين صرامها إلى حملها ستة أشهر.
وقال مجاهد، وابن زيد، وعكرمة: كل سنة.
شبه الله تعالى الإيمان بالنخلة، لثبات الإيمان في قلب المؤمن، كثبات النخلة في منبتها، وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة، وشبه ما اكتسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت وزمان، بما ينال من ثمر النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر، ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٢٥] قال ابن عباس: يريد أهل مكة.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥] لكي يتعظوا.
﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] يعني الشرك بالله، ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] قال ابن عباس: يريد الثوم.
وقال الضحاك عنه: هي الكشوث.
وقال أنس بن مالك: هي الحنظل.
فكما أنها أخبث الأشجار، فكذلك الشرك أخبث الكلمات، اجتثت انتزعت واقتلعت، ﴿مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٢٦] قال ابن عباس: يريد ليس لها أصل تام، فهي فوق الأرض، لم تضرب فيها بعرق.
وهو قوله: ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] من أصل في الأرض، وكما أنها أخبث الأشجار، كذلك الشرك بالله أخبث الكلمات، ليس لها حجة ولا ثبات ولا شيء.
قوله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧] الذين صدقوا محمدا، ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وهو لا إله إلا الله، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم: ٢٧] يثبتهم بها على الحق، ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] يعني في القبر، قال المفسرون: هذه الآية وردت في فتنة القبر، وسؤال الملكين، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال، وتثبيته إياه بها على الحق.
٤٩٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سُئِلَ فِي قَبْرِهِ؛ قَالَ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
٥٠٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ شَاذَانَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي
[ ٣ / ٣٠ ]
أَبِي، أنا أَبُو عَامِرٍ، نا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، جِنَازَةً، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِذَا الإِنْسَانُ دُفِنَ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، جَاءَهُ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِطْرَاقٌ، فَأَقْعَدَهُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا؛ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلُكَ لَوْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ، فَأَمَّا إِذْ آمَنْتَ، فَهَذَا مَنْزِلُكَ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُرِيدُ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهِ فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، أَوْ مُنَافِقًا، يَقُولُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا، فَقُلْتُ، فَيُقَالُ: لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ وَلا هُدِيتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ: هَذَا لَكَ لَوْ آمَنْتَ، فَأَمَّا إِذْ كَفَرْتَ، فَإِنَّ اللَّهُ، ﷿، أَبْدَلَكَ بِهِ هَذَا، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ، ثُمَّ يُقْمِعُهُ بِالْمِطْرَاقِ قَمْعَةً، يَسْمَعُهَا خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحَدٌ يَقُومُ عَلَيْهِ مَلَكٌ فِي يَدِهِ مَطْرَقَةٌ، إِلا هِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ»
وقوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] يعني: لا يلقن الله المشركين والكافرين حتى إذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري.
قال الفراء: يضلهم عن هذه الكلمة.
﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] من تثبيت المؤمن وتلقينه الصواب، وإضلال الكافر، قال الفراء: أي لا تكون له قدرة، ولا يسأل عما يفعل.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴿٢٨﴾ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴿٢٩﴾ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴿٣٠﴾﴾ [إبراهيم: ٢٨-٣٠] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] قال جماعة المفسرين: هم مشركو مكة كفار قريش، أنعم الله عليهم بالنبي ﷺ، فكفروا به، ودعوا قومهم إلى الكفر به، وذلك قوله: وأحلوا قومهم يعني الذين اتبعوهم، ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] أي الهلاك، يعني جهنم، ألا ترى أنه فسرها، فقال: جهنم يصلونها يقاسون حرها، وبئس القرار بئس المقر هي.
٥٠١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا أَبُو مَالِكٍ الْجَنْبِيُّ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَلِيٍّ، ﵁، أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، عَنِ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا؛ قَالَ: هُمُ الأَفْجَرَانِ مِنْ قُرَيْشٍ، بَنُو الْمُغِيرَةِ، وَبَنُو أُمَيَّةَ؛ فَأَمَّا بَنُو الْمُغِيرَةِ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ
وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [إبراهيم: ٣٠] قال ابن عباس:
[ ٣ / ٣١ ]
من الحجارة والخشب وغير ذلك، ليضلوا الناس عن دين الله، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتح الياء، والمعنى أنهم لم ينتفعوا بما اتخذوا من الأنداد، ولم يتخذوها إلا ليزيغوا عن الطريق المستقيم، وهذه لام العاقبة، ثم أوعدهم، فقال: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] قال ابن عباس في هذه الآية: لو صار الكافر مريضا سقيما لا ينام ليلا ولا نهارا، جائعا لا يجد ما يأكل ويشرب، لكان هذا كله نعيما يتمتع به القياس إلى ما يصير إليه من شدة العذاب، ولو كان المؤمن في الدنيا في أنعم عيشه، لكان بؤسا عندما يصير إليه من نعيم الآخرة.
قوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] معناه: قل لهم أقيموا الصلاة، فصرف عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر، وجعل كالجواب للأمر، وهذه الآية أمر للمؤمنين بعبادة الله من الصلاة والإنفاق في وجوه البر قبل يوم القيامة، وهو قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] قال أبو عبيدة: البيع ههنا الفداء، والخلال: المخالة.
قال مقاتل: ذلك يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخالة ولا قرابة، إنما هي أعمال، يثاب بها قوم، ويعاقب عليها آخرون.
والخلال: فعال من المخالة، وهو مصدر الخليل، هذا قول جميع أهل اللغة.
وقال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يكون جمع خلة، مثل برمة وبرام، وعلبة وعلاب.
وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ ﴿٣٢﴾ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴿٣٣﴾ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴿٣٤﴾﴾ [إبراهيم: ٣٢-٣٤] ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٢] أي: ذللها لكم بالركوب والإجراء إلى حيث تريدون.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [إبراهيم: ٣٣] لتنتفعوا بهما، وتستضيئوا بضوئهما، ﴿دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره، لا يفتران، ومعنى الدءوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ [إبراهيم: ٣٣] لتسكنوا فيه، راحة لأبدانكم، والنهار لتبتغوا فيه من فضله.
﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤] مفعول الإيتاء محذزف بتقدير من كل ما سألتموه مسئولا أو شيئا، ويجوز أن يكون من زيادة، والمعنى: وآتاكم كل ما سألتموه، وقال ابن الأنباري: تقدير الآية وأتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه، لأنا لم نسأله شمسا ولا قمرا، ولا كثير من نعمة التي ابتدأنا بها.
وكان قتادة يقرأ ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤] قال: لم تسألوه كل الذي آتاكم.
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٣٤] أي: إنعامه، والنعمة ههنا
[ ٣ / ٣٢ ]
اسم أقيم مقام المصدر، ولذلك لم يجمع، لا تحصوها أي: لا تأتوا على جميعها بالعدد لكثرتها، قال الكلبي: لا تحفظوها.
وقال أبو العالية: لا تطيقون عدها.
إن الإنسان قال ابن عباس: يريد أبا جهل.
لظلوم لنفسه، كفار بنعمة ربه، قال الزجاج: الإنسان اسم الجنس، يقصد به الكافر خاصة.
كما قال: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ومعنى ظلوم: شاكر غير من أنعم عليه، كفار جحود لنعم الله.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ﴿٣٥﴾ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٣٦﴾ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿٣٧﴾ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ﴿٣٨﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴿٣٩﴾ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴿٤٠﴾ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴿٤١﴾ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ﴿٤٢﴾﴾ [إبراهيم: ٣٥-٤٢] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] سبق تفسيره في ﴿[البقرة، وقوله:] وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [سورة إبراهيم: ٣٥] يقال: جنبته كذا، وأجنبته وجنبته، أي: باعدته عنه، وجعلته ناحية منه، والمعنى: ثبتني على اجتناب عبادتها، لأنه غير عابد لها، وهذه الدعوة مخصوصة بأبنائه من صلبه، فقد كان من نسله من عبد الصنم، وكان إبراهيم التيمي يقص ويقول: من يأمن البلاء بعد إبراهيم خليل الرحمن؟ يقرأ هذه الآية ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضلوا بسببها، لأن الأصنام لا تفعل شيئا، ولكن لما ضلوا بسببها صارت كأنها أضلتهم، فمن تبعني على ديني بالتوحيد، فإنه مني أي من المتدينين بديني، ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] قال السدي: معناه من عصاني ثم تاب فإنك غفور رحيم.
وقال مقاتل: ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم، قال ابن الأنباري: ويحتمل أن هذا كان قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك كما استغفر لأبيه.
قوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٣٧] قال ابن الأنباري: من دخلت للتوكيد، والمعنى: أسكنت ذريتي.
وعند الفراء: دخلت من التبعيض.
أي: أسكنت بعض ذريتي، وذلك أنه أنزل إسماعيل وأمه بمكة، وإسماعيل بعض ذرية إبراهيم، يدل على هذا قول ابن عباس في هذه الآية يريد إسماعيل، ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧] قال: يريد واد من مكة، ومكة كلها واد.
[ ٣ / ٣٣ ]
أخبرنا أبو حسان محمد بن أحمد بن جعفر، أنا هارون بن محمد بن هارون، أنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، أنا أبو الوليد الأزرقي، حدثني جدي، نا سعيد بن سالم القداح، عن عثمان بن ساج، أخبرني محمد بن إسحاق، أنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أن إبراهيم خرج من الشام، وخرج معه ابنه إسماعيل وأمه هاجر، وإسماعيل طفل يرضع، وحملوا على البراق ومعه جبريل حتى قدم مكة، وكانت هي إذ ذاك عضاه من سلم وسمر، وبها ناس يقال لهم العماليق، خارجا من مكة، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل ﵉: أههنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم.
فعمد بهما إلى موضع الحجر، فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا، ثم قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] الآية.
والمعنى: عند بيتك المحرم الذي يحدث في هذا الوادي، لأن إسكان الخليل إسماعيل مكة كان قبل بنائهما البيت، ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] قال ابن عباس: ليعبدوك.
﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] تريدهم وتسرع إليهم، قال عطاء: تحن إليهم.
وقال قتادة: تنزع إليهم.
وقال مجاهد: لو قال أفئدة الناس، لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند.
وقال سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس، لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: أفئدة من الناس.
فهم المسلمون.
قال عكرمة: هو أنهم يحجون إلى مكة.
﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] هذا كقوله في ﴿[البقرة:] وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [سورة البقرة: ١٢٦] .
﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] قال ابن عباس: كي يوحدوك ويعظموك.
قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] قال ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم، وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد إسحاق، وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة.
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] قال الزجاج: أي اجعل من ذريتي من يقيم الصلاة.
﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] قال ابن عباس: يريد عبادتي.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [إبراهيم: ٤١] قال ابن الأنباري: استغفر
[ ٣ / ٣٤ ]
لأبويه وهما حيان طمعا في أن يهديا إلى الإسلام، ويسعدا بالدين.
وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء.
﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [إبراهيم: ٤١] قال ابن عباس: يريد من لقيك مؤمنا مصدقا فتجاوز عنه.
﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] يظهر الجزاء على الأعمال.
قوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] .
٥٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ حَبَشٍ الدِّينَوَرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الدِّينَوَرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ الْمِصِّيصِيُّ، نا أَبُو الْمَلِيحِ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ، ﷿: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، قَالَ: وَعِيدٌ لِلظَّالِمِ، وَتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٢] أَيْ: يُؤَخِّرُ جَزَاءَهُمْ وَلا يَأْخُذُهُمْ بِظُلْمِهِمْ، ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَشْخَصُ فِيهِ أَبْصَارُ الْخَلائِقِ إِلَى الْهَوَاءِ؛ لِعَجَائِبِ مَا يَرَوْنَ، وَلِشِدَّةِ الْحِيرَةِ وَالدَّهْشَةِ لا يُغْمِضُونَ
﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] مهطعين قال سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة: مسرعين.
وقال الضحاك، والكلبي، والعوفي، عن ابن عباس: مديمي النظر من غير أن يطرفوا.
ومعنى الإهطاع: الإسراع مع إدامة النظر، وقوله: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] يقال: أقنع رأسه إذا رفعه.
قال المفسرون: رافعي رءوسهم.
قال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء، لا ينظر أحد إلى أحد.
﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر، فهي شاخصة، وقوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد خرجت القلوب من مواضعها، فصارت في الحناجر.
وقال قتادة: انْتُزِعَتْ حتى صارت في حناجرهم.
فعلى هذا أريد بالأفئدة مواضع القلوب، وأنها خلت عن القلوب فصارت هواء، وقال آخرون: معنى الآية أن قلوبهم خلت عن العقول لما رأوا من الفزع، فهي خالية عن العقل للدهشة والحيرة، ثم عاد إلى خطاب النبي ﷺ، وأمره بالإنذار.
﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ﴿٤٤﴾ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ ﴿٤٥﴾﴾ [إبراهيم: ٤٤-٤٥] فقال: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] قال ابن عباس: يعني أهل مكة، ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ [إبراهيم: ٤٤] يعني يوم القيامة، ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [إبراهيم: ٤٤] أشركوا بالله، ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] استمهلوه مدة يسيرة لكي يجيبوا الدعوة، ويتبعوا الرسل، وهو قوله: ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ
[ ٣ / ٣٥ ]
الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] فيقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] حلفتم في الدنيا أنكم لا تبعثون ولا تنتقلون من الدنيا إلى الآخرة.
﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] يعني الأمم الكافرة قبلهم، ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية يقول: كان ينبغي أن يرتجعوا ويرتدعوا عن الكفر، اعتبارا بمساكنهم بعد ما تبين ﴿لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥] قال ابن عباس: يريد الأمثال التي في القرآن.
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴿٤٦﴾ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴿٤٧﴾ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴿٤٨﴾ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ﴿٤٩﴾ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ﴿٥٠﴾ لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٥١﴾﴾ [إبراهيم: ٤٦-٥١] قوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٦] يعني مكرهم بالنبي ﷺ حين هموا بقتله ونفيه، ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٦] أي: جزاء مكرهم، ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٦] وما كان مكرهم، ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] يعني: أمر النبي ﷺ، وما أتى به من دين الإسلام، وضرب الجبال مثلا له على معنى أن ثبوته كثبوت الجبال، قال الحسن: إن كان مكرهم لأوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال.
وقرأ الكسائي لتزول بفتح اللام الأولى وضم الثانية، وإن على هذه القراءة لا يكون نفيا، بل يكون بمعنى قد، والمعنى: قد كادت الجبال تزول من مكرهم، وهذه مبالغة في وصف مكرهم بالعظم على مذهب العرب في المبالغة، قال الزجاج: وإن كان مكرهم يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن الله تعالى ينصر دينه.
يدل على هذا قوله: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] قال ابن عباس: يريد النصر والفتح وإظهار الدين، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ [إبراهيم: ٤٧] منيع، ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] من الكافرين، وهو أن يجازيهم بالعقوبة على كفرهم.
قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] قال ابن عباس ﵄: الأرض هي تلك الأرض، وإنما تبدل آكامها، وجبالها، وأشجارها.
ونحو هذا روى أبو هريرة، عن النبي ﷺ، قال: " يبدل الله الأرض غير الأرض، فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي ﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] ".
وأما تبديل السموات فقال ابن الأنباري: باختلاف هيئتها كما ذكر الله
[ ٣ / ٣٦ ]
أنها تكون مرة كالمهل، ومرة كالدهان.
قال ابن مسعود: تبدل بأرض كالفضة بيضاء نقية لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة.
وهذا قول الكلبي، وعطاء، عن ابن عباس، وأكثر المفسرين.
﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] كقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] .
وترى المجرمين قال ابن عباس: يريد الذين أجرموا، زعموا أن لله ولدا وشريكا.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [إبراهيم: ٤٩] يوم القيامة، مقرنين يقال: قرنت الشيء بالشيء إذا وصلته به، وجاء ههنا على التشديد، لكثرة أولئك القوم، قوله: في الأصفاد جمع الصفد، وهو القيد، قال عطاء: يريد سلاسل الحديد والأغلال.
وقال الكلبي: كل كافر مع شيطان في غل.
وقال ابن زيد: قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال.
سرابيلهم جمع سربال، وهو القميص، وقال الزجاج: هو كل ما لبس من قطران، وهو هناء الإبل، وهو شيء يتحلب من شجر، وجعلت سرابيلهم من قطران، لأنه أبلغ في اشتعال النار في جلودهم، ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] أي تعلوها.
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [إبراهيم: ٥١] ليقع لهم الجزاء من الله بما كسبوا، يعني الكفار.
هَذَا يعني القرآن ﴿بَلاغٌ لِلنَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] أي أنزل، ليبلغوا، ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] قال ابن عباس: ولتنذر قومك يا محمد، ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [إبراهيم: ٥٢] أي: بما فيه من الحجج التي تدل على وحدانيته، ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] وليتعظ أهل العقول والبصائر.
[ ٣ / ٣٧ ]