مدنية وآياتها ثلاث وسبعون.
٧٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَحْزَابِ وَعَلَمَّهَا أَهْلَهُ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ أُعْطِيَ الأَمَانَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١﴾ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿٢﴾ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ﴿٣﴾﴾ [الأحزاب: ١-٣] بسم الله الرحمن الرحيم قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] اثبت على تقوى الله، ودم عليه، ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ١] يعني: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور السلمي، وذلك أنهم قالوا للنبي ﷺ: ارفض ذكر آلهتنا وقل إن لها شفاعة لمن عبدها.
والمنافقين عبد الله بن أُبَيّ، وعبد الله بن سعد بن أَبِي السَّرْح.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ١] بما يكون قبل كونه، حكيما فيما يخلقه.
﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب: ٢] يعني القرآن، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢] بالياء الكافرين والمنافقين، وبالتاء على المخاطبين.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ [الأحزاب: ٣] .
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴿٤﴾ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٥﴾﴾ [الأحزاب: ٤-٥] ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤] نزلت في جميل بن معمر الفهري، وكان وقادا ظريفا، حكيما لبيبا حافظا لما يسمع، وكان يقول: إن في جوفي لقلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد.
[ ٣ / ٤٥٧ ]
فكانت قريش تسميه ذا القلبين، وكذبه الله تعالى في ذلك، وأخبر أنه ما خلق لأحد قلبين، ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] يقال: ظاهر من امرأته وتظاهر وتظهر، وهو أن يقول لها: أنت عليّ كظهر أمي، وكانت العرب تطلق نساءها في الجاهلية بهذا اللفظ، فلما جاء الإسلام نُهُوا عنه، وأوجبت الكفارة على من ظاهر من امرأته في ﴿[المجادلة، فمن قرأ تظهرون بفتح التاء وتشديد الظاء أراد تتظهرون، فأدغم التاء في الظاء، وقرأ عاصم تظاهرون من المظاهرة، وقرأ حمزة تظاهرون فحذف تاء تتفاعلون، وأدغم ابن عامر هذه التاء التي حذفها حمزة وقرأ بفتح وتشديد الظاء، ثم أعلم الله أن الزوجة لا تكون أُمًا، فقال:] وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [سورة الأحزاب: ٤] أي: ما جعل نساءكم اللاتي تقولون هُنَّ علينا كظهور أمهاتنا في التحريم كما تقولون، ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] الأدعياء جمع الدَّعِيُّ، وهو الذي يدعى ابنا لغير أبيه، نزلت في زيد بن حارثة، تبناه رسول الله ﷺ كالعبادة التي كانت للعرب في الجاهلية، فلما تزوج زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد، قلت اليهود والمنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه.
فأنزل الله هذه الآية إبطالا لما قالوا، تكذيبا لهم أنه ابنه، وإخبارا أن الدعي لا يكون ابنا، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] أي: ادعاءكم نسب من لا حقيقة لنسبه، قول بالفم لا حقيقة له، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب: ٤] وهو أنه ما جعل الدعي ابنا، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] يدل على طريق الحق.
﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] انسبوهم إلى آبائهم الذين ولدوهم، هو أقسط أعدل، عند الله.
٧٤١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ نُعَيْمٍ الإِشْكَابِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الشَّيْبَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، ﵇، حَتَّى نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ أَسَدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُخْتَارٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ
﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] أي: فهم إخوانكم، في الدين يعني: من أسلم منهم، ومواليكم وبنو عمكم، قال الزجاج: ويجوز أن يكون ومواليكم وأولياؤكم في الدين.
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] قال قتادة: ولو دعوت رجلا لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه، لم يكن عليك بأس، ولكن ما تعمدت قلوبكم ولكن الإثم من الذي تعمدت قلوبكم من دعائهم إلى غير آبائهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ [الأحزاب: ٥] لما كان من قولكم قبل النهي، رحيما لكم.
قوله: ﴿
[ ٣ / ٤٥٨ ]
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦] ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] أي: إذا حكم عليهم بشيء فقد نفذ حكمه ووجبت طاعته عليهم، قال ابن عباس: إذا دعاهم النبي ﷺ إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي أولى من طاعة أنفسهم.
وأزواجه أمهاتهم في حرمة نكاحهن، فلا يحل لأحد التزوج بواحدة منهن، كما لا يحل التزوج بالأم، وهذه الأمومة تعود إلى حرمة نكاحهن لا غير، لأنه لم يثبت شيء من أحكام الأمومة بين المؤمنين وبينهن سوى هذه الواحدة، ألا ترى أنه لا يحل رؤيتهن، ولا يرثن المؤمنين ولا يرثونهن، ولهذا قال الشافعي ﵁: وأزواجه أمهاتهم في معنى دون معنى، وهو أنهن محرمات على التأبيد، وما كن محارم في الخلوة والمسافرة.
وهذا معنى ما روى مسروق، عن عائشة، ﵂، أن امرأة قالت لها: يا أمه.
فقالت: لست لك بأم، إنما أنا أم رجالكم.
فبان بهذا أن معنى هذه الأمومة تحريم نكاحهن فقط، وعلى هذا لا يجوز أن يقال لبناتهن هن أخوات المؤمنين، ولا لإخوانهن أخوال المؤمنين وخالات المؤمنين، ولهذا قال الشافعي ﵁: تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر ﵁، وهي أخت أم المؤمنين، ولم يقل: وهي خالة المؤمنين.
وقوله: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] مفسر في ﴿[الأنفال إلى قوله:] مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [سورة الأحزاب: ٦] يعني أن ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرثوا بالهجرة والإيمان كما كانوا يفعلون قبل النسخ، ﴿إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] استثناء ليس من الأول، المعنى: لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا جائز، وذلك أن الله لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة أباح الوصية للمعاقدين، فيوصي لمن يتولاه بما أحب من ثلثه، فمعنى المعروف ههنا الوصية، وقوله: كان ذلك يعني نسخ الميراث بالهجرة ورده إلى ذوي الأرحام من القرابات، ﴿فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦] يريد في اللوح المحفوظ مكتوبا.
قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴿٧﴾ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿٨﴾﴾ [الأحزاب: ٧-٨] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] قال قتادة: أخذ الله تعالى الميثاق على النبيين خصوصا أن يصدق بعضهم بعضا، ويتبع بعضهم بعضا.
وقال مقاتل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادة الله، وأن يصدق بعضهم بعضا، وأن ينصحوا لقومهم.
وقوله: ومنك أخرجه، والأربعة الذين ذكرهم من جملة النبيين تخصيصا بالذكر لأنهم أصحاب الكتب والشرائع، وقد ذكر النبي ﷺ معهم لما:
٧٤٢ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَغْدَادِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ، نا أَبُو عُتْبَةَ أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ، نا بَقِيَّةُ بْنُ
[ ٣ / ٤٥٩ ]
الْوَلِيدِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ قَالَ: «كُنْتُ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الْخَلْقِ، وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ»
قال الزجاج: وأخذ الميثاق حيث أخرجوا من صلب آدم كالذر، ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧] عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا، وذلك العهد الشديد هو اليمين بالله ﷿.
﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] يقول: أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الصادقين، يعني النبيين، هل بلغوا الرسالة، والمعنى: ليسأل المبلغين من الرسل عن صدقهم في تبليغهم يوم القيامة، وتأويل مسألة الرسل، والله يعلم إنهم لصادقون، التبكيت للذين كفروا بهم، وتم الكلام، ثم أخبر عما أعد للكفار، فقال: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٨] بالرسل، عذابا أليما.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿٩﴾ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴿١٠﴾﴾ [الأحزاب: ٩-١٠] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٩] يذكرهم الله إنعامه عليهم في دفع الأحزاب عنهم من غير قتال، ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] وهم الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ أيام الخندق: عيينة بن حصن، وأبو سفيان ومن معهما من المشركين، وقريظة، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [الأحزاب: ٩] وهي الصبا، أرسلت على الأحزاب حتى أكفأت قدورهم، ونزعت فساطيطهم، ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] يعني الملائكة.
٧٤٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْجَارِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَاسِيٍّ، نا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ، نا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، نا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: قَالَ شَابٌّ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَلْ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: إِي وَاللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ، قَالَ: وَاللَّهِ، لَوْ رَأَيْنَاهُ لَحَمَلْنَاهُ عَلَى رِقَابِنَا، وَمَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: يَابْنَ أَخِي، أَفَلا أُحَدِّثُكَ عَنِّي وَعَنْهُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: وَاللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَبِنَا مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ وَالْخَوْفِ مَا لا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: " أَلا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ، جَعَلَهُ اللَّهُ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ، فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنَّا أَحَدٌ مِمَّا بِنَا مِنَ الْخَوْفِ وَالْجَهْدِ وَالْجُوعِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ، جَعَلَهُ اللَّهُ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ، قَالَ حُذَيْفَةُ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنَّا أَحَدٌ مِمَّا بِنَا مِنَ الْجَهْدِ وَالْخَوْفِ وَالْجُوعِ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ دَعَانِي فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنْ إِجَابَتِهِ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: اذْهَبْ فَجِئْنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَلا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَرْجِعَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ الْقَوْمَ فَإِذَا رِيحُ اللَّهِ وَجُنُودُهُ تَفْعَلُ بِهِمْ مَا تَفْعَلُ مَا يَسْتَمْسِكُ لَهُمْ بِنَاءٌ وَلا تَثْبُتُ لَهُمْ نَارٌ وَلا تَطْمَئِنُّ لَهُمْ قِدْرٌ، فَإِنِّي لَكَذِلَك إِذْ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ مِنْ رَحْلِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لِيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ جَلِيسُهُ؟ قَالَ أَبُو عُمَرَ: يُخَوِّفُهُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِم عُيُونٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ حُذَيْفَةُ: فَبَدَأْتُ بِالَّذِي إِلَى جَنْبِي، فَقُلْتُ: مَنْ
[ ٣ / ٤٦٠ ]
أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا فُلانٌ، ثُمَّ دَعَا أَبُو سُفْيَانَ بِرَاحِلَتِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ مَا أَنْتُمْ بِدَارِ مَقَامٍ، لَقَدْ هَلَكَ الْخُفُّ وَالْحَافِرُ، وَأخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ، وَهَذِهِ الرِّيحُ لا يَسْتَمْسِكُ لَنَا مَعَهَا شَيْءٌ، وَلا تَثْبُتُ لَنَا نَارٌ، وَلا تَطْمَئِنُّ قِدْرٌ، ثُمَّ عَجَّلَ وَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنَّهَا لَمَعْقُولَةٌ، مَا حَلَّ عِقَالَهَا إِلا بَعْدَ مَا رَكِبَهَا، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ رَمَيْتَ عَدُوَّ اللَّهِ فَقَتَلْتَهُ كُنْتُ قَدْ صَنَعْتُ شَيْئًا، فَوَتَرْتُ قَوْسِي ثُمَّ وَضَعْتُ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَرْمِيَهُ فَأَقْتُلَهُ فَذَكَرْتُ قَوْلَ النَّبِيِّ، ﷺ: لا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَرْجِعَ، قَالَ: فَحَطَطْتُ الْقَوْسَ ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا سَمِعَ حِسِّي فَرَّجَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَدَخْلُت تَحْتَهُ وَأَرْسَلَ عَلَيَّ طَائِفَةٌ مِنْ مِرْطِهِ فَرَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ قَالَ: مَا الْخَبَرُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ، ﷿، عَنْ آلِ الأَحْزَابِ مِنْ أَيْنَ جَاءُوا
فقال: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] من فوق الوادي من قبل المشرق، قريظة، والنضير، وغطفان.
﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] من قبل المغرب من ناحية مكة، أبو سفيان في قريش ومن تبعه، ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ﴾ [الأحزاب: ١٠] مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها مقبلا من كل جانب، ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] الحنجرة جوف الحلقوم، قال قتادة: شخصت عن مكانها، فلولا أنه حنتق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت، والمعنى ما ذكره الفراء: وهو أنهم جنود، جزع أكثرهم، وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته، فإذا انتفخت الرئة رفعت القلوب إلى الحنجرة، ولهذا يقال للجبان انتفخ سحره.
قال أبو سعيد الخدري ﵁: قلت يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: " قولوا: اللهم استر عوارتنا، وآمن روعاتنا ".
قال: فقلناها فضرب الله وجوه أعدائه بالريح وهزموا.
﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] أي: اختلفت الظنون، فظن بعضكم بالله النصر ورجاء الظفر، وبعضكم أيس وقنط.
قال الحسن: ظنونا مختلفة، ظن المنافقون أنه يستأصل محمد ﵇، وظن المؤمنون أنه ينصر.
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا ﴿١١﴾ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ﴿١٢﴾ وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا ﴿١٣﴾ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا ﴿١٤﴾ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا ﴿١٥﴾ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا ﴿١٦﴾
[ ٣ / ٤٦١ ]
قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ﴿١٧﴾﴾ [الأحزاب: ١١-١٧] هنالك عند ذلك وفي تلك الحال، ابتلي المؤمنون اختبروا ليتبين المخلص من المنافق، ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] أزعجوا وحركوا إزعاجا شديدا، وذلك أن الخائف يكون قلقا مضطربا لا يستقر على مكانه.
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] قال ابن عباس: إن المنافقين قالوا يوم الخندق: إن محمدا يعدنا أن نفتح مدائن كسرى وقيصر ونحن لا نأمن أن نذهب إلى الخلاء.
و﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] وقال قتادة: قال أناس من المنافقين: يعدنا محمد أن يفتح قصور الشام وفارس، وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله.
وقال مقاتل: قالوا: يعدنا محمد اليمن وفارس والروم، ولا نستطيع أن نبرز إلى الخلاء، هذا والله الغرور.
﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] قال مقاتل: هم بنو سالم من المنافقين.
وقال السدي: يعني عبد الله بن أبي وأصحابه.
﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣] قال أبو عبيدة: يثرب اسم أرض ومدينة الرسول ﵇ في ناحية منها.
﴿لا مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] لا مكان لكم تقيمون فيه، وقرأ عاصم بضم الميم، والمعنى: إقامة لكم، يقال: أقمت إقامة ومقاما.
فارجعوا إلى المدينة، وذلك أن رسول الله ﷺ والمسلمين خرجوا عام الخندق حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، والخندق بينهم وبين القوم، فقال هؤلاء المنافقون الذين ثبطوا الناس عن رسول الله ﷺ: ليس لكم ههنا موضع إقامة لكثرة العدو وغلبة الأحزاب.
﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ١٣] في الرجوع إلى المدينة، وهم بنو حارثة، وبنو سلمة، ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] ليست بحريزة، قال مجاهد، ومقاتل، والحسن: قالوا بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق.
وقال قتادة: قالوا إن بيوتنا مما يلي العدو ولا نأمن على أهلينا، فكذبهم الله، وأعلم أن قصدهم الهرب والفرار، فقال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] ما يريدون إلا فرارا من القتال ومضرة للمؤمنين، قال الزجاج: يقال: عور المكان يعور عورا وعورة وهو عو وبيوت عورة وعورة، وهي مصدر.
قال الله تعالى: ولو دخلت المدينة، عليهم يعني هؤلاء الذين يريدون قتالهم وهم الأحزاب من أقطارها نواحيها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] يعني الشرك في قول الجميع، قال ابن عباس، ومقاتل: يقول الله تعالى: لو أن الأحزاب دخلوا المدينة ثم أمروهم بالشرك لأشركوا، وهو قوله: لآتوها أي: لأعطوهم ما سألوا، وقرأ الحجازيون لأتوها بالقصر، أي لفعلوها، من
[ ٣ / ٤٦٢ ]
قولك: أتيت الخير، أي فعلته.
﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤] قال قتادة: وما احتسبوا عن الإجابة إلى الكفر إلا قليلا.
ثم ذكرهم الله تعالى عهدهم مع النبي ﷺ بالثبات في المواطن، فقال: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ١٥] من قبل الخندق، ﴿لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ [الأحزاب: ١٥] من قبل الخندق، لا ينهزمون ولا يولون العدو ظهورهم، ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا﴾ [الأحزاب: ١٥] يسألون عنه في الآخرة.
ثم أخبر أن الفرار لا يزيدهم في آجالهم، فقال: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦] قال ابن عباس: لأن من حضر أجله مات أو قتل.
﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦] لا تمتعون بعد الفرار في الدنيا إلا مدة آجالكم.
ثم أخبر أن ما قدر عليهم وأراده بهم لا يدفع عنهم بقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ١٧] يجيركم منه، ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾ [الأحزاب: ١٧] هلاكا وهزيمة، ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧] خيرا، وهو النصر، وهذا كله أمر للنبي ﷺ أن يخاطبهم بهذه الأشياء، ثم أخبر الله أنه لا قريب لهم ينفعهم، ولا ناصر ينصرهم من دون الله، يقول: ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٧] .
قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلا ﴿١٨﴾ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿١٩﴾﴾ [الأحزاب: ١٨-١٩] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] يقال: عاقه واعتاقه وعوقه إذا صرفه عن الوجه الذي يريده.
قال المفسرون: هؤلاء قوم من المنافقين كانوا يثبطون أنصار النبي ﷺ، وذلك أنهم قالوا لهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وحزبه، فخلوهم وتعالوا إلينا.
وهو قوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ [الأحزاب: ١٨] لا يحضرون القتال في سبيل الله، إلا قليلا إلا رياء وسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرا.
أشحة عليكم بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، والمعنى: لا ينصرونكم، ثم أخبر عن جبنهم، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: كعين الذي يغشى عليه من الموت، وهو الذي قرب حاله من الموت وغشيته أسبابه، فيذهب ويذهب عقله، ويشخص بصره، فلا يطرف، كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم وتحار أعينهم لما يلحقهم من الخوف، ويقال للميت إذا شخص بصره: دارت عينه ودارت حماليق عينه، ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩] وجاء الأمن والغنيمة، ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] قال الفراء: آذوكم بالكلام في الأمن بألسنة سليطة ذربة، يقال: سلق فلانا بلسانه إذا أغلظ له في القول مجاهرا.
قال قتادة: بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطونا أعطونا فلستم بأحق بها منا، فأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق، وأما عند القسمة فأشح قوم، وهو قوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩] بخلاء بالغنيمة، يشاحون المؤمنين عند القسمة.
ثم أخبر أنهم غير
[ ٣ / ٤٦٣ ]
مؤمنين، فقال: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: هم أظهروا الإيمان فقد نافقوا ليسوا بمؤمنين، ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] قال مقاتل: أبطل الله جهادهم لأنه لم يكن في إيمان، وكان ذلك الإحباط، ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩] .
ثم أخبر بما دل على جبنهم، فقال: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٠] ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ [الأحزاب: ٢٠] يحسب المنافقون أن الأحزاب معسكرون مقيمون من الخوف الذي نزل بهم، يحسبون أنهم لم يذهبوا إلى مكة، ﴿وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ﴾ [الأحزاب: ٢٠] يرجعون إليهم للقتال، ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب: ٢٠] يتمنوا لو كان في بادية الأعراب خارجون إليهم من الرهبة، والبادون خلاف الحاضرين، يقال: بدا يبدو بداوة وبداوة إذا خرج إلى البادية.
﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٠] أي: ودوا لو أنهم بالبعد منكم يسألون عن أخباركم، يقولون: ما فعل محمد وأصحابه؟ فيعرفون حالكم بالاستخبار، لا بالمشاهدة.
﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٠] قال الكلبي: إلا رميا بالحجارة.
وقال مقاتل: إلا رياء من غير احتساب.
ثم عاب من كان بالمدينة بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴿٢١﴾ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴿٢٢﴾﴾ [الأحزاب: ٢١-٢٢] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] قال المفسرون: قدوة صالحة.
ويقال: لي في فلان أسوة حسنة.
يقول: لكم برسول الله اقتداء لو اقتديتم به في تصرفه والصبر معه في مواطن القتال كما فعل هو يوم أحد، إذ كسرت رباعيته، وشج حاجبه، وقتل عمه فواساكم مع ذلك بنفسه، فهلا فعلتم مثل ما فعل هو.
وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٢١] بدل من قوله: لكم وهو تخصيص بعد التعميم للمؤمنين، يعني أن الأسوة برسول الله إنما كانت لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، قال ابن عباس: يرجو ما عند الله من الثواب والنعيم.
وقال مقاتل: يخشى الله ويخشى البعث الذي فيه جزاء الأعمال.
وهو قوله: ﴿وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] أي: ذكرا كثيرا، وذلك إن ذاكر الله متبع لأمره بخلاف الغافل عن ذكره.
ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب بقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] وذلك أن الله تعالى كان قد وعدهم في ﴿[البقرة بقوله:] أَمْ
[ ٣ / ٤٦٤ ]
حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٤٢] إلى قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] ما سيكون من الشدة التي تلحقهم من عدوهم، فلما رأى المؤمنون الأحزاب وما أصابهم من الشدة والبلاء، ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا﴾ [الأحزاب: ٢٢] الله ورسوله، ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] تصديقا بوعد الله وتسليما لأمره.
قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ﴿٢٣﴾ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٢٤﴾﴾ [الأحزاب: ٢٣-٢٤] ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] يعني ليلة العقبة حين عاهدوا على الإسلام فأقاموا عليه بخلاف من كذب في عهده وخان، وهم المنافقون، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] أي: مات أو قتل في سبيل الله فأدرك ما تمنى، فذلك قضاء النحب، قال محمد بن إسحاق: فرغ من عمله ورجع إلى الله يعني من استشهد يوم أحد.
وقال الحسن: قضى أجله على الوفاء والصدق.
قال ابن قتيبة: نحبه أي قتل وأصل النحب النذر، كان قوم نذروا: إن يلقوا العدو أن يقاتلوا حين يقتلوا، أو يفتح الله، فقتلوا، فقيل: فلان قد قضى نحبه إذا قتل.
٧٤٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أنا الْحَاطِبُ بْنُ أَحْمَدَ، نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَمَّهُ غَابَ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: غِبْتَ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مَعَ الْمُشْرِكِينَ، لَئِنْ أَرَانِي اللَّهُ قِتَالا لِلْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ؛ يَعْنِي: الْمُسْلِمِينَ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلاءِ؛ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَلَقِيَهُ سَعْدٌ دُونَ أَحَدٍ، فَقَالَ: أَنَا مَعَكَ، قَالَ سَعْدٌ: فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَصْنَعَ مَا صَنَعَ فَوَجَدَ فِيهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مَا بَيْنَ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، وَطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، كُنَّا نَقُولُ: فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ نَزَلَتْ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذَا فِي حَمْزَةَ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ قُتِلُوا بِأُحُدٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَنْ قَضَى نَحْبَهُ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَنْ قُتِلَ مَعَهُ، وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ وَأَصْحَابُهُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾، قَالَ: مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ أُحُدٍ
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ما وعد الله من نصرة أو شهادة على ما مضى عليه أصحابه، ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٣] وما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم كما غير المنافقون.
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤] أي: صدق المؤمنون في عهودهم ليجزيهم بصدقهم، ويعذب المنافقين بنفس العهد، إن
[ ٣ / ٤٦٥ ]
شاء قال السدي: يميتهم على النفاق إن شاء، فيوجب لهم العذاب.
فمعنى شرط المشيئة في عذاب المنافقين إماتتهم على النفاق إن شاء ثم يعذبهم، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤] فيغفر لهم، ليس أنه يجوز أن لا يعذبهم إذا ماتوا على النفاق، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] لمن تاب، رحيما به.
قوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴿٢٥﴾ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ﴿٢٦﴾ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴿٢٧﴾﴾ [الأحزاب: ٢٥-٢٧] ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأحزاب: ٢٥] أي: صدهم ومنعهم عن الظفر بالمسلمين، يعني الأحزاب، بغيظهم لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا ردهم وفيهم غيظهم على المسلمين، ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] ما كانوا يريدون من الظفر والمال، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] بالريح والملائكة التي أرسلت عليهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ [الأحزاب: ٢٥] في ملكه عزيزا في قدرته.
ثم ذكر ما فعل اليهود بني قريظة بقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦] أعانوا الأحزاب، يعني قريظة، وذلك أنهم نقضوا العهد وصاروا يدا واحدة مع المشركين على رسول الله ﷺ والمؤمنين، فلما هزم الله المشركين بالريح والملائكة أمر رسول الله ﷺ بالمسير إلى قريظة فسار إليهم وحاصرهم عشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم سعد بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، فذلك قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦] .
٧٤٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَحْيَى، نا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، لَمَّا رَجَعَ مِنْ طَلَبِ الأَحْزَابِ، وَوَضَعَ عَنْهُ اللامَةَ وَاغْتَسَلَ وَاسْتَجْمَرَ؛ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: عَذِيرَكَ مِنْ مُحَارِبٍ، أَلا أَرَاكَ قَدْ وَضَعْتَ اللامَةَ، وَمَا وَضَعْنَاهَا بَعْدُ، فَوَثَبَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فَزَعًا، فَعَزَمَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُصَلُّوا الْعَصْرَ حَتَّى يَأْتُوا بَنِي قُرَيْظَةَ، فَلَبِسَ النَّاسُ السِّلاحَ، فَلَمْ يَأْتُوا بَنِي قُرَيْظَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَاخْتَصَمَ النَّاسُ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، عَزَمَ عَلَيْنَا أَنْ لا نُصَلِّيَ حَتَّى نَأْتِيَ قُرَيْظَةَ، فَإِنَّمَا نَحْنُ فِي عَزْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَلَيْسَ عَلَيْنَا إِثْمٌ، وَصَلَّى طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ احْتِسَابًا، وَتَرَكَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الصَّلاةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَصَلُّوهَا حَتَّى جَاءُوا بَنِي قُرَيْظَةَ احْتِسَابًا، فَلَمْ يُعَنِّفْ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ
وقوله: من صياصيهم قال ابن عباس، وقتادة، ومقاتل: من حصونهم.
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ
[ ٣ / ٤٦٦ ]
الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦] ألقى في قلوبهم الخوف، فريقا تقتلون يعني المقاتلة، وتأسرون فريقا يعني الذراري.
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] يعني: عقارهم، ونخلهم، ومنازلهم، وأموالهم من الذهب والفضة والحلي والعبيد والإماء، ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٧] بأقدامكم بعد، وهي مما سيفتحها الله عليكم، يعني خيبر، فتحها الله عليكم بعد بني قريظة، وقال قتادة: هي مكة.
وقال الحسن: هي فارس والروم.
وقال عكرمة: هي كل أرض يظهر عليها المسلمون إلى يوم القيامة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأحزاب: ٢٧] من القرى أن يفتحها على المسلمين، قديرا.
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا ﴿٢٨﴾ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٢٩﴾﴾ [الأحزاب: ٢٨-٢٩] قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨] قال المفسرون: إن أزواج النبي ﷺ سألنه شيئا من أعراض الدنيا، وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فآلى رسول الله ﷺ منهن شهرا، وأنزل آية التخيير، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] وكن يومئذ تسعا: عائشة ﵂، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وهؤلاء من قريش، وصفية الخيبرية، وميمونة الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية.
٧٤٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُطَّوِّعِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ الأَهْوَازِيُّ، نا ابْنُ حُمَيْدٍ، نا جَرِيرٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ، ﷺ، جَالِسًا مَعَ حَفْصَةَ فَتَشَاجَرَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ أَنْ أَجْعَلَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ رَجُلا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ لَهَا: فَأَبُوكِ إِذًا، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ عَلَيْهَا؛ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَكَلَّمْ وَلا تَقُلْ إِلا حَقًّا، فَرَجَّعَ عُمَرُ يَدَهُ فَوَجَأَ وَجْهَهَا، ثُمَّ رَجَّعَ يَدَهُ فَوَجَأَ وَجْهَهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ، ﷺ: كُفَّ، فَقَالَ عُمَرُ، يَا عَدُوَّةَ اللَّهِ، النَّبِيُّ، ﷺ، لا يَقُولُ إِلا حَقًّا، وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَوْلا مَجْلِسُهُ مَا رَفَعْتُ يَدِي حَتَّى تَمُوتِي فَقَامَ النَّبِيُّ، ﷺ، فَصَعِدَ إِلَى غُرْفَةٍ فَمَكَثَ فِيهَا شَهْرًا لا يَقْرَبُ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ، يَتَغَدَّى وَيَتَعَشَّى فِيهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، ﷿، عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا إِلَى قَوْلِهِ: لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ فَنَزَلَ النَّبِيُّ، ﷺ، فَعَرَضَهَا عَلَيْهِنَّ كُلِّهِنَّ، فَقُلْنَ: نَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكَانَ آخِرُ مَنْ عَرَضَ عَلَيْهَا حَفْصَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَكَانُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَاللَّهِ لا أَعُودُ إِلَى شَيْءٍ تَكْرَهُهُ أَبَدًا؛
[ ٣ / ٤٦٧ ]
بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَرَضِيَ عَنْهَا
وقوله: فتعالين أمتعكن يعني: متعة الطلاق، وقد ذكرناها في ﴿[البقرة، وأسرحكن يعني الطلاق، سراحا جميلا من غير ضرار، قال الحسن، وقتادة: أمر الله رسوله أن يُخَيِّرَ أزواجه بين الدنيا والآخرة، والجنة والنار، فأنزل الله قوله:] إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [سورة الأحزاب: ٢٨] الآية، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [الأحزاب: ٢٩] يعني الجنة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٩] يعني: اللاتي آثرن الآخرة، أجرا عظيما يعني الجنة، فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله ﷺ بعائشة وخيرها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم فعل سائر أزواجه مثل ما فعلت هي، وقلن: ما لنا وللدنيا، إنما خلقت الدنيا دار فناء، والآخرة الباقية، والباقية أحب إلينا من الفانية.
٧٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدَوَيْهِ الْهَرَوِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو الْيَمَانِ، أنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أنا أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، ﵂، أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، جَاءَهَا حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخْبِرَ أَزْوَاجَهُ، قَالَتْ: فَبَدَأَ بِي، فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا وَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لَيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ، ﷿، قَالَ ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ﴾ إِلَى تَمَامِ الآيَتَيْنِ، فَقُلْتُ: أَيُّ هَاتَيْنِ أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي اخْتَرْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ وَهْبٍ، عَن يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: فَلَمَّا اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ شَكَرَهُنَّ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَصَرَ رَسُولَهُ عَلَيْهِنَّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ. . . .﴾ الآيَةَ، وَرَفَعَ مَنْزِلَتَهُنَّ عَلَى سَائِرِ النِّسْوَةِ بِالتَّمْيِيزِ عَنْهُنَّ فِي الْعُقُوبَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالأَجْرِ عَلَى الطَّاعَةِ
وهو قوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿٣٠﴾ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ﴿٣١﴾﴾ [الأحزاب: ٣٠-٣١] ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] قال ابن عباس: يعني النشوز، وسوء الخلق.
﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] يجعل عذاب جرمها في الآخرة كعذاب جرمين، والمعنى: زيد في عذابها ضعف كما زيد في ثوابها ضعف في قوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] وإنما ضوعف عذابهن على الفاحشة لأنهن يشاهدن من الزاجر ما يردع عن مواقعة الذنوب ما لا يشاهد غيرهن، فإذا لم يمتنعن استحققن تضعيف العذاب، وقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠] قال مقاتل: كان عذابها هينا على الله.
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: ٣١] يطع الله ورسوله، وتعمل صالحا وقرأ حمزة بالياء حمل على المعنى وترك لفظه من ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] قال مقاتل: مكان كل حسنة ثبتت عشرون حسنة.
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١] حسنا، وهو الجنة.
ثم أظهر فضيلتهن على سائر النساء بقوله: ﴿
[ ٣ / ٤٦٨ ]
يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴿٣٢﴾ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴿٣٣﴾ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴿٣٤﴾﴾ [الأحزاب: ٣٢-٣٤] ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] قال الزجاج: لم يقل كواحدة نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة.
قال ابن عباس: يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم عليّ وأنا بكن أرحم، وثوابكن أعظم.
إن اتقيتن الله، وشرط عليهن بالتقوى بيانا أن فضيلتهن إنما تكون بالتقوى، لا باتصالهن بالنبي ﷺ، ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] لا ترفقن بالقول ولا تلن الكلام، ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] زنا وفجور، والمعنى: لا تقلن قولا يجد به منافق أو فاجر سبيلا إلى الطمع في موافقتكن به، والمرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة، لأن ذلك أبعد من الطمع في الريبة، ﴿وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] أي: ما يوجبه الدين والإسلام بغير خضوع فيه، بل بتصريح وبيان.
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] يقال: وقر يقر وقارا إذا سكن، والأمر منه قر، وللنساء قرن، مثل عدن وزن، وقرأ عاصم بفتح القاف، وهو من قررت في المكان أقر كان الأصل أقرت، ثم حذفت العين لثقل التضعيف وألقيت حركتها على القاف كقوله: فظلتم قال أبو عبيدة: كان أشياخنا من أهل العربية يذكرون القراءة بالفتح، وذلك لأن قررت في المكان أقر لا يجوزه كثير من أهل العربية، والصحيح قررت أقر بالكسر، ومعناه: الأشرف لهن بالتوقر والسكون في بيوتهن وأن لا يخرجن.
وهو قوله: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] التبرج أن تبدي المرأة من محاسنها ما يجب عليها ستره مما يستدعي به شهوة الرجل، وأراد بالجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد ﵉، والأولى المتقدمة، وذلك أن أهل الجاهلية الأولى تقدموا أمة محمد ﷺ، قال قتادة: كانت لنساء الجاهلية الأولى مشية تكسر وتغنج فنهي هؤلاء عن ذلك، وأمرن بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله في باقي الآية.
إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] ليذهب عنكم الرجس قال ابن عباس: يعني عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضا.
وقال مقاتل: يعني الإثم الذي يحصل مما نهاهن الله عنه وأمرهن بتركه.
معنى الرجس السوء وما يوجب العقوبة، والمراد بأهل البيت ههنا نساء النبي ﷺ، لأنهن في بيته، وهو قول الكلبي، ومقاتل، وعكرمة، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس.
٧٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، نا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُوسَى الْقُرَشِيِّ، عَنْ خَصِيفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُنْزِلَتْ
[ ٣ / ٤٦٩ ]
هَذِهِ الآيَةُ فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ، ﷺ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾
٧٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَلِيمٍ عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيُّ، فِيمَا أَجَازَ لِي رِوَايَتَهُ عَنْهُ لَفْظًا، أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، نا ابْنُ حُمَيْدٍ، نا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، نا الأَصْبَغُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] قَالَ: لَيْسَ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ فِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، وَكَانَ عِكْرِمَةُ يُنَادِي بِهَذَا فِي السُّوقِ.
وهؤلاء الذين قالوا هذا القول احتجوا بما تقدم من الخطاب وما تأخر، وهو قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٤] وكلاهما خطاب لأزواج النبي ﷺ، وإنما ذكر الخطاب في قوله: عنكم، ويطهركم لأن رسول الله ﷺ كان فيهن، فقلب للمذكر، وقال آخرون: هذا خاص في النبي ﷺ، وفاطمة، والحسن والحسين، وهو قول أبي سعيد الخدري.
٧٥٠ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، نا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، نا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي خَمْسَةٍ؛ فِي النَّبِيِّ، ﷺ، وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، ثُمَّ وَعَظَهُنَّ لِيَتَفَكَّرْنَ، وَامْتَنَّ عَلَيْهِنَّ
بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] يعني القرآن، والحكمة، قال مقاتل: يعني أمره ونهيه في القرآن.
وقال قتادة: يعني القرآن والسنة، وهذا حث لهن على حفظ القرآن والأخبار، ومذاكرتهن بهما للإحاطة بحدود الشريعة، والخطاب وإن اختص بهن فغيرهن داخل منه، لأن مبنى الشريعة على هذين القرآن والسنة، وبهما يؤقت على حدود الله ومفترضاته، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] بأوليائه، خبيرا بجميع خلقه.
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية، قال قتادة: لما ذكر الله أزواج النبي ﷺ دخل نساء من
[ ٣ / ٤٧٠ ]
المسلمات عليهن، فقلن: ذكرتن ولم نذكر؟ فأنزل الله هذه الآية.
وقال مقاتل بن حيان: لما رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب دخلت على نساء رسول الله ﷺ، فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا.
فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إن النساء لفي خيبة وخسار.
قال: ومم ذلك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال.
فأنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] يعني المخلصين والمخلصات.
والمؤمنين والمؤمنات والمصدقين بالتوحيد والمصدقات، والقانتين والقانتات المطيعين لله فيما أمر ونهى والمطيعات، والصادقين والصادقات في إيمانهم وفيما ساءهم وسرهم، والصابرين على أمر الله، والصابرات، والخاشعين والخاشعات في الصلاة، والمتصدقين والمتصدقات بالأموال ومما رزقهم الله من الأموال والثمار والمواشي، والصائمين والصائمات لله بنية صادقة، ويكون فطرهم من حلال، ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] عما لا يحل لهم، ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] قال ابن عباس: يريد في أدبار الصلوات، وغدوا وعشيا وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا وراح من منزله ذكر الله.
وقال مجاهد: لا يكون الرجل من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا.
٧٥١ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ التَّاجِرُ، أنا أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّيْدَلانِيُّ، بِمَكَّةَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِئُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمَوَدَّةِ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، نا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَهِ، ﷺ: «إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَتَوَضَّيَا وَصَلَّيَا كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ»
٧٥٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا الْقَاسِمُ بْنُ غَانِمِ بْنِ حَمُّوَيْهِ الأَشْقَرُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، نا أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ النُّعْمَانِ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عُلْوَانَ الْكُوفِيُّ عَنْ حَنْظَلَةَ التَّمِيمِيِّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ، ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْ: سُبْحَانَ اللَهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، عَدَدَ مَا علم وزنه فعلم وملء ما علم، فَإِنَّهُ مَنْ قَالَهَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا سِتَّ خِصَالٍ: كُتِبَ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا، وَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ ذِكْرِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَكَانَ لَهُ غَرْسًا فِي الْجَنَّةِ، وَتَحَاتَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا يَتَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ، وَيَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَمَنْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ
قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الأحزاب: ٣٥] أي لذنوبهم، وأجرا عظيما هو الجنة، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الآية، نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب، وكانا ابني عمة النبي ﷺ، خطب النبي ﷺ زينب لزيد بن حارثه مولاه، وهي تظن أنه يخطبها لنفسه، فلما علمت أنه يخطبها لزيد
[ ٣ / ٤٧١ ]
كرهت ذلك وأخوها، فلما نزلت الآية رضيا وسلما، فزوجها رسول الله ﷺ من زيد.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ [الأحزاب: ٣٦] يعني عبد الله، ولا مؤمنة يعني أخته، ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] حكما به، ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ﴾ [الأحزاب: ٣٦] جمع الكناية، لأن المراد بقوله المؤمنة كل مؤمن ومؤمنة في الدنيا، والخيرة الاختيار، أعلم الله أنه لا اختيار على ما قضاه الله ورسوله، فلما زوجها رسول الله ﷺ من زيد مكثت عنده حينا، ثم إن النبي ﷺ أتى زيدا فأبصر زينب قائمة، وكانت بيضاء جميلة جسيمة، من أتم نساء قريش، فوقعت في قلبه، فقال: سبحان مقلب القلوب.
وفطن زيد، فقال: يا رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرا تؤذيني بلسانها، فقال أمسك عليك زوجك، واتق الله، فأنزل الله ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي: بالهداية والإسلام، وأنعمت عليه بأن أعتقته من الرق، وكان زيد من سبي الجاهلية، اشتراه رسول الله ﷺ بعكاظ في الجاهلية وأعتقه وتبناه، ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] في أمرها فلا تطلقها، ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] سرا، وتضمر في قلبك من إرادة تزوجها، ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] مظهره لأصحابك، والمعنى أن النبي ﷺ كتم حبها، وأراد تزوجها، وأمر زيدا بإمساكها، وفي قلبه خلاف ذلك، فأظهر الله عليه ما أخفاه، بأن قضى طلاقها وزجها منه، وأنزل في ذلك القرآن، ولهذا قال ابن مسعود، وعائشة ﵄: ما نزلت على رسول الله ﷺ آية هي أشد من هذه الآية.
٧٥٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُطَّوِّعِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْمِصْرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّامِيُّ، نا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: لَوْ كَتَمَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا ﴿٣٧﴾ مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴿٣٨﴾﴾ [الأحزاب: ٣٧-٣٨] ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] إلى آخر الآية، رواه مسلم، عن محمد بن
[ ٣ / ٤٧٢ ]
المثنى، عن عبد الوهاب، عن داود.
وقوله: وتخشى الناس تخاف لائمتهم أن يقولوا أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها، وذلك أنه كان يريد أن يطلقها من حيث ميل القلب، ولكنه خاف قالة الناس، وقال عطاء، عن ابن عباس: المراد بالناس في هذه الآية اليهود، خشي أن يقولوا تزوج محمد امرأة ابنه.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي: هو أولى بأن تخشاه في كل الأحوال وجميع الأمور، ليس أنه لم يخش الله في شيء من هذه القصة، ولكنه لما ذكر خشيته من الناس ذكر خشية الله، وأنه أحق بالخشية منهم.
وروي عن علي بن الحسين ﵁ في هذه الآية أنه قال: كان الله ﷿ قد أعلم نبيه أن زينب تكون من أزواجه، وأن زيدا سيطلقها، وعلى هذا يجوز أن يكون النبي ﵇ معاتبا على قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] مع علمه بأنها ستكون زوجته، وكتمانه ما أخبره الله به، ويكون قوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي: في كتمان ما أخبرك، وإنما كتم النبي ﵇ ذلك لأنه خشي أن يقول لزيد: زوجتك ستكون امرأتي.
وقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] معنى قضاء الوطر في اللغة: بلوغ منتهى ما بالنفس من الشيء، يقال: قضى وطرا منها إذا بلغ ما أراد من حاجته فيها، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
أيها الرابح المجد ابتكارا قد قضى من تهامة الأوطارا
أي: فرغ من أعمال الحج وبلغ ما أراد منه ثم صار، عبارة عن الطلاق، ولأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم تعد له فيها حاجة.
وروى ثابت، عن أنس، قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: اذهب فاذكرها عليّ.
قال زيد: فانطلقت، فقلت: يا زينب أبشري، أرسلني نبي الله ﵇ يذكرك، ونزل القرآن.
وجاء رسول الله ﷺ ودخل عليها بغير إذن، لقوله تعالى: زوجناكها وهذا يدل على أن كل امرأة أراد رسول الله ﷺ نكاحها فهو مستغن عن الولي والشهود، وكانت زينب تفاخر نساء النبي ﷺ وتقول: زوجكن أهلوكن وزوجني الله ﷿.
٧٥٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، أنا أَبِي، أنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ، ﷺ، وَتَقُولُ: زَوَّجَنِي اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا، ﷺ، بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ خَلادِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عِيسَى بْنِ طَهْمَانَ
قال المفسرون: ذكر قضاء الوطر ههنا بيانا أن امرأة المتبنى تحل وإن وطئها، وهو قوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي: زوجناك زينب، وهي امرأة زيد الذي تبنيته،
[ ٣ / ٤٧٣ ]
ليكلا يظن أن امرأة المتبنى لا يحل نكاحها، والأدعياء جمع الدعي، وهو الذي يدعى ابنا من غير ولادة.
قال الحسن: كانت العرب تظن أن حرمة المتبنى كحرمة الابن، فبين الله أن حلائل الأدعياء غير محرمة على المتبني وإن أصابوهن.
وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] بخلاف ابن الصلت، فإن امرأته تحرم بنفس القصد، وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ [الأحزاب: ٣٧] يعني: قضاء الله في زينب أن يتزوجها رسول الله ﷺ كان ماضيا مفعولا.
ثم بين أنه لم يكن عليه حرج في هذا النكاح بقوله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] قال المفسرون: أحل الله له، أي: لا حرج عليه فيما أحل الله له، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] سن الله لمحمد ﵇ في التوسعة عليه في باب النكاح كسنته في الأنبياء الماضين عليهم، يعني داود النبي حين هوي المرأة التي فتن بها، جمع الله بينه وبينها، كذلك جمع بين زينب ومحمد ﵇، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والكلبي، والمقاتلين.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] قضاء مقضيا، قال مقاتل: أخبر الله تعالى أن أمر زينب من حكم الله وقدره.
ثم ذكر الأنبياء الماضين ﵈، وأثنى عليهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴿٣٩﴾ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴿٤٠﴾﴾ [الأحزاب: ٣٩-٤٠] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٩] تحول خشيتهم من الله بينهم وبين المعصية، ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] لا يخشون قالة الناس ولائمتهم فيما أحل الله لهم، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] مجازيا لمن يخشاه.
ولما تزوج رسول الله ﷺ زينب، قال الناس: إن محمدا ﷺ تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] يعني أنه ليس بأب لزيد فتحرم عليه زوجته، قال المفسرون: لم يكن أبا أحد لم يلده، وقد ولد له ذكور: إبراهيم، والقاسم، والطيب، والمطهر.
﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ولكن كان رسول الله، وخاتم النبيين آخرهم فلا نبي بعده، قال ابن عباس: يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ولدا يكون بعد نبيا.
وقرأ عاصم بفتح التاء، قال أبو عبيدة: الوجه الكسر لأن التأويل أنه ختمهم فهو خاتمهم، ولأنه قال: «أنا خاتم النبيين» .
لم نسمع أحد يروي إلا بكسر التاء، ووجه الفتح أن معناه آخر النبيين خاتم الشيء آخره، ومنه قوله: خاتمه مسك، وقال الحسن: الخاتم هو الذي ختم به.
٧٥٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ الْمُفَضَّلِ، أنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، نا عُمَرُ بْنُ مَرْزُوقٍ، أنا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَا، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، قَالَ: " إِنَّمَا مَثَلِي فِي الأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَحَسَّنَهَا إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَكُلُّ مَنْ دَخَلَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا؛ قَالَ: مَا أَحْسَنَهَا إِلا مَوْضِعَ هَذِهِ اللَّبِنَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فَأَنَا
[ ٣ / ٤٧٤ ]
مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ، خُتِمَ بِيَ الأَنْبِيَاءُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، كِلاهُمَا عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴿٤١﴾ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا ﴿٤٢﴾ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴿٤٣﴾ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ﴿٤٤﴾﴾ [الأحزاب: ٤١-٤٤] قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] قال مجاهد: هو أن لا تنساه أبدا.
وقال الكلبي: ويقال: ذكر كثيرا بالصلوات الخمس.
وقال مقاتل بن حيان: هو التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير على كل حال، وهو أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
قال: وبلغنا أن هؤلاء الكلمات يتكلم بهن صاحب الجنابة والغائط والمحدث.
٧٥٦ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، أنا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ الْمُثَنَّى، نا عَمْرُو بْنُ الْحُصَيْنِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ جَابِرٍ، سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ مُؤَذِّنَ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يُحَدِّثُ، عَنْ كَرِيمَةَ بِنْتِ الْحَسْحَاسِ، قَالَتْ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: يَقُولُ رَبُّكُمْ «أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ»
وقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٢] صلوا لله بالغداة والعشي، قال الكلبي: أما بكرة فصلاة الفجر، وأما أصيلا فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٣] أي: يرحمكم ويغفر لكم، وملائكته قال ابن عباس: يدعون لكم.
وقال المقاتلان: ويأمر الملائكة بالاستغفار لكم.
﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣] من الشرك والكفر إلى الإيمان، يعني أنه برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم أخرجكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان.
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] قال الكلبي: تجيبهم الملائكة على أبواب الجنة بالسلام، فإذا دخلوها حيا بعضهم بعضا بالسلام، وتحية الرب إياهم حين يرسل إليهم بالسلام.
وقال مقاتل: تسلم الملائكة عليهم يوم يلقون الرب ﷿.
وروي عن البراء بن عازب أنه قال: يوم يلقون ملك الموت لا
[ ٣ / ٤٧٥ ]
يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه.
والمعنى على هذا: تحية المؤمنين ملك الموت يوم يلقونه أن تسلم عليهم، وسبق ذكر ملك الموت في ذكر الملائكة.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤] رزقا حسنا في الجنة.
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿٤٥﴾ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴿٤٦﴾ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا ﴿٤٧﴾ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ﴿٤٨﴾﴾ [الأحزاب: ٤٥-٤٨] قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] على أمتك وجميع الأمم بتبليغ الرسالة، ومبشرا بالجنة لمن صدقك، ونذيرا ومنذرا بالنار لمن كذبك.
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] إلى توحيده وطاعته، بإذنه قال مقاتل: بأمره، يعني أنه أمرك بهذا لا أنك تفعله من قبلك.
قوله: وسراجا منيرا أي: لمن اتبعك واهتدى بك كالسراج في الظلمة يستضاء به.
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] قال مقاتل: يعني الجنة.
﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٨] ذكرنا تفسيره في أول ال ﴿[، ودع أذاهم قال ابن عباس، وقتادة: اصبر على أذاهم.
قال الزجاج: تأويله لا تجازهم عليه إلا أن تؤمر فيهم بأمر، وهذا منسوخ ب: السيف.
] وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٨] في كفاية شرهم وأذاهم، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٨] كفى به إذا وكلت إليه الأمر.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]
٧٥٧ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أنا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّصْرَابَاذِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، نا أَبِي، نا يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كَذَبُوا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِنْ كَانَ قَالَهَا فَزَلَّةٌ مِنْ عَالِمٍ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً فَهِيَ طَالِقٌ، يَقُولُ اللَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: إِذَا طَلَّقْتُمُوهُنَّ ثُمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ، وَرَوَى طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: لا يَكُونُ طَلاقٌ حَتَّى يَكُونَ نِكَاحٌ، وَقَالَ سِمَاكُ بْنُ الْفَضْلِ: إِنَّمَا النِّكَاحُ عُقْدَةٌ وَالطَّلاقُ يُحِلُّهَا، فَكَيْفَ تُحَلُّ عُقْدَةٌ لَمْ تُعْقَدْ؟ ! قَالَ مَعْمَرٌ: فَصَارَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ قَاضِيًا عَلَى صَنْعَاءَ
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أي تجامعوهن، ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أسقط الله العدة عن المطلقة قبل الدخول لبراءة رحمها، قال مقاتل: إن
[ ٣ / ٤٧٦ ]
شاءت تزوجت من يومها.
وقوله: تعتدونها أي: تحصون عليها العدة بالأقراء أو الأشهر، فمتعوهن قال ابن عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقا، فإذا فرض لها صداقا فلها نصفه.
والمطلقة قبل المسيس لا تستحق المتعة مع نصف المهر، فإذا لم يفرض لها صداقا فإنها تستحق المتعة واجبة لها على قول أكثر الناس.
﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] من غير ضرار.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٥٠﴾ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ﴿٥١﴾ لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ﴿٥٢﴾﴾ [الأحزاب: ٥٠-٥٢] ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ذكر الله تعالى في هذه الآية أنواع الأنكحة التي أحلها للنبي ﷺ، فقال: ﴿أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] أي مهورهن، يعني اللاتي يتزوجن بصداق، ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] يعني: الجواري التي يملكها، ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] رده عليك من الكفار بأن تسبيه فتملكه، ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] يعني نساء قريش، ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فتملكهن، يعني نساء بني زهرة، ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلى المدينة، وهذا إنما كان قبل تحليل غير المهاجرات، ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] أي: وأحللنا لك امرأة، مؤمنة مصدقة بتوحيد الله، وهبت نفسها منك بغير صداق، وغير المؤمنة لا تحل إن وهبت منه نفسها، ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] إن آثر النبي نكاحها وأراد ذلك، ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] خاصة لك دون غيرك، قال ابن عباس: يقول: لا يحل هذا لغيرك وهو لك حلال.
وهذا من خصائصه في النكاح، وكان ينعقد النكاح له بلفظ الهبة من غير ولي ولا شهود، ولا ينعقد لأحد نكاح بلفظ الهبة، وهو مذهب الشافعي ﵁، وأجاز أهل الكوفة النكاح بلفظ الهبة إذا حضر الولي والشهود.
ثم أخبر الله تعالى عن المؤمنين، فقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] يقول: ما أوجبنا عليهم أن لا يتزوجوا أكثر من أربع بمهر وولي وشهود، فلا ينعقد نكاحهم إلا بالأولياء والشهود.
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ممن يجوز سبيه وحربه، فأما من كان له عهد فلا، وقوله: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ضيق في أمر النكاح، ومنع من شيء تريده، وهذا فيه تقديم لأن
[ ٣ / ٤٧٧ ]
المعنى خالصة لك من دون المؤمنين لكيلا يكون عليك حرج، أي: أحللنا لك ما ذكرنا ليرتفع عنك الحرج.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ [الأحزاب: ٥٠] للنبي في التزوج بغير مهر، رحيما به في تحليل ذلك له.
قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] نزلت في إباحة النبي ﷺ مصاحبة نسائه ومعاشرتهن كيف شاء من غير حرج عليه، تخصيصا له وتفضيلا له، أباح له أن يجعل لمن أحب منهن يوما أو أكثر، ويعطل من شاء منهن فلا يأتيها، فقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] أي: تؤخر ثوبة من تشاء من نسائك من غير طلاق وتتركها فلا تأتيها، ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] تضمها إليك فتأتيها، وكان القسم والتسوية واجبا عليه، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن.
٧٥٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا جَدِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، نا قُتَيْبَةُ، نا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: فَكَانَ مِمَّنْ آوَى: عَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَزَيْنَبُ، وَحَفْصَةُ ﵅، وَكَانَ قَسْمُهُ مِنْ نَفْسِهِ سَوَاءً بَيْنَهُنَّ، وَكَانَ مِمَّنْ أَرْجَى: سَوْدَةُ، وَجُوَيْرِيَةُ، وَصَفِيَّةُ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ، وَمَيْمُونَةُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لَهُنَّ مَا شَاءَ، وَكَانَ أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُنَّ، فَقُلْنَ: اقْسِمْ لَنَا مَا شِئْتَ مِنْ نَفْسِكَ وَدَعْنَا نَكُونُ عَلَى حَالِنَا.
وقوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١] إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن من القسمة وتضمها إليك فلا لوم ولا عتب، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن، إذ كان منزلا من الله عليك، ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] بما أعطيتهن من تقريب وإرجاء وإيواء، قال قتادة: إذا علمن أن هذا جاء من الله كان أطيب لأنفسهن وأقل لحزنهن.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥١] من أمر النساء والميل إلى بعضهن، أي: إنما خيرناك فيهن تيسيرا عليك في كل ما أردت منهن، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١] بخلقه، حليما عن عقابهم.
قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] قال مجاهد: لا تحل لك اليهوديات، ولا النصرانيات بعد المسلمات.
﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢] يقول: لا تتبدل الكتابيات بالمسلمات.
يقول: لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية.
﴿إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢] يعني: ما ملكت يمينه من الكتابيات، حل له أن يتسراهن.
وقال معمر، والشعبي: لما خيرهن النبي ﷺ فاخترن الله ورسوله، شكر الله لهن ذلك، فقصره عليهن، وأنزل هذه الآية.
وعلى هذا القول معناه: لا يحل لك من النساء سوى هؤلاء اللاتي اخترنا لك، وليس أن تطلق واحدة منهن وتتزوج بدلها.
قال الزهري: قبض النبي ﷺ وما نعلمه يتزوج النساء.
وقالت عائشة ﵂: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ
[ ٣ / ٤٧٨ ]
حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢] أي: إن أعجبك جمالهن فليس لك أن تطلق من نسائك وتنكح بدلها امرأة أعجبت بجمالها.
﴿إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢] يعني الولائد، قال ابن عباس: ملك بعد هؤلاء مارية.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] من أعمال العباد، رقيبا حافظا.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ﴿٥٣﴾ إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴿٥٤﴾ لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴿٥٥﴾﴾ [الأحزاب: ٥٣-٥٥] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]
٧٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ سَيَّارٍ الْحَرَّانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ، لَقَدْ كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَدَعَا النَّاسَ لِطَعَامٍ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَس رِجَالٌ بَعْدَ مَا قَامَ الْقَوْمُ حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فَمَشَى وَمَشَيْنَا مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ﵂، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ فِي مَكَانِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ
وقوله: ﴿إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي: يدعو إليه، غير ناظرين منتظرين، إناه نضجه وإدراكه، يقال: أنا يأني إناء إذا حان وقت إدراكه، وكانوا يدخلون بيته فيجلسون منتظرين إدراك الطعام، فنهوا من ذلك.
وقوله: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي: بعد أن تأكلوا، كانوا يجلسون أيضا بعد الطعام يتحدثون طويلا، وكان يؤذيه ذلك ويستحي، أي: وكان يؤذيه ذلك ويستحي أن يقول لهم قوموا، فذلك قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] قال الزجاج: كان النبي ﷺ يحتمل إطالتهم كرما منه، ويصبر على الأذى في ذلك، فعلم الله من يحضره الأدب، فصار أدبا لهم ولمن بعدهم.
وقوله: ﴿
[ ٣ / ٤٧٩ ]
وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] لا يترك أن يبين لكم ما هو الحق، ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] قال مقاتل: أمر الله المؤمنين أن لا يكلموا نساء النبي ﷺ إلا من وراء حجاب.
٧٦٠ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ
وقوله: ذلكم أي: سؤالكم إياهن من المتاع من وراء حجاب، ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] من الريبة، ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ليس لكم أذاه في شيء من الأشياء، ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] قال عطاء، عن ابن عباس: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: لو توفي رسول الله ﷺ لتزوجت عائشة ﵂.
فأنزل الله ما أنزل.
قال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبيد الله.
قال الزجاج: أعلم الله أن ذلك محرم بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي: ذنبا عظيما.
ثم أعلمهم أنه يعلم سرهم وعلانيتهم بقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ [الأحزاب: ٥٤] أي: تظهروا شيئا من أمرهن، يعني طلحة، وذلك أنه لما نزل آية الحجاب قال طلحة: يمنعنا محمد ﷺ من الدخول على بنات عمنا، يعني عائشة ﵂، وهما من بني تيم بن مرة.
وقوله: أو تخفوه أي: تسروه في أنفسكم، وذلك أن نفسه حدثته بتزوج عائشة ﵂، فذلك قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأحزاب: ٥٤] من السر والعلانية، عليما.
ولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأقارب والأبناء لرسول الله ﷺ: ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فأنزل الله تعالى قوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] أن يرونهن ولا يحتجبن عنهم، ﴿وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] قال ابن عباس: يريد نساء المؤمنين، لأن نساء اليهود والنصارى يصفن لأزواجهن نساء رسول الله ﷺ إن رأينهن.
﴿وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] يعني العبيد والإماء، وقد تقدم في ﴿[النور ذكر من يحل للمرأة أن يراها في قوله:] إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [سورة النور: ٣١] .
الآية واتقين الله أن يراكن غير هؤلاء، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأحزاب: ٥٥] من أعمال بني آدم، شهيدا لم يغب عنه شيء.
قوله تعالى: ﴿
[ ٣ / ٤٨٠ ]
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] قال ابن عباس: يريد: إن الله يرحم النبي، والملائكة يدعون له بالرحمة.
وقال مقاتل: أما صلاة الرب بالمغفرة، وأما صلاة الملائكة فالاستغفار له.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] ادعوا له بالمغفرة واستغفروا له، وسلموا تسليما قولوا السلام عليك أيها النبي، والحديث الصحيح الجامع لتفسير هذه الآية ما:
٧٦١ - مَا أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو النَّضْرِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بِن يُوسُفَ الْفَقِيهُ، نا الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، نا مَالِكُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أنا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْنَا التَّسْلِيمَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ الصَّلاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: عَلِمْنَا التَّسْلِيمَ عَلَيْكَ؛ مَا تَقُولُهُ فِي التَّشْهِدِ: سَلامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
أخبرنا أبو سعد بن أبي رشيد العدل، أنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء، نا محمد بن يحيى الصوفي، نا محمد بن العباس الرياشي، عن الأصمعي، قال: سمعت المهدي على منبر البصرة يقول: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] آثره ﷺ بها من بين الرسل، واختصكم بها من بين الأمم، فقابلوا نعمة الله بالشكر.
٧٦٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ، نا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ الْعَتَكِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ الزَّيَّاتُ، عَنْ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ، ﷺ، فَلَمْ أَرَهُ أَشَدَّ اسْتِبْشَارًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، وَلا أَطْيَبَ نَفْسًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْتُ قَطُّ أَطْيَبَ نَفْسًا وَلا أَشَدَّ اسْتِبْشَارًا مِنْكَ الْيَوْمَ، فَقَالَ: " وَمَا يَمْنَعُنِي وَقَدْ خَرَجَ آنِفًا جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِي؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ، تَعَالَى: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلاةً صَلَّيْتُ بِهَا عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَمَحَوْتُ عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَكَتَبْتُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ "
[ ٣ / ٤٨١ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴿٥٨﴾﴾ [الأحزاب: ٥٧-٥٨] قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] قال المفسرون: هم المشركون واليهود والنصارى، وصفوا الله بالولد فقالوا عزيرا ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله، وكذبوا رسوله، وشجوا وجهه، وكسروا رباعتيه، وقالوا مجنون، شاعر، ساحر، كذاب.
ويدل على صحة هذا التفسير ما روي أن النبي ﷺ قال: «ما أجد أصبر على أذى يسمعه من الله أنه يجعل له ند ويجعل له ولد وهو على ذلك يعافيهم ويعطيهم ويرزقهم» .
ومعنى يؤذون الله: يخالفون أمره ويعصونه، ويصفونه بما هو منزه عنه، والله تعالى لا يلحقه أذى، ولكن لما كانت مخالفة الأمر فيما بيننا تسمى إيذاء خوطبنا بما نتعارفه.
وقوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] يعني القتل والجلاء في الدنيا، والعذاب بالنار في الآخرة، وهو قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٧-٥٨] قال مجاهد: يقعون فيهم بغير ما عملوا، يعني يرمونهم بما ليس فيهم، وروي أن رجلا شتم علقمة، فقرأ هذه الآية.
وقال قتادة، والحسن: إياكم وأذى المؤمنين، فإن الله يغضب له.
٧٦٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو النَّيْسَابُورِيُّ، أنا حَمْزَةُ بْنُ شَبِيبٍ الْمَعْمَرِيُّ، أنا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُعَاذٍ السُّلَمِيُّ، نا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ، نا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ، ﷺ، عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ عَجَبًا؛ رَأَيْتُ رِجَالا يُعَلَّقُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٥٩﴾ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا ﴿٦٠﴾ مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا ﴿٦١﴾ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ﴿٦٢﴾﴾ [الأحزاب: ٥٩-٦٢] ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] جمع جلباب، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة، قال المفسرون: يغطين رءوسهن ووجوهن إلا عينا واحدة، فيعلم أنهن حرائر، فلا يعرض لهن بأذى.
وهو قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] قال السدي: كانت المدينة ضيقة المنازل، وكانت النساء يخرجن بالليل لقضاء الحاجة، وكان فساق من فساق المدينة يخرجون، فإذا رأوا المرأة عليها قناع قالوا هذا حرة فتركونا، وإذا رأوا المرأة بغير قناع قالوا أمة فكابروها.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ [الأحزاب: ٥٩] أي: لمن اتبع أمره، رحيما به.
ثم أوعد هؤلاء الفساق، فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ [الأحزاب: ٦٠] عن
[ ٣ / ٤٨٢ ]
نفاقهم، ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٦٠] يعني الفجور، وهم الزناة، ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٠] وهم قوم كانوا يوقعون الأخبار بما يكره المؤمنون، يقولون: قد أتاكم العدو، ويقولون لسراياهم: قد قتلوا وهزموا.
لنغرينك بهم قال ابن عباس: لنسلطنك عليهم.
والمعنى: أمرناك بقتالهم حتى تقتلهم وتخلي عنهم المدينة.
وهو قوله: ﴿ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٠] أي: لا يساكنوك في المدينة إلا يسيرا حتى يهلكوا.
ملعونين مطرودين مبعدين عن الرحمة، أينما ثقفوا وجدوا وأدركوا، ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ [الأحزاب: ٦١] أي: الحكم فيهم هذا على جهة الأمر به.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٦٢] قال الزجاج: سن الله في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيث ما ثقفوا، ولا يبدل الله سنته فيهم، وهو قوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٢] هكذا سنة الله فيهم إذا أظهروا النفاق.
﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ﴿٦٣﴾ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ﴿٦٤﴾ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ﴿٦٥﴾ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا ﴿٦٦﴾ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا ﴿٦٧﴾ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ﴿٦٨﴾﴾ [الأحزاب: ٦٣-٦٨] قوله: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣] قال الكلبي: سأل أهل مكة النبي ﷺ عن الساعة وعن قيامها، فقال الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [الأحزاب: ٦٣] أيّ شيء يعلمك أمر الساعة، ومتى يكون قيامها؟ أي: أنت لا تعرفه، ثم قال: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: وقالوا ربنا إنا أطعنا ساداتنا وكبراءنا أشرافنا وعظماءنا، قال مقاتل: هم المطعمون في غزوة بدر.
فأضلونا عن سبيل الهدى، يقرأ سادتنا وكلاهما جمعان، وسادة أحسن، والعرب لا تكاد تقول سادات.
ثم قالوا: ربنا آتهم يعنون السادة، ﴿ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨] عذبهم مثلي عذابنا، ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٨] يعني اللعن على أثر اللعن، أي: مرة بعد مرة، وقرأ بها عاصم بالياء على وصف اللعن بالكبر.
قال الكلبي: يقول عذبهم عذابا كبيرا.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩] قال قتادة: وعظ الله المؤمنين ألا تؤذوا محمدا ﷺ كما آذى بنو إسرائيل موسى.
وهو ما:
٧٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: " كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْءَةِ بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ، مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلا أَنَّهُ آدَرُ، فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَجَمَعَ مُوسَى فِي أَثَرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي، حَجَرُ، ثَوْبِي، حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى سَوْءَةِ مُوسَى، فَقَالُوا: وَاللَّهِ، مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، قَالَ: فَقَامَ الْحَجَرُ بَعْدَ مَا نَظَرَ إِلَيْهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ، إِنَّهُ نَدَبٌ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ، أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ "، رَوَاهُ
[ ٣ / ٤٨٣ ]
مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَهَذَا قَوْلُ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ
وروي آخر عن علي بن أبي طالب ﵁، وهو:
٧٦٥ - مَا أَخْبَرَنَا أَبُو حَلِيمٍ الْجُرْجَانِيُّ، فِيمَا أَجَازَ لِي، أنا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، نا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ الطُّوسِيُّ، نا عَبَّادٌ، نا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ قَالَ: صَعِدَ مُوسَى وَهَارُونَ، ﵉، الْجَبَلَ، فَمَاتَ هَارُونُ، فَقَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: أَنْتَ قَتَلْتَهُ، وَكَانَ أَشَدَّ حَسَبًا لَنَا مِنْكَ، وَأَلْيَنَ لَنَا مِنْكَ، وَآذَوْهُ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلائِكَةَ فَحَمَلْتُه حَتَّى مَرُّوا بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَتَكَلَّمَتِ الْمَلائِكَةُ بِمَوْتِهِ حَتَّى عَرَفَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ
وقوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه إذا كان ذا وجاه وقدر.
قال ابن عباس: كان عند الله حظيا، لا يسأله شيئا إلا أعطاه.
وقال الحسن: كان مستجاب الدعوة.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿٧١﴾﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] قال ابن عباس: صوابا.
قال الحسن: صادقا.
يعني كلمة التوحيد لا إله إلا الله، أمر الله المؤمنين بالتوحيد والتقوى، ووعد عليهم أن يصلح أعمالهم، فقال: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧١] قال ابن عباس: يقبل حسناتكم.
وقال مقاتل: يزكي أعمالكم.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٧١] فيما يأمرانه، ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] قال: الخير كله وظفر به.
قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا ﴿٧٢﴾ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٧٣﴾﴾ [الأحزاب: ٧٢-٧٣] ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، معنى الأمانة ههنا في قول جميع المفسرين: الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب.
روى أبو بكر الهذلي، عن الحسن في هذه الآية، قال: عرضت الأمانة على السموات السبع الطباق التي زينت بالنجوم وحملت العرش العظيم، فقيل لهن: تأخذن الأمانة بما فيها.
قلن: وما فيها؟ قيل: إن أحسنتن جزيتن، وإن أسأتن عوقبتن.
قلن: لا.
ثم عرضت على الجبال الشم الشوامخ البواذخ الصلاب الصعاب، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قيل: إن أحسنتن جزيتن، وإن أسأتن عوقبتن.
قلن: لا.
فذلك قوله: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] وقال ابن جريج: قالت السماء: يا رب، خلقتني وجعلتني سقفا محفوظا، وأجريت في الشمس والقمر والنجوم، لا أتحمل فريضة، ولا أبغي ثوابا ولا عقابا.
وقالت الأرض: جعلتني بساطا ومهادا، وشققت فيّ الأنهار، وأنبت فيّ الأشجار، لا أتحمل فريضة، ولا أبغي ثوابا ولا عقابا.
وإنما كان العرض على أعيان هذه الأشياء بأن ركب الله تعالى فيهن العقل وأفهمهن خطابه حتى فهمن وأنطقهن بالجواب.
ومعنى قوله: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] أي: مخافة وخشية لا معصية ومخالفة، والعرض كان تخييرا لا إلزاما، وقوله:
[ ٣ / ٤٨٤ ]
وأشفقن منها أي: خفن من الأمانة أن لا يوفينها فيلحقهن العقاب، وحملها الإنسان قال عطاء، عن ابن عباس: يريد آدم، عرض الله عليه أداء الفرائض: الصلوات الخمس في مواقيتها، وأداء الزكاة عند محلها، وصيام رمضان، وحج البيت على أن له الثواب وعليه العقاب، فقال: بين أذني وعاتقي.
وقال مقاتل بن حيان: قال الله: يا آدم، أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال آدم: ومالي عندك؟ قال: إن أحسنت وأطعت ووعيت الأمانة فلك الكرامة وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت وأسأت فإني معذبك ومعاقبك.
قال: قد رضيت رب وتحملتها.
فقال الله تعالى: قد حملتكها.
فذلك قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ [الأحزاب: ٧٢] قال الكلبي: ظلمه حين عصى ربه فأخرج من الجنة، وجهله حين احتملها.
وقال المقاتلان: ظلوما لنفسه جهولا بعاقبة ما تحمل.
أخبرنا أحمد بن يعقوب، نا الحسن بن علي بن عفان، نا أسامة، عن النضر بن عدي، أن رجلا سأل مجاهدا عن قوله، ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، فقال مجاهد: لما خلق الله السموات والأرض والجبال عرض الأمانة عليه فلم تقبلها، فلما خلق الله آدم عرضها عليه، قال: يا رب، وما هي؟ قال: إن أحسنت جزيتك، وإن أسأت عذبتك.
قال: قد تحملتها يا رب.
قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها وبين أن خرج من الجنة إلا قدر ما بين الظهر والعصر.
٧٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلٌ الْعَسْكَرِّيُ، نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ لآدَمَ: إِنِّي عَرَضْتُ الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَلَمْ تُطِقْهَا، فَهَلْ أَنْتَ حَامِلُهَا بِمَا فِيهَا؟ قَالَ: إِي رَبِّ، وَمَا فِيهَا؟ قَالَ: إِنْ حَفِظْتَهَا أُجِرْتَ، وَإِنْ ضَيَّعْتَهَا عُذِّبْتَ، قَالَ: فَقَدْ حَمَلْتُهَا بِمَا فِيهَا، قَالَ: فَمَا غَبَرَ فِي الْجَنَّةِ إِلا كَقَدْرِ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْهَا إِبْلِيسُ، قَالَ جُوَيْبِرٌ: فَقُلْتُ لِلضَّحَّاكِ: وَمَا الأَمَانَةُ؟ قَالَ: الْفَرَائِضُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ؛ أَنْ لا يَغُشَّ مُؤْمِنًا، وَلا مُعَاهِدًا فِي قَلِيلٍ وَلا كَثِيرٍ، فَمَنِ انْتَقَصَ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ فَقَدْ خَانَ أَمَانَتَهُ
قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٧٣] إلى قوله: ويتوب قال المقاتلان: ليعذبهم الله بما خانوا الأمانة وكذبوا الرسل ونقضوا الميثاق الذين أقروا به حين أخرجوا من ظهر آدم.
وقال الحسن، وقتادة: هؤلاء خانوها، وهم الذين ظلموها.
﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] هؤلاء أدوها، وقال ابن قتيبة: أي عرضنا ذلك ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك، فيعذبهما الله ويظهر إيمان المؤمن ويتوب الله عليه بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات.
ولذلك ذكر بلفظ التوبة، فدل أن المؤمن العاصي خارج من العذاب.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] للمؤمنين، رحيما بهم.
[ ٣ / ٤٨٥ ]