مكية وآياتها خمس وستون ومائة عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: أنزلت سورة الأنعام ومعها سبعون ألف ملك.
٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَفَّافُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَائِنِيُّ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الأَنْعَامِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَتَبِعَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ، وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَنْعَامِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ أُولَئِكَ السَّبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ بَعِدَدِ كُلِّ حَرْفٍ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ يَوْمًا وَلَيْلَةً»
٣٢٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ زَاذَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْحَجَّاجِ رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ قَرَأَ ثَلاثَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ
[ ٢ / ٢٥٠ ]
سُورَةِ الأَنْعَامِ حِينَ يُصْبِحُ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَحْفَظُونَهُ، وَكَتَبَ لَهُ مِثْلَ أَعْمَالِهِمْ إِلَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ مَعَهُ مِرْزَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادَ الشَّيْطَانُ أَنْ يُلْقِيَ فِي قَلْبِهِ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ ضَرَبَهُ بِهَا، وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْطَانِ سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ابْنَ آدَمَ، ابْقَ تَحْتَ ظِلِّي، وَكُلْ مِنْ ثِمَارِ جَنَّتِي، وَاشْرَبْ مِنْ مَاءِ الْكَوْثَرِ، وَاغْتَسِلْ مِنْ مَاءِ السَّلْسَبِيلِ، فَأَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، لا حِسَابَ عَلَيْكَ وَلا عَذَابَ "
أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان العدل، أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد بن الحسين هارون، حدثنا إسحاق بن محمد بن مروان، وحدثنا أبي، حدثنا نصر بن مزاحم، عن محمد بن عبيد الله، عن أبي إسحاق الشيباني: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿١﴾ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿٢﴾ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴿٣﴾﴾ [الأنعام: ١-٣] الحمد لله قال ابن عباس: يريد: على كل فعال، وبكل لسان، وعلى نعم الإسلام، وعلى صحة الأبدان.
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] قال الزجاج: ذكر أعظم الأشياء المخلوقة، لأن السماء بغير عمد ترونها، والأرض غير مائدة بنا، ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] جعل ههنا: بمعنى خلق، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقال الحسن: أراد بالظلمات: الكفر، والنور: الإيمان، وقال السدي: يعني: الليل والنهار.
وقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ١] يعني عبدة الأوثان ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] قال مجاهد: يشركون به غيره.
يقال: عدل الكافر بربه عدلا وعدولا، إذا سوى به غيره فعبده، والعدل: التسوية، عدَل الشيء بالشيء إذا سواه به.
[ ٢ / ٢٥١ ]
قال الزجاج: أعلم الله تعالى أنه خالق ما ذكر في هذه الآية، وأن خالقها لا شيء مثله، ثم أعلم أن الكفار يجعلون له عدلا فيعبدون الحجارة والموات.
قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] قال ابن عباس: يعني: آدم، والخلق من نسله، ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلا﴾ [الأنعام: ٢] يعني: أجل الحياة إلى الموت ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] يعني: أجل الموت إلى البعث وقيام الساعة.
وهذا قول ابن عباس، والحسن، وسعيد بن المسيب، وقتادة، والضحاك، ومقاتل.
قال ابن عباس: إن الله تعالى قضى لكل نفس أجلين، من مولده إلى موته ومن موته إلى مبعثه، فإذا كان الرجل صالحا واصلا لرحمه زاد الله له في أجل الحياة من أجل الممات إلى البعث، وإذا كان غير صالح ولا واصل لرحمه نقصه الله من أجل الحياة وزاد في أجل البعث، وذلك قوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١] .
ثم أنتم يا معشر المشركين بعد هذا البيان تمترون تشكون وتكذبون بالبعث.
قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] قال الزجاج، وابن الأنباري: هو المعبود في السموات والأرض، كما تقول: هو الخليفة في الشرق والغرب.
﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]: ما تسرون مما لا يطلع عليه غيركم، ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]: ما تجهرون به وتعلنونه، ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣] معنى الكسب: الفعل لاجتلاب نفع أو دفع ضر، ولهذا لا يوصف فعل الله سبحانه بأنه كسب.
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿٤﴾ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿٥﴾ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ
[ ٢ / ٢٥٢ ]
نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴿٦﴾﴾ [الأنعام: ٤-٦] قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٤] قال عطاء: يريد القرآن ﴿إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] تاركين التفكر فيها.
فقد كذبوا يعني: مشركي مكة ﴿بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [الأنعام: ٥] قال ابن عباس: بما جاءهم به الصادق الأمين عن الله تعالى، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ٥] أي: أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم على استهزائهم بالقرآن.
والمعنى: سيعلمون عاقبة استهزائهم إذا عذبناهم.
قوله: ألم يروا يعني: مشركي مكة ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] من أمة وجماعة، يعني: من أهلك من الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل، والقرن: الأمة من الناس، وأهل كل مدة قرن.
قوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ﴾ [الأنعام: ٦] قال ابن عباس: أعطيناهم ما لم نعطكم، يعني: وسعنا عليهم في كثرة العبيد والمال والأنعام.
يقال: مكنته ومكنت له، إذا أقدرته على الشيء بإعطاء ما يصح به الفعل من العدة، وفي هذا رجوع من الخبر إلى الخطاب.
وأرسلنا السماء يعني: المطر عليهم مدرارا كثير الدر.
يقال: سحاب مدرار وغيث مدرار.
إذا تتابع منه المطر.
﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنعام: ٦]: بكفرهم وتكذيبهم، وأنشأنا خلقنا وأوجدنا ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦] .
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿٧﴾ وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ﴿٨﴾ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ﴿٩﴾ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿١٠﴾﴾ [الأنعام: ٧-١٠] قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] قال الكلبي: قال مشركون مكة: لن نؤمن لك يا محمد حتى
[ ٢ / ٢٥٣ ]
تأتينا بكتاب من عند الله معه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله، فنزلت هذه الآية.
والقرطاس: كأنه يتخذ من بردي يكون بمصر، وكل كاغد قرطاس.
قوله: فلمسوه بأيديهم: قال قتادة: فعاينوا ذلك معاينة ومسوه بأيديهم، ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] قال الزجاج: لو رأوا الكتاب ينزل من السماء لقالوا سحر، أخبر الله سبحانه أنهم يدفعون الدليل حتى لو أتاهم الدليل مدركا بالحس لنسبوه إلى السحر.
قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] قال المفسرون: طلبوا ملكا يرونه يشهد، فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨] لأهلكوا بعذاب الاستئصال.
وقال مجاهد، وعكرمة: لقامت الساعة.
﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] قال ابن عباس: لا يؤخرون لتوبة، لأنه يجب أن يجروا على سنة من قبلهم ممن طلبوا الآيات فلم يؤمنوا فأهلكوا كعاد وثمود.
قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ [الأنعام: ٩] أي: لو جعلنا الرسول ملكا كما يطلبون لجعلناه رجلا: لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته، ولذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الإنس.
﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] يقال: لبست الأمر ألبسه لبسا.
إذا شبهته وجعلته مشكلا، قال الضحاك: ولخلطنا عليهم ما يخلطون حتى يشكوا فلا يدروا أملك هو أم آدمي؟ ثم عزى نبيه ﷺ عن تكذيب المشركين، فقال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] قال عطاء: فحل.
وقال الربيع: نزل.
وقال الضحاك: أحاط.
وقال الفراء: يقال: حاق بهم يحيق حيقا وحيوقا.
وقال الزجاج: أحاط بهم العذاب
[ ٢ / ٢٥٤ ]
الذي هو جزاء استهزائهم.
كما تقول: أحاط بفلان عمله، وأهلكه كسبه.
أي: جزاء كسبه، ثم حذر كفار مكة عذاب الأمم الخالية فقال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١] قل سيروا: سافِروا ﴿فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ [الأنعام: ١١] اعتبروا ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١] مكذبي الرسل، قال قتادة: دمر الله عليهم، ثم صيرهم إلى النار.
﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿١٢﴾ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١٣﴾ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٤﴾ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٥﴾ مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴿١٦﴾ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٧﴾ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴿١٨﴾ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿١٩﴾﴾ [الأنعام: ١٢-١٩] قوله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٢] هذا أمر من الله تعالى لنبيه ﷺ بسؤال قومه، ثم أمره بالجواب فقال: قل لله: جاء السؤال والجواب من جهة واحدة، وهذا إخبار عن عظم ملكه.
ثم أخبر أنه أوجب على نفسه الرحمة تلطفا في الاستدعاء إلى الإنابة فقال: كتب ربكم ﴿عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] قال ابن عباس: قضى لنفسه أنه أرحم الراحمين.
٣٢٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَارِثِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الأَثَرِيُّ بِجُرْجَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُثَنَّى، أَخْبَرَنَا
[ ٢ / ٢٥٥ ]
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ
وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنعام: ١٢] هذا ابتداء كلام، واللام فيه: لام القسم، كأنه قال: والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة.
قال الزجاج: معناه: ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه، وهو اليوم الذي لا ريب فيه، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢] أي: بالشرك بالله تعالى أوبقوا أنفسهم ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢] لما سبق لهم من القضاء بالشقاوة والخسران.
قوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ١٣] قال ابن عباس: له ما استقر في الليل والنهار ممن خلق.
وهذا عام في كل مخلوق، لأن كل ما طلعت عليه الشمس وما غربت فهو من ساكني الليل والنهار، ولهذا قال ابن الأعرابي: وله ما حل في الليل والنهار.
وقال أهل المعاني: في الآية محذوف، والتقدير: وله ما سكن وتحرك في الليل والنهار، فحذف ذكر الحركة واكتفى بذكر السكون، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] يعني: الحر والبرد.
قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] هذا استفهام معناه الإنكار، أي: لا أتخذ وليا غير الله ولا أعبد سواه، ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] خالقهما ابتداء لا على مثال سبق، والفطرة: ابتداء الخلقة.
قال ابن عباس: كنت لا أدري ما: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] حتى احتكم إلى أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأت حفرها.
وقال ابن الأعرابي: يقال: هو أول من فطر هذا، أي: ابتدأه.
قوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] قال السدي،
[ ٢ / ٢٥٦ ]
والكلبي: يَرزق ولا يُرزق، ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤] من هذه الأمة، أي: قيل لي: كن أول المسلمين، ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] أي: أمرت بدين الحنفية، ونهيت عن الشرك.
قل: للمشركين: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ [الأنعام: ١٥] فيما أمرت به ونهيت عنه ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥] وهو يوم القيامة.
﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ١٦] العذاب ﴿يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام: ١٦] فقد أوجب الله له الرحمة لا محالة، أي: له مع صرف العذاب عنه الرحمة.
وقرأ حمزة يَصْرِف بفتح الياء وكسر الراء، أي: يصرف الله عنه العذاب يومئذ، يعني: يوم القيامة فقد رحمه، ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام: ١٦] لأنه فاز بالرحمة ونجا من العذاب.
وقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الأنعام: ١٧] أي: إن جعل الضر يمسسك ويصيبك، وهو اسم جامع لكل ما يتضرر به الإنسان من فقر ومرض وزمانة، كما أن الخير: اسم جامع لكل ما ينتفع به الإنسان.
قوله: ﴿فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧] أي: لا يكشف ذلك الضر الذي أصابك غير الله، ولا يصرفه عنك غيره.
وقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ [الأنعام: ١٧] يصبك بغنى وسعة في الرزق وصحة في الجسم، ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] من الغنى والفقر.
٣٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحُ، عَنْ شِهَابِ بْنِ خِرَاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ:
[ ٢ / ٢٥٧ ]
أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَغْلَةٌ، أَهْدَاهَا لَهُ كِسْرَى فَرَكِبَهَا بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ ثُمَّ أَرْدَفَنِي خَلْفَهُ، ثُمَّ سَارَ مَلِيًّا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: " يَا غُلامُ، فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، فَقَدْ مَضَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ جَهِدَ النَّاسُ أَنْ يَنْفَعُوكَ بِمَا لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ جَهِدَ النَّاسُ أَنْ يَضُرُّوكَ بِمَا لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا، وَاعْلَمْ أَنَّ مَعَ الصَّبْرِ النَّصْرَ، وَأَنَّ مَعَ الْكَرْبِ الْفَرَجَ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ الْيُسْرَ "
قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] القهر: الغلبة، والله القاهر القهار، قهر خلقه بقدرته وسلطانه فصرفهم على ما أراد طوعا وكرها، يقال: أخذت الشيء قهرا.
إذا أخذته دون رضا صاحبه، ومعنى القاهر في صفة الله تعالى: يعود إلى أنه القادر الذي لا يعجزه شيء.
ومعنى فوق ههنا: أن قهره قد استعلى عليهم فهم تحت التسخير والتذليل بما علاهم من الاقتدار الذي لا ينفك عنه أحد، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] العالم بالشيء.
قوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً﴾ [الأنعام: ١٩] قال المفسرون: قال أهل مكة للنبي ﷺ: ائتنا بمن يشهد لك بالنبوة فإن اليهود والنصارى ينكرونك، فنزلت هذه الآية، قال مجاهد: أمر محمد ﷺ أن يسأل قريشا، ثم أمر أن يخبرهم فيقول: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] .
[ ٢ / ٢٥٨ ]
قال الزجاج: أمر الله نبيه ﷺ أن يحتج عليهم بأن شهادة الله في نبوة نبيه أكبر شهادة، وأن القرآن الذي أتى به يشهد له أنه رسول الله ﷺ، وهو قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] يريد: من أمتي إلى يوم القيامة.
قال الفراء: المعنى: ومن بلغه القرآن من بعدكم، وكان مجاهد يقول: حيثما يأتي القرآن فهو داع ونذير.
ثم قرأ هذه الآية، وقال القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي ﷺ وكلمه.
قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٩] هذا استفهام معناه الجحد والإنكار عليهم بهذه الشهادة، ثم أمر رسوله ﷺ بنفي هذه الشهادة عن نفسه بقوله: ﴿قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ [الأنعام: ١٩]، ثم أمره بتوحيده والتبري مما سوى الإسلام فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] .
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿٢٠﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿٢١﴾ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿٢٢﴾ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿٢٣﴾ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿٢٤﴾﴾ [الأنعام: ٢٠-٢٤] قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ٢٠] يعني: اليهود والنصارى يعرفونه: يعرفون محمد بالنبوة والصدق بما يجدونه مكتوبا عندهم في صفته ونعته ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ [الأنعام: ٢٠] .
وقد تقدم تفسير هذا في ﴿[البقرة، وباقي ال: مفسر في هذه السورة.
قوله:] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] قال ابن عباس: ومن أكفر ممن اختلق على الله كذبا فأشرك به الآلهة، والمعنى: لا أحد أظلم منه.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [الأنعام: ٢١] يعني: القرآن، وهم اليهود والنصارى كذبوا القرآن ومعجزاته، ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] قال ابن عباس: لا يسعد من جحد ربوبية ربه، وكذّب رسله.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام: ٢٢] انتصب يوم بمحذوف تقديره: واذكر يوم نحشرهم.
يعني: يوم القيامة يجمع الله فيه الكفار والمشركين ثم يسألهم سؤال توبيخ عما أشركوا بالله من الأوثان وهو قوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] قال المفسرون: إن المشركين كانوا يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، فقيل لهم يوم القيامة: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون أنها تشفع لكم؟ قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقرئ بالياء لأن الفتنة بمعنى الافتتان فجاز تذكيره، وقرئ فتنتهم رفعا ونصبا، فمن رفع جعله اسم كان، وجعل: ﴿إِلا أَنْ قَالُوا﴾ [الأنعام: ٢٣] الخبر، ومن نصب جعل: ﴿إِلا أَنْ قَالُوا﴾ [الأنعام: ٢٣] الاسم وفتنتهم الخبر.
قال الزجاج: تأويل هذه الآية تأويل حسن لطيف، وذلك أن الله تعالى ذكر فيما تقدم أمر المشركين وأنهم مفتونون بشركهم، ثم أعلم أنه لم يكن افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه إلا أن تبرءوا منه وانتفوا عنه، وهو قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] .
قرئ ربِّنا بالخفض على نعت الله، ومن نصب جعله منادى مضافا.
قال الله ﷿: انظر: يا محمد ﴿كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] باعتذارهم بالباطل وجحد شركهم في الآخرة، قاله قتادة وعطاء.
قوله: وضل عنهم أي: زال وبطل ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] بعبادته من الأصنام فلم تغن عنهم شيئا، وذلك
[ ٢ / ٢٦٠ ]
أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم، فبطل ذلك في ذلك اليوم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴿٢٥﴾ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٢٦﴾ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٧﴾ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿٢٨﴾﴾ [الأنعام: ٢٥-٢٨] وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] الآية، نزلت في نفر من المشركين منهم النضر بن الحارث، جلسوا إلى رسول الله ﷺ وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟ فقال: أساطير الأولين مثلما كنت أحدثكم عن القرون الماضية.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الأنعام: ٢٥] الأكنة: هو ما ستر الشيء، يقال: كننت الشيء وأكننته: سترته، قال ابن عباس: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] يعني: القرآن ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٥] غطاء أن يفهموه ويعوه.
قال الزجاج: والتقدير: كراهة أن يفقهوه، فحذف المضاف.
﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] الوقر: الثقل في الأذن، قال ابن عباس: صمما.
وقال الضحاك: ثقلا.
وليس المعنى أنهم لم يعلموا ولم يسمعوا، ولكنهم حرموا الانتفاع به، فكانوا بمنزلة من لم يعلم ولم يسمع.
وهذه الآية دلالة صريحة على أن الله تعالى يقلب القلوب، فيشرح بعضها للهدى، ويجعل بعضها في أكنة فلا يفقه صاحبها كلام الله تعالى ولا يؤمن به، وهو قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٢٥] أي: كل علامة تدلهم على نبوتك لا يصدقوا بها، هذا حالهم في البعد عن الإيمان ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] يخاصمونك في الدين ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ما هذا القرآن إلا ما سطره الأولون، أي: كتبوه من أحاديثهم، وواحد الأساطير: أسطورة، مثل أحدوثة وأحاديث، وقال أبو زيد الأخفش: لا واحد لها مثل عبابيد وأبابيل.
[ ٢ / ٢٦١ ]
قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] يعني: المشركين ينهون الناس عن اتباع محمد ﷺ، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦]: يتباعدون عنه فلا يؤمنون.
وهذا قول الكلبي، والحسن، والسدي.
والنأي: البعد، نأى ينأى نأيا.
وقال ابن عباس، وعمرو بن دينار، وسعيد بن جبير: نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ﷺ ويتباعد عما جاء به.
وقوله: وإن يهلكون أي: وما يهلكون بالتباعد عنه ﴿إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] أنهم يهلكونها.
قوله: ولو ترى: يا محمد المشركين ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] أي: عاينوها ووقفوا عندها، فهم موقوفون على أن يدخلوها، ﴿فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ [الأنعام: ٢٧] إلى الدنيا، يتمنون الرد لكي يؤمنوا ويصدقوا وهو قوله: ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]، فقد شاهدنا وعاينا ما لا نكذب معه أبدا.
ومن نصب ولا نكذب، ونكون قال الزجاج: نصب على الجواب بالواو في التمني، كما تقول: ليتك
[ ٢ / ٢٦٢ ]
تصير إلينا ونكرمك.
المعنى: ليت مصيرك يقع وإكرامنا، والمعنى: ليت ردنا وقع وأن لا نكذب ونكون من المؤمنين.
قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٨] بل ههنا: رد لكلامهم، يقول الله تعالى: ليس على ما قالوا من أنهم لو ردوا لآمنوا، بل بدا لهم ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ٢٨] فلذلك اعتذروا وتمنوا الرد، وذلك أن المشركين كانوا يجحدون الشرك في بعض المواقف كما أخبر عنهم بقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر، فذلك حين بدا لهم، أي: ظهر لهم ما كانوا يخفون: يكتمون ويسترون من الشرك، ولو ردوا: إلى الدنيا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] قال ابن عباس: إلى ما نهوا عنه من الشرك.
وإنهم لكاذبون في قولهم: ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴿٢٩﴾ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿٣٠﴾﴾ [الأنعام: ٢٩-٣٠] وقالوا يعني: منكري البعث ﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩] ما الحياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها ولا حياة بعدها، وهو قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] .
قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠] أي: على مسألة ربهم وتوبيخه إياهم بكفرهم، وهو قوله: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٣٠] يقول الله لهم: أليس هذا البعث حقا؟ فيقرون حين لا ينفعهم ذلك، ويقولون: بلى وربنا، فيقول الله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٠] أي: بكفركم بالبعث.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴿٣١﴾ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴿٣٢﴾﴾ [الأنعام: ٣١-٣٢] قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣١] إنما وصفوا بالخسران لأنهم باعوا الإيمان بالكفر، فعظم خسرانهم في ذلك البيع.
ومعنى بلقاء الله: بالبعث والثواب والعقاب والمصير إلى الله.
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٣١] يعني: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، والبغتة: الفجأة، يعني:
[ ٢ / ٢٦٣ ]
إنها تأتي فجأة لا يعلمها أحد فينتظرها، و﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١] التفريط: التضييع والترك.
أي: على ما تركنا وضيعنا من عمل الآخرة في الدنيا.
﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] الأوزار: الأثقال من الإثم، قال ابن عباس: يريد: آثامهم وخطاياهم.
قال المفسرون: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا، فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] أي: ركبانا.
وإن الكافر إذا خرج من قبره استقبله أقبح شيء صورة وأخبثه ريحا، فيقول: أنا عملك السيئ طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم، وذلك قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]، وهذا قول قتادة، والسدي.
وقوله: ﴿أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١] يقال: وزرت الشيء آزره وزرا إذا حملته.
قال ابن عباس: بئس الحمل حملوا.
قوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٣٢] يعني: الحياة في هذه الدار ﴿إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] أي: باطل وغرور لأنها تنقضي وتفنى، كاللعب واللهو لذة فانية عن قرب.
وللدار الآخرة يعني: الجنة ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] الشرك أفلا يعقلون أنها كذلك فيصلوا لها.
وقرأ ابن عامر: ولدار الآخرة بالإضافة، قال الفراء: يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، كقولهم: بارحة الأولى، ويوم الخميس، وحق اليقين.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿٣٣﴾ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣٤﴾ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿٣٥﴾ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴿٣٦﴾﴾ [الأنعام: ٣٣-٣٦] قوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] هذا تسلية للنبي ﷺ وتعزية عما يواجهه به قومه من التكذيب.
قال أبو ميسرة: مر النبي ﷺ بأبي جهل وأصحابه فقالوا: يا محمد إنا والله لا نكذبك، وإنك عندنا صادق، ولكن نكذب ما جئت به.
فنزلت هذه الآية.
وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، ومقاتل: هذا في المعاندين الذين عرفوا صدق محمد ﷺ، وأنه غير كاذب فيما يقول، ولكنهم عاندوا وجحدوا، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] في العلانية إنك كذاب مفتر، ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] في السر يعلمون أنك صادق، وقد عرفوا صدقك فيما مضى، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] بالقرآن بعد المعرفة.
وقال قتادة: يعلمون أنك رسول الله ولكن يجحدون، كقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] وقرأ الكسائي لا يكذبوك مخففا، واحتج بأن العرب تقول: كذبت الرجل.
إذا نسبته إلى الكذب وإلى صنعة الأباطيل من القول، وأكذبته إذا أخبرت أن الذي تحدث به كذب ليس هو الصانع له.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وقال الفراء: معنى التخفيف: لا يجعلونك كذابا، ولكن يقولون: إن ما جئت به باطل.
ويجوز أن يكون معنى القراءتين سواء، يقال: كذبته وأكذبته، إذا نسبته إلى الكذب.
ثم أخبر الله تعالى أن الرسل قبله قد كذّبتهم الأمم، فقال: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: ٣٤] قال ابن عباس: من لدن نوح إليك.
﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾ [الأنعام: ٣٤] رجاء ثوابي، وأوذوا: حتى نشروا بالمناشير وحرقوا بالنار ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤] بتعذيب من كذبهم ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣٤] لا ناقض لما حكم به، وقد حكم في كتابه بنصر أنبيائه كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ [الصافات: ١٧١] الآيات.
﴿وَلَقدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] أي: خبرهم في القرآن، وكيف أنجيناهم ودمرنا قومهم.
قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥] أي: عظم عليك وشق أن أعرضوا عن الإيمان بك وبالقرآن.
وكان رسول الله ﷺ يحرص على إيمان قومه أشد الحرص، وكانوا إذا سألوه آية أراد أن يريهم الله ذلك طمعا في إيمانهم، فقال الله ﷿: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٥] وهو السَّرَب له مخلص إلى مكان آخر، ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥] يقول الله تعالى: إن استطعت أن تغوص في الأرض، أو ترقى في السماء فتأتي قومك بآية فافعل.
قال الزجاج: أعلم الله أنه بشر لا يقدر على الإتيان بالآيات، وفي تعجيزه عن الإتيان بما سألوا أمر له بالصبر إلى أن يدخل وقت العقاب.
قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] أخبر الله تعالى أنهم إنما تركوا الإيمان بمشيئة الله، ونافذ قضائه فيهم، ولو شاء الله لاجتمعوا على الإيمان، كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] .
قوله: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] فإنه يؤمن بك بعضهم دون بعض، وإنهم لا يجتمعون على الهدى، ثم ذكر من يؤمن، فقال: ﴿
[ ٢ / ٢٦٦ ]
إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] قال مجاهد، وقتادة: يعني المؤمنين الذين يسمعون الذكر فينتفعون به، وقال الزجاج: يعني الذين يسمعون سماع قابلين.
﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦] يعني: الكفار، يقول الله ﷾: إنما يستجيب للحق المؤمنون، فأما الموتى وهم الكفار فإن الله يبعثهم في الآخرة ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] يرجعون فيجزيهم بأعمالهم.
﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿٣٧﴾ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴿٣٨﴾ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٣٩﴾﴾ [الأنعام: ٣٧-٣٩] وقالوا يعني: رؤساء قريش: لولا: هلا ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧] يعنون نزول ملك يشهد بالنبوة، ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] ما عليهم في الآية من البلاء في إنزالها.
قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨] قال ابن عباس: يريد: كل ما دب على الأرض وجميع البهائم.
وقال الزجاج: جميع ما خلق الله في الأرض من حيوان لا يخلو إما أن يدب وإما أن يطير، وهو قوله: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وذكر الجناح تأكيد، كقولك: نعجة أنثى، وكلمته بفمي، ومشيت برجلي.
وقوله: ﴿إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] قال مجاهد: أصناف مصنفة تعرف بأسمائها.
يريد: أن كل جنس من الحيوان أمة تعرف باسمها، كالطير والظباء والذئاب والأسود مثل بني آدم يعرفون بالإنس والناس.
وقال الزجاج: يعني أمثالكم في أنهم يبعثون، لأنه قال: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦]، ثم أعلم أنه ما من دابة ولا طائر إلا أمثالكم في الخلق والموت والبعث.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
يدل على صحة هذا التأويل ما
٣٢٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبَّادٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ جَعْفَرٍ الْجَزَرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] قَالَ: يُحْشَرُ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْبَهَائِمُ وَالدَّوَابُّ وَالطَّيْرُ وَكُلُّ شَيْءٍ، فَيَبْلُغُ مِنْ عَدْلِ اللَّهِ أَنْ يَأْخُذَ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ: كُونِي تُرَابًا، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ الْكَافِرُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا
وقال القتيبي: يريد: أنهما مثلنا في طلب الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك.
وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] قال ابن عباس في رواية عطاء: ما تركنا من شيء إلا وقد بيناه لكم.
وهذا من العام الذي أريد به الخاص، لأن المعنى: ما فرطنا في الكتاب من شيء بالعباد إليه حاجة إلا وقد بيناه، إما نصا، وإما دلالة، وإما مجملا، وإما مفصلا، كقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] أي: لكل شيء يحتاج إليه في أمر الدين.
وقال في رواية الوالبي: ما تركنا شيئا إلا وقد كتبناه في أم الكتاب.
وعلى هذا القول: المراد ب الكتاب: اللوح المحفوظ المشتمل على ما كان ويكون، كما روي في الخبر: «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» .
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] أي: مع الخلق إلى الموقف للحساب والجزاء كما روينا عن أبي هريرة.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] .
قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام: ٣٩] يعني: بما جاء به محمد ﷺ صم: عن القرآن لا يسمعونه، وبكم: عن القرآن لا ينطقون به، ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ٣٩] يعني: ظلمات الشرك والكفر.
ثم أخبر أنهم صاروا كذلك بمشيئة الله تعالى، فقال: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ [الأنعام: ٣٩] الآية.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٤٠﴾ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴿٤١﴾﴾ [الأنعام: ٤٠-٤١] وقوله: قل أرأيتكم قال الفراء: العرب تقول: أرأيتك وهم يريدون: أخبرني، كما تقول: أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل؟ أي: أخبرني، وتترك التاء إذا أردت هذا المعنى موحدة على كل حال، تقول: أرأيتك وأريتكما، وأرأيتكن.
وحذف الكسائي همزة الرؤية فقرأ: أرايتكم بالتخفيف كما قالوا: وَيْلُمِّهِ، وقرأ نافع بتليين الهمزة ولم يحذفها.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
قال ابن عباس: قل، يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠] يريد: الموت ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] القيامة ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] يريد: إلى من تتضرعون؟ إلى هذه الأصنام.
يريد: إنكم عند العذاب وعند الموت والشدائد تخلصون وتوحدون، وأنتم اليوم لا تصدقونني، احتج الله عليهم بما لا يدفعون، لأنهم كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله ولم يلجأوا في كشفه إلا إليه، لأنه لا يملك كشف البلاء إلا هو.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] جواب قوله: أرأيتكم لأنه بمعنى أخبروني، كأنه قيل لهم: إن كنتم صادقين أخبروني من تدعون عند نزول البلاء بكم؟ ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤١] نفى دعاءهم غير الله في الشدائد، وأثبت دعاءهم إياه، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ٤١] أي: فيكشف الضر الذي من أجله دعوتموه ﴿إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١] تتركونهم فلا تدعونهم لأنه ليس عندهم نفع ولا ضر.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴿٤٢﴾ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٤٣﴾ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴿٤٤﴾ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٥﴾﴾ [الأنعام: ٤٢-٤٥] قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ [الأنعام: ٤٢] في الآية محذوف تقديره: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فخالفوهم، بالبأساء يعني: الشدة والفقر، والضراء وهي الأمراض والأوجاع لعلهم يتضرعون لكي يتضرعوا، ومعنى التضرع: التذلل والانقياد للطاعة.
فلولا: فهلا ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأنعام: ٤٣] عذابنا تضرعوا.
قال الزجاج: أعلم الله نبيه أنه قد أرسل قبله إلى قوم بلغوا من القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا، وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام: ٤٣]، فأقاموا على كفرهم، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣] قال ابن عباس: زين لهم الشيطان الضلالة التي هم عليها، فأصروا على معاصي الله.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤] قال ابن عباس: تركوا ما وعظوا به.
وقال مقاتل: تركوا ما دعاهم إليه الرسل.
﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] قال ابن عباس، ومقاتل، والسدي: رخاء الدنيا ويسرها وسرورها.
وقال الزجاج: أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم من الخير.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ [الأنعام: ٤٤] حتى ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ففرحوا بذلك الرخاء والنعمة.
أخذناهم بغتة: فاجأهم عذابنا من حيث لا يشعرون.
قال الحسن: من وسع عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له، ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر إليه فلا رأي له، ثم قرأ هذه الآية، وقال: مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجاتهم ثم أخذوا.
٣٢٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو صَادِقٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذِان، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي لِلْعَبْدِ مَا يُحِبُّ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُ اسْتِدْرَاجٌ»، ثُمَّ تَلا ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] إِلَى آخِرِ الآيَتَيْنِ
وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] الإبلاس: اليأس من النجاة عند ورود الهلكة، قال ابن عباس: آيسون من كل خير.
وقال الزجاج: المبلس: الشديد الحسرة البائس الحزين.
قوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] دابر القوم: آخرهم الذي يدبرهم، ودابر الرجل: عقبه، ويقال:
[ ٢ / ٢٧١ ]
دبر فلان القوم يدبرهم دبرا ودبورا.
إذا كان آخرهم، قال الكلبي: دابر القوم دابرهم الذي يختلف في آخر القوم.
والمعنى: أنهم استؤصلوا بالعذاب فلم تبق منهم باقية.
قوله: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] قال الزجاج: حمد الله نفسه على أن قطع دابرهم، لأن ذلك نعمة على الرسل الذين كذبوهم، فذكر الحمد ههنا تعليم لهم ولمن آمن بهم أن يحمدوا الله على كفايته شر الذين ظلموا، وليحمد محمد وأصحابه ربهم إذا أهلك المشركين المكذبين.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴿٤٦﴾ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ﴿٤٧﴾﴾ [الأنعام: ٤٦-٤٧] قوله: قل أرأيتم: أيها المشركون ﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] أي: أذهبها أصلا حتى لا تبصروا ولا تسمعوا، ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] حتى لا تعرفوا شيئا مما تعرفون من أمور الدنيا، ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٦] أي: بما أخذ منكم، يعني: هل يقدر أحد على رد هذه الأعضاء عليكم غير الله؟ وهذا كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] .
وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ﴾ [الأنعام: ٤٦] نبين لهم في القرآن العلامات التي تدل على توحيد الله ونبوة نبيه ﷺ، ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة: ثم هم يعرضون.
والصدوف: الميل عن الشيء، يقال: صدف.
إذا عدل ومال.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ [الأنعام: ٤٧] قال ابن عباس، والحسن: ليلا أو نهارا.
﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧] قال الزجاج: هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم لأنكم كفرتم وعاندتم، فقد علمتم أنكم ظالمون.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٤٨﴾ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿٤٩﴾﴾ [الأنعام: ٤٨-٤٩] وقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨] بالثواب لمن آمن، ومنذرين: بالنار لمن كفر، أي: إنما قصدهم التبشير والإنذار، لا أن يأتوا بما يقترح عليهم من الآيات.
ثم ذكر ثواب من صدق فقال: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ [الأنعام: ٤٨] العمل ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨]، وذكر عقاب المكذبين فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام: ٤٩] الآية.
﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] وقوله: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٠] الخزائن: جمع الخزانة، وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء.
قال الزجاج: أعلمهم النبي ﷺ أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي ولا الغيب، فيخبرهم بما غاب عنه مما مضى وما سيكون، وليس بملك يشاهد من أمور الله ما لا يشاهده البشر، وهو قوله: ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] أي: ما أنبأتكم من غيب فيما مضى وفيما سيكون فهو بوحي من الله.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام: ٥٠] قال قتادة: الكافر والمؤمن.
وقال سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك: الضال والمهتدي.
أفلا تتفكرون: أنهما لا يستويان.
﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿٥١﴾ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٥٢﴾ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴿٥٣﴾ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٥٤﴾ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴿٥٥﴾﴾ [الأنعام: ٥١-٥٥] قوله: وأنذر به: قال ابن عباس: خوّف بالقرآن ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١] يريد: المؤمنين يخافون يوم القيامة وما فيها من الأهوال علما بأنه سيكون، ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الأنعام: ٥١] أي: غير الله ﴿وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] لأن شفاعة الرسل والملائكة للمؤمنين إنما تكون بإذن الله تعالى، لعلهم يتقون كي يخافوا فينتهوا عما نهيتهم.
قوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآية.
٣٢٧ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بن مُحَمَّد بْن أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الأَزْدِيِّ، عَنْ أَبِي الْكَنُودِ، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ: جَاءَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فَوَجَدَا النَّبِيَّ ﷺ قَاعِدًا مَعَ بِلالٍ وَعَمَّارٍ وَصُهَيْبٍ وَخَبَّابٍ فِي نَاسٍ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ حَوْلَهُ حَقَّرُوهُمْ فَأَتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ، فَقَالُوا: أنا نُحِبُّ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا مِنْكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنَا بِهِ الْعَرَبُ فَضْلَنَا، فَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ تَأْتِيكَ فَنَسْتَحْيِي أَنْ تَرَانَا الْعَرَبُ قُعُودًا مَعَ هَؤُلاءِ الأَعْبُدِ، فَإِذَا نَحْنُ
[ ٢ / ٢٧٤ ]
جِئْنَاكَ فَأَقِمْهُمْ عَنَّا، فَإِذَا نَحْنُ فَرَغْنَا فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إِنْ شِئْتَ، قَالَ: نَعَمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَمَا بَعْدَهَا
ومعنى قوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] يعبدون الله تعالى بالصلوات المكتوبة، في قول عامة المفسرين، وقال قتادة: يعني: صلاة الصبح وصلاة العصر.
وقوله: يريدون وجهه: قال ابن عباس: يطلبون ثواب الله، ويعملون ابتغاء مرضاة الله.
والمعنى: يريدون الله بطاعتهم، ويذكر لفظ الوجه للتعظيم، كما تقول: هذا وجه الرأي.
قال الزجاج: أي: لا يقصدون بعبادتهم إلا إياه.
٣٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بْنُ زُهَيْرٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ غَسَّانَ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " تُعْرَضُ أَعْمَالُ بَنِي آدَمَ فِي صُحُفٍ مُخَتَّمَةٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اقْبَلُوا هَذَا وَدَعُوا هَذَا، فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ: مَا عَلِمْنَا إِلَّا خَيْرًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: هَذَا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهِي، وَهَذَا مَا لَمْ يُرَدْ بِهِ وَجْهِي، وَلا أَقْبَلُ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِه وَجْهِي "
[ ٢ / ٢٧٥ ]
قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] أي: من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم، ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] أي: ليس رزقك عليهم ولا رزقهم عليك، وإنما يرزقك وإياهم الله، فدعهم يدنوا منك، ولا تطردهم ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] .
قال الأنباري: عظم الأمر في هذا على النبي ﷺ، وخوف بالدخول في جملة الظالمين، لأنه كان قد هم بتقديم الرؤساء وأولي الأموال على الضعفاء وذوي المسكنة، فأعلمه الله أن ذلك غير جائز.
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣] أي: كما ابتلينا قبلك الغني بالفقير، ابتلينا أيضا هؤلاء بعضهم ببعض، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠] .
قال الكلبي: ابتلى هؤلاء الرؤساء من قريش بالموالي، فإذا نظر الشريف إلى الوضيع قد آمن قبله أنف أن يسلم ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم، وهو قوله: ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣] يريدون الفقراء والضعفاء.
والاستفهام ههنا معناه الإنكار، كأنهم أنكروا أن يكونوا سبقوهم بفضيلة أو خصوا بمنة، فقال الله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] أي: بالذين يشكرون نعمته إذا من عليهم بالهداية، أي: إنما يهدي الله إلى دينه من يعلم أنه يشكر نعمته.
والاستفهام في قوله: أليس الله: معناه التقرير، أي: أنه كذلك.
قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام: ٥٤] الآية.
قال الحسن، وعكرمة: نزلت في الذين سأل المشركون طردهم، فكان النبي ﷺ إذا رآهم بدأهم بالسلام، ويقول: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام» .
وهو قوله: ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] قال ابن عباس: قضى لكم ربكم على نفسه الرحمة.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وقال الزجاج: معنى كتب: أوجب ذلك إيجابا مؤكدا.
قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٤] يعني: أنه بجهله آثر العاجل القليل على الآجل الكثير، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] .
وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الأنعام: ٥٤] أي: رجع عن ذنبه ولم يصر على ما فعل، وأصلح: عمله، ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]، واختلفوا في قوله: أنه وفأنه: فمن فتحهما جعل الأولى تفسيرا للرحمة، كأنه قيل: كتب ربكم على نفسه الرحمة: أنه من عمل منكم، ثم جعل الثانية بدلا من الأولي كقوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] .
ومن كسرها، كسر الأولى على الحكاية، كأنه لما قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] قال: إنه من عمل منكم سوءا بجهالة، وكسر الثانية لأنها دخلت على ابتداء وخبر وهي مستأنفة.
وأما نافع فإنه أبدل الأولى من الرحمة ففتحها، واستأنف ما بعد الفاء.
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ [الأنعام: ٥٥] يقول: وكما فصلنا ذلك في هذه ال ﴿[دلائلنا وأعلامنا على المشركين، كذلك نميز ونبين لك حجتنا في كل حق ينكره أهل الباطل.
ومعنى التفصيل: التمييز للبيان.
قوله: ولتستبين عطف على المعنى، كأنه قيل: ليظهر الحق وليستبين.
والسبيل يذكر ويؤنث، فلذلك قرئ ولتستبين بالتاء والياء، هذا فيمن رفع السبيل، ومن نصب السبيل كانت التاء للخطاب، أي ولتستبين: يا محمد سبيلَ المجرمين، يقال: استبان الشيء واستبنته.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
قال ابن عباس: ولتستبين يا محمد سبيلَ المجرمين فيما جعلوا لله من الشركاء، وما بينت من سبيلهم يوم القيامة ومصيرهم إلى الخزي.
] قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴿٥٦﴾ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ﴿٥٧﴾ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ﴿٥٨﴾ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴿٥٩﴾ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٦٠﴾ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ﴿٦١﴾ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴿٦٢﴾﴾ [سورة الأنعام: ٥٦-٦٢] قوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦] يعني: الأصنام، نهيت عن عبادتها، ﴿قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٦] قال ابن عباس: يريد: دينكم.
قال الزجاج: أي: إنما عبدتموها على طريق الهوى، لا على طريق البينة والبرهان، فأنا لا أتبعكم على ذلك.
﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ [الأنعام: ٥٦] إن عبدتها ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] الذين سلكوا سبيل الهدى.
قوله: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [الأنعام: ٥٧] البينة: الدلالة التي تفصل بين الحق والباطل.
قال ابن عباس: يريد: على يقين من ربي، وقال الزجاج: أنا على أمر بين لا متبع لهوى.
وكذبتم به أي: بالبيان الذي أتيتكم به وهو القرآن، والبينة والبيان بمعنى واحد.
﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ
[ ٢ / ٢٧٨ ]
بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] قال ابن عباس، والحسن: يعني العذاب، كانوا يقولون: يا محمد ائتنا بالذي تعدنا، كقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج: ٤٧] .
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] ما الحكم الذي يفصل به بين المختلفين بإيجاب الثواب والعقاب إلا لله، ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [الأنعام: ٥٧] أي: يقول الحق، ومعناه: إن جميع ما أنبأ به وأمر به فهو من أقاصيص الحق، وقرئ: يقضي الحق ومعناه: يقضي القضاء الحق.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧] خير من يفصل بين الحق والباطل.
قوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٨] قال ابن عباس: يقول لمحمد ﷺ: قل: لو أن عندي ما تستعجلونه به من العذاب لم أمهلكم ساعة، وهو قوله: ﴿لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٨] أي: لو كان الأمر بيدي لأنبأتكم بما تستعجلون به من العذاب ولفصل الأمر بيني وبينكم، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٨] يعني: أنتم ظلمتم إذ كذبتموني بعد علمكم بصدقي وأمانتي، والله أعلم بكم إن شاء عاجلكم بالعقوبة، وإن شاء أخرها.
قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] قال ابن عباس، والضحاك، ومقاتل، والحسن، والسدي: مفاتح الغيب: خزائن الغيب.
٣٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ،
[ ٢ / ٢٧٩ ]
حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ، وَلا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا اللَّهُ، وَلا يَعْلَمُ مَتَى يَنْزِلُ الْغَيْثُ إِلَّا اللَّهُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُفْيَانَ
وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، قال مجاهد: البر: القفار، والبحر: كل قرية فيها ماء، لا يحدث فيهما شيء إلا بعلم الله، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩]، قال الزجاج: المعنى: أنه يعلمها ساقطة وثابتة، كما تقول: ما يجيئك أحد إلا وأنا أعرفه، ليس تأويله إلا وأنا أعرفه في حال مجيئه فقط.
وقوله: ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٥٩] يعني: في الثرى تحت الأرض.
﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] قال ابن عباس: يريد: ما ينبت ومالا ينبت.
﴿إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] قال الزجاج: يجوز أن يكون الله أثبت ذلك في كتاب من قبل أن يخلق الخلق، كما قال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] فأعلم الله أنه أثبت ما خلق من خلقه.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
٣٣٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ غَانِمِ بْنِ حَمُّوَيْهِ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنِي حَمُّوَيْهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ زَرْعٍ عَلَى الأَرْضِ، وَلا ثِمَارٍ عَلَى أَشْجَارٍ، إِلَّا عَلَيْهَا مَكْتُوبٌ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هَذَا رِزْقُ فُلانِ ابْنِ فُلانٍ "، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﷿ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] قال ابن عباس: يقبض أرواحكم في منامكم، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ﴾ [الأنعام: ٦٠] ما كسبتم من العمل ﴿بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] يرد إليكم أرواحكم.
قال قتادة: البعث ههنا: اليقظة.
﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: أعماركم المكتوبة، قال السدي: يعني: أجل الحياة إلى الموت، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٠] بعد الموت، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠] يخبركم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا.
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٦١] تقدم تفسيره، ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] قال ابن عباس: من الملائكة يحصون أعمالكم، كقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] .
وقال قتادة: يحفظون يابن آدم رزقك وعملك وأجلك، فإذا وفيت ذلك قبضت إلى ربك.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١] يعني: أعوان ملك الموت، ﴿وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] لا يضيعون ولا يغفلون ولا يتوانون. . ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٦٢] يعني: العباد يردون بالموت إلى الله مولاهم الحق: الذي يتولى أمورهم ﴿أَلا لَهُ
[ ٢ / ٢٨١ ]
الْحُكْمُ﴾ [الأنعام: ٦٢] أي: القضاء فيهم، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢] إذا حاسب فحسابه سريع، كقوله: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] وقد مضى.
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٦٣﴾ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٦٤﴾ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴿٦٥﴾﴾ [الأنعام: ٦٣-٦٥] قوله: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٣] وقرئ بالتخفيف، وهما لغتان، يقال: نجاه وأنجاه، قال الله تعالى: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ [العنكبوت: ٢٤] وقال: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [فصلت: ١٨] .
وقوله: ﴿مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] قال ابن عباس: من أهوالهما وكرباتهما، قال: وكانت قريش تسافر في البر والبحر، فإذا ضلها الطريق وخافوا الهلاك دعوا الله مخلصين، فأنجاهم.
قال الزجاج: ﴿ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] شدائدهما، والعرب تعبر عن الشدة بالظلمة يقولون لليوم الشديد: يوم مظلم.
وقوله: تدعونه تضرعا أي: تظهرون إليه الضراعة في الدعاء، وهو شدة الفقر إلى الشيء والحاجة إليه، وخفية: سرا بالنية، أي: تضمرون فقركم وحاجتكم إليه كما تظهرون.
وقرئ وخِفية بكسر الخاء وهما لغتان.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ﴾ [الأنعام: ٦٣] الظلمات والشدائد ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٦٣] من المؤمنين الطائعين لله.
وقرأ أهل الكوفة لئن أنجانا، حملوه على الغيبة، لقوله قبله: تدعونه.
قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٦٤] أي: من تلك الشدائد التي دعوتموه لينجيكم منها، ﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ [الأنعام: ٦٤] وهو الغم الذي يأخذ بالنفس، يقال: كربه الغم، وإنه لمكروب.
قال الزجاج: أعلمهم الله أن الذي دعوه وأقروا به هو ينجيهم، ثم هم يشركون معه الأصنام التي قد علموا أنها لا تنفع ولا تضر.
ثم أعلمهم أنه قادر على تعذيبهم فقال: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال ابن عباس: يريد من السماء كما حصب قوم لوط، وكما رمى أصحاب الفيل ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] يريد: كما خسف بقارون.
وهو قول السدي، وابن جريج، ومقاتل، قالوا: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] الصيحة والحجارة والريح والغرق بالطوفان، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] الرجفة والخسف.
وقوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]
[ ٢ / ٢٨٣ ]
قال الزجاج: بمعنى يلبسكم: يخلط أمركم خلط اضطراب، لا خلط اتفاق.
والشيع: جمع شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، والجمع شيع وأشياع.
قال ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، والسدي: يبث فيكم الأهواء المختلفة فتصيرون فرقا يقاتل بعضكم بعضا، ويخالف بعضكم بعضا، وهو معنى قوله: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] أي: بالخلاف والقتال.
٣٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى مَرَرْنَا عَلَى مَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ، فَدَخَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا، فَنَاجَى رَبَّهُ طَوِيلا، ثُمَّ قَالَ: «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاثًا، سَأَلْتُهُ أَلَّا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَلَّا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَلَّا يَجْعِلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُصَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ
وقال أبي بن كعب في هذه الآية: هي أربع خلال كلهن عذاب، فجاء منهن اثنتان بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة، لبسوا شيعا وذاق بعضهم بأس بعض.
وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ﴾ [الأنعام: ٦٥] أي: نبين لهم الآيات في القرآن لعلهم يفقهون يعلمون.
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴿٦٦﴾ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٦٧﴾ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى
[ ٢ / ٢٨٤ ]
مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٦٨﴾ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿٦٩﴾﴾ [الأنعام: ٦٦-٦٩] قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام: ٦٦] يعني: بالقرآن ﴿وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦] قال الحسن: لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وأعمالكم، إنما أنا منذر والله المجازي بأعمالكم.
والمعنى: لم أوكل بحفظكم ومنعكم من الكفر، وهذا مما نسخته آية القتال.
﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] لكل خبر يخبره الله تعالى وقت ومكان يقع فيه من غير خلف ولا تأخير.
قال مجاهد: لكل نبأ حقيقة: إما في الدنيا، وإما في الآخرة.
وسوف تعلمون: ما كان في الدنيا فسوف ترونه، وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم.
قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [الأنعام: ٦٨] قال المفسرون: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله ﷺ والقرآن، فشتموا واستهزءوا، فأمرهم الله تعالى ألا يقعدوا معهم فقال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] .
وقال ابن عباس: أمر الله تعالى رسول الله ﷺ فقال: إذا رأيت المشركين يكذبون بالقرآن وبك، ويستهزئون فاترك مجالستهم حتى يكون خوضهم في غير القرآن.
﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ [الأنعام: ٦٨] وقرأ ابن عامر: ينسّينّك بالتشديد، وأفعل وفعّل يجريان مجرى واحدا.
قال ابن عباس: يريد: إن نسيت فقعدت، ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ [الأنعام: ٦٨]، وقم إذا ذكرت.
﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] يعني: المشركين.
قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٦٩] قال ابن عباس: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ
[ ٢ / ٢٨٥ ]
المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت، فنزل: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩] أي: الشرك والكبائر والفواحش من حسابهم: من آثامهم ﴿مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ [الأنعام: ٦٩] يقول: ذكروهم بالقرآن، فرخص لهم في مجالستهم على ما أمروا به من المواعظ لهم لعلهم يتقون: الاستهزاء والخوض.
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠] قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠] يعني: الكفار الذين إذا سمعوا بآيات الله استهزءوا بها وتلاعبوا عن ذكرها، وذكر به: وعظ بالقرآن ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠] قال الحسن، ومجاهد، وعكرمة: تسلم للهلكة.
والإبسال: أن يبسل الرجل فيخذل، يقال: أبسلته بجنايته، أي: أسلمته بها، وهو الترك.
ومعنى الآية: وذكرهم بالقرآن إسلام الجانين بجناياتهم لعلهم يخافون فيتقون.
وقوله: ليس لها أي: للنفس المبسلة ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٧٠] يعني في الآخرة.
﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ [الأنعام: ٧٠] وإن تفد كل فداء ﴿لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] قال ابن عباس: إن تفد بالدنيا وما فيها لا يؤخذ منها.
وقال قتادة: لو جاءت بملء الأرض ذهبا لم يقبل منها.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ [الأنعام: ٧٠] أسلموا للهلاك ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: ٧٠] وهو الماء الحار، وعذاب أليم: موجع مؤلم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠] بكفرهم بالله والقرآن.
﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا
[ ٢ / ٢٨٦ ]
لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٧١﴾ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٧٢﴾ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴿٧٣﴾﴾ [الأنعام: ٧١-٧٣] قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ [الأنعام: ٧١] قال ابن عباس: يقول: أنعبد من دون الله ما ليس عنده منفعة لنا إن عبدناه، وإن عصيناه لم يكن عنده لنا مضرة.
والمعنى: أنه جماد لا يقدر على فعل شيء.
وقوله: ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٧١] قال الكلبي: نرد وراءنا إلى الشرك بالله كالذي استهوته: استمالته وزينت له هواه الشياطين يقال: استهواه الشيطان بكيده إذا استغواه ﴿فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ [الأنعام: ٧١] قال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله تعالى للآلهة ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله، كمثل رجل ضل عن الطريق إذ نادى مناد: يا فلان بن فلان، هلم إلى الطريق وله أصحاب يدعونه: يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق.
قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٧١] رد على من دعا إلى عبادة الأصنام، وزجر عن إجابته، كأنه قيل: لا تفعل ذلك لأن هدى الله هو الهدى، لا هدى غيره.
﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] قال الزجاج: العرب تقول: أمرتك لتفعل، وأن تفعل، وبأن تفعل.
والمعنى: أمرنا لننقاد ونطيع لرب العالمين.
قوله: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ [الأنعام: ٧٢] أي: أمرنا أيضا بإقامة الصلاة والاتقاء، ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٢] تجمعون إلى الموقف للحساب.
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣] الباء ههنا بمعنى اللام، أي: خلقها للحق،
[ ٢ / ٢٨٧ ]
أي: لإظهار الحق، وهو إظهار صنعه وقدرته ووحدانيته، قوله ويوم يقول أي: وقدر وقضى يوم يقول: كن فيكون أي: جميع ما يخلق في ذلك الوقت.
المعنى: ويوم يقول للشيء كن فيكون، وهذا يدل على سرعة أمر البعث والساعة، كأنه قال: ويوم يقول للخلق: موتوا فيموتون، وانتشروا فينتشرون.
قوله الحق ابتداء وخبر، أي: قوله الصدق الكائن الواقع لا محالة، أي: إن ما وعده الله حق كائن.
﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] والمعنى: إن الملوك يومئذ ملكهم زائل، فتكون حقيقة الملك لله وحده، كما قال: ﴿وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]، وله الأمر في كل وقت، ولكن لا أمر لأحد في ذلك اليوم مع أمر الله تعالى.
والصور: قرن ينفخ فيه في قول جميع المفسرين.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] يعلم ما غاب عن العباد وما يشاهدونه، فليس يغيب عن علمه شيء ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣] .
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٧٤﴾ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴿٧٥﴾ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ﴿٧٦﴾ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴿٧٧﴾ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٧٨﴾ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٧٩﴾﴾ [الأنعام: ٧٤-٧٩] قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] قال جماعة من المفسرين: آزر أبو إبراهيم.
قال الفراء، والزجاج: ليس بين النسابين اختلاف أن اسم أبي إبراهيم تارح، والذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر، فكأن آزر لقب له.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
قال ابن الأنباري: قد يغلب على اسم الرجل لقبه حتى يكون به أشهر منه باسمه، فجائز أن يكون آزر لقبا أبطل الاسم لشهرته، فخبر الله تعالى بأشهر اسميه، لأن اللقب مضارع للاسم.
وقوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤] هذا استفهام معناه الإنكار والتوبيخ لمن عبد الصنم، ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] .
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: ٧٥] قال الزجاج: ومثل ما وصفنا من قول إبراهيم لأبيه نريه ﴿مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] للاعتبار والاستدلال.
والملكوت: بمنزلة الملك، لأن التاء زيدت للمبالغة كالرغبوت والرهبوت.
قال مجاهد، وسعيد بن جبير: كشف له عن السموات والأرض حتى العرش وأسفل الأرض.
٣٣٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: لَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصَرَ رَجُلا عَلَى فَاحِشَةٍ فَدَعَا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَبْصَرَ آخَرَ عَلَى فَاحِشَةٍ فَدَعَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: لا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ عَبْدٌ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ، وَإِنَّمَا أنا مِنْ عَبْدِي عَلَى ثَلاثِ خِلالٍ إِمَّا أَنْ يَتُوبَ فِي آخِرِ زَمَانِهِ فَأَقْبَلُ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ أُخْرِجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً تَعْبُدُنِي، وَإِمَّا أَنْ يَتَوَلَّى فَإِنَّ جَهَنَّمَ مِنْ وَرَائِهِ
وقال قتادة: ملكوت السموات: الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض: الجبال والشجر والبحار، وذلك
[ ٢ / ٢٨٩ ]
أن الله تعالى أراه هذه الأشياء حتى نظر إليها مستدلا بها على خالقها، وهو قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] عطف على المعنى، لأن معنى الآية: نريه ملكوت السموات والأرض، أي: ليستدل بها وليكون من الموقنين.
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام: ٧٦] يقال: جن عليه الليل، إذا ستره بظلمته جنا وجنانا وجنونا، وأجنه الليل أيضا: إذا أظلم عليه.
وقوله: رأى كوكبا: قال المفسرون: لما شب إبراهيم في السرب الذي ولد فيه قال لأبويه: أخرجاني، فأخرجاه من السرب، وانطلقا به حين غابت الشمس، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم، فقال: ما لهذه بد من أن يكون لها رب وخالق.
ثم تفكر ونظر في خلق السموات والأرض، فقال: إن الذي خلقني ورزقني ربي، ما لي إله غيره.
ثم نظر فإذا المشتري قد طلع، ويقال الزهرة.
وكانت تلك الليلة في آخر الشهر، فرأى الكوكب قبل القمر، ف ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] أي: تقولون: هذا ربي، وإضمار القول في القرآن كثير، كقوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧] أي: يقولان ربنا.
وكأن إبراهيم قال لقومه: تقولان هذا ربي، أي: هذا الذي يدبرني.
لأنهم كانوا أصحاب نجوم يرون التدبير في الخليقة لها.
وقيل: إنه قال: هذا ربي على جهة الاحتجاج على قومه، كأنه قال: هذا ربي عندكم وفيما تظنون وفي زعمكم.
كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أي: عند نفسك، والوجهان ذكرهما الزجاج، وابن الأنباري.
وفي قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] دلالة على أن ما غاب بعد ظهوره فليس برب، لأن ما ظهر وأفل كان حادثا مدبرا مسخرا مصرفا، وذلك ينافي صفة الإله المعظم.
قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ [الأنعام: ٧٧] يقال: بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع.
اعتبر إبراهيم في القمر والشمس، كما اعتبر في النجم، وكانت حجته فيها على قومه كالحجة على الكواكب، وهو قوله: ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧] .
[ ٢ / ٢٩٠ ]
ومعنى ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧] لئن لم يثبتني على الهدى، ليس أنه لم يكن مهتديا، والأنبياء لم يزالوا يسألون الله ﷿ الثبات على الإيمان، وإبراهيم يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] .
قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] قال ابن الأنباري: إنما قال: هذا، والشمس مؤنثة لأن الشمس بمعنى الضياء والنور، فحمل الكلام على التأويل، وأعان على التذكير أيضا أن الشمس ليس فيها علامة التأنيث، وأنشد قول الأعشى:
فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل أبقالها
فذكر أبقل إذ كانت الأرض عارية من علامات التأنيث.
وقوله: هذا أكبر أي: من الكوكب والقمر، فلما توجهت الحجة على قومه ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] .
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] قال الزجاج: جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي لله ﷿، وباقي الآية مفسر فيما تقدم.
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ﴿٨٠﴾ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨١﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٨٢﴾ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿٨٣﴾﴾ [الأنعام: ٨٠-٨٣] قوله ﷿: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام: ٨٠]: قال ابن عباس: خاصموه وجادلوه في آلهتهم وخوفوه بها، فقال منكرا عليهم ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] أي: في توحيد الله، ﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأنعام: ٨٠] أي: بين لي ما به اهتديت والتشديد على النون
[ ٢ / ٢٩١ ]
لاجتماع النونين وإدغام أحدهما في الآخر، وحذف نافع إحدى النونين تخفيفا.
قوله: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] أي: هذه الأشياء التي تعبدونها لا تضر ولا تنفع ولا أخافها، ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٨٠]، لكن أخاف مشيئة ربي أن يعذبني، ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠] علمه علما تاما وتعلق به علمه، أفلا تتذكرون أفلا تتعظون فتتركون عبادة الأصنام.
ثم أنكر خوفه آلهتهم، فقال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ [الأنعام: ٨١]؟ وهذا سؤال تعجيز عن تصحيح الخوف، ﴿وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ [الأنعام: ٨١] قال ابن عباس: يريد: ما ليس لكم في إشراكه بالله حجة.
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ [الأنعام: ٨١] أحق بأن يأمن من العذاب: الموحد أو المشرك؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١] .
ثم بين أن الأحق بالأمن هو، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال جماعة المفسرين: لم يخلطوا إيمانهم بشرك، ونحو هذا روي مرفوعا.
٣٣٣ - أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَو َمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمُطَرِّزُ، وَيُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْمَرْوَرُّوذِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ السِّمْنَانِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:
[ ٢ / ٢٩٢ ]
لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَلَا تَرَوْنَ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لابْنِهِ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ".
رَوَاهُ /مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ
٣٣٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا ذَلِكَ؟ قَالَ: " لَيْسَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٍ
وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ﴾ [الأنعام: ٨٢] قال ابن عباس: من العذاب، وهم مهتدون: قال: أرشد إلى دين الله.
٣٣٥ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا الإِمَامُ حِيرِيُّ أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعَلَّى، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَخْبَرَةَ، عَنْ سَخْبَرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَأُعْطِيَ فَشَكَرَ، وَظَلَمَ فَاسْتَغْفَرَ، وَظُلِمَ فَغَفَرَ، ثُمَّ سَكَتَ، فَقَالُوا: مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
[ ٢ / ٢٩٣ ]
قَالَ: أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ "
قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] الآية: يعني: ما جرى بينه وبين قومه من المجادلة وإلزامه إياهم الحجة.
قال ابن عباس: يريد: ألهمناها إبراهيم وأرشدناه إليها.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] أي: بالعلم والفهم والفضيلة والعقل، كما رفعنا درجة إبراهيم حتى اهتدى وحاج قومه في التوحيد، ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣] .
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلَّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٨٤﴾ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٨٥﴾ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٨٦﴾ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٨٧﴾ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٨٨﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ﴿٨٩﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴿٩٠﴾﴾ [الأنعام: ٨٤-٩٠] ووهبنا له: لإبراهيم إسحاق: ولدا لصلبه ويعقوب: ولدا لإسحاق، كما قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] .
كلا: مِن هؤلاء المذكورين هدينا: أرشدنا إلى ديننا ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ٨٤] هؤلاء، ومن ذريته: قال عطاء: يريد من ذرية إبراهيم، وقال الفراء: الهاء في ذريته لنوح.
قال الزجاج: كلا القولين جائز، لأن ذكرهما جميعا قد جرى.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
والعلماء بالنسب يقولون: الكناية تعود إلى نوح، لأنه ذكر في جملة مَن عُد مِن هذه الذرية يونس ولوطا، ولا شك أنهما لم يكونا من ذرية إبراهيم.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤] .
﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥] .
وقوله: وإسماعيل واليسع: وقرأ حمزة والليسع بتشديد اللام وتخفيفها، وكلاهما واحد في أنه اسم لنبي معروف، واللام الواحدة أشهر في اسمه.
قال الزجاج: يقال فيه اليسع والليسع بتشديد اللام وتخفيفها، وكلاهما خارج عما عليه الأسماء الأعجمية في حال التعريف، نحو إبراهيم وإسماعيل، ألا ترى أنه لم يجئ شيء منها على هذا النحو، وإذا كان كذلك يقضى على اللام بالزيادة، كما أنشده الفراء:
وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا شديدا بأعباء الخلافة كاهله
وقوله: ﴿وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦] يعني: وكلا من المذكورين ههنا فضلنا على عالمي زمانهم.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
قوله: ومن آبائهم: قال الزجاج: أي: هدينا هؤلاء الذين ذكرناهم وهدينا بعض آبائهم، وذرياتهم وإخوانهم فمِن ههنا: للتبعيض، واجتبيناهم: واصطفيناهم ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] يعني: التوحيد دين الله.
﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٨٨] قال ابن عباس: يريد ذلك دين الله الذي هم عليه ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٨٨] يهدي بذلك الدين من يشاء إلى صراط مستقيم.
﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ٨٨]: قال: يريد: لو عبدوا غيري لحبط: لبطل وزال عنهم ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] لأن العمل لا يقبل مع الشرك.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ٨٩] يعني: الكتب التي أنزلها عليهم، والحكم يعني: العلم والفقه، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾ [الأنعام: ٨٩] بآياتنا هؤلاء يعني: أهل مكة، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام: ٨٩] أرصدنا لها قوما، ووفقناهم للإيمان وهم المهاجرون والأنصار، وهو قوله: ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] .
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٠] يعني: النبيين الذين ذكرهم الله فبهداهم اقتده: قال الكلبي: بشرائعهم وسننهم أعمل.
وقال الزجاج: أي: أصبر كما صبروا على تكذيب قومهم.
وأكثر القراء أثبتوا الهاء في: اقتده ساكنة في الوصل والوقف موافقة للمصحف، والوجه عند النحويين: الإثبات في الوقف، والحذف في الوصل، لأن هذه الهاء للسكت، فلا تثبت في الإدراج.
وقرأ ابن عامر بكسر الهاء، وخطّأه ابن مجاهد، وقال: هذه هاء وقف لا تحرك في حال من الأحوال.
وقال أبو علي الفارسي: جعل ابن عامر الهاء كناية عن المصدر، لا هاء الوقف، كأنه قال: فبهداهم اقتد الاقتداء،
[ ٢ / ٢٩٦ ]
والفعل يدل على المصدر، فكنى عنه كما حكى سيبويه من قولهم: من كذب كان شرا له، أي: كان الكذب شرا له.
وقوله: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] أي: على القرآن، لا أطلب مالا تعطونيه ولا جعلا، إن هو يعني القرآن ﴿إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠] قال ابن عباس: موعظة للخلق أجمعين.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴿٩١﴾ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩٢﴾﴾ [الأنعام: ٩١-٩٢] قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] قال ابن عباس: ما عظموا الله حق تعظيمه.
وقال أبو العالية: ما وصفوه حق صفته.
وقال أبو عبيدة: ما عرفوه حق معرفته.
﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] قال ابن عباس في رواية الوالبي: قالت اليهود: يا محمد، أنزل الله عليك كتابا؟ قال: نعم.
قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] يعني: التوراة نورا: ضياء، وهدى: هاديا للناس تجعلونه قراطيس: قال المفسرون: تكتبونه في قراطيس مقطعة حتى لا تكون مجموعة لتخفوا منها ما شئتم، وهو قوله: ﴿
[ ٢ / ٢٩٧ ]
تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] قال الفراء: تبدون ما تحبون وتكتمون صفة محمد ﷺ.
وقرأ أبو عمرو يجعلونه وما بعده بالياء على الغيبة، لقوله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] .
وقوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] الأكثرون على أن هذا خطاب لليهود.
يقول: علمتم على لسان محمد ﷺ ما لم تعلموا.
قال الحسن: جعل لهم ما جاء به محمد ﷺ، فضيعوه ولم ينتفعوا به.
وقال مجاهد: هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة مما علمهم على لسان محمد ﷺ.
قوله: قل الله: جواب لقوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ٩١]؟ قل الله أي: الله أنزله، ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ﴾ [الأنعام: ٩١] في باطلهم وما يخوضون فيه من الكذب يلعبون: يعملون ما لا يجدي عليهم، والعرب تقول لمن كان عمل عملا لا ينتفع به: إنما أنت لاعب.
وحقيقة هذا الكلام التهديد.
ثم ذكر القرآن فقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] معنى المبارك: الكثير الخير، ومعنى البركة: ثبوت الخير على الازدياد والنماء، وأصلها في اللغة: الثبوت.
قال الكلبي: المبارك: فيه مغفرة لذنوبهم، وتوبة من أعمالهم.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وقال أهل المعاني: معنى قوله للقرآن: مبارك أنه كثير خيره، دائم منفعته، يبشر بالثواب والمغفرة، ويزجر عن القبيح والمعصية، إلى ما لا يعد من بركاته.
وقوله: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] موافق لما تقدمه من الكتب.
وقوله: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الأنعام: ٩٢] قال الزجاج: المعنى: أنزلناه للبركة والإنذار.
وأم القرى: مكة، سميت أم القرى، لأن الأرض كلها دحيت من تحتها، فهي أصل الأرض كلها.
والمعنى: ولتنذر أهل أم القرى، فحذف المضاف.
ومن حولها قال ابن عباس: يريد: جميع الآفاق.
ومن قرأ ولينذر بالياء، جعل الفعل للكتاب.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] أي: من آمن بالآخرة حقيقة آمن بالقرآن، فأما من آمن بالآخرة ولم يؤمن بالقرآن فإنه لم يؤمن بالآخرة إيمانا حقيقيا، فلم يعتد بإيمانه مع كفره بالقرآن، ألا ترى أنه قال: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢]، فدل على أنه أراد المؤمنين الذين يحافظون على الصلوات.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴿٩٣﴾ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿٩٤﴾﴾ [الأنعام: ٩٣-٩٤] قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٩٣] تقدم تفسيره في هذه ال ﴿[،] أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الأنعام: ٩٣]
[ ٢ / ٢٩٩ ]
قال قتادة: يعني: مسيلمة الكذاب.
﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] قال ابن عباس: يريد: المستهزئين.
وهو اختيار الزجاج، قال: هذا جواب لقولهم: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١] .
وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] يعني: الذين ذكرهم من المغترين، والمدعين الوحي إليهم كذبا، والقائلين: سأنزل مثل ما أنزل الله، ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣] شدائده ومكارهه، جمع غمرة، وهي ما تغشى الإنسان مما يكرهه.
والملائكة يعني: ملائكة العذاب باسطوا أيديهم: بالتعذيب يضربونهم ويعذبونهم، أخرجوا أنفسكم أي: يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم.
قال المفسرون: إن نفس المؤمن تنشط في الخروج للقاء ربه، ونفس الكافر تكره ذلك، ويشق عليها الخروج، لأنها تصير إلى أشد العذاب، فهؤلاء الكفار تكرههم الملائكة على نزع الروح كرها.
وجواب لو مضمر على تقدير: ولو رأيت ذلك لرأيت عجبا أو أمرا فظيعا.
وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] الهون: الهوان، ومنه قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩] .
قال الزجاج: يعني العذاب الذي يقع به الهوان الشديد.
ثم ذكر أن هذا العذاب جزاء كذبهم على الله فقال: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] عن الإيمان بالقرآن لا تصدقونه ولا تؤمنون به.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ [الأنعام: ٩٤] قال الفراء: فرادى جمع، وإحداها فرد وفرد وفريد وفردان.
قال ابن عباس: يريد: بلا مال ولا ولد.
قال ابن كيسان: جئتمونا مفردين مما كنتم تعبدون ومن المظاهرين لكم.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
قوله: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] حفاة عراة كما خرجتم من بطون أمهاتكم ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أي: ما ملكناكم، يقال: خوله الشيء، أي: ملكه إياه.
قال ابن عباس: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] يريد: من النعيم والمال والعبيد والرباع والمواشي.
﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ٩٤] قال المفسرون: إن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام لأنهم شركاء الله وشفعاءهم عنده، والمعنى: أنهم شركاء لي في عبادتكم.
وقوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] قال الزجاج: الرفع أجود، ومعناه: لقد تقطع وصلكم، والنصب جائز على معنى: لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم.
وقال ابن الأنباري: التقدير: لقد تقطع ما بينكم، فحذف ما لوضوح معناه.
وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، يريد وصلكم ومودتكم.
وقال الحسن: لقد تقطع الأمر بينكم.
وقال قتادة: ما بينكم من الوصل.
﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] ذهب عنكم ما كنتم تكذبون في الدنيا.
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴿٩٥﴾ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٩٦﴾ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ
[ ٢ / ٣٠١ ]
يَعْلَمُونَ ﴿٩٧﴾ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴿٩٨﴾ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٩٩﴾﴾ [الأنعام: ٩٥-٩٩] قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥] قال الكلبي: الحب: ما لم يكن له نوى مثل البر والشعير، والنوى: مثل نوى التمر والخوخ وغيرهما.
فلقهما الله تعالى بالنبات.
وقال الحسن، وقتادة، والسدي: فلق الحبة عن السنبلة، والنواة عن النخلة.
وقال الزجاج: يشق الحبة اليابسة والنواة واليابسة فيخرج منها ورقا أخضر.
وقال مجاهد: يعني: الشقين اللذين فيهما.
وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام: ٩٥] قال ابن عباس: يخرج من النطفة بشرا حيا، ثم يخرج النطفة الميتة من الحي.
وقال عطاء: يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
قال الزجاج: يخرج النبات الغض الطري من الحب اليابس، ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] قال ابن عباس: يريد: الله وحده يفعل هذا، فكيف تكذبون؟ والمعني: كيف تصرفون عن الحق بعد هذا البيان؟ قوله: فالق الإصباح: الصبح والصباح والإصباح: أول ما يبدو من النهار، يقال: فلق الله الصبح.
أي: أبداه وأوضحه.
ومعنى فالق الإصباح: مبديه وموضحه، وذلك أن الفلق معناه في اللغة: الشق، وذلك راجع إلى الإبداء والإيضاح.
وقوله: وجاعل الليل سكنا: السكن: ما سكنت إليه، يريد: أن الناس يسكنون في الليل سكون الراحة، بأن جعل الله لهم ذلك سكنا.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
قال الكلبي: يسكن فيه الخلق ويرجعونه إلى أوطانهم، وهو مثل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] وقرأ أهل الكوفة وجعل الليل لأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى الماضي، فلما كان فاعل بمنزلة فَعَل عطف عليه فَعَل لموافقته له في المعنى، ويدلك أنه بمنزلة فعل قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٦] بالنصب، ألا ترى أنه لما كان المعنى في جاعل جَعَل نصب الشمس والقمر، لأن الليل في موضع نصب في المعنى، فرد الشمس والقمر على معناه.
وأما الحسبان: فهو مصدر كالحساب، يقال: حسبت أحسب حسابا وحسبانا.
وقال الأخفش، وأبو عبيدة، والمبرد: هو جمع حساب كركاب وركبان، وشهاب وشهبان.
ومعنى ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦] أي: بحساب لا يتجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما، ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ [الأنعام: ٩٦] في ملكه يصنع ما أراد، العليم بما قدر من خلقهما.
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] وذلك أن راكبي البحار، وسالكي القفار إنما يهتدون في الليل لمقاصدهم بالنجوم لولاها لضلوا ولم يهتدوا.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ﴾ [الأنعام: ٩٧] بيَّنَّا الدلائل على قدرتنا لقوم يعلمون.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأنعام: ٩٨] يعني: آدم، فمستقر ومستودع: قال ابن الأنباري: أراد فلكم مستقر ومستودع.
قال ابن عباس: مستقر في الرحم، ومستودع في الصلب.
وقال كريب: كتب حبر تيماء إلى ابن عباس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه: المستودع: الصلب، والمستقر: الرحم.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وأما من كسر القاف، فقال العوفي: كل مخلوق قد فرغ من خلقه فهو المستقِر الذي قد خلق واستقر في الرحم، والمستودع: قد استودع في الصلب.
وقال عكرمة: المستقر: الذي قد خلق واستقر في الرحم، والمستودع: الذي قد استودع في الصلب.
والتقدير على هذه القراءة: فمنكم مستقر ومستودع، والمستقَر بفتح القاف اسم للمكان وهو بمعنى المَقر، وبكسر القاف بمعنى القار، يقال: قر مكانه واستقر.
والمستودع مثل المودع، يقال: استودعته الشيء وأودعته.
وهو الإنسان المودع في الصلب.
٣٣٦ - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ مَا كَانَ مِنْ مُسْتَوْدَعٍ فِي ظَهْرِكَ فَسَيُخْرِجُهُ اللَّهُ تَعَالَى
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام: ٩٩] يعني: المطر، ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] لأن كل ما ينبت فنباته بالماء، ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ [الأنعام: ٩٩] الخضر: مثل الأخضر، كالعور مثل الأعور.
يعني: ما كان رطبا أخضر مما ينبت من القمح والشعير وغيرهما، نخرج منه: من الخضر حبا متراكبا: بعضه على بعض في سنبلة واحدة.
قوله: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا﴾ [الأنعام: ٩٩] وهو أول منها من العذق قنوان دانية: قال قتادة: عذوق متدلية، وهي جمع قنو، وإذا ثنيت قلت: قنوانِ بكسر النون، قاله أبو عبيدة، ثم جاء جمعه على لفظ الاثنين، مثل: صنو وصنوان، والإعراب في النون للجمع، وليس لهما في كلام العرب نظير، ومعنى دانية تدنو ممن يجتنيها.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
قال الزجاج: ولم يقل: منها قنوان بعيدة اكتفاء بذكر القريبة، كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] قال ابن عباس في رواية الوالبي قنوان دانية يعني: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] الوجه كسر التاء لأنها في موضع نصب نسقا على قوله: خضرا أي: فأخرجنا خضرا وجنات من أعناب، ومن رفع فقال ابن الأنباري: رفعت بمضمر بعدها، تأويله: وجنات من أعناب أخرجناها، فجرى مجرى قول العرب: أكرمت عبد الله وأخوه، يريدون: وأخوه أكرمته أيضا.
وقوله: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ [الأنعام: ٩٩] يعني: وشجر الزيتون وشجر الرمان ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] قال المفسرون: مشتبها ورقهما مختلفا ثمرهما، ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩] انظروا إليه أول ما يعقد نظر الاستدلال واعتبار، والثمر: جمع ثمرة، ويجمع على ثمار أيضا، وثُمُر مثل خشبة وخشب وأكمة وأكم.
وينعه: والينع: النضج، يقال: ينع يينع بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، ويقال أيضا: بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] قال ابن عباس: يصدقون أن الذي يخرج هذا النبات قادر على أن يحيي الموتى.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٠٠﴾ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١٠١﴾ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿١٠٢﴾ لا
[ ٢ / ٣٠٥ ]
تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿١٠٣﴾﴾ [الأنعام: ١٠٠-١٠٣] قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] المراد بالجن ههنا: الشياطين، قال الحسن: أطاعوا الشياطين في عبادة الأوثان فيجعلوهم شركاء لله.
وتقدير الآية: وجعلوا الجن شركاء لله، ويجوز أن يكون الجن بدلا من الشركاء مفسرا لها.
وقوله: وخلقهم: يجوز أن تكون الكناية عن هؤلاء الذين جعلوا لله شركاء، والمعنى: إن الله خلقهم ثم جعلوا له شركاء لا يخلقون، ويجوز أن تعود الكناية على الجن فيكون المعنى: والله خلق الجن فكيف يكون شركاء لله؟ وقوله: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠] قال الفراء: معنى خرقوا: افتعلوا ذلك كذبا وكفرا، وخرقوا واخترقوا، وخلقوا واختلقوا بمعنى واحد، يقال: خلق فلان الكلمة واختلقها، وخرقها واخترقها، إذا افتعلها وابتدعها كذبا.
وقرأ نافع وخرَّقوا مشددة، والتشديد للمبالغة والتكثير، قال المفسرون: إن كفار العرب قالوا: الملائكة بنات الله، وزعمت النصارى بأن المسيح ابن الله، واليهود أن عزيرا ابن الله، فأعلم الله أنهم اختلقوا ذلك بغير علم أي: لم يذكروه، وإنما تكذبا.
قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] من أين يكون له ولد، ولا يكون الولد إلا من صاحبة؟ ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] أي: أنه خالق كل شيء، وخالق الأشياء لا مثل له، والولد لا يصح إلا مع المماثلة، ومن لا يصح أن يكون له مثل لا يصح أن يكون له ولد.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] لأنه هو الخالق له.
وقوله: ذلكم الله أي: ذلك الذي خلق كل شيء وعلم كل شيء ﴿رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢] قال ابن عباس: فأطيعوه.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] بالحفظ له والتدبير فيه.
قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] الإدراك: الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته، وهو غير الرؤية، لأنه يصح أن يقال: رآه وما أدركه.
فالأبصار ترى الباري ﷿ ولا تحيط به، كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به، قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] .
[ ٢ / ٣٠٦ ]
قال ابن عباس في رواية عطاء: كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به، وقال سعيد بن المسيب: لا تحيط به الأبصار.
وعلى هذا التفسير نقول: إن الباري سبحانه يرى ولا يدرك، لأن معنى الإدراك: الإحاطة بالمرئي، وإنما يجوز ذلك على من كان محدودا وله جهات.
وذهب جماعة من أهل التفسير إلى تخصيص هذه الآية، قال ابن عباس في رواية أبي صالح: تنقطع عنه الأبصار في الدنيا.
وقال مقاتل: لا تراه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة.
والدليل على أن هذه الآية مخصوصة بالدنيا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿٢٣﴾﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]، فقيد النظر إليه بيوم القيامة وأطلق في هذه، والمطلق يحمل على المقيد.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، حدثنا أبو بشر محمد بن عمران بن الجنيد، حدثنا أبو بكر الصفار، حدثنا عباد بن صهيب، عن عمرو، عن الحسن في قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قال: في الدنيا.
وقال الحسن: يراه أهل الجنة في الجنة.
واحتج بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿٢٣﴾﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]، قال: ينظرون إلى وجه الله ﷿.
وقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أي: يراها وهي لا تراه مع رؤيته إياها، وهذا لله تعالى لأنه يَرى ولا يُرى.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
وإنما خص الأبصار بإدراكه إياها مع أنه يدرك كل شيء للمعنى الذي ذكرنا، لأن غير الله تعالى لا يجوز أن يرى البصر ولا يراه البصر.
وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قال الأزهري: معناه الرفيق بعباده.
وروى عمرو بن أبي عمرو، عن أبيه، قال: اللطيف: الذي يوصل إليك إربك في رفق، يقال: لطف الله لك، أي: أوصل إليك ما تحب برفق.
قال ابن عباس: وهو اللطيف: بأوليائه، الخبير بهم.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴿١٠٤﴾ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿١٠٥﴾ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٠٦﴾﴾ [الأنعام: ١٠٤-١٠٦] قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] البصائر: جمع البصيرة، وهي الدلالة التي توجب البصر بالشيء والعلم به.
قال الكلبي: يعني بينات القرآن.
﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ [الأنعام: ١٠٤] فمن صدق القرآن وآمن بمحمد ﷺ فلنفسه عمل، ومن عمي عن الحق ولم يصدق فعليها: فعلى نفسه جنى العذاب لأن الله غني عن خلقه، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٤] قال الحسن: أي: برقيب على أعمالكم حتى أجازيكم بها.
قال الزجاج: أي: لست آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم.
وهذا قبل الأمر بالقتال، فلما أمر بالقتال صار حفيظا عليهم.
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ﴾ [الأنعام: ١٠٥] قال ابن عباس: نبين الآيات في القرآن في كل وجه يدعوهم بها ويخوفوهم.
وليقولوا درست قال ابن الأنباري: هذا عطف على مضمر في المعنى، التقدير: يصرف الآيات ليلزمهم الحجة وليقولوا درست، واللام في: وليقولوا لام العاقبة والصيرورة، لأن عاقبة تصريف الآيات أدت إلى هذا القول الذي قالوه، كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ [القصص: ٨] .
[ ٢ / ٣٠٨ ]
ومعنى درست: قرأت على غيرك، يقال: درست الكتاب أدرسه درسا ودراسة.
قال ابن عباس: وليقولوا يعني: أهل مكة حين يقرأ عليهم القرآن، درست تعلمت من يسار، وجبر وقرأت علينا تزعم أنه من عند الله، وقال الفراء: تعلمت من يهود.
وقال الزجاج: قرأت كتب أهل الكتاب.
ومن قرأ: دارست فمعناه: قرأت على اليهود وقرأوا عليك، وذاكرتهم حتى تعلمت منهم، وقرأ ابن عامر: دَرَسَتْ أي: هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة قد درست، تقادمت وانمحت من قولهم: درس الأثر يدرس دروسا.
وقوله: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] قال ابن عباس: يريد: أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد.
قال ابن الأنباري: يعني: إن تصريف الآيات ليشقى بها قوم ويسعد آخرون، فمن قال: درست ودارست فهو شقي، ومن تبين الحق فهو سعيد.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴿١٠٧﴾ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٠٨﴾﴾ [الأنعام: ١٠٧-١٠٨] ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] أي: لو شاء الله لجعلهم مؤمنين، ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام: ١٠٧] أي: لم تبعث
[ ٢ / ٣٠٩ ]
لتحفظ المشركين من العذاب، إنما بعثت مبلغا، فلا تهتم لشركهم، فإن ذلك بمشيئة الله تعالى.
قوله: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية: قال قتادة: كان المسلمون يسبون أوثان الكفار فيردون ذلك عليهم، فنهاهم الله أن يستسبوا لربهم قوما جهلة لا علم لهم بالله.
وقال الوالبي عن ابن عباس: قالوا: يا محمد لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك.
فنهاهم الله تعالى أن يسبوا أوثانهم، ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] أي: ظلما بالجهل، يقال: عدا فلان عدوا وعدوانا، أي: ظلم ظلما جاوز القدر.
وقال السدي وغيره: معناه: لا تسبوا الأصنام فيسبوا مَن أمركم بما أنتم عليه من عيبها فيعود ذلك إلى الله، لأنهم كانوا لا يصرحون بسب الله تعالى، لأنهم كانوا يقرون بأن الله خالقهم وإن أشركوا.
قوله: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] يعني: كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأوثان وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان، وكذلك زينا لكل أمة عملهم من الخير والشر، والطاعة والمعصية.
قال ابن عباس: يريد: زينت لأوليائي وأهل طاعتي محبتي وعبادتي، وزينت لأعدائي وأهل معصيتي كفر نعمتي وخذلتهم حتى أشركوا.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿١٠٩﴾ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١١٠﴾ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴿١١١﴾﴾ [الأنعام: ١٠٩-١١١] قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] قال الكلبي، ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه.
والمعنى: اجتهدوا في المبالغة في اليمين: ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩] سألت قريش رسول الله ﷺ أن يأتيهم
[ ٢ / ٣١٠ ]
بآية، وحلفوا ليؤمنُن بها، وسأل المسلمون رسول الله ﷺ ذلك، وعلم الله أنهم لا يؤمنون، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٩] أي: إنه هو القادر على الإتيان بها متى شاء، وما يشعركم أي: وما يدريكم إيمانهم، فحذف مفعول يشعركم.
قال الزجاج: أي: لستم تعلمون الغيب، ولا تدرون أنهم يؤمنون.
ثم أستأنف فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون، ومن قرأ: أنها بالفتح فهو بمعنى لعلها، كأنه قال: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، وأن بمعنى لعل كثير في كلامهم.
تقول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا.
أي: لعلك، ذكر ذلك الخليل، والفراء.
قال الفراء: ويجوز على هذه القراءة أن تجعل لا صلة فيكون التقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون.
والمعنى على هذا أنها إذا جاءت لم يؤمنوا، والخطاب للمؤمنين.
وقرأ حمزة: تؤمنون بالتاء، والخطاب على هذه القراءة في قوله: وما يشعركم للكفار الذين أقسموا.
وهو قول مجاهد، قال: وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت.
قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] التقليب والقلب واحد: وهو تحويلك الشيء عن وجهه، ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار: هو أن الواجب من مقتضى الآية أن يؤمنوا إذا جاءتهم الآية فعرفوها بقلوبهم ورأوها بأبصارهم، فإذا لو يؤمنوا كان ذلك بتقليب الله قلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي يجب أن يكون عليه، وهو معنى ما قاله المفسرون: نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية فلا يؤمنون كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة مثل انشقاق القمر وغيره من الآيات.
وفي الآية محذوف تقديره: فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة.
والكناية في به يجوز أن تعود على القرآن، ويجوز أن تعود على النبي ﷺ، ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] قال عطاء: أخذلهم وأدعهم في ضلالتهم يتمادون.
[ ٢ / ٣١١ ]
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] كان المشركون يقولون للنبي ﷺ: أرنا الملائكة يشهدون لك بالنبوة، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم: أحق ما تقول أم باطل.
فقال الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] كما سألوا ورأوهم عيانا، وكلمهم الموتى، فشهدوا لك بالنبوة، وحشرنا: جمعنا ﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١١١] في الدنيا قبلا، وقبلا، أي: معاينة، يقال: لقيت فلانا قُبُلا وقِبلا وقبيلا ومقابلة، أي: مواجهة.
قال أبو عبيدة، والفراء، والزجاج: أي: معاينة.
﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] أخبر الله نبيه ﷺ بما سبق في علمه وقضائه من الشقوة عليهم، وأنهم لا يؤمنون بالله تعالى، إلا أن يهديهم الله ويسهل ذلك عليهم، وهو معنى قوله: ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١] لا يعلمون أنهم لو أوتوا بكل آية ما آمنوا.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴿١١٢﴾ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ﴿١١٣﴾﴾ [الأنعام: ١١٢-١١٣] وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام: ١١٢] الآية: قال المفسرون: هذا تعزية للنبي ﷺ يقول: كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك عدوا ليعظم ثوابه على ما يقاسي أذاه.
وعدوا في معنى أعداء.
[ ٢ / ٣١٢ ]
ثم فسر العدو فقال: ﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] يعني: مردة الإنس والجن، والشيطان: كل عات متمرد من الجن والإنس.
قال قتادة، ومجاهد، والحسن: إن من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، وإن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن، وعجز عن إغوائه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغواه بالمؤمن ليفتنه.
يدل على هذا ما روي أن النبي قال لأبي ذر: " هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس؟ قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟ قال: نعم، هم شر من شياطين الجن ".
وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن.
وذلك إني إذا تعوذت بالله من شيطان الجن ذهب عني، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا.
وقوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١١٢] أي: يلقي ويسر إليه زخرف القول: باطله وكذبه، والزخرف: الباطل من الكلام الذي زين بالكذب، يقال: فلان يزخرف كلامه، إذا زينه بالباطل والكذب.
والمعنى: إن هؤلاء الشياطين يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم ويغرونهم، ﴿غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] ولو شاء لمنعهم من الوسوسة، ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] قال ابن عباس: يريد: ما زين لهم إبليس وغرهم به.
قوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١١٣] الصغو: الميل، يقال: صغا إلى كذا يصغو.
إذا مال إليه.
وقال ابن الأنباري: فعلنا بهم ذلك لكي تصغى إلى الباطل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة.
وليرضوه: وليرضوا الباطل من القول فيحبوه، ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] أي: ليكتسبوا وليعملوا ما هم عاملون.
والاقتراف: الكسب، يقال: اقترف ذنبا، أي: عمله.
[ ٢ / ٣١٣ ]
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿١١٤﴾ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١١٥﴾ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ﴿١١٦﴾ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿١١٧﴾ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴿١١٨﴾ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ﴿١١٩﴾ وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ﴿١٢٠﴾ وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴿١٢١﴾﴾ [الأنعام: ١١٤-١٢١] قوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤] الحكم والحاكم واحد، قال الكلبي، والعوفي: قل لأهل مكة أفغير الله أطلب قاضيا بيني وبينكم، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا﴾ [الأنعام: ١١٤] مبينا فيه أمره ونهيه، ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١١٤] يعني: علماء أهل الكتاب يعلمون أنه: أن القرآن ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] من الشاكين أنهم يعلمون ذلك.
قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٥] يعني: ما ذكر من وعد ووعيد، وثواب وعقاب، ومن قرأ على الواحد أراد الجمع أيضا، والكلمة تقع على الكثير، تقول العرب: قال زهير في كلمته.
يعنون: قصيدته.
وقوله: صدقا وعدلا: قال ابن عباس: يريد: لا خلف لمواعيده، لا في أهل طاعته، ولا في أهل معصيته.
وقال قتادة، ومقاتل: صدقا فيما وعد وعدلا فيما حكم.
﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥] قال ابن عباس: لا راد لقضائه،
[ ٢ / ٣١٤ ]
ولا مغير لحكمه، ولا خلف لموعده.
وهو السميع لتضرع أوليائه، ولقول أعدائه، العليم بما في قلوب الفريقين.
قوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١١٦] قال ابن عباس: يريد: الذين ليسوا على دينك، وهم أكثر من المؤمنين، إن تطعهم في أكل الميتة ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] دين الله الذي رضيه لك.
ذلك أن المشركين جادلوا رسول الله ﷺ والمؤمنين في أكل الميتة، وقالوا: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] يريد: دينهم الذي هم عليه ظن وهوى، لم يأخذوه عن بصيرة وحجة، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] يكذبون ويفترون.
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧] قال الزجاج: موضع مَن رفع بالابتداء ولفظها لفظ الاستفهام.
المعنى: إن ربك هو أعلم أيّ الناس يضل عن سبيله.
وهذا قول الكسائي، والفراء، والمبرد، أخبر الله تعالى أنه أعلم بالفريقين: بالضالين عن سبيله والمهتدين، فيجازي كلا بما يستحق.
قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] جواب لقول المشركين: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ والمعنى: كلوا مما ذكر عليه اسم الله، والميتة لم تذبح على اسم الله، فلا يجوز أكلها، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] تأكيد أن ما أباحه الشرع فهو طيب يحل تناوله.
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وأي شيء يقع لكم في ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] يعني: في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أي: بينت لكم المحرمات مفصلة مبينة، فاتركوها وكلوا مما ذبح على اسم الله.
وقوله: ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] أي: دعتكم الضرورة لشدة المجاعة إلى أكله مما حرم.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١١٩] أي: يضلون باتباع أهوائهم، والمعنى: يضلون بامتناعهم من أكل ما ذكر اسم الله عليه وغير ذلك مما لا شيء يوجبه في شرع، نحو السائبة والبحيرة ومما كان يفعله أهل الجاهلية.
ومن قرأ: ليُضلون بضم الياء، أراد: عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين الذين اتخذوا البحائر
[ ٢ / ٣١٥ ]
والسوائب، قال الزجاج: يعني الذين يحلون الميتة ويناظرونكم في إحلالها.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩] يعني: المجاوزين الحلال إلى الحرام.
قوله: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] أكثر المفسرين: على أن ظاهر الإثم الإعلان بالزنا، وباطنه الاستسرار به.
قال ابن عباس: كانت العرب يحبون الزنا، وكان الشريف يتشرف أن يزني فيستر ذلك، فحرم الله الزنا فقال: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] .
وقال آخرون: هذا عام في كل إثم، قال مجاهد: يعني: معصية الله في السر والعلانية.
وهذا قول قتادة.
وقال ابن الأنباري: يريد: وذروا الإثم من جميع جهاته.
وقال الزجاج: الذي يدل عليه الكلام: اتركوا الإثم ظهر أو بطن، أي: لا تقربوا ما حرم عليكم سرا ولا جهرا.
ثم أوعد على فعل الإثم بالجزاء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٠] .
قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] قال ابن عباس: يريد: الميتة والمنخنقة.
إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] .
وقال الكلبي: يعني ما لم يذكّ، أو ذبح لغير الله، وقال عطاء: نهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش والعرب على الأوثان.
قوله: وإنه لفسق يعني: وإن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة لفسق، أي: خروج عن الحق والدين، ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] أي: يوسوس الشيطان لوليه فيلقي في قلبه الجدال بالباطل، وهو ما ذكر من أن المشركين جادلوا المؤمنين في الميتة، قال ابن عباس: أوحى الشياطين إلى أوليائهم من الإنس: كيف
[ ٢ / ٣١٦ ]
تعبدون شيئا لا تأكلون ما يقتل، وأنتم تأكلون ما قتلتم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: وإن أطعتموهم يعني: في استحلال الميتة إنكم لمشركون.
قال الزجاج: وفي هذا دليل على أن كل من أحل شيئا مما حرم الله، أو حرم شيئا مما أحل الله فهو مشرك.
فإن قيل: كيف أبحتم ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية والآية كالنص في التحريم؟ قلنا: إن المفسرين فسروا: ما لم يذكر اسم الله عليه في هذه الآية بالميتة، ولم يحمله أحد على ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية.
وفي الآية أشياء تدل على أن الآية في تحريم الميتة منها قوله: وإنه لفسق، ولا يفسق أكل ذبيحة المسلم التارك للتسمية، ومنها قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، والمناظرة إنما كانت في الميتة بإجماع من المفسرين، لا في ذبيحة تارك التسمية من المسلمين، ومنها قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، والشرك: استحلال الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها.
٣٣٧ - وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَزِيدَ الأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ الرُّجَلَ مِنَّا يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اسْمُ اللَّهِ عَلَى فَمِ كُلِّ مُسْلِمٍ»
٣٣٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُوٍر، أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا
[ ٢ / ٣١٧ ]
مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، وَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ وَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ لِيَأْكُلْ»
٣٣٩ - وأَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوا»
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٢٢﴾ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿١٢٣﴾ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ﴿١٢٤﴾ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴿١٢٥﴾﴾ قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] يعني: كافرا ضالا فهديناه ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] يعني: دينا وهدى وإيمانا، قال قتادة: النور ههنا: كتاب الله بينة من الله ﷿ مع المؤمن بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي.
﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي: كمن هو في الظلمات، والمثل: صلة، يعني: الكافر يكون في
[ ٢ / ٣١٨ ]
ظلمات الكفر والضلالة، ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] ليس بمؤمن أبدا.
وقال زيد بن أسلم: نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ وأبي جهل لعنه الله.
وقال الحسن: الآية عامة في كل مؤمن وكافر.
وهو اختيار الزجاج: قال: الآية عامة في كل من هداه الله وكل من أضله، فأعلم الله تعالى أن مثل المهتدي مثل الميت الذي أحيي وجعل مستضيئا في الناس بنور الحكمة والإيمان، ومثل الكافر مثل من هو في الظلمات التي لا يخلص منها.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] قال ابن عباس: يريد: زين لهم الشيطان عبادة الأصنام.
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣] يعني: كما أن فساق مكة أكابرها، كذلك جعلنا فساق كل قرية أكابرها.
قال ابن عباس: أكابر مجرمي مكة: المستهزئون، وأراد بالأكابر: الرؤساء المترفين.
قال الزجاج: وإنما جعل الأكابر فساق كل قرية لأنهم بما أعطوا من الرياسة والسعة أقرب إلى المكر والكفر بدليل قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] .
وقوله: ليمكروا فيها: قال مجاهد: هو أنهم أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ، ويخبروهم أنه شاعر كاهن، ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٣] لأن وبال مكرهم يعود عليهم، كأنه قيل: وما يضرون بذلك المكر إلا أنفسهم.
قال ابن عباس: لأنهم يقتلون ويصيرون إلى أشد العذاب، وما يشعرون: أنهم يمكرون بها.
قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾ [الأنعام: ١٢٤] لك، لن نصدقك ﴿حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] قال ابن عباس: حتى يوحى إلينا ويأتينا جبريل فيخبرنا أن محمدا صادق، كما قالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] .
[ ٢ / ٣١٩ ]
وقال الضحاك: سأل كل واحد من القوم أن يخص بالرسالة والوحي، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] .
وقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] يعني: إنهم ليسوا لها بأهل، وذلك أن الوليد بن المغيرة قال: والله لئن كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا.
فأنزل الله هذه الآية.
قال أهل المعاني: الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل مبعثهم مَطاعين في قومهم، لأن الطعن كان يتوجه إليهم فيقال: إنما كانوا أكابر ورؤساء فاتبعوا.
فكان الله أعلم حيث يجعل الرسالة ليتيم أبي طالب دون أبي جهل والوليد بن المغيرة وأكابر مكة.
وقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] قال الزجاج: أي هم وإن كانوا أكابر في الدنيا فسيصيبهم عند الله صغار ومذلة.
والصغار: المذلة، يقال منه: صغر يصغر صُغرا وصغارا فهو صاغر.
قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] يقال: شرح الله صدره فانشرح، أي: وسع صدره لقبول الخير فتوسع.
وقال ابن الأعرابي: الشرح: الفتح، والشرح: البيان، وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] أي: فتحه ووسع له.
روي أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية فقال: " إن النور إذا دخل القلب انشرح وانفسح، فقيل له: وهل لذلك من علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ".
وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقرأ ابن كثير: ضيْقا ساكنة الياء، وهو من باب: الميْت والميّت، في أن المخفف مثل المشدد في المعنى.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
والحرج: الشديد الضيق، وقد حرج صدره إذا ضاق.
وقرئ: حرِجا بكسر الراء، فمن فتح الراء كان وصفا بالمقدر، والمعنى: ذا حرج، كما قالوا: رجل دَنف، أي: ذو دنف، ومن كسر فهو نعت مثل دنِف وفرق.
والمعنى: أن قلبه غير مشروح للإيمان، قال ابن عباس: إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه، وإذا ذكر شيئا من عبادة الأوثان ارتاح إلى ذلك.
قوله: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] أي: يتصعد في السماء، فأدغمت التاء في الصاد.
وقرأ أبو بكر: يصاعد، وهو مثل يتصعد في المعنى، وقرأ ابن كثير: يصعد من الصعود.
والمعنى: أنه في نفوره عن الإسلام وثقله عليه بمنزلة من يكلف ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يستطاع.
قال الزجاج: كأنه قد كلف أن يتصعد إلى السماء يجد من ثقل ذلك مثلما يجد من الصعود إلى السماء إذا دعي إلى الإسلام من ضيق صدره عنه.
قال ابن عباس: يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك لا يقدر على أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله في قلبه.
قوله: كذلك أي: مثل ما قصصنا عليك ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] قال ابن عباس: هو الشيطان، أي: يسلطه عليهم.
وقال عطاء، وابن زيد: الرجس: العذاب.
وقال الزجاج: الرجس: اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.
وانقطع كلام القدرية لعنهم الله عند هذه الآية، وخرست ألسنتهم، فإنها قد صرحت بتعلق إرادة الله بالهداية والإضلال وتهيئة أسبابهما.
[ ٢ / ٣٢١ ]
﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٢٦﴾ لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٢٧﴾﴾ [الأنعام: ١٢٦-١٢٧] قوله: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٢٦] قال ابن عباس: يعني التوحيد.
وقال ابن مسعود: يعني القرآن.
وقال عطاء: يريد: هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك مستقيما.
ومعنى استقامة صراط الله: أنه يؤدي سالكه إلى دار الخلود في النعيم.
وقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٦] قال عطاء: يريد أصحاب النبي ﷺ قبلوا مواعظ الله تعالى وانتهوا عما نهاهم الله عنه.
قوله: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٧] قال الحسن، والسدي: السلام: هو الله ﷿، وداره: الجنة.
ومعنى السلام في اسم الله تعالى: ذو السلام أي: السلامة من الآفات والنقائص.
قال الزجاج: يجوز أن تكون الجنة سميت دار السلام لأنها دار السلامة الدائمة التي لا تنقطع.
وقوله: عند ربهم أي: مضمونة لهم عند ربهم حتى يدخلوها.
وقوله: وهو وليهم أي: يتولى إيصال المنافع ودفع المضار عنهم ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧] في الدنيا من الطاعات.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿١٢٨﴾ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿١٢٩﴾ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴿١٣٠﴾ ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ﴿١٣١﴾ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴿١٣٢﴾﴾ [الأنعام: ١٢٨-١٣٢] قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام: ١٢٨] يعني: الإنس والجن يجمعون في موقف القيامة فيقال لهم: ﴿يَا مَعْشَرَ
[ ٢ / ٣٢٢ ]
الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٢٨] أي: من إغواء الإنس وإضلالهم، وقال أولياؤهم يعني: الذين أضلهم الجن ﴿مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨] ومعنى: استمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم فيما يغرونهم به من الضلالة والكفر والمعاصي.
واستمتاع الإنس بالجن: أن الجن زينت لهم الأمور التي يهوونها حتى يسهل عليهم فعلها ويشهُّونها، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، واختيار الزجاج، والمراد بالجن في هذه الآية: الشياطين.
قوله: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨] يعني: أجل البعث والنشور، ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، قال ابن عباس: يريد: فيها مقامكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨] قال ابن عباس: استثنى الله تعالى قوما قد سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي ﷺ.
وما على هذا القول بمعنى من.
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨] حكم للذي استثنى بالتصديق، وعلم ما في قلوبهم من البر والتقوى.
قوله: وكذلك أي: وكما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض ﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام: ١٢٩] نسلط بعضهم على بعض حتى كان منهم ما كان ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] من المعاصي.
قوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠] المعشر: كل جماعة أمرهم واحد، والجمع: المعاشر.
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] قال مجاهد: الرسل من الإنس، والنذر من الجن، وهم قوم يسمعون كلام الرسل فيبلغون الجن ما سمعوا وينذرونهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] .
وقوله: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام: ١٣٠] يقرءون عليكم كتبي ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠] يخبرونكم ويخوفونكم بيوم القيامة، ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٠] شهدنا أنهم قد بلغوا، يقول الله تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ١٣٠] حين لم
[ ٢ / ٣٢٣ ]
يؤمنوا ولم يصدقوا الرسل، ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، قال مقاتل: يعني: حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك والكفر.
قوله: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٣١] أي: ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وأمر عذاب من كذبهم، لأنه لم يكن ربك ﴿مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٣١] قال الكلبي: لم يكن ليهلكهم بذنوبهم من قبل أن تأتيهم الرسل.
وقوله: بظلم يعني: بظلمهم الذي هو ذنوبهم ومعاصيهم.
وقوله: وأهلها غافلون يعني: أهل القرى غافلون لم ينذروا ولم تبلغهم الرسل.
وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢] أي: ولكل عامل بطاعة الله درجات جزاء من أجل ما عملوا، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢] قال ابن عباس: يريد: عمل المشركين، وهذا وعيد لهم بالجزاء على أعمالهم.
﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴿١٣٣﴾ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴿١٣٤﴾﴾ [الأنعام: ١٣٣-١٣٤] وربك الغني: عن عبادة خلقه، ذو الرحمة قال ابن عباس: بأوليائه وأهل طاعته.
وقال الكلبي: ذو الرحمة وذو التجاوز.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٣] وعيد لأهل مكة بالإهلاك، ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣] وينشئ من بعدكم خلقا آخر كما أنشأكم: خلقكم ابتداء ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣] يعني: آباءهم الماضين.
﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] من مجيء الساعة والحشر والنشر ﴿لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] بفائتين، يقال: أعجزني فلان.
أي: فاتني فلم أقدر عليه.
﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥] وقوله: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٥] قال الزجاج: اعملوا على ما أنتم عليه، يقال للرجل إذا
[ ٢ / ٣٢٤ ]
أمرته أن يثبت على حاله: على مكانتك يا فلان.
أي: اثبت على ما أنت عليه.
ومعنى هذا الأمر: هو المبالغة في الوعيد.
وقرئ مكاناتكم والوجه: الإفراد، لأنه مصدر، والمصادر في أكثر الأمر مفردة، وقد يجمع في بعض الأحوال.
ومعنى الآية: اعملوا ما أنتم عليه عاملون، إني عامل ما أمرني ربي، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] قال ابن عباس: يعني: الجنة ألكم أم لنا؟ وقرئ يكون بالياء، العاقبة: غير حقيقي، فهو كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
وقوله: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥] قال ابن عباس: يريد: لا يسعد من كفر نعمتي وأشرك بي.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿١٣٦﴾ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴿١٣٧﴾ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿١٣٨﴾ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى
[ ٢ / ٣٢٥ ]
أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿١٣٩﴾ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴿١٤٠﴾﴾ [الأنعام: ١٣٦-١٤٠] قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦]، قال ابن عباس وجماعة من المفسرين: كان المشركون يجعلون لله تعالى من حروثهم وثمارهم وأنعامهم نصيبا وللأوثان نصيبا، فما كان للأوثان أنفق عليها، وما كان لله أطعم الضيفان والمساكين ولا يأكلوا من ذلك كله شيئا، فما سقط مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه، وقالوا: إن الله غني عن هذا.
وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله التقطوه وردوه إلى نصيب الصنم، وقالوا: إنه فقير.
فذلك قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ﴾ [الأنعام: ١٣٦] .
قال ابن عباس: مما خلق من الثمر والقمح والضأن والمعز والإبل والبقر.
﴿نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦] بكذبهم واعتقادهم الفاسد وهذا لشركائنا يعني: ما جعلوه لآلهتهم من أموالهم، والآلهة كانوا شركاءهم في أموالهم حيث جعلوا لها نصيبا.
قوله: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦] قال الحسن، والسدي: هو أنه إذا هلك الذي لأوثانهم أخذوا بدله مما لله، ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله.
وقال قتادة: كانوا إذا أصابتهم السنة استعانوا بما جزءوا لله، ووفروا ما جزءوا لشركائهم، فذلك قوله: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦] يعني: من تمام الحرث والأنعام ﴿فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٣٦] يعني: إلى المساكين، وإنما قال: إلى الله لأنهم كانوا يفرزونه لله ويسمونه نصيبا لله، وما كان لله من التمام فهو يصل إلى آلهتهم.
ثم ذم فعلهم فقال: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] بئس الحكم حكمهم حيث صرفوا ما جعلوا لله على جهة التبرر إلى الأوثان.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
قوله: وكذلك أي: ومثل ذلك الفعل القبيح ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] قال مجاهد: شركاؤهم شياطينهم أمروهم بأن يئدوا أولادهم خشية العيلة.
وسميت الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى، وأضيفت الشركاء إليهم لأنهم اتخذوها، كقوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] .
وقرأ ابن عامر: زُيِّن بضم الزاي، قتلُ رفعا، أولادَهم بالنصب شركائهم بالجر على تقدير: زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، ولكنه فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به وهو الأولاد، والمفعول به: مفعول المصدر.
قال أبو علي الفارسي: وهو قبيح قليل الاستعمال، ولكنه قد جاء في الشعر، كما أنشده أبو الحسن الأخفشي:
فزججتها متمكنا زج القلوص أبي مزاده
وأضيف القتل في هذه القراءة إلى الشركاء وإن لم يتولوا ذلك، لأنهم هم الذين زينوا ودعوا إليه فكأنهم فعلوا ذلك.
وقوله: ليردوهم قال ابن عباس: يريد في النار.
والإرداء: الإهلاك، ومنه قوله: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] .
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وقوله: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] قال ابن عباس: يدخلوا عليهم الشك في دينهم، وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه بلبس الشياطين، وتزيينها لهم القبائح.
ثم أخذ أن جميع ما فعلوا كان بمشيئته فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١٣٧]، ثم أوعدهم: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧] يتقولون على الله الكذب.
قوله: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] الحجر في اللغة: الحرام، والمعنى: أنهم حرموا أنعاما وحرثا، وجعلوه لأصنامهم فقالوا: ﴿لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٨] أعلم الله تعالى أن هذا التحريم زعم منهم، لا حجة لهم فيه ولا برهان.
﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ [الأنعام: ١٣٨] نحو البحيرة والسائبة والحامي ﴿وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٣٨] يذبحونها لآلهتهم ولا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه: للافتراء على الله، وهو أنهم زعموا أن الله تعالى أمرهم بذلك.
﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] يعني: أجنة البحائر والسوائب: ما ولد منها حيا فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولد ميتا أكله الرجال والنساء، وهو قوله: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] يعني: النساء.
وإنما قيل: خالصة لأن ما في قوله: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ﴾ [الأنعام: ١٣٩] عبارة عن الأجنة، فجاء تأنيث خالصة لتأنيث معنى ما، وجاء تذكير محرم على لفظ ما.
وقوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٣٩] قرأ ابن كثير بالياء، ميتةٌ بالرفع لأن المراد بالميتة: الميت.
والميتة: تقع على المذكر والمؤنث كالدابة والشاة.
وابن عامر يلحق الفعل علامة التأنيث لأن الميتة في اللفظ مؤنثة.
وقرأ عاصم تكن بالتاء، ميتةً بالنصب على معنى: وإن تكن الأجنة ميتة.
ومن قرأ بالياء، ميتةً بالنصب كان التقدير: وإن يكن ما في بطون الأنعام ميتة، ولفظ ما مذكر.
وقوله: ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩] يعني: الرجال والنساء سيجزيهم وصفهم: سيجزيهم الله تعالى جزاء وصفهم الذي
[ ٢ / ٣٢٨ ]
هو كذب، وهو أنهم أحلوا ما حرم الله، وحرموا ما أحل الله، ونسبوا ذلك إلى الله، والله أحكم وأعلم من أن يفعل ذلك، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] .
قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٤٠] يعني: الذين كانوا يدفنون بناتهم أحياء.
قال قتادة: هذا صنيع أهل الجاهلية كان أحدهم يقتل بنته مخافة السبي عليها والفاقة، ويغذو كلبه.
﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٠] أي: كانوا يفعلون ذلك للسفه والجهل من غير أن أتاهم في ذلك علم ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٤٠] يعني: حرموا على أنفسهم من الأنعام والحرث، وقالوا: إن الله أمرنا به.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴿١٤١﴾ وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿١٤٢﴾ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٤٣﴾ وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٤﴾﴾ [الأنعام: ١٤١-١٤٤] وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ [الأنعام: ١٤١] أي: أظهر وأبدع جنات معروشات يعني: ما يعرش له من الكروم، وغير معروشات: ما قام على ساق كالشجر والزرع، ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ [الأنعام: ١٤١] يعني: ثمر النخل وحب الزرع لكل واحد منهما طعم غير طعم الآخر، فمن ثمر النخل: الحامض والمر والحلو والجيد والرديء، وكل حب من الحبوب له طعم آخر، ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] تقدم تفسيره.
﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١] أمر إباحة، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وحِصاده وهما لغتان كالجزاز والجزاز، والقطاف والقطاف.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
قال ابن عباس، والحسن، وسعيد بن المسيب: يعني: العشر ونصف العشر، وهذا في النخيل لأن ثمارها إذا حصدت وجب إخراج ما يجب منها من الصدقة.
والزرع محمول عليه في وجوب الإخراج، إلا أنه لا يمكن ذلك عند الحصاد فيؤخر ذلك إلى زمان التنقية.
وقوله: ولا تسرفوا: قال ابن عباس في رواية الكلبي: عن ثابت بن قيس الأنصاري: فصرم خمس مائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا، فكره الله ذلك له وأنزل: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، أسرف حين لم يترك لأهله شيئا.
قال الزجاج: والتأويل على هذا أن الإنسان إذا أعطى كل ماله، ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف، لأنه قد جاء في الخبر: ابدأ بمن تعول فهذا مجاوزة حد الإعطاء.
قال سعيد بن المسيب: معناه لا تمنعوا الصدقة، وتأويل هذا: لا تتجاوزوا الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة.
قوله: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] أي: وأنشأ من الأنعام حمولة: وهي ما أطاق العمل من الإبل، وفرشا: وهو الصغار من الإبل التي لا تحمل.
﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢] قال الزجاج: لا تحرموا ما حرمتم مما جرى ذكره، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنعام: ١٤٢] لا تسلكوا طريقه، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ١٤٢] ظاهر العداوة أخرج أباكم من الجنة، وقال لأحتنكن ذريته.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
قوله: ثمانية أزواج وهي الضأن والمعز والإبل والبقر، وجعلها ثمانية وهي أربعة، لأنه أراد ذكرا وأنثى من كل صنف، فالذكر زوج والأنثى زوج، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [النجم: ٤٥] .
وهو قوله: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] يعني: الذكر والأنثى.
والضأن: ذوات الصوف من الغنم.
﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وقرئ بفتح العين، وهما لغتان، والمعز: ذوات الشعر من الغنم.
وقوله: ﴿قُلْءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] كان المشركون يحرمون أجناسا من النعم بعضها على الرجال والنساء، وبعضها على النساء دون الرجال، فاحتج الله عليهم بهذه الآية والتي بعدها فقال: قل آلذكرين: من الضأن والمعز حرم الله عليكم أم الأنثيين فإن حرم الذكرين منهما فكل ذكورهما حرام، وإن حرم الأنثيين منهما فكل الإناث حرام.
وقوله: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] يقول: وإن كان قد حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الضأن والمعز فقد حرم الأولاد، وكلها أولاد، فكلها حرام.
وقوله: نبئوني بعلم: قال الزجاج: أي: فسروا ما حرمتم بعلم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣] أن الله حرم ذلك.
وقوله: ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] مفسر إلى قوله ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٤] أي: هل شاهدتم الله حرم هذا إذ كنتم لا تؤمنون برسول.
ثم بين أنهم فعلوا ذلك كذبا على الله فقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤] قال ابن عباس: يريد: عمرو بن لحي ومن جاء بعده.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] قال: يريد: المشركين.
ثم أعلم أن التحريم والتحليل إنما يثبت بالوحي والتنزيل، فقال: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ
[ ٢ / ٣٣١ ]
خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٤٥﴾ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴿١٤٦﴾ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴿١٤٧﴾﴾ [الأنعام: ١٤٥-١٤٧] ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] على آكل يأكله ﴿إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] أي: إلا أن يكون المأكول ميتة، ومن قرأ تكون بالتاء، كان التقدير عنده اسما مؤنثا، كأنه قيل: إلا أن تكون العين أو النفس أو الجثة ميتة.
وقرأ ابن عامر إلا أن تكون بالتاء، ميتةٌ بالرفع، على معنى: إلا أن تقع أو تحدث ميتة.
وقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] يقال: سفح الدم، والدم سفحا.
إذا صبه، وسفح هو سفحا.
إذا سال.
قال ابن عباس: يريد: ما خرج من الأنعام وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح، ولا يدخل في هذا الكبد والطحال لجمودهما، ولا ما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل.
٣٤٠ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَعْقِلِيُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أُحِلَّتْ مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: الْمَيْتَتَانِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ.
وَالدَّمَانِ: الْكَبِدُ وَالطُّحَالُ "
وقوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] قال ابن عباس: يريد: ما ذبح على النصب.
والمحرمات من المطعومات أكثر من هذا، ولكن الذي حرم بوحي القرآن هو ما ذكره في هذه الآية، والباقي حرم بالسنة.
قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] قال ابن عباس: هو البعير والنعامة، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ
[ ٢ / ٣٣٢ ]
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] يعني: شحوم الجوف، وهي الثروب وشحم الكليتين.
قوله: ﴿إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] قال قتادة: ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما.
أو الحوايا وهي المباعر، واحدتها: حاوية وحوية وحاوياء.
يعني: وما حملت من الشحم.
﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] يعني: شحم الإلية في قول جميعهم.
وقال ابن جريج: كل شحم في القوائم والجنب والرأس والأذنين والعينين فهو مما اختلط بعظم، وهو حلال لهم، إنما حرم عليهم الثرب وشحم الكلية.
وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] أي: ذلك التحريم عقوبة لهم بقتلهم الأنبياء وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل، فهذا بغيهم، وهذا كقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] الآية.
وقوله: وإنا لصادقون أي: في الإخبار عن التحريم وعن بغيهم وفي كل شيء.
فإن كذبوك: فيما تقول ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ [الأنعام: ١٤٧] لذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة، ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٧] عذابه إذا جاء الوقت ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٧] يعني: المكذبين.
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ ﴿١٤٨﴾ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿١٤٩﴾ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿١٥٠﴾ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ
[ ٢ / ٣٣٣ ]
عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٥١﴾ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٢﴾ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١٥٣﴾﴾ [الأنعام: ١٤٨-١٥٣] ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٤٨] إذا لزمتهم الحجة وتيقنوا باطل ما هم عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] قال المفسرون: إن المشركين جعلوا قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] حجة على إقامتهم على الشرك، فقالوا: إن الله تعالى رضي منا ما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به، ولو لم يرض ذلك منا لحال بيننا وبينه.
ولا يكون هذا حجة لهم على أن ما هم عليه من الدين حق، لأن الأشياء كلها تجري بمشيئة الله تعالى، فلو كانوا على صواب لأن ذلك بمشيئة الله لكان من خالفهم وجب أن يكون عندهم أيضا على صواب، لأنهم أيضا على ما شاء، فينبغي ألا يقولوا: إنهم ضالون، فبان أنه لا حجة لهم في قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] ولو كان الأمر على ما قالوه، لأنهم تركوا أمر الله تعالى وتعلقوا بمشيئة الله.
وأمر الله بمعزل عن إرادته، لأنه يريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد، فعلى العبد أن يتبع الأمر، وليس له أن يتعلق بالإرادة بعد ورود الأمر.
قوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] كما كذب هؤلاء كذب كفار الأمم الخالية أنبياءهم ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] شدة عذابنا، ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] قال ابن عباس: من كتاب نزل من عند الله في تحريم ما حرمتم.
إن تتبعون: ما تتبعون فيما أنتم عليه إلا الظن، لا العلم واليقين، ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وما أنتم إلا خارصين كاذبين.
قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] قال الزجاج: حجته البالغة: تبيينه أنه الواحد وإرساله الأنبياء بالحجج التي يعجز عنها المخلوقون.
وهذا معنى قول المفسرين: ولله الحجة البالغة بالكتاب والرسول والبيان.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وهذا يدل على أنه ما شاء إيمان الكافر ولو شاء لهداه.
أخبرنا الأستاذ أبو منصور البغدادي، أخبرنا محمد بن جعفر بن مطر، أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حدثنا جويرية بن أسماء، قال: سمعت علي بن زيد تلا هذه الآية: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، فنادى بأعلى صوته: انقطع والله ههنا كلام القدرية.
قوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] الآية، هلم: كلمة دعوة إلى شيء، تقول: هلم يا رجل، وكذلك للاثنين والجمع والمؤنث موحد، وهذه الكلمة تستعمل تارة بمعنى دعاء المخاطب كقولك: هلم إلي.
أي: ادن مني وتعال، وتارة تستعمل بمعنى التعدية كقولك: هلم الطعامَ.
وورد القرآن بالمعنيين، قال الله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وقال في هذه الآية: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] .
قال الزجاج: هاتوا وقربوا شهداءكم ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٥٠] يعني: ما ذكر من الحرث والأنعام مما حرمه المشركون، يقول: ائتوا بمن يشهد لكم أن هذا التحريم جاءكم من الله.
فإن شهدوا هم وقالوا: نشهد بذلك، ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] لا توافقهم على دينهم ومقالتهم، ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٠] يعني: هؤلاء
[ ٢ / ٣٣٥ ]
المحرمين ما أحل الله، ﴿وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠] يشركون الأصنام.
قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] الآية: يجوز أن يكون عليكم من صلة أتل كأنه قال: أتل عليكم ما حرم ربكم، ويجوز أن تكون من صلة التحريم.
قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون عليكم إغراء وانقطع عند قوله: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] ثم قال: عليكم ألا تشركوا به شيئا، كما قال عليكم أنفسكم.
وقوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] قال الزجاج: يجوز أن يكون هذا محمولا على المعنى، فيكون: أتل عليكم ألا تشركوا، والمعنى: أتل عليكم تحريم الشرك.
قال: وجائز أن يكون على معنى: أوصيكم ألا تشركوا به شيئا، لأن قوله: وبالوالدين إحسانا محمول على معنى: أوصيكم بالوالدين إحسانا.
قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] يقال: أملق الرجل فهو مملق.
إذا افتقر، قال ابن عباس: يريد: مخافة الفقر، وقد صرح بهذا في قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] .
وهذا في النهي عن الوأد: كانوا يدفنون البنات أحياء خوف الفقر، فضمن الله لهم الرزق فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] قال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يزنوا علانية فيفعلون ذلك سرا، فنهاهم الله عن الزنا سرا وعلانية.
قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] قال ابن عباس: إلا بالقود، يعني: القصاص.
٣٤١ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كمارَوَيْهِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا
[ ٢ / ٣٣٦ ]
مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَابِقٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: " كَانَ فِيمَا أَعْطَى اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى فِي الأَلْوَاحِ: وَلا تَقْتُلِ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمْتُ إِلَّا بِالْحَقِّ فَتَضِيقَ عَلَيْكَ الأَرْضُ بِرَحْبِهَا، وَالسَّمَاءُ بِأَقْطَارِهَا، وَتَبُوءَ بِسَخَطِي فِي النَّارِ "
وقوله: ذلكم يعني: ما ذكر في هذه الآية وصاكم: أمركم ﴿بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] لكي تعرفوا ذلك.
قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] قال عطاء عن ابن عباس: يريد: إن كنت وصيا فأصلحت ماله، وقمت لله في ضيعته أكلت بالمعروف إن احتجت إليه، وإن كنت غنيا عنه فعف عن أكله.
وقال الزجاج: التي هي أحسن: هو حفظ ماله عليه، وتثميره بما يوجد السبيل إليه.
وقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] الأشد: مبلغ الرجل الحنكة والمعرفة.
قال الفراء: واحدها شد في القياس ولم أسمع لها بواحد.
وفسر بلوغ الأشد في هذه الآية بالاحتلام، وقال أبو إسحاق: بلوغ أشده: أن
[ ٢ / ٣٣٧ ]
يؤنس منه الرشد مع أن يكون بالغا، فحينئذ يجب دفع المال إليه.
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] أتموه ولا تنقصوا منه شيئا، والميزان أي: وزن الميزان بالقسط: بالعدل، لا بخس ولا شطط، ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢] إلا ما يسعها ولا تضيق عنه، وذلك أنه لو كلف المعطي الزيادة لضاقت نفسه عنها، وكذلك لو كلف الآخذ الرضا بالنقصان.
﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] قال ابن عباس: إذا شهدتم أو تكلمتم فقولوا الحق، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] أي: ولو كان المشهود له وعليه ولدك وقرابتك، ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] أي: وبما عاهدتم الله عليه فأوفوا به ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] لتتذكروه وتأخذوا به.
قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] قال الفراء: تفتح أن بمعنى: وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيما.
وإن شئت قلت: ذلكم وصاكم به وبأن هذا.
وسيبويه يقول: التقدير: ولأن هذا صراطي مستقيم فاتبعوه، كقوله: ﴿وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢]، قال سيبويه: ولأن هذه أمتكم.
وقرأ ابن عامر: وأنْ مفتوحة مخففة من المشددة، والتقدير: وأنه هذا، ثم حذف الضمير وخففت، ومن كسر إن استأنف بها.
قال ابن عباس: يريد: ديني دين الحنيفية أقوم الأديان وأحسنها.
وقال مقاتل: الذي ذكر في هذه الآيات من أمره ونهيه صراطي مستقيما.
﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] قال ابن عباس: اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأصنام.
وقال مجاهد: يعني: البدع والشبهات.
وقال مقاتل: يعني: طريق الضلالة فيما حرموا على
[ ٢ / ٣٣٨ ]
أنفسهم من الأنعام والحرث.
﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فتضل وتميل وتخالف بكم عن دينه، قال المفسرون: هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار.
﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٤﴾ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٥٥﴾ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ﴿١٥٦﴾ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ﴿١٥٧﴾ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ﴿١٥٨﴾﴾ [الأنعام: ١٥٤-١٥٨] وقوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] ثم أوجب تأخير الخبر بعد الخبر الأول، يريد: ثم أخبركم بعد ما أخبرتكم بنزول التوراة على موسى.
فدخلت ثم لتأخير الخبر، لا لتأخير النزول.
ذكر ذلك الزجاج، وابن الأنباري.
قوله: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] أي: على الذي أحسنه موسى من العلم وكتب الله القديمة، فيكون أحسن بمعنى: علم، وأراد بقوله: تماما: على ذلك: زيادة على ذلك.
قال الزجاج: وتماما منصوب مفعول له، وكذلك وتفصيلا.
والمعنى: آتينا للتمام والتفصيل ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [الأنعام: ١٥٤] .
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] قال ابن عباس: كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب.
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] يعني: القرآن، ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾ [الأنعام: ١٥٥]: اتبعوا حلاله، واتقوا حرامه، لعلكم ترحمون: لتكونوا راجين للرحمة.
أن تقولوا: قال الفراء: أن متعلقة ب اتقوا، والتأويل: اتقوا أن تقولوا.
وعند البصريين معناه:
[ ٢ / ٣٣٩ ]
أنزلناه كراهة أن تقولوا، ثم حذف المضاف، ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ﴾ [الأنعام: ١٥٦] يعني: التوراة والإنجيل ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] يعني: اليهود والنصارى، ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] وما كنا عن تلاوة كتبهم إلا غافلين.
قال المفسرون: الخطاب لأهل مكة.
والمراد: إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن كيلا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما.
فقطع الله معاذيرهم بإنزال القرآن.
قال الكسائي: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] لا نعلم ما هي، لأن كتابهم لم يكن بلغتنا.
فأنزل الله كتابا بلغتهم كيلا يعتذروا بأن الكتاب لم يأتهم، وأن الرسول لم يبعث إليهم، وهذا معنى قوله: أو تقولوا، يا معشر العرب: ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] من اليهود والنصارى ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] رسول من ربكم بلسان عربي مبين حين لم تعرفوا دراسة الطائفتين، وهدى ورحمة يعني: القرآن، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٧] بعد هذا البيان، وصدف: أعرض عنها، ثم أوعدهم فقال ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٧] الآية.
قوله: هل ينظرون: معنى ينظرون: ينتظرون، وهل استفهام معناه النفي، أي: لا ينتظرون ﴿إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] عند الموت لقبض أرواحهم، وهذا خبر بمعنى النهي، أي: يجب أن لا ينتظروا بعد تكذيبك إلا أن تأتيهم الملائكة عند الموت فيقعوا في العذاب.
﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] قال ابن عباس: يتنزل أمر ربك فيهم بالقتل.
وقال الزجاج: المعنى: أو يأتي إهلاك ربك إياهم بعذاب عاجل أو بالقيامة.
﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] قال عامة المفسرين: يعني: طلوع الشمس من مغربها، وهذا إنما ينتظره من تأخر في الوجود من مكذبي هذه الأمة.
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أي: لا ينفعها الإيمان عند الآية التي تضطرهم إلى الإيمان، لأن الله تعالى لو بعث على كل من لم يؤمن عذابا لاضطر الناس إلى الإيمان وسقط التكليف والجزاء.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنَ الْمَغْرِبِ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَذَلِكَ حِينَ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]
وقوله: قل انتظروا قال ابن عباس: انتظروا يا أهل مكة، إنا منتظرون: بكم العذاب يوم القيامة أو قبلها في الدنيا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿١٥٩﴾ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴿١٦٠﴾﴾ [الأنعام: ١٥٩-١٦٠] قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٩] قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، والسدي، والكلبي: هم اليهود والنصارى، وذلك أنهم اختلفوا فصاروا فرقا يكفر بعضهم بعضا، وآمنوا ببعض ما في أيديهم وكفروا ببعض، وذلك قوله: وكانوا شيعا أي: فرقا وأحزابا في الضلالة.
وقرأ حمزة: فارقوا دينهم أي: باينوه وخرجوا عنه، وهذا يأول إلى معنى: فرقوا ألا ترى أنهم لما آمنوا ببعض وكفروا ببعض فارقوه كله، فخرجوا عنه ولم يتبعوه.
وروي عن عمر بن الخطاب، أن رسول الله ﷺ قال لعائشة: " يا عائشة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] هم أصحاب البدع وأهل الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ".
[ ٢ / ٣٤١ ]
٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ مُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شُرَيْحٍ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] هُمْ أَصْحَابُ الأَهْوَاءِ وَأَصْحَابُ الضَّلالَةِ "
قوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] قال المفسرون: يقول: لست من قتالهم في شيء ثم نسخته آية القتال.
هذا إذا كان المراد بالآية اليهود والنصارى على ما روي مرفوعا، معنى قوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] أي: أنت منهم برئ وهم منك براء، أي: لم تتلبس بشيء من مذاهبهم، والعرب تقول: إن فعلت كذا فلست مني ولست منك، أي: كل واحد منا برئ من صاحبه.
قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٩] يعني: في الجزاء والمكافأة، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] إذا وردوا القيامة.
وقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] قال عطاء عن ابن عباس: يريد: من عمل من المصدقين حسنة كتبت له عشر حسنات.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [الأنعام: ١٦٠] يريد: الخطيئة، ﴿فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] أي: إلا جزاء مثلها، لا يكون أكثر منها.
٣٤٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشَرَةُ أَمْثَالِهَا أَوْ أَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلِهَا أَوْ أَغْفِرُ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ
[ ٢ / ٣٤٢ ]
٣٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُؤَمّلِ بْنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَالَ اللَّهُ ﷿: «الْحَسَنَةُ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى الزِّيَادَةِ وَالسَّيِّئَةِ بِوَاحِدَةٍ، وَأَنَا أَغْفِرُ لابْنِ آدَمَ إِنْ لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ قُرَابُ الأَرْضِ ذُنُوبًا غَفَرْتُ لَهُ، وَلا أُبَالِي»
٣٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنَ التَّيْمِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا يَنْفَعُنِي، قَالَ: " إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ حَسَنَةً فَإِنَّهَا عَشْرُ أَمْثَالِهَا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنَ الْحَسَنَاتِ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ هِيَ أَحْسَنُ الْحَسَنَاتِ
قوله: ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠] قال ابن عباس: لا ينقص ثواب أعمالهم.
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٦١﴾ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴿١٦٣﴾ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ
[ ٢ / ٣٤٣ ]
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿١٦٤﴾ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٦٥﴾﴾ [الأنعام: ١٦١-١٦٥] قوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا﴾ [الأنعام: ١٦١] قال الزجاج: أما نصب دينا فمحمول على المعنى، لأنه لما قال: ﴿هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٦١] دل على عرفني، فكأنه قال: عرفني.
قوله: قيِّما قال ابن عباس: مستقيما، ومن قرأ: قِيَما فهو مصدر كالصغر والكبر والشبع، وذكرنا معنى قيما في أول ﴿[النساء، وقوله:] مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [سورة الأنعام: ١٦١] ملة بدل من دينا قيما، وحنيفا منصوب على الحال من إبراهيم، والمعنى: عرفني ملة إبراهيم في حال حنيفيته.
قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] قال ابن عباس: يريد: ذبيحتي.
وقال مقاتل: حججي.
وقال الزجاج: كل ما تقربت به إلى الله تعالى، إلا أن الغالب عليه أمر الذبح.
وقوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] أي: حياتي وموتي ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] أي: هو يحييني ويميتني.
وقرأ نافع: ومحياي ساكنة الياء، وهو شاذ غير مستعمل لأن فيه جمعا بين الساكنين لا يلتقيان على هذا الوجه، قال الزجاج: أما ياء محياي فلا بد من فتحها لأن قبلها
[ ٢ / ٣٤٤ ]
ساكنا، ومثل هذا ما جوزه يونس من قوله: اضربنان زيدا، واضربنان زيدا، وسيبويه ينكر ذلك من قول يونس.
ومعنى الآية: أنه يخبر بأنه إنما يتوجه بالصلاة وسائر المناسك إلى الله تعالى، لا إلى غيره كما كان المشركون يذبحون لأصنامهم، فأعلم أنه لله وحده، ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٣] .
وقوله: وبذلك أمرت: قال ابن عباس: بذلك أوحي إلي.
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] قال قتادة: أول المسلمين من هذه الأمة.
وقال مقاتل: أول المخلصين من أهل مكة.
٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَا فَاطِمَةُ قُومِي إِلَى أُضْحِيَّتِكِ فَاشْهَدِيهَا، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ، وَقُولِي: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ عِمْرَانُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَكَ وَلأَهْلِ بَيْتِكَ خَاصَّةً، فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنْتُمْ أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً "
قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤] قال ابن عباس: سيدا وإلها وهو سيد كل أحد، ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] لا تجني نفس ذنبا إلا أخذت به وكان إثمه على الجاني نفسه، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] قال ابن عباس: إن الوليد بن المغيرة كان يقول: اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم.
فقيل: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ولا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى، أي: لا يؤخذ أحد بذنب غيره، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] هو الذي جعلكم يا أمة محمد، خلائف الأمم الماضية في الأرض بأن أهلكهم وأورثكم الأرض بعدهم، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، في المعاش والغنى والرزق.
قاله الكلبي، ومقاتل، والسدي، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥] ليختبركم فيما رزقكم، والمعنى: ليظهر منكم ما يكون عليه الثواب والعقاب.
﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] لأعدائه، يعد النبي ﷺ بهلاك أعدائه وقتلهم، وإنه لغفور: لأوليائه، رحيم: بهم.
٣٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لاتَّكَلْتُمْ عَلَيْهَا وَمَا عَمِلْتُمْ إِلَّا قَلِيلا، وَلَوْ تَعْلَمُونَ قَدْرَ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى لَظَنَنْتُمْ أَنْ لا تَنْجُوا وَأَنْ لا يَنْفَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ»
[ ٢ / ٣٤٦ ]