مدنية وآياتها خمس وسبعون
٣٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَنْفَالِ وَبَرَاءَةً فَأَنَا لَهُ شَفِيعٌ وَشَاهِدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ، وَأُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ مُنَافِقٍ وَمُنَافِقَةٍ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَيُرْفَعُ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ الْعَرْشُ وَحَمَلَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا»
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٤﴾﴾ [الأنفال: ١-٤] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] الآية: النفل: الغنيمة وجمعه أنفال، قال المفسرون: اختلف أهل بدر في الغنائم، فقال الشبان: لنا الغنائم لأنا أبلينا.
وقالت الأشياخ: كنا ردءا لكم، ولو انهزمتم لانحزتم إلينا، فلا تذهبوا بها دوننا.
فأنزل الله هذه الآية، ومعنى يسألونك عن الأنفال أي: عن حكمها وعلمها سؤال استفتاء، قال الزجاج: إنما سألوا عنها لأنها كانت حراما على من كان قبلهم.
وقال صاحب النظم: معناه: يسألونك عن الأنفال لمن هي؟ يدل على هذا قوله: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] يحكمان فيها على ما أرادا ويضعانها حيث شاءا، فلما نزلت هذه الآية قسمها رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٤٤٣ ]
بين أهل بدر على السواء.
وقوله: فاتقوا الله أي: بطاعته واجتناب معاصيه، ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] أي: المنازعة الواقعة بينكم في الأنفال، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١] قال الزجاج: اقبلوا ما أمرتم به في الغنائم وغيرها، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] يعني: أن الإيمان يوجب القبول من الله ورسوله، وهذه الآية منسوخة بقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، وكانت الغنائم يومئذ خاصة للنبي ﷺ، فنسخها الله بالخمس.
قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] تأويله: إذا ذكرت عظمة الله وقدرته وما خوف به من عصاه فزعت قلوبهم، يقال: وجل يوجل فهو وجل.
إذا خاف، يقول: إنما المؤمن الذي إذا خوف بالله فرق قلبه، وانقاد لأمره خوفا من عقابه، وفيه إشارة إلى إلزام أصحاب بدر بطاعة الرسول ﷺ فيما يرى من قسمة الغنائم.
وقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] قال ابن عباس: تصديقا ويقينا.
والمعنى: أنهم يصدقون بالأولى والثانية والثالثة، وكل ما يأتي من عند الله فيزيد تصديقهم، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] قال ابن عباس: يتقون لا يرجون غيره.
ثم زاد في وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال: ٣] الآية، ثم حقق لهم الإيمان فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] قال ابن عباس: برئوا من الكفر.
وقال مقاتل: أولئك هم المؤمنون لا شك في إيمانهم كشك المنافقين.
﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤] قال عطاء: يعني درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم.
ورزق كريم يعني: ما أعد الله لهم في الجنة.
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ﴿٥﴾ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴿٦﴾ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ﴿٧﴾ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴿٨﴾﴾ [الأنفال: ٥-٨] قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ [الأنفال: ٥] أي: أمرك بالخروج ودعاك إليه، من بيتك يعني المدينة، ﴿بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥] أي: بالوحي ذلك أن جبريل أتاه وأمره بالخروج، قال المفسرون: إن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بالخروج من المدينة
[ ٢ / ٤٤٤ ]
لطلب عير قريش، وكره ذلك طائفة من المؤمنين لأنهم علموا أنهم لا يظفرون بالعير عفوا دون قتال، فذلك قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] يعني: كراهة الطبع التي تلحق في السفر والقتال، ومعنى الكاف في كما قال الفراء، والزجاج: أي: امض لأمر الله في الغنائم كما مضيت لأمره في الخروج وهم له كارهون.
قال الزجاج: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥] ويكون التأويل نفل من شئت وإن كرهوا، كما أخرجك ربك من بيتك وإن كرهوا.
قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٦] قال المفسرون: إن رسول الله ﷺ وأصحابه خرجوا لطلب عير قريش، فمنعت قريش عيرها بالنفير فالتقوا وأمروا بالقتال، ولم يكونوا أعدوا له أهبة فشق ذلك عليهم، وقالوا: هلا أخبرتنا فكنا نعد له.
وجادلوه طلبا للرخصة في ترك القتال، إذ كانوا رجالة ولم يكن فيهم إلا فارسان فخافوا، فذلك قوله: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٦] أي: لشدة كراهتهم للقتال كأنهم يساقون إلى الموت عيانا.
قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧] يعني: العير والنفير، وقال قتادة: الطائفتان إحداهما: أبو سفيان أقبل بالعير من الشام، والطائفة الأخرى: أبو جهل معه نفير قريش، وقوله: أنها لكم يدل على إحدى، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] أي: تودون أن الطائفة التي ليس فيها حرب ولا سلاح وهي العير تكون لكم، والمراد بالشوكة: السلاح، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: ٧] يظهره ويعليه، ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنفال: ٧] بعِدَاتِهِ التي سبقت من إظهار الدين وإعزازه بقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] يستأصلهم حتى لا يبقى منهم أحد، يعني كفار العرب.
ليحق الحق أي: يقطع دابرهم ليحق الحق بإظهاره وإعلائه أمره، ويبطل الباطل بإهلاكه وافنائه على كره من المشركين، وهو قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨] .
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿٩﴾ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿١٠﴾ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ ﴿١١﴾ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴿١٢﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿١٣﴾ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ﴿١٤﴾﴾ [الأنفال: ٩-١٤] قوله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] أي: تطلبون منه المعونة والغوث، قال المفسرون: تستجيرون به من عدوكم وتدعونه بالنصر عليهم.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
٣٨٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزَّيْنَبِيُّ، نا بُنْدَارٌ، نا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلاثُ مِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلا، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ» فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] الآيَةَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عِكْرِمَةَ
وقوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] متتابعين بعضهم في إثر بعض، وقال أبو حاتم: ومعناه: بألف من الملائكة جاءوا بعد المسلمين على آثارهم.
يقال: ردفه وأردفه.
إذا جاء بعده، ومن قرأ بفتح الدال
[ ٢ / ٤٤٦ ]
فمعناه بألف أردف الله المسلمين بهم.
قال مجاهد: الإرداف إمداد المسلمين بهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ١٠] الآية مفسرة في ﴿[آل عمران.
وقوله:] إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [سورة الأنفال: ١١] ذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤] الآية، والمعنى: أن الله أمنهم أمنا حتى غشيهم النعاس ومن قرأ: يُغْشيكم أو يُغَشيكم، أسند الفعل في هذا إلى الله، وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] قال الوالبي، عن ابن عباس: إن المسلمين لما بايتوا المشركين ببدر أصابت منهم جماعة جنابات، وكان المشركون سبقوهم إلى الماء وغلبوهم عليه، فساءهم عدم الماء عند حاجتهم إليه، فأنزل الله تعالى مطرا سال منه الوادي حتى اغتسلوا وتطهروا.
وقوله: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١] يعني: وسوسته التي تكسب عذاب الله، وذلك أن الشيطان وسوس إليهم، وقال لهم: كيف ترجون الظفر وقد غلبوكم على الماء.
وأنتم تصلون مجنبين ومحدثين وتزعمون أنكم أولياء الله وفيكم نبيه؟ وقوله: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنفال: ١١] الربط معناه: الشد، يقال لكل من صبر على أمر: ربط قلبه.
وعلى صلة، والمعنى: وليربط قلوبكم بما أنزل الله من الماء فتثبت ولا تضطرب بوسوسة الشيطان، وقوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١] وذلك أن المسلمين كانوا قد نزلوا على كثيب تغوص فيه أرجلهم فلبده المطر حتى تثبت عليه الأقدام.
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ﴾ [الأنفال: ١٢] يعني: الذين أمد بهم المسلمين، أني معكم بالعون والنصرة، ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] قال مقاتل: يعني: بشروهم بالنصر، فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل، ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم، وقال الزجاج: جائز
[ ٢ / ٤٤٧ ]
أن يكونوا يثبتونهم بأشياء يلقونها في قلوبهم تقوى بها.
وقال الحسن: «فثبتوا الذين آمنوا بقتالكم المشركين» .
وقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢] قال عطاء: يريد الخوف من أوليائي، ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] يعني الرءوس لأنها فوق الأعناق، قال عطاء: يريد كل هامة وجمجمة.
وجائز أن يكون هذا أمر للمؤمنين، وجائز أن يكون أمرا للملائكة وهو الظاهر، قال ابن الأنباري: إن الملائكة حين أمرت بالقتال لم تعلم أين تقصد بالضرب من الناس، فعلمهم الله تعالى أن يضربوا الرءوس، وقوله: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] قال ابن عباس، وابن جريج، والسدي: يعني الأطراف من اليدين والرجلين.
وقال الفراء: يعني الأيدي والأرجل.
قال ابن الأنباري: البنان أطراف الأصابع فاكتفى الله به من جملة اليد والرجل.
ذلك بأنهم أي: ذلك الضرب بأنهم ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] قال ابن عباس: حاربوا الله ورسوله.
والمعنى: خالفوا أمر الله ورسوله، ثم أوعد المخالف لهما بباقي الآية، ذلكم أي ذلك الضرب، ﴿فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ [الأنفال: ١٤] وعيد للكفار بعذاب النار بعد ما نزل بهم من ضرب الأعناق وكل بنان.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ﴿١٥﴾ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿١٦﴾ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١٧﴾ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ﴿١٨﴾﴾ [الأنفال: ١٥-١٨] قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ [الأنفال: ١٥] أي متدانين لقتالكم، قال الليث: الزحف: جماعة يزحفون إلى عدو لهم بمرة فهو الزحف وجمعه الزحوف.
قال الزجاج: إذا واقفتموهم للقتال فلا تنهزموا.
وهو قوله: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥] أي: لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم.
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ [الأنفال: ١٦] يعني: يوم لقاء الكفار، ﴿دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال: ١٦] أي: منعطفا كأنه يطلب عودة يمكنه إصابتها، ينحرف عن وجهه ويرى أنه منهزم، ثم يكر، أو متحيزا أي: متنحيا منضما إلى فئة جماعة من المسلمين يريدون العودة إلى القتال، ومعنى الآية: النهي عن الانهزام بين يدي الكفار إلا أن يكون متحرفا لقتال أو
[ ٢ / ٤٤٨ ]
منضما إلى جماعة يعودون للقتال، فإذا انهزم ونوى التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم ويعود إلى القتال لم يلحقه هذا الوعيد، وهو قوله: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦] وأكثر المفسرين على أن هذا الوعيد خاص فيمن انهزم يوم بدر، ولم يكن لهم أن ينحازوا لأنه لم يكن يومئذ في الأرض فئة للمسلمين، فأما بعد ذلك فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض.
وهذا قول أبي سعيد الخدري، وابن عباس في رواية الكلبي، والحسن، وقتادة، والضحاك.
٣٨٦ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُونُسَ، أنا الرَّبِيعُ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقُوا الْعَدُوَّ، فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً فَأَتَيْنَا الْمَدِينَةَ فَتَخَبَّأْنَا بِهَا، وَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْفَرَّارُونَ، قَالَ: «بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ» .
رَوَاهُ الثَّعْلَبِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّازِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ
[ ٢ / ٤٤٩ ]
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّ مَنْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ إِذَا لَمْ يَزِيدُوا عَلَى ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ لَحِقَهُ الْوَعِيدُ
وقوله: ومأواه جهنم لا يدل على التخليد، ومعناه: أن مرجعه إليها إلى وقت الرحمة والشفاعة، قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] قال الكلبي: بالملائكة: جبريل ومن معه.
وقال أهل المعاني: لأن الله تعالى تولى نصرهم بأن شجع قلوبهم، وألقى الرعب في قلوب المشركين.
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] قال المفسرون: إن جبريل قال للنبي ﷺ يوم بدر: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فخرج رسول الله ﷺ من العرش فأخذ قبضة من حصبة الوادي، فرمى بها وجه القوم وقال: شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا دخل عينه منها شيء وشغل بعينه فكان ذلك سبب هزيمتهم.
قال الزجاج: أعلم الله تعالى أن كفا من حصباء لا يملأ عيون ذلك الجيش الكبير برمية بشر، وأنه تعالى تولى إيصال ذلك إلى أبصارهم فقال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] .
﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧] ولينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر والمثوبة، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [الأنفال: ١٧] لدعائكم، عليم بنياتكم.
قوله: ذلكم أي: الأمر ذلكم الذي ذكرت، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨] بإلقاء الرعب في قلوبهم وتفريق كلمتهم، قال ابن عباس: يقول: إني قد أوهنت كيد عدوكم حتى قتلت جبابرتهم وأسرت أشرافهم.
﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩] قوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] قال ابن عباس: إن أبا جهل قال يوم بدر قبل القتال: اللهم انصر أفضل الفريقين وأكرم الدينين، وأرضاهما عندك فنزلت هذه الآية.
قال عبد الله بن ثعلبة: كان المستفتح أبا جهل، وإنه قال حين التقى القوم: اللهم أينا كان أقطع للرحم وأتانا بما لا يعرف، فافتح عليه الغداة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] إن تستنصروا لأهدى الفئتين فقد جاءكم النصر، وهذا قول الحسن، ومجاهد، والسدي، والضحاك.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وقوله: وإن تنتهوا أي: عن الشرك بالله، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا﴾ [الأنفال: ١٩] لقتال محمد، نعد عليكم بالقتل والهزيمة، ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٩] جماعتكم ﴿شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ [الأنفال: ١٩] في العدد، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩] بالعون والنصر، فمن كسر إن فهو منقطع عما قبله، ومن فتح كان وجهه: ولأن الله مع المؤمنين أي لذلك لن تغني عنكم فئتكم شيئا.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴿٢٠﴾ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ﴿٢١﴾ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴿٢٢﴾ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿٢٣﴾﴾ [الأنفال: ٢٠-٢٣] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الأنفال: ٢٠] ولا تعرضوا عنه، وأنتم تسمعون موعظتي وما أعددت لأوليائي وأعدائي من الثواب والعقاب، وقال ابن عباس: لا تولوا عن رسول الله ﷺ وأنتم تسمعون ما نزل من القرآن.
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] قال ابن عباس: يعني اليهود قريظة، والنضير.
قال الزجاج: معنى قوله: ﴿سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] أنهم سمعوا سماع عداوة وبغضاء، فلم يتفقهوا ولم يتفكروا فيما سمعوا، فكانوا بمنزلة من لم يسمع.
وقال مقاتل: يعني المنافقين الذين يقولون سمعنا سماع قابل وليسوا كذلك.
قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ﴾ [الأنفال: ٢٢] قال ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل: يريد نفرا من بني عبد الدار كانوا صما عن الحق فلا يسمعونه بكما عن التكلم به.
فكل ما دب على الأرض فهو من جملة الدواب، بين الله تعالى أن هؤلاء الكفار شر ما دب على وجه الأرض من الحيوان، وقوله: ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] أي: الذين لا يقبلون القرآن ولا يعقلون الموعظة.
قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] لو علم أنهم يصلحون بما يورده عليهم من حججه وآياته
[ ٢ / ٤٥١ ]
لأسمعهم إياها سماع تفهم وتعليم، ولو أسمعهم بعد أن علم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك، و﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] لعنادهم وجحودهم الحق بعد ظهوره.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٢٤﴾ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٢٥﴾ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٢٦﴾﴾ [الأنفال: ٢٤-٢٦] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] أجيبوهما بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم قال السدي: هو الإيمان وهو حياة القلب، والكفر موته.
وقال قتادة: يعني القرآن، وفيه الحياة والنجاة والعصمة، والقرآن سبب الحياة بالعلم.
والأكثرون على أن معنى قوله: لما يحييكم الجهاد، قال الفراء: إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بالجهاد لأن أمرهم إنما يقوى به.
وقال الزجاج: أي: لما يكون سببا للحياة الدائمة في نعيم الآخرة وهو الجهاد.
وقال ابن قتيبة: يعني: الشهادة لأن الشهداء أحياء عند ربهم وسبب الشهادة الجهاد.
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان.
وهذا قول ابن عباس، وسعد بن جبير، وعطاء، وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه.
وقوله: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] أي: للجزاء على الأعمال.
قوله: واتقوا فتنة قال الزبير بن العوام: نزلت هذه الآية ونحن مع رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وما أرانا من أهلها، وإذا نحن المعنيون بها.
يعني: ما كان يوم الجمل، قال السدي، ومقاتل، والضحاك، والحسن، وقتادة: هذا في قوم مخصوصين من أصحاب
[ ٢ / ٤٥٢ ]
محمد ﷺ أصابتهم الفتنة يوم الجمل، أمر الله تعالى باتقاء الفتنة التي تتعدى المظالم، فتصيب الصالح والطالح جميعا، ولا تقتصر على الذين ظلموا دون غيرهم.
قال الكلبي: تصيب الظالم والمظلوم، ولا تكون للظلمة وحدهم خاصة دون غيرهم ولكنها عامة.
وقال ابن زيد: أراد بالفتنة افتراق الكلمة، ومخالفة بعضهم بعضا.
قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦] قال المفسرون: يعني النبي ﷺ ومن معه حين كانوا بمكة في ابتداء الإسلام قبل الهجرة مستضعفين، في الأرض قال ابن عباس: في أرض مكة، تخافون إن خرجتم منها ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ [الأنفال: ٢٦] يستلبكم المشركون من العرب، فآواكم يعني: جعل لكم مأوى ترجعون إليه، يعني: المدينة دار الهجرة، وأيدكم بنصره وقواكم بالأنصار، وقال الكلبي: يعني يوم بدر قواكم بالملائكة، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأنفال: ٢٦] أحل لكم الغنائم ولم تحل لأحد قبلكم، والمعنى: قابلوا حالكم التي أنتم عليها الآن بتلك الحالة المتقدمة ليتبين لكم موضع النعمة وتشكروا عليه، وهو قوله: لعلكم تشكرون ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٧﴾ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٢٨﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿٢٩﴾﴾ [الأنفال: ٢٧-٢٩] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] نزلت الآية في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله ﷺ إلى قريظة لما حاصرهم وكان أهله وولده فيهم، فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى لنا؟ أننزل على حكم سعد فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه، أي: إنه الذبح فلا تفعلوا، فكانت تلك منه خيانة لله ورسوله، قال أبو لبابة: ما زالت قدماي من مكاني حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله.
وقوله: وتخونوا أماناتكم عطف على النهي، المعنى: ولا تخونوا أماناتكم، قال ابن عباس في رواية الوالبي: الأمانات: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد.
يقول: لا تنقصوها.
يقول الكلبي: أما خيانة الله ورسوله فمعصيتهما، وأما خيانة الأمانة فكل أحد مؤتمن على ما افترض الله عليه، إن شاء خانها وإن شاء أداها، لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى.
وقوله: وأنتم
[ ٢ / ٤٥٣ ]
تعلمون أي: تعلمون أنها أمانة من غير شبهة، وقال صاحب النظم: وأنتم تعلمون أن ما فعلتم من الإشارة إلى الخلق خيانة لله ورسوله.
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] أي: محنة يظهر بها ما في النفس من اتباع الهوى أو تجنبه، وكان لأبي لبابة مال وولد وأهل في قريظة، لذلك مال إليهم في إطلاعهم على أن حكم سعد فيهم القتل، وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] قال ابن عباس: يريد: لمن نصح لله ولرسوله وأدى أمانته، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] إن تتقوه باجتناب المعاصي ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم بنصره إياكم عليهم.
وهذا قول مقاتل، وقال عكرمة، والسدي: فرقانا نجاة، يعني: أن الله يفرق بينكم وبين من تخافون، فتنجون.
والفرقان مصدر لفرق، ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩] يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] أي: أنه يملك الفضل العظيم فاكتفوا بالطلب من عنده دون غيره.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: إن مشركي قريش تآمروا في دار الندوة في المكر بالنبي ﷺ، فقال بعضهم: قيدوه نتربص به ريب المنون.
وقال بعضهم: أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه.
وقال أبو جهل: ما هذا برأي ولكن اقتلوه بأن يجتمع عليه من كل بطن رجل، فيضربون بأسيافهم ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلها، فيرضون بأخذ الدية، فأوحى الله ﷿ إلى نبيه ﷺ بذلك وأمره بالخروج إلى المدينة، فخرج إلى الغار، فذلك قوله: ليثبتوك أي: ليوثقوك ويشدوك وكل من شُدَّ فقد أُثبت لأنه لا يقدر على الحركة في الذهاب والمجيء، وقال السدي: ليحبسوك في بيت.
أو يقتلوك كما قال اللعين أبو جهل، أو يخرجوك من مكة إلى طرف من أطراف الأرض، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] قال الزجاج: ومكر الله بهم إنما هو مجازاة ونصر للمؤمنين.
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]: لأنه أهلك هؤلاء الذين دبروا لنبيه الكيد، وخلصه منهم، وذكرنا معنى هذا عند قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] الآية.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١] قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ [الأنفال: ٣١] الآية: قال المفسرون: كان النضر بن الحارث خرج إلى الحيرة تاجرا، فاشترى أحاديث كليلة ودمنة، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم فيقرأ عليهم، فلما قص رسول الله ﷺ شأن القرون الماضية، قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا، إن هذا إلا ما سطر الأولون في كتبهم.
فذمهم الله تعالى بدفعهم الحق كذبا وافتراء، وإدعائهم الباطل بعد ما أبان التحدي إفكهم، وأنهم عجزوا عن إتيان ﴿[مثله، وذكرنا معنى الأساطير في سورة الأنعام.
] وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣٢﴾ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿٣٣﴾ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿٣٤﴾ وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿٣٥﴾﴾ [سورة الأنفال: ٣٢-٣٥] وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية: قال النضر بن الحارث: اللهم إن كان هذا الذي يقوله محمد حقا من عندك ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] كما أمطرتها على قوم لوط، ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] أي: ببعض ما عذبت به الأمم.
وإنما قالوا هذا لشبهة تمكنت من نفوسهم، ولو عرفوا بطلان ما هم عليه ما قالوا مثل هذا القول مع علمهم بأن الله قادر على ذلك، فطلبوا إمطار الحجارة من السماء إعلاما أنهم في غاية الثقة في أن أمر محمد ليس بحق، وإذا لم يكن حقا لم يصبهم هذا البلاء الذي طلبوه من عند أنفسهم، لأنهم شرطوا كونه حقا.
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، أنا عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أنا الحسن بن
[ ٢ / ٤٥٥ ]
محمد بن إسحاق، نا محمد بن زكريا الغلابي، نا العباس بن بكار، نا عامر بن عبد الله، عن أبي الزناد، قال: قال معاوية لرجل من أهل اليمن: أجهل قومك حيث قالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]، وحيث ملكوا أمرهم امرأة؟ ! فقال: أجهل من قومي قومك، حيث قالوا حين دعاهم النبي ﷺ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ
[ ٢ / ٤٥٦ ]
السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ألا قالوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له؟ ! وجميع المفسرين على أن هذا من قول النضر بن الحارث، وروي في الصحيحين أن هذا من قول أبي جهل لعنه الله.
٣٨٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاكِمِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، نا أَبِي، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَنَزَلَتْ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ
قال المفسرون: ما كان الله ليعذب هؤلاء المشركين وأنت فيهم مقيم بين أظهرهم.
قال ابن عباس: لم تعذب قرية حتى يخرج النبي منها والذين آمنوا ويلحق بحيث أمر.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفيهم المؤمنون يستغفرون، قال ابن عباس: وهم يستغفرون يعني المؤمنين.
قال ابن الأنباري: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] والمؤمنون بين أظهرهم يستغفرون، فأوقع العموم على الخصوص ووصفوا بصفة بعضهم.
وقال ابن عباس في رواية الوالبي، وعطاء: وهم يستغفرون أي: وفيهم من قد سبق لهم من الله الدخول في الإيمان.
يريد: أن كان معهم قوم كان في علم الله أن يسلموا، منهم: أبو سفيان بن حرب أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، والحارث بن هشام، وحكيم بن حزام، وهذا القول اختيار الزجاج قال: وما كان الله معذبهم وفيهم من يئول أمره
[ ٢ / ٤٥٧ ]
إلى الإسلام، والمراد بالتعذيب في هذه الآية تعذيب الاستئصال، ثم ذكر المشركين خاصة وأنه معذبهم بالسيف غير عذاب الاستئصال، فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] أي: لم لا يعذبهم الله بالسيف، ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: ٣٤] يعني: المؤمنين يمنعونهم أن يطوفوا بالبيت، ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] قال الحسن: إن المشركين قالوا: نحن أولياء المسجد الحرام.
فرد الله عليهم وقال: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ليس أولياء المسجد إلا المتقين الكفرَ والشركَ والفواحشَ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ذلك.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] المكاء: الصفير، يقال: مكا يمكو مكوا ومكاء.
إذا جمع يديه ثم صفر فيهما، والتصدية: التصفيق وهو ضرب اليد على اليد، قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون.
فقال الزجاج: أعلم الله أنهم كانوا مع صدهم أولياء المسجد الحرام وكان تقربهم إلى الله بالصفير والتصفيق.
قال ابن الأنباري: المكاء والتصدية ليسا بصلاة، ولكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها المكاء والتصدية، فألزمهم ذلك أعظم الأوزار.
وقوله: فذوقوا العذاب يعني: عذاب السيف يوم بدر، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٥] تجحدون توحيد الله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴿٣٦﴾ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٣٧﴾﴾ [الأنفال: ٣٦-٣٧] قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦] الآية، قال مقاتل، والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا: أبو جهل بن هشام، وأخوه الحارث بن هشام، والنضر بن الحارث، وحكيم بن حزام، وأبي بن خلف، وعتبة،
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وشيبة ابنا ربيعة، ومنبه، ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، والعباس بن عبد المطلب.
قوله: ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦] أي: ليمنعوا الناس عن الإيمان بتوهين الدين والطعن في الإسلام، ثم أخبر بباقي الآية أن عاقبة إنفاقهم الحسرة، وكونهم مغلوبين، والحشر إلى النار، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴿٣٦﴾ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٦-٣٧] أي: إنما يحشرون إليها ليميز بين الكافر والمؤمن بأن يجعل الكفار في جهنم، وهو قوله: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٣٧] يعني: في جهنم يضيقها عليهم، فيركمه جميعا الركم جمعك شيئا فوق شيء حتى يصير مركوما ركاما كالرمل والسحاب، أي: يجمع الخبيث حتى يصير كالسحاب المركوم، وهو أن بعضهم يكون فوق بعض في النار مجتمعين فيها، وهو قوله: ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧] لأنهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ﴿٣٨﴾ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٣٩﴾ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴿٤٠﴾﴾ [الأنفال: ٣٨-٤٠] قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٨] يعني: أبا سفيان وأصحابه: إن ينتهوا عن تكذيب محمد وقتاله والشرك بالله، ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] تقدم منهم من الزنا والربا والشرك والقتل، وإذا أسلم الكافر الحربي كان كيوم ولدته أمه لا ذنب له، قال يحيى بن معاذ في هذه الآية: إن توحيدا لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر أرجو أن لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب.
وإن يعودوا لقتالك، ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] بنصر الله رسله ومن آمن على من كفر.
وقاتلوهم يقول: قاتلوا كفار مكة، ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] شرك بالله وكفر، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] ويكون الدين خالصا لله وليس فيه شرك بالله تعالى، يعني في جزيرة العرب لا يعبد غير الله، فإن انتهوا عن الشرك والقتال، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] عالم بأعمالهم يجازيهم مجازاة البصير.
وإن تولوا عن الإيمان وأبوا أن يدعوا الشرك، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٠] ناصركم، وهذا تطييب لنفوس المؤمنين عند إعراض الكافرين بأن العاقبة لهم لأن الله ناصرهم ومعينهم، وهو قوله: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠] ﴿
[ ٢ / ٤٥٩ ]
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٤١﴾ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٤٢﴾ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٤٣﴾ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴿٤٤﴾﴾ [الأنفال: ٤١-٤٤] قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] أي: أخذتموه من أموال المشركين قسرا، ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] هذا افتتاح كلام لأن الأشياء كلها لله، وقوله: وللرسول كان لرسول الله ﷺ خمس الخمس من الغنيمة يصنع فيها ما شاء، وأما اليوم فإنه يصرف إلى مصالح المسلمين والأهم السلاح والكراع، وقوله: ولذي القربى هم: بنو هاشم وبنو المطلب خاصة دون سائر قريش، يقسم بينهم خمس الخمس حيث كانوا: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وهم الذين حرمت عليهم الصدقة المفروضة، قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى أغناكم عن أوساخ الناس بهذا الخمس» .
٣٨٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أنا الرَّبِيعُ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا مُطَرِّفُ بْنُ
[ ٢ / ٤٦٠ ]
مَازِنٍ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَوِي الْقُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، أَتَيْنَاهُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلاءِ إِخْوَانُنَا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِمَكَانِكَ الَّذِي وَضَعَكَ اللَّهُ فِيهِمْ أَرَأَيْتَ إِخْوَانَنَا مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا، وَإِنَّمَا قُرُبَاتُهُمْ وَقُرُبَاتُنَا وَاحِدَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ، وَإِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ»
قوله: واليتامى هم أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم، والمساكين قال ابن عباس: يريد: المحتاجين وهم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين.
وابن السبيل المنقطع في سفره فلا يُترك صنف من هذه الأصناف بغير حظ في قسمة الخمس، ويجوز تفضيل بعضهم على بعض بمقدار الحاجة، هذا الذي ذكرناه كيفية قسمة الخمس من الغنيمة وهي المذكورة في القرآن، والباقي في أربعة أخماس، وهي للغانمين الذين باشروا القتال: للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم عند الشافعي، وعند أبي حنيفة للفارس سهمان وللراجل سهم.
٣٨٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الذُّهْلِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أنا
[ ٢ / ٤٦١ ]
خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بُلْقِينَ، عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِوَادِي الْقُرَى، قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْمَالِ؟ قَالَ: " لِلَّهِ خُمُسُهُ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِهَؤُلاءِ يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: فَهَلْ أَحَدٌ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لا وَلَوِ انْتَزَعْتَ سَهْمًا مِنْ جَنْبِكَ لَمْ تَكُنْ بِهِ أَحَقَّ مِنْ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ "
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤١] قال الزجاج: المعنى: اعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول يأمر أن فيه ما يريد، ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤١]، أي: فاقبلوا ما أمرتم في الغنيمة إن كنتم آمنتم بالله يعني قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، لأن هذا نزل عليه يوم بدر حين اختلفوا في الغنائم، وإذا آمنوا بهذا صدروا في أمر الغنيمة عن أمر رسول الله ﷺ، وإذا صدروا عن أمره عملوا فيها بموجب هذه الآية.
وقوله: يوم الفرقان قال الوالبي عن ابن عباس: يعني: يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل، وهو: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] حزب الله وحزب الشيطان.
أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد، أنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه، نا أحمد بن الحسين الجنيد، نا زياد بن أيوب، نا هشيم، نا إسماعيل بن سالم، سمعت الشعبي، يقول: ليلة سبع عشرة من رمضان ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١] قال ابن عباس: قدير على نصركم وأنتم أقلة أذلة.
وقوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٤٢] قال ابن السكيت: عدوة الوادي، وعدوته جانبه، والجمع عدى وعدى، والدنيا تأنيث الأدنى، وضدها
[ ٢ / ٤٦٢ ]
القصوى وهي تأنيث الأقصى، وما كان من النعوت على فعلي من بنات الواو فإن العرب تحوله إلى الياء، نحو الدنيا من دنوت، والعليا من علوت لأنهم يستثقلون الواو مع ضم الأول، وليس في هذا اختلاف إلا أن أهل الحجاز قالوا: القصوى فأظهروا الواو، وهو نادر وغيرهم يقولون القصيا، قال المفسرون: إذ أنتم نزول بشفير الوادي الأدنى في المدينة، وعدوكم نزول بشفير الوادي الأقصى إلى مكة، وكان الجمعان قد نزلا الوادي الذي ببدر على هذه الصفة.
والركب جمع راكب يعني: العير، أبا سفيان وأصحابه، أسفل منكم في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر، ولو تواعدتم للقتال، ﴿لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال: ٤٢] لكثرتهم وقلتكم، ولكن جمعكم الله من غير ميعاد، ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا﴾ [الأنفال: ٤٢] أي: في علمه وحكمه، وهو أنه أراد أن يعز الإسلام وأهله ويذل الشرك وأهله.
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] أكثر أهل العلم على أن المراد بالهلاك ههنا الكفر والضلال، وبالحياة الاهتداء والدين، والمعنى: ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه فقطعت عذره، ويؤمن من آمن على مثل ذلك، وهو قوله: ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ [الأنفال: ٤٢] لدعائكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢] بنياتكم.
قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا﴾ [الأنفال: ٤٣] أي: في عينك التي هي موضع النوم، قال ابن عباس: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا﴾ [الأنفال: ٤٣] أي: لتحتكرهم وتجترئ عليهم، ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٣] لجبنتم وتأخرتم عن حربهم، ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [الأنفال: ٤٣] اختلفتم فيما بينكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ [الأنفال: ٤٣] سلمكم من المخالفة والفشل، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] قال ابن عباس: علم ما في صدوركم من الحب لله.
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا﴾ [الأنفال: ٤٤] قال مقاتل: لما التقوا قلل الله المشركين في أعين المسلمين.
قال ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا ببدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، وأسرنا رجلا، فقلنا: كم أنتم؟ قال: ألف.
وقوله: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] قال ابن عباس: ليجترئوا عليكم بالقتال ولا تنهزموا.
وقال الكلبي: استقل المؤمنون المشركين ليجترئ يعضهم على بعض.
﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا﴾ [الأنفال: ٤٤] من نصر المسلمين على المشركين، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٤] قال ابن عباس: وبعد هذا مصيركم إلي، فأكرم أوليائي وأعاقب أعدائي.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٤٥﴾ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٤٦﴾ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ
[ ٢ / ٤٦٣ ]
خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿٤٧﴾ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٤٨﴾ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٤٩﴾﴾ [الأنفال: ٤٥-٤٩] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] قال الكلبي: إذا لقيتم جماعة العدو فاثبتوا لعدوكم.
واذكروا الله قال قتادة: أمر الله بذكره، وهم أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيف.
وقال غيره: أراد بالذكر ههنا الدعاء بالنصر والظفر.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٤٦] فيما يأمركم به، ولا تنازعوا لا تختلفوا فيما بينكم، فتفشلوا فتجبنوا عن عدوكم، وتذهب ريحكم جلدكم وجدكم، وقال مجاهد: نصرتكم.
وقال السدي: جرأتكم، وقال الأخفش: دولتكم.
والريح ههنا: كناية عن نفاذ الأمر وجريانه على المراد، والعرب تقول: هبت ريح فلان.
إذا أقبل أمره على ما يريد، وركدت ريحه.
إذا أدبر أمره، وقال ابن زيد، وقتادة: يعني: ريح النصر، لم يكن نصر قط إلا ريح يبعثها الله يضرب بها وجوه العدو، ومنه قوله ﷺ: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» .
قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا﴾ [الأنفال: ٤٧] الآية: قال جماعة المفسرين: يعني: قريشا خرجوا من مكة ليحموا غيرهم، فخرجوا معهم القيان والمعازف يشربون الخمور وتعزف عليهم القيان، فذلك قوله: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧] قال الزجاج: البطر: الطغيان في النعمة وترك شكرها، والرياء: إظهار الجميل ليرى مع إبطان القبيح، يقال: راءى يرائي رياء ومراءاة، قال قتادة: هؤلاء
[ ٢ / ٤٦٤ ]
أهل مكة خرجوا ولهم بغي وفخر، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم إن قريشا أقبلت بفخرها وخيلائها لتحادك ورسولك» .
فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النية والحسبة في نصرة الدين، وقوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧] أي: بمعاداة المسلمين، وتكذيب الداعي إليها، قال ابن عباس: يضلون عن دين الله.
﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: ٤٧] أي: أنه عالم بما يعملون فهو يجازيهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] قال الكلبي: يعني مسيرهم إلى بدر، ﴿وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٨] وذلك أنهم لما أجمعوا السير خافوا بني كنانة لأنهم كانوا يطلبونهم بدم، فأتاهم إبليس في صورة سراقة بن مالك الكناني، وقال: أنا جار لكم على بني كنانة، وذلك قوله: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] أي: حافظ لكم منهم فلا يصل إليكم من جهتهم مكروه، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ [الأنفال: ٤٨] التقى الجمعان من المسلمين والمشركين، وصارتا بحيث رأى أحدهما الآخر، رأى إبليس جبريل ينزل ومعه الملائكة، فولى مدبرا، وهو قوله: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨] يقال: نكص ينكص نكوصا.
إذا تأخر عن الشيء وجبن، قال ابن عباس: رجع موليا.
وقال ابن قتيبة: رجع القهقرى.
وقال الكلبي: كان إبليس لعنه الله في صف المشركين على صورة سراقة آخذا بيد الحارث بن هشام، فرأى الملائكة حين نزلت من السماء فنكص على عقبيه، فقال له الحارث: يا سراقة أفرارا من غير قتال؟ فقال له: يا حارث، ﴿إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]، ودفع في صدر الحارث، وانطلق وانهزم الناس.
قال قتادة: صدق عدو الله في قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]، وكذب في قوله: ﴿إِنِّي
[ ٢ / ٤٦٥ ]
أَخَافُ اللَّهَ﴾ [الأنفال: ٤٨]، والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له، فأوردهم وأسلمهم، وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه.
وقال عطاء: إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك.
قوله ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ [الأنفال: ٤٩] قال ابن عباس: من الأوس والخزرج وأهل المدينة.
﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأنفال: ٤٩] قوم من قريش كانوا قد أسلموا ولم يهاجروا، فخرجوا مع من خرج من مكة لقتال رسول الله ﷺ، وقالوا: إن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، فلما رأوا قلة عدد المسلمين، قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩] إذ خرجوا مع قلة عددهم لحرب قريش مع كثرتهم، ولا يشكون في أن قريشا تغلبهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩] أي: ومن يسلم أمره إلى الله ويثق به وبقضائه فإن الله قوي عزيز، يفعل بأعدائه ما شاء، حكيم في خلقه.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿٥٠﴾ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴿٥١﴾ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٥٢﴾ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٥٣﴾ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ ﴿٥٤﴾﴾ [الأنفال: ٥٠-٥٤] قوله: ولو ترى يا محمد، ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠] يعني الذين قتلوا ببدر، يضربون وجوههم إذا أقبلوا على المسلمين، وأدبارهم إذا ولوا، وذوقوا ويقولون لهم ذوقوا عذاب الحريق: قال ابن عباس: يقولون لهم ذلك بعد الموت.
وقال الحسن: كان مع الملائكة مقامع كلما ضربوا التهبت النار في الجراحات، فذلك قوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿٥٠﴾ ذَلِكَ﴾ [الأنفال: ٥٠-٥١] أي: ذلك العذاب الذي وقع بكم، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٥١] بما كسبتم وجنيتم من قبائح أعمالكم، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥١] لا يظلم عباده بعقوبتهم على كفرهم، وإن كان كفرهم مخلوقا له، لأن له أن يتصرف في مملوكه كما شاء فيستحيل نسبة الظلم إليه.
قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأنفال: ٥٢] قال الزجاج: معناه: عادة هؤلاء في كفرهم كعادة آل فرعون في كفرهم.
قال ابن عباس: هو أن آل فرعون أيقنوا أن موسى نبي من الله فكذبوه، كذلك هؤلاء جاءهم محمد بالصدق والدين فكذبوه، وجحدوا نبوته، فأنزل الله بهم عقوبته كما أنزل بآل فرعون.
وذلك قوله: ﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ [الأنفال: ٥٢] قادر لا يغلبه شيء، شديد العقاب لمن كفر به وكذب رسله، قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ [الأنفال: ٥٣] أي: ذلك الأخذ والعقاب لأن الله لا يغير ما أنعم به على قوم لو لم يغيروا هم بالكفران وترك الشكر، فإذا غيروا هم غيّر اللهُ ما بهم فسلبهم النعمة وأخذهم بالعقاب، قال السدي:
[ ٢ / ٤٦٦ ]
والنعمة التي أنعم الله عليهم محمد ﷺ، أنعم الله به على قريش فكفروا به وكذبوه، فنقله إلى الأنصار كدأب أي: كصنيع آل فرعون كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ، يعني: أهل مكة كذبوا بمحمد ﷺ والقرآن، كما كذبوا هم بموسى ﵊ والتوراة، فأهلكناهم بذنوبهم يعني أهل مكة، أهلكهم الله ببدر، ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [الأنفال: ٥٤] ذكر عقوبة الفريقين لما شبه فعل أحدهما بفعل الآخر، وكل من الفريقين، كانوا ظالمين، ثم ذكر اليهود.
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿٥٥﴾ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ﴿٥٦﴾ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿٥٧﴾ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴿٥٨﴾ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ﴿٥٩﴾ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴿٦٠﴾ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٦١﴾ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴿٦٢﴾ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٦٣﴾﴾ [الأنفال: ٥٥-٦٣] فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٥٥] أراد بالدواب الإنس خاصة، كأنه قال: إن شر الناس عند الله الذين كفروا قال مقاتل: يعني يهود قريظة منهم: كعب بن الأشرف وأصحابه، وهم الذين قال الله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٦] أي: من اليهود، ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ [الأنفال: ٥٦] أي: كلما عاهدتهم نقضوا العهد ولم يفوا به، ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦] نقض العهد.
﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ [الأنفال: ٥٧] قال الليث: يقال: ثقفنا فلانا في موضع كذا.
أي أخذناه.
قال الزجاج: ومعناه الإدراك بسرعة.
قال الكلبي: أي: أسرتهم في الحرب.
وقال مقاتل: إن أدركتهم في القتال وأسرتهم.
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] التشريد: التنفير والتفريق، والمعنى: فرق بهم جمع كل ناقض، أي: افعل بهم فعلا من القتل والتنكيل يفرق عنك من خلفهم من أهل مكة، وأهل اليمن، قال ابن عباس: نكل بهم تنكيلا، يشرد غيرهم من ناقضي العهد.
لعلهم يذكرون النكال فلا ينقضون العهد، والتأويل: فشرد بقتلهم والاتكاء فيهم مَن بعدهم يكن ذلك تخويفا لهم من نقض العهد فلا ينقضوا.
قوله: وإما تخافن قال ابن عباس: تعلمن.
﴿مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨] نقضا للعهد، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨] انبذ عهودهم التي عاهدتهم عليها إليهم، يقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد، فخفت منهم خيانة ونقضا، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم ليكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء، فلا يتوهموا أنك نقضت العهد
[ ٢ / ٤٦٧ ]
بنصب الحرب، وهذا معنى قوله: ﴿عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] الذين يخونون في عهودهم وغيرها.
قوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ [الأنفال: ٥٩] قال ابن الأنباري: معنى الآية أن أولئك الذين انهزموا يوم بدر، أشفقوا من هلكة تنزل بهم، فلما لم تنزل طغوا وبغوا، فقال الله: لا تحسبن أنهم سبقوا بسلامتهم الآن، فإنهم لا يعجزوننا فيما يستقبل من الأوقات، ومن قرأ لا يحسبن بالياء، فقال الأخفش: ولا يحسبن النبي الذين كفروا سبقوا.
وقرأ ابن عامر: أنهم بفتح الألف على تقدير: لا تحسبنهم سبقوا لأنهم لا يفوتون.
قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] كل ما يتقوى به على حرب العدو من آلة الجهاد فهو مما عنى الله بقوله: من قوة والمفسرون يقولون: يعني السلاح من السيف والرماح والقسي والنشاب.
٣٩٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُطَوَّعِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، نا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ
قوله: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] يعني: ربطها واقتناءها للغزو، وهي من أقوى عدد الجهاد، ترهبون به تخيفون به، ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] يعني: مشركي مكة وكفار العرب ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] قال مجاهد، ومقاتل: يعني قريظة.
قال السدي: هم فارس،
[ ٢ / ٤٦٨ ]
وقال الحسن، وابن زيد: هم المنافقون لا تعلمونهم لأنهم معكم يقولون: لا إله إلا الله.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٠] من آلة وسلاح وصفراء وبيضاء في طاعة الله، يوف إليكم يوفر لكم أجره، ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠] لا تنقصون من الثواب.
قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] قال المفسرون: إن مالوا إلى الصلح فمل إليه.
قال الكلبي: يعني قريظة.
وقال الحسن: يعني المشركين.
وأكثر المفسرين على أن هذا منسوخ بآية السيف، قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] أي: ثق به، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ [الأنفال: ٦١] لقولكم، ﴿الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] بما في قلوبكم.
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ [الأنفال: ٦٢] بالصلح لتكف عنهم، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٢] فإن الذي يتولى كفايتك الله، ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٦٢] يوم بدر، وبالمؤمنين يعني الأنصار، ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] يعني بين قلوب الأوس والخزرج، وهم الأنصار، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] للعداوة التي كانت بينهم في الجاهلية، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] لأن قلوبهم بيده يؤلفها كيف يشاء، قال الزجاج: وهذا من الآيات العظام، وذلك أن النبي ﷺ بعث إلى قوم أنفتهم شديدة، ونصرة بعضهم لبعض بحيث لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه قبيلته حتى يدركوا ثأره، فألف الإيمان بين قلوبهم حتى قتل الرجل أخاه وابنه وأباه.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤] أي: في كفاية كل ما تحتاج إليه، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] يعني المهاجرين والأنصار.
٣٩١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الأَصْبَهَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، نا صَفْوَانُ بْنُ الْمُغَلِّسِ، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، نا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرَّمَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،
[ ٢ / ٤٦٩ ]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَةٌ وَثَلاثُونَ رَجُلا وَامْرَأَةً، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ أَسْلَمَ فَصَارُوا أَرْبَعِينَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٦٤﴾ يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴿٦٥﴾ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٦٦﴾﴾ [الأنفال: ٦٤-٦٦]
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] قال الفراء: المعنى: يكفيك الله ويكفي من اتبعك من المؤمنين.
قال: وإن شئت جعلت من في موضع رفع وهو أحب إلي.
قال الزجاج: ومن رفع فعلى العطف على الله، والمعنى: فإن حسبك الله وأتباعك من المؤمنين.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] التحريض: الحث على الشيء، قال ابن عباس: حضهم على نصر دين الله، ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] يريد الرجل من المسلمين بعشرة من الكفار في القتال، ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٥] أيها المؤمنون مئة رجل ﴿يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٦٥] قرئ يكن بالياء، والتاء: فمن قرأ بالياء فلأنه يراد بالمائة المذكر لأنهم رجال في المعنى، يدل على ذلك قوله: يغلبوا، ومن قرأ بالتاء فللتأنيث في لفظ المائة، وكان أبو عمرو يقرأ هذا، قوله: فإن يكن منكم مائة صابرة بالتاء لأن التأنيث ههنا أشد مبالغة، حيث وصفت المائة بالصابرة، ولم يقل: صابرون.
وهناك قال: يغلبوا فكان إلى التذكير أقرب، وقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] أي: أن المشركين يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب، فلا يثبتون إذا صدقتموهم القتال لأنهم يقاتلون على جهالة، قال الوالبي، عن ابن عباس: أمر الله الرجل من المؤمنين أن يقاتل عشرة من الكفار، فشق ذلك عليهم فرحمهم وأنزل: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] .
قال الكلبي: هون الله عليكم وعلم أن فيكم ضعفا، وقرئ: ضُعْفًا وهما لغتان مثل الفقر والفُقْر، ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] قال ابن عباس: صار الرجل برجلين، كان كتب عليهم ألا يفر رجل من عشرة، ثم قال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] وكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين.
وقوله: بإذن الله بيان أن لا تقع الغلبة، إلا أن يريد الله ذلك، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦] قال ابن عباس: يريد الذين صبروا على دينهم وعلى طاعة الله.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٦٧﴾ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٦٨﴾ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٦٩﴾﴾ [الأنفال: ٦٧-٦٩] قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] الآية:
٣٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاوُسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالأَسْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلاءِ الأَسْرَى؟» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمُكَ وَأَصْلُكَ فَاسْتَبْقِهِمْ وَاسْتَأْنِ بِهِمْ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ عُمَرُ: كَذَّبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ بِدَمِهِمْ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْظُرْ وَادِيًا كَثِيرَ الْحَطَبِ فَأَدْخِلْهُمْ فِيهِ ثُمَّ أَضْرِمْ عَلَيْهِمْ نَارًا، وَقَالَ الْعَبَّاسُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُجِبْهُمْ ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَيُلِينُ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ عِيسَى قَالَ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا عُمَرُ كَمَثَلِ مُوسَى، قَالَ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ، وَمَثَلُكَ يَا عُمَرُ كَمَثَلِ نُوحٍ، قال ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنْتُمُ الْيَوْمَ عَالَةٌ، أَنْتُمُ الْيَوْمَ عَالَةٌ، فَلا يُمْتَلَكَنَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبِ عُنُقٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إِلَى آخِرِ الآيَاتِ الثَّلاثِ
٣٩٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا أَبُو نُوحٍ قُرَادٌ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، نا سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ أَبُو زُمَيْلٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَؤُلاءِ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ وَالإِخْوَانِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمُ الْفِدْيَةَ، فَيَكُونُ مَا أَخَذْنَا مِنْهُمْ قُوَّةً لَنَا عَلَى الْكُفَّارِ، وَعَسَى أَنْ يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ فَيَكُونُوا لَنَا عَضُدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟» قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَرَى مَا رَأَى أَبُو بَكْرٍ وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَنِي مِنْ فُلانٍ قَرِيبٍ لِعُمَرَ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَ حَمْزَةَ مِنْ فُلانٍ أَخِيهِ فَيَضْرِبَ
[ ٢ / ٤٧١ ]
عُنُقَهُ حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُلُوبِنَا هَوَادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، هَؤُلاءِ صَنَادِيدُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ، فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قَالَ عُمَرُ، فَأَخَذَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَإِذَا هُمَا يَبْكِيَانِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا يُبْكِيكَ وَصَاحِبَكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَبْكِي لِلَّذِي عُرِضَ عَلَى أَصْحَابِكَ مِنَ الْفِدَاءِ لَقَدْ عُرِضَ عَلَى عَذَابِكُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى إِلَى قَوْلِهِ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عِكْرِمَةَ
قال المفسرون: يقول: ما كان لنبي أن يحبس كافرا قدر عليه من عبدة الأوثان للفداء وللمن قبل الإثخان في الأرض.
قال قتادة: كان هذا يوم بدر، فاداهم رسول الله بأربعة آلاف، ولعمري، ما كان أثخن رسول الله ﷺ يومئذ، وكان أول قتال قاتل المشركين، ومعنى: ﴿يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] قال الزجاج: يبالغ في قتل أعدائه.
وقال الفراء: حتى يغلب على كثير من الأرض.
وقال ابن الأعرابي: أثخن إذا غلب وقهر.
﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧] تريدون الفداء، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] قال ابن عباس: يريد لكم الجنة.
﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] أن الغنائم لك ولأمتك حلال، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] من الفداء، عذاب عظيم.
هذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، ورواية الوالبي، وأبي الجوزاء عن ابن عباس، وقال الحسن: إنهم أخذوا الفداء قبل أن يؤمروا به فعاب الله ذلك عليهم.
وقال محمد بن إسحاق: لولا كتاب من الله سبق أني لا أعذب إلا بعد النهي، ولم يكن نهاهم، لعذبتكم.
وهذا قول ابن مسعود، ومجاهد، وقال ابن زيد، وجماعة: سبق من الله العفو عنهم وألا يعذب أحدا منهم شهد بدرا، ولم يكن أحد من المؤمنين ممن حضر إلا أحب الغنائم غير عمر جعل لا يلقى أسيرا إلا ضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: «لو عذبنا في هذا الأمر ما نجا غير عمر» .
[ ٢ / ٤٧٢ ]
وقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: «لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر» .
وقال مجاهد: قال النبي ﷺ لعمر: «كاد أن يصيبنا في خلافك بلاء» .
ولما نزل هذا أمسكوا أيديهم عن الغنائم، فنزل قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٩] قال ابن عباس: غفر لكم ما أخذتم من الفداء، ورحمكم لأنكم أولياؤه.
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٧٠﴾ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٧١﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٧٢﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴿٧٣﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٧٤﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٧٥﴾﴾ [الأنفال: ٧٠-٧٥] قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال: ٧٠] صدقا وإسلاما، ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] من الفداء، نزلت في العباس، وكان أسر يوم بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب كان خرج بها ليطعم الناس، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا طعام أهل بدر، ولم يكن بلغتْه النَّوْبَةُ حتى أُسر، فأُخذتْ معه، فأخذها رسول الله ﷺ منه، قال: فكلمتُهُ أن يجعل ذلك في فدائي، فأبى علي، وقال: «أما شيء خرجت به تستعين به علينا فلا»، قال: فأعطاني الله خيرا مما أخذ مني، عشرين عبدا كلهم يضرب بمال كثير، وأدناهم يضرب عشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، وأنا أرجو المغفرة من ربي.
وهو قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠] .
قوله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ [الأنفال: ٧١] الآية: نزلت في العباس وأصحابه من الأسارى، قال ابن جريج: أراد بالخيانة ههنا الخيانة في الدين وهو الكفر، يعني: إن كفروا بك، ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنفال: ٧١] أي: كفروا بالله، فأمكن منهم المؤمنين ببدر حتى قتلوهم وأسروهم، وهذا تهديد لهم إن عادوا إلى القتال ومعاداة المؤمنين، والله عليم بخيانة إن خانوها، حكيم في تدبيره عليهم ومجازاتهم أياهم.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٢] يعني: المهاجرين الذين هجروا ديارهم وأموالهم
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وقومهم في نصرة الدين، ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] يعني: الأنصار أسكنوا المهاجرين ديارهم ونصروهم على أعدائهم، ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] قال المفسرون: يعني في الميراث كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث قريبه المهاجر، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقرئ من ولايتهم بكسر الواو وفتحه، وهما لغتان من الولي والوالي كالوكالة والوكالة وبابهما، والفتح أجود لأنه أكثر في الدين، والكسر في السلطان، قال ابن الأنباري: كان الله تعالى تعبدهم في أول الهجرة بأن لا يرث المسلمين المهاجرين إخوانُهم الذين لم يهاجروا، ولا يرثون هم أخوانهم، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] .
وقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأنفال: ٧٢] أي: وإن استنصركم المؤمنون الذين لم يهاجروا فلا تخذلوهم، وانصروهم، إلا أن يستنصروكم ﴿عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢] عهد فلا تغدروا ولا تنقضوا العهد.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] حض الله المؤمنين على التواصل فجعل المهاجرين والأنصار أهل ولايته في الدين دون من سواهم، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض، ثم قال: إلا تفعلوه قال ابن عباس: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم به.
وقال ابن جريج: يقول: إلا تعاونوا وتناصروا في الدين.
﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٧٣] يعني: الشرك، وفساد كبير وذلك أنه إذا لم يتول المؤمن المؤمن توليا يدعو غيره ممن لا يكون مؤمنا إلى مثل ذلك، ولم يتبرأ من الكافر بما يصرفه عن كفره، أدى ذلك إلى الضلال والفساد في الدين، فإذا هجر المسلم أقاربه الكفار، ونصر أقاربه المسلمين كان ذلك أدعى إلى الإسلام، وترك الكفر لأقاربه الكفار.
وقوله: والذين آمنوا، إلى قوله: ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٧٤] أي: هم الذين حققوا إيمانهم بما يقتضيه من الهجرة والنصرة خلاف من أقام بدار الشرك، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] قال ابن عباس: يريد: الذين هاجروا بعد الحديبية، وهي الهجرة الثانية.
وقوله: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] قال جماعة المفسرين: هذا نسخ للميراث بالهجرة، ورد للمواريث إلى أولي الأرحام، وذلك أنهم كانوا لا يتوارثون بالرحم، إنما يتوارثون بالهجرة، كان الأخوان إذا أسلما فهاجر أحدهما فمات لم يرثه الذي لم يهاجر حتى فتحت مكة فرد الله الميراث إلى أولي الأرحام.
روى عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ آخا بين أصحابه فكانوا يتوارثون بذلك حتى نزلت: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فتوارثوا بالنسب.
وقوله: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] قال الزجاج: في حكم الله.
ويجوز أن يعني بالكتاب ههنا القرآن، أي: هم في فرض كتاب الله أولى بأرحامهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] مما خلق وفرض وحدّ، عليم.
[ ٢ / ٤٧٤ ]