مكية وآياتها إحدى عشرة ومائة.
٥٣٤ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَقَّ قَلْبُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْوَالِدَيْنِ، أُعْطِيَ قِنْطَارَيْنِ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الأَجْرِ، وَالْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ، الأُوقِيَّةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] أي: البراءة له، والتنزيه عما ينفى عنه مما لا يليق به، قال ابن عباس: نزه نفسه.
٥٣٥ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ عَائِشَةَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ نَبِيَّ اللَّهِ، ﷺ، عَنْ تَفْسِيرِهِ سُورَةِ سُبْحَانَ؛ قَالَ: «تَنْزِيهُ اللَّهِ، ﷿، عَنْ كُلِّ سُوءٍ، نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ»
وقوله: أسرى بعبده قال الزجاج: معناه سير عبده يعني محمدا ﷺ ليلا.
قال مقاتل: كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة.
﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] قال الحسن، وقتادة: يعني نفس المسجد.
وقال عامة المفسرين: أسرى
[ ٣ / ٩٣ ]
برسول الله ﷺ من دار أم هانئ، وأراد بالمسجد الحرام مكة، ومكة الحرم كلها مساجد.
﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] يعني بيت المقدس، وقيل له الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام، ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] بالثمار والأنهار والأنبياء والصالحين، قال مجاهد: لأنه مقر الأنبياء، ومهبط الملائكة.
﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١] يعني ما رأى فِي تلك الليلة من العجائب التي أخبر بها الناس، والأخبار فِي قصة الإسراء كثيرة نقتصر منها على حديث أنس الذي أجمع الشيخان على صحته، وهو ما:
٥٣٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نا عُثْمَانُ، نا هَمَّامٌ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَنِيعِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، حَدَّثَهُ، عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ، وَرُبَّمَا قَالَ قَتَادَةُ: فِي الْحِجْرِ مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَدَّ، وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ: فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ، قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي: مَا يَعْنِي؟ قَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شَعْرَتِهِ، قَالَ: فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، وَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أُعِيدَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْجَارُودُ: أَهُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرَفِهِ، قَالَ: فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى بِيَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، ﷺ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفُتِحَ لَنَا، قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ، ﷺ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، ﷺ، قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفَتَحُوا لَنَا، وَقَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى عِيسَى وَيَحْيَى، ابْنَيِ الْخَالَةِ، فَقُلْتُ: يَا جِبرِيلُ، مَنْ هَذَانِ؟ قَالَ: عِيسَى وَيَحْيَى، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا، قَالا:
[ ٣ / ٩٤ ]
مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفَتَحُوا لَنَا، وَقَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ، ﷺ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، ﷺ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفَتَحُوا لَنَا، فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ، ﷺ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: إِدْرِيسُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، ﷺ، قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفُتِحَ لَنَا، وَقَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى هَارُونَ، ﷺ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا هَارُونُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، ﷺ، قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفُتِحَ لَنَا، وَقَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى، ﷺ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى، فَنُودِيَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ، هَذَا غُلامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِي، وَيَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، ﷺ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفُتِحَ لَنَا، وَقَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، ﷺ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ، أَوْ أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قَالَ: ثُمَّ رُفِعَتْ لَنَا سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَحَدَّثَ نَبِيُّ اللَّهِ، ﷺ: أَنَّ نَبَقَهَا مِثْلُ قِلالِ هَجَرٍ، وَأَنَّ وَرَقَهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، قَالَ: وَرَأَيْتُ أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ يَخْرُجْنَ مِنْ أَصْلِهَا.
قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الأَنْهَارُ؟ قَالَ: أَمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا النَّهْرَانِ الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ، قَالَ: وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا خَمْرٌ، وَالآخَرُ لَبَنٌ، فَعُرِضَا عَلَيَّ فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقِيلَ لِي: أَصَبْتَ أَصَابَ اللَّهُ بِكَ، أُمَّتُكَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَأُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلاةً كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى أَتَيْتُ مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قِلْتِ: بِخَمْسِينَ صَلاةً، فَقَالَ: إِنِّي بَلَوْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى مُوسَى، قَالَ، بِمَا أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: بِخَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ صَلاةً كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فَمَا زِلْتُ أَخْتَلِفُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى يَحُطُّ عَنِّي خَمْسًا حَتَّى رَجَعْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ فَقُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنِّي قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى لَقَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، قَالَ: فَنُودِيتُ: أَنْ قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْت عَنْ عِبَادِي، وَجَعَلْتُ كُلَّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، قَالَ: فَانْتَهَى حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إِلَى هَذَا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ هُدْبَةَ، عَنْ هَمَّامٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ كِلاهُمَا، عَنْ قَتَادَةَ
[ ٣ / ٩٥ ]
٥٣٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ أَيُّوبَ، نا الْمُفَضَّلُ بْنُ غَسَّانَ الْغَلابِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، نا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: " لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ، ﷺ، إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى أَصْبَحَ يُحَدِّثُ بِذَلِكَ النَّاسَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانَ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ بِهِ، وَفُتِنُوا بِذَلِكَ عَنْ دِينِهِمْ، وَسَعَى رِجَالٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، ﵁، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَقَالَ: أَوَقَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ: فَقَالَ: لَئِنْ كَانَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، قَالُوا: تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الشَّامِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ؛ أُصَدِّقُهُ فِي خَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ وَرَوْحَةٍ، قَالَتْ: فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ﵁
قوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا ﴿٢﴾ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴿٣﴾ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿٤﴾ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا ﴿٥﴾ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ﴿٦﴾ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴿٧﴾ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ﴿٨﴾﴾ [الإسراء: ٢-٨] ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الإسراء: ٢] ذكر الله فِي الآية الأولى إكرام محمد ﷺ بأن أسرى به، ثم ذكر أنه أكرم موسى أيضا قبله، فقال: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الإسراء: ٢] يعني التوراة، ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٢] دللناهم به على الهدى، ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا﴾ [الإسراء: ٢] وقرأ أبو عمرو بالياء، لأن المعنى: هديناهم لئلا يتخذوا من دوني وكيلا، ومن قرأ بالتاء فهو على الانصراف إلى الخطاب بعد الغيبة مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] قال الزجاج: أي لا تتوكلوا على غيري، ولا تتخذوا من دوني ربا.
قوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] قال مجاهد: هذا نداء، والناس كلهم ذرية نوح، لأن من حمل مع نوح فِي السفينة كانوا أبناءه وذريته.
ثم أثنى على نوح فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] قال المفسرون: كان نوح إذا أكل طعاما، أو
[ ٣ / ٩٦ ]
لبس ثوبا حمد الله، فسمي عبد شكورا.
قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] أعلمناهم وأوحينا إليهم فِي التوراة، ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٤] بالمعاصي وخلاف أحكام التوراة فِي الأرض، يعني أرض مصر، ﴿مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] لتتعظمن على الطاعة، ولتبلغن.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ [الإسراء: ٥] أولى المرتين، بعثنا عليكم خلينا بينكم وبينهم، عبادا لنا يعني جالوت وجنوده، ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] ذوي عدد وقوة فِي القتال، فجاسوا فطافوا وترددوا، خلال الديار والخلال: الانفراج بين الشيئين، قال الزجاج: طافوا خلال الديار ينظرون هل بقي أحد لم يقتلوه؟ قال: والجوس طلب الشيء باستقصاء.
﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا﴾ [الإسراء: ٥] قال قتادة: قضاء الله على القوم كما تسمعون.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٦] قال ابن عباس: وقتل داود جالوت، وعاد ملكهم كما كان.
والكرة معناها الرجعة والدولة، ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦] وأعطيناكم، وأكثرنا أموالكم وأولادكم، ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] عددا وأنصارا منهم، قال أبو عبيدة: النفير العدد من الرجال.
قوله: إن أحسنتم أي: وقلنا لهم إن أحسنتم، أحسنتم لأنفسكم قال ابن عباس: إن أطعتم الله، عفا عنك المساوئ.
وإن أسأتم بالفساد وعصيان الأنبياء، فلها قال: يريد فعلى أنفسكم يقع الوبال.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٧] وعد المرة الآخرة من إفسادكم، قال المفسرون: فأفسدوا المرة الثانية، فقتلوا يحيى بن زكريا ﵉، فبعث الله عليهم بختنصر البابلي المجوسي أبغض خلقه إليه، فسبى، وقتل، وخرب بيت المقدس، وسامهم سوء العذاب.
وجواب فَإِذَا محذوف، تقديره فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] يقال: ساءه يسوؤه، أي أحزنه، والمعنى: ليدخلوا عليكم الحزن بما يفعلون من قتلكم وسبيكم وتخريب بلادكم، وعديت
[ ٣ / ٩٧ ]
المساءة إلى الوجوه، والمراد بها أصحابها، لما يبدوا فِيها من أثر الحزن والكآبة، وقرأ حمزة ليسوءَ على واحد، أي: ليسوء الله، أو ليسوء البعث وجوهكم، وقرأ الكسائي بالنون كقوله: بعثنا وأمددنا.
وقوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] يقال: تبره أي أهلكه، قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتنته فقد تبرته.
والمعنى: ليدمروا ويخربوا ما علو عليه.
قوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: ٨] هذا ما أخبر الله به بني إسرائيل فِي كتابهم، والمعنى: لعل ربكم أن يرحمكم ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل، ثم عاد الله عليهم برحمته حتى كثروا وانتشروا، ثم قال: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨] قال الحسن: وإن عدتم بالمعصية عدنا بالعقوبة.
قال إبراهيم: ثم عادوا فأعاد الله بالعرب.
﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨] قال ابن عباس، وغيره: سجنا ومحبسا.
وقال مجاهد: يحصرون فِيها.
وهذا ابتداء إخبار عن الله فِي عقاب جميع الكافرين.
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴿٩﴾ وأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٠﴾﴾ [الإسراء: ٩-١٠] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] أي: يرشد إلى الكلمة التي هي أعدل الكلمات، أي أعدلها وأصوبها، هي كلمة التوحيد.
قال الزجاج: يهدي للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله تعالى، والإيمان برسله عليهم الصلاة والسلام، والعمل بطاعته.
ويبشر المؤمنين بالجنة، وهو قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴿٩﴾ وأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٩-١٠] أي: ويبشرهم بالعذاب لأعدائهم، وذلك أن المؤمنين كانوا فِي أذى من المشركين، فعجل الله لهم البشرى فِي الدنيا بعقاب الكافرين، وهو قوله: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: ١٠] قوله: ﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١] ﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١] هو أن الإنسان ربما يدعو فِي حال الضجر والغضب على نفسه وأهله وولده بما لا يحب أن يستجاب له، كما يدعو لنفسه بالخير، ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١] يعجل بالدعاء فِي الشر عجلته بالدعاء بالخير.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا ﴿١٢﴾ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ﴿١٣﴾ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴿١٤﴾﴾ [الإسراء: ١٢-١٤] ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢] علامتين تدلان على قدرة خالقهما، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ١٢] أي: طمسنا نورها بما جعلنا فِيها من السواد، يروي أن الشمس والقمر كانا سواء فِي النور والضوء، فأرسل الله ﷿
[ ٣ / ٩٨ ]
جبريل، فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء، ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] مضيئة يبصر فِيها، ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] لتبصروا كيف تتصرفون فِي أعمالكم، وتطلبون رزقكم، ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢] بمحو آية الليل، ولولا ذلك ما كان يعرف الليل من النهار، وكان لا يتبين العدد، وكل شيء مما يحتاج إليه، فصلناه تفصيلا بيناه تبيينا لا يلتبس معه بغيره.
قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] قال مجاهد: عمله من خير وشر.
قال السدي: ما كتب له من خير وشر.
وقال الحسن، وقتادة: سعادته وشقاوته بعمله.
وقال مجاهد فِي رواية الحكم: مكتوب فِي ورقة معلقة فِي عنقه شقي أم سعيد.
ومعنى الطائر ما طار له من خير أو شر، أي: صار له عند قسمته، من قولهم: أمرت المال وطيرته من القوم فطار له سهمه، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] قال الأزهري: والأصل فِي هذا أن الله تعالى لما خلق آدم، علم المطيع من ذريته والعاصي، فكتب ما علم منهم أجمعين، وقضى سعادة من علمه مطيعا، وشقاوة من علمه عاصيا، فصار لكل منهم ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه، فذلك قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] أي: ما طار له فِي علم الله بدءا، و﴿فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] عبارة عن اللزوم كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس.
وقد روي فِي هذه الآية حديث مشروح، وهو ما:
٥٣٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَلَّى، نا عَمْرُو بْنُ صُبْحٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ أَسِيدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: " إِنَّ النُّطْفَةَ الَّتِي تُخْلَقُ مِنْهَا النَّسَمَةُ، تَصِيرُ فِي الْمَرْأَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَلا يَبْقَى مِنْهَا شَعْرٌ وَلا بَشَرٌ وَلا عِرْقٌ وَلا عَصَبٌ إِلا دَخَلَتْ فِيهِ، حَتَّى إِنَّهَا لَتَدْخُلُ بَيْنَ الظُّفْرِ وَاللَّحْمِ، فَإِذَا مَضَى لَهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، أَهْبَطَهَا اللَّهُ إِلَى الرَّحِمِ، فَكَانَتْ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإِذَا تَمَّتْ لَهَا أَرْبَعُونَ، بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكُ الأَرْحَامِ، فَيَخْلُقُ عَلَى يَدِهِ لَحْمَهَا وَدَمَهَا وَشَعْرَهَا وَبَشَرَهَا، ثُمَّ يَقُولُ: صَوِّرْ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا
[ ٣ / ٩٩ ]
أُصَوِّرُ؟ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَجَمِيلٌ أَمْ دَمِيمٌ؟ أَجَعْدٌ أَمْ سَبْطٌ؟ أَقَصِيرٌ أَمْ طَوِيلٌ؟ أَبْيَضٌ أَمْ آدَمُ؟ زَائِدٌ أَمْ نَاقِصٌ؟ أَسَوِيٌّ أَمْ غَيْرُ سَوِيٍّ؟ فَيَكْتُبُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَأْمُرُه اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَإِنْ كَانَ سَعِيدًا نَفَخَ فِيهِ بِالسَّعَادَةِ فِي آخِرِ أَجَلِهِ، وَإِنْ كَانَ شَقِيًّا نَفَخَ فِيهِ بِالشَّقَاوَةِ فِي آخِرِ أَجَلِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اكْتُبْ أَثَرَهَا وَرِزْقَهَا وَمُصِيبَتَهَا وَعَمَلَهَا بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، فَسَيَكْتُبُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ الْمَلَكُ: يَا رَبِّ، مَا أَصْنَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ؟ فَيَقُولُ: عَلِّقْهُ فِي عُنُقِهِ إِلَى قَضَائِي عَلَيْهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ، ﷿: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآيَةَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مُجَاهِدٌ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُظْهِرَ لَهُ ذَلِكَ الْكِتَابُ، فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَابْنَ آدَمَ، بَسَطْتُ لَكَ صَحِيفَةً وَوُكِّلَ بِكَ مَلَكَانِ، فَهُمَا عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ؛ فَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَنَاتِكَ، وَأَمَّا الَّذِي عَنْ شِمَالِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئَاتِكَ، حَتَّى إِذَا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ وَجُعِلَتْ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ حَتَّى تَخْرُجَ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وهو قوله: ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] كقوله: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] وقرأ ابن عامر يلقاه من قولهم: لقيت فلانا، أي استقبلته به، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] .
قوله: اقرأ كتابك أي يقال له: اقرأ، والقول ههنا مضمر، قال الحسن: يقرأه أميا كان أو غير أمي.
وقال قتادة: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا.
﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] الحسيب المحاسب كالشريك والجليس، قال الحسن: عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك.
والمعنى أن الإنسان يفوض إليه حسابه ليعلم عدل الله بين العباد، ويرى وجوب حجة الله عليه، واستحقاقه العقوبة، ثم إن كان مؤمنا دخل الجنة بفضل الله لا بعلمه، وإن كان كافرا استوجب النار بكفره.
قوله: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴿١٥﴾ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴿١٦﴾ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴿١٧﴾﴾ [الإسراء: ١٥-١٧] ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [الإسراء: ١٥] أي: ثواب اهتدائه لنفسه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء: ١٥] على نفسه عقوبة ضلاله، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] قال ابن عباس: إن الوليد بن المغيرة قال: اتبعوني، وأنا أحمل أوزاركم.
فقال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] قال الزجاج: أي أن الآثم والمذنب لا يؤاخذ بذنب غيره.
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] قال قتادة: إن الله ليس معذبا أحدا حتى يبين له
[ ٣ / ١٠٠ ]
ما به يعذب.
وهذه الآية تدل على أن الواجبات إنما تجب بالشرع لا بالعقل، ولا يجب شيء على أحد قبل بعث الرسول ﷺ.
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] قال مجاهد: أكثرنا فساقها.
وهو قول عكرمة، وسعيد بن جبير.
يقال: أمر القوم إذا اكثروا، وأمرهم الله أي كثرهم.
وروى حماد بن سلمة، عن ابن كثير، آمرنا بالمد، وهي اللغة العالية، يقال: أمر القوم وأمرهم الله، أي: أكثرهم، ونحو هذا روى خارجة، عن نافع، والمترف المنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش، والمفسرون يقولون فِي تفسير المترفين: الجبارين والمتسلطين والملوك.
وقوله: ففسقوا فيها أي تمردوا فِي كفرهم إذ الفسق فِي الكفر الخروج إلى أفحشه، فحق عليها قال ابن عباس: استوجبت العذاب.
يعني قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] .
فدمرناها تدميرا أهلكناها إهلاك الاستئصال، ثم ذكر سنته فِي إهلاك القرون الماضية، تخويفا لكفار مكة، فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧] الآية.
قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴿١٨﴾ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴿١٩﴾ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴿٢٠﴾ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا ﴿٢١﴾﴾ [الإسراء: ١٨-٢١] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإسراء: ١٨] يعني الدنيا عجلت فكانت قبل الآخرة، ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] أي: القدر الذي نشاء نعجل له فِي الدنيا، لا الذي يشاء هو، لمن نريد أن نعجل له شيئا قدرناه، وهذا ذم لمن أراد بعمله وطاعته وإسلامه الدنيا، ومنفعتها، وعروضها، وبيان أن من أرادها لا يدرك منها إلا ما قد له، إن قدر، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا﴾ [الإسراء: ١٨] ثم يدخل النار فِي الآخرة، لأنه لم يرد الله تعالى بعمله، ﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] مباعدا من رحمة الله.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ﴾ [الإسراء: ١٩] يعني الجنة، ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] عمل بفرائض الله، وهو مؤمن فإن الله لا يقبل حسنة إلا من مصدق، ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] يضعف لهم الحسنات، ويمحو عنهم السيئات، ويرفع لهم الدرجات.
كلا نمد قال الحسن: كلا نعطي من الدنيا: البر والفاجر.
وقال الزجاج: أعلم
[ ٣ / ١٠١ ]
الله أنه يعطي المسلم والكافر، وأنه يرزقهما جميعا.
ثم فصل الفريقين فقال: ﴿هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] ممنوعا، يقال: حظره يحظره حظرا، وكل من حال بينك وبين شيء فقد حظره عليك.
انظر يا محمد، ﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] يعني فِي الرزق، فمن مقل ومن مكثر، وموسع عليه، ومقتر عليه هذا فِي الدنيا، ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٢١] من الدنيا، قال ابن عباس: إذا دخلوا الجنان اقتسموا المنازل والدرجات على قدر أعمالهم.
وقال قتادة: للمؤمنين فِي الجنة منازل ولهم فضائل بأعمالهم.
٥٣٩ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْجَارِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُفِيدُ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّقَطِيُّ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ»
﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا ﴿٢٢﴾ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا ﴿٢٣﴾ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴿٢٤﴾ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴿٢٥﴾﴾ [الإسراء: ٢٢-٢٥] قوله: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢] لا تعبد معه غيره، ولا تتخذ دونه إلها، والخطاب للنبي ﷺ، والمعنى عام لجميع المكلفين على نحو ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ [الإسراء: ٢٢] لا ناصر لك.
قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] قال ابن عباس: يريد وأمر ربك ليس هو قضاء حكم.
وهو قول مجاهد، والحسن، وقتادة، وعامة المفسرين.
قال الفراء: العرب تقول: تركته يقضي أمور الناس، أي يأمر فِيها فينفذ أمره.
قال الزجاج: وقضى ربك معناه أمر، لأنه أمر قاطع حتم.
قوله: وبالوالدين إحسانا أي: أمر أن تحسنوا بالوالدين.
٥٤٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَصْفَهَانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الأَصْفَهَانِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو الْقَبَّابُ، نا
[ ٣ / ١٠٢ ]
الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ، نا أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ؛ يَعْنِي: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ، ﷺ: " أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلاةُ لِمِيقَاتِهَا، قِيلَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي "
٥٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُطَّةَ، أنا الْبَغَوِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْمِصْرِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ زَيَّانَ بْنِ فَائِدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: «مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ طُوبَى لَهُ، وَزَادَ اللَّهُ فِي عُمْرِهِ»
٥٤٢ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَادِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَسِيدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ، مَوْلَى بَنِي سَاعِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أَسِيدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا، وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوصَلُ إِلا بِهِمَا
وقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ [الإسراء: ٢٣] يعني الكبر فِي السن إن عاشا عندك أيها الإنسان المخاطب حتى يكبرا، وقرأ حمزة يبلغان قال الفراء: ثنى لأن الوالدين قد ذكرا قبله فصار الفعل على عددهما.
ثم قال: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] على الاستئناف، ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] قال ابن عباس: يريد بالأف الرديء من الكلام، أن تقول لهما: أماتكما الله، أراحني
[ ٣ / ١٠٣ ]
الله منكما.
وقال مجاهد: يبلغان أن يخريا أو يبولا، فلا تقل لهما أف، ولا تأذيهما كما لم يكونا يتأذيان به منك.
وقال ابن قتيبة: لا تستثقل شيئا من أمرهما، الناس يقولون لما يكرهون ويستثقلون أف له.
٥٤٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نا جَرِيرٌ، أنا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ، قَالُوا: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدُهُمَا، أَوْ كِلاهُمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَرِيرٍ
وقوله: ﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره.
قال ابن عباس: يريد الجواب بالغلظة.
وقال الزجاج: لا تكلمهما ضجرا صائحا فِي وجوههما.
﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] لينا لطيفا أحسن ما تجد من القول.
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] ألن لهما جانبك متذللا لهما من رحمتك إياهما وشفقتك عليهما، وخفض الجناح من السكون وترك التعصب والإباء عليهما، ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] أي: مثل رحمتهما إياي فِي صغري حتى ربياني، وقال قتادة: هكذا علمتم، وبهذا أمرتم، فخذوا بتعليم الله وأدبه.
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٢٥] أي: بما تضمرون من البر والعقوق، فمن بدرت منه بادرة وهو لا يضمر عقوقا، غفر الله له ذلك، وهو قوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ [الإسراء: ٢٥] طائعين لله تعالى، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ﴾ [الإسراء: ٢٥] الراجعين عن المعاصي، النادمين على الزلات، غفورا يغفر لهم ما بدر منهم.
ثم حض على صلة القرابة وبر الأقارب، فقال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿٢٦﴾ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴿٢٧﴾ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا ﴿٢٨﴾﴾ [الإسراء: ٢٦-٢٨] ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] قال الحسن: هو أن تؤتيهم وإن كان يسيرا.
﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] قال ابن مسعود: التبذير النفقة فِي غير حق.
قال عثمان بن الأسود: كنت أطوف مع مجاهد حول الكعبة، فرفع رأسه إلى أبي قبيس، فقال: لو
[ ٣ / ١٠٤ ]
أن رجلا أنفق مثل هذا فِي طاعة الله، لم يكن من المسرفين، ولو أنفق درهما واحد فِي معصية الله كان من المسرفين.
﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ﴾ [الإسراء: ٢٧] المنفقين فِي غير طاعة الله، ﴿كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] لأنهم يوافقونهم فيما يدعونهم إليه، وهو كل من أجاب الشيطان إلى ما سول له، فهو من إخوان الشياطين، ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] قال ابن عباس: جاحدا لأنعمه.
وهذا يتضمن أن المنفق فِي السرف كفور لربه فيما أنعم عليه.
قوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ [الإسراء: ٢٨] عن هؤلاء الذين أوصيناك بهم من ذوي القربى والمساكين وابن السبيل، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٨] انتظار رزق يأتيك من الله، والمعنى أن تعرض عن السائل إضافة وإعسارا، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] أي: عدهم عدة حسنة، قاله الفراء، ومجاهد، والكلبي.
وقال ابن زيد: قولا جميلا، رزقك الله بارك الله فيك.
ويروى أن رسول الله ﷺ كان إذا سئل، وليس عنده ما يعطي، أمسك، انتظار الرزق يأتي الله به، ويكره الرد، فلما نزلت هذه الآية، كان إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي قال: «يرزقنا الله وإياكم من فضله» .
ومعنى الميسور اللين والسهل.
قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴿٢٩﴾ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴿٣٠﴾ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْأً كَبِيرًا ﴿٣١﴾ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا ﴿٣٢﴾ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴿٣٣﴾﴾ [الإسراء: ٢٩-٣٣] ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] الآية، روى أبو حفص، عن عبد الله بن مسعود، قال: جاء غلام إلى رسول الله ﷺ، فقال: إن أمي تسألك كذا.
فقال: «ما عندنا اليوم شيء» .
قال: فيقول لك اكسني قميصا.
قال: فخلع قميصه ودفعه إليه وجلس فِي البيت ".
فأنزل الله هذه الآية.
والمعنى: لا تمسك يدك عن البذل كل الإمساك حتى كأنها مقبوضه إلى عنقك لا تبسط الخير، ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] قال ابن عباس: أي فِي النفقة والعطية، كأنه نهي عن بذل جميع ما عنده حتى لا يبقى له شيء.
وقال مجاهد:
[ ٣ / ١٠٥ ]
يعني التبذير والإنفاق فيما لا يصلح.
وقوله: فتقعد ملوما قال السدي: تلوم نفسك وتلام محسورا.
قال ابن عباس: ليس عندك شيء.
يقال: حسرت الرجل بالمسألة أحسره إذا أفنيت جميع ما عنده.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الإسراء: ٣٠] يوسع على من يشاء، ويضيق على من يشاء، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠] حيث أجرى رزقهم على ما علم فِيهِ صلاحهم.
قوله ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] مفسر فِي ﴿[الأنعام إلى قوله:] إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْأً كَبِيرًا﴾ [سورة الإسراء: ٣١] أي: إثما كبيرا، يقال: خطئ يخطأ خطأ، أي أثم، وقرأ ابن عامر خطأ بالفتح، وهو اسم من أخطأ، وقد جاء أخطأ بمعنى خطئ، أي أثم، وإذا كان كذلك كان خطئا بمعنى خطأ، وقرأ ابن كثير خطأ بكسر الخاء ممدودا، وهو بعيد لا وجه له.
قوله ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢] الآية،
٥٤٤ - سَمِعْتُ الأُسْتَاذَ أَبَا عُثْمَانَ الْحِيرِيَّ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَوَ عُثْمَانَ بْنَ الْخَطَّابِ، الْمَعْرُوفَ بِأَبِي الدُّنْيَا، سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: فِي الزِّنَا سِتُّ خِصَالٍ؛ ثَلاثٌ فِي الدُّنْيَا، وَثَلاثٌ فِي الآخِرَةِ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيُذْهِبُ بِنُورِ الْوَجْهِ، وَيَقْطَعُ الرِّزْقَ، وَيُسْرِعُ الْفَنَاءَ، وَأَمَّا اللَّوَاتِي فِي الآخِرَةِ: فَغَضَبُ الرَّبِّ، وَسُوءُ الْحِسَابِ، وَالدُّخُولُ فِي النَّارِ "
قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] قال المفسرون: حقها الذي تقتل به كفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس مؤمنة بتعمد.
﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣] يعني بغير إحدى هذه الخصال، ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ﴾ [الإسراء: ٣٣] يعني لوارثه الذي له المطالبة بدمه، سلطانا قال مجاهد: سلطانه حجته التي جعلت له أن يقتل قاتله.
وقال الضحاك: هو أنه
[ ٣ / ١٠٦ ]
إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية.
﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ [الإسراء: ٣٣] الولي، ﴿فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] قال ابن عباس: هو أن يقتل غير القاتل.
وقال مجاهد: هو أن يقتل بالواحد الاثنين والثلاثة.
والمعنى: فلا يسرف الولي فِي القتل، أي لا يتجاوز ما حد له إنه الولي، ﴿كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] بقتل قاتل وليه والاقتصاص منه، وقرأ حمزة فلا تسرف بالتاء على مخاطبة الولي.
وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا ﴿٣٤﴾ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ﴿٣٥﴾﴾ [الإسراء: ٣٤-٣٥] ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤] مفسر فِي ﴿[الأنعام، قوله: وأوفوا بالعهد قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد.
] إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ [سورة الإسراء: ٣٤] عنه.
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: ٣٥] أتموه ولا تبخسوا منه شيئا، ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥] قال ابن عباس، والحسن: هو القبان.
وقال: هو بالرومية.
وقال الزجاج: هو ميزان العدل.
أيّ ميزان كان من موازين الدراهم وغيرها، وفيه لغتان: ضم القاف وكسرها، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الإسراء: ٣٥] قال عطاء: أقرب إلى الله.
وقال قتادة: خير ثوابا.
﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [الإسراء: ٣٥] عاقبة فِي الجزاء.
﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا ﴿٣٦﴾ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا ﴿٣٧﴾ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴿٣٨﴾﴾ [الإسراء: ٣٦-٣٨] ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] يقال: قفا يقفو قفوا إذا اتبع الأثر.
قال الكلبي: لا تقل ما ليس لك به علم.
وقال قتادة: لا تقل سمعت ولم تسمع، ورأيت ولم تر، وعلمت ولم تعلم.
والمعنى: لا تقولن فِي شيء مما لا تعلم، ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] قال الوالبي، عن ابن عباس:
[ ٣ / ١٠٧ ]
يسأل الله العباد فيم استعملوها.
فِي هذا زجر عن النظر إلى ما لا يحل، والاستماع إلى ما يحرم، وإرادة ما لا يجوز.
قوله: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] المرح شدة الفرح، قال ابن عباس: يريد بالكبرياء والعظمة.
وقال الزجاج: ولا تمش فِي الأرض مختالا فخورا.
﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ﴾ [الإسراء: ٣٧] الخرق الشق، يقال: خرق ثوبه إذا شقه.
قال ابن عباس: لن تخرق الأرض بكبرك ومشيك عليها.
﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧] بعظمتك وإنما أنت مخلوق عبد ذليل، والمعنى: أنك لا تقدر أن تثقب الأرض حتى تبلغ آخرها، ولا أن تطول الجبال، فلا تستحق الكبر والبذخ، ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ [الإسراء: ٣٨] إشارة إلى جميع ما تقدم ذكره مما أمر به ونهى عنه، كان سيئه قرئ بالإضافة والتنوين، قال الزجاج: والإضافة أحسن، لأن فيما تقدم من الآيات سيئا وحسنا، سيئه هو المكروه، ويقوى ذلك التذكير فِي المكروه.
ومن قرأ بالتنوين جعل كلا إحاطة بالمنهي عنه دون الحسن، المعنى: كل ما نهى الله عنه كان سيئه فكان مكروها، والمكروه على هذه القراءة بدل من السيئة، وليس بنعت.
قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩] ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٣٩] يعني ما تقدم ذكره من الفرائض والسنن، من الحكمة من القرآن ومواعظه، ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩] هذا خطاب لكل واحد من المؤمنين، كأنه قال: ولا تجعل أيها الإنسان.
ثم خاطب المشركين الذين زعموا أن الملائكة بنات الله منكرا عليهم، فقال: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا ﴿٤٠﴾ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا نُفُورًا ﴿٤١﴾ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا ﴿٤٢﴾ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿٤٣﴾ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴿٤٤﴾﴾ [الإسراء: ٤٠-٤٤] ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠] يقال: أصفاه بالشيء إذا آثره به.
قال أبو عبيدة: أفأصفاكم خصكم.
وقال المفضل: أخلصكم.
وهذا توبيخ للكفار، يقال: اختار لكم ربكم البنين دونه، وجعل البنات مشتركة بينه وبينكم، فاختصكم بالأجل، وجعل لنفسه الأدون؟ إنكم لتقولون بهذا الزعم الباطل، قولا عظيما يعظم خطؤه وإثمه.
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْءَانِ﴾ [الإسراء: ٤١] أي: صرفنا ضروب القول فِيهِ من الأمثال وغيرها مما يوجب الاعتبار به، ومعنى التصريف ههنا التبيين، لأنه إنما يصرف القول ليبين، وقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الإسراء: ٤١] ليتعظوا، ويتدبروه بعقولهم، ويتفكروا فِيهِ، وقراءة حمزة بالتخفيف بهذا المعنى كقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وقوله: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤١] قال ابن عباس: ينفرون من الحق، ويتعبون الباطل.
[ ٣ / ١٠٨ ]
والمعنى: وما يزيدهم تصريف الآيات إلا نفورا، كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] وذلك أنهم اعتقدوا أن القرآن شبه وحيل، فنفروا منها أشد النفور.
قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٤٢] وقرأ ابن كثير بالياء على معنى كما يقول المشركون من إثبات الآلهة، ﴿إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] إذا لابتغت الآلهة أن تزيل ملك صاحب العرش، والمعنى لابتغوا سبيلا إلى ممانعته ومضادته، وهذا قول الحسن، والكلبي، وسعيد بن جبير.
ثم نزه نفسه، فقال: ﷾ الآية.
ثم ذكر أن كل ما خلق مسبح له، فقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ﴾ [الإسراء: ٤٤] الآية، المراد بالتسبيح ههنا الدلالة على أن الله ﷿ خالق حكيم مبرأ من الأسوأ، والمخلوقون والمخلوقات كلها تدل على أن الله خالقها، كما قال ابن عباس فِي قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي: يخشع ويخضع.
قوله: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] مخاطبة للكفار لأنهم لا يستدلون ولا يعتبرون.
قوله: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ﴿٤٥﴾ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ﴿٤٦﴾ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴿٤٧﴾ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلا ﴿٤٨﴾ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴿٤٩﴾ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ﴿٥٠﴾ أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴿٥١﴾ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا ﴿٥٢﴾ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴿٥٣﴾ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ
[ ٣ / ١٠٩ ]
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ﴿٥٤﴾ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ﴿٥٥﴾﴾ [الإسراء: ٤٥-٥٥] ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] نزلت فِي قوم كانوا يؤذون رسول الله ﷺ إذا قرأ القرآن، قال الكلبي: وهم أبو سفيان، والنضر بن الحارث، وأبو جهل، وأم جميل امرأة أبي لهب.
حجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن، فكانوا يأتونه ويمرون به ولا يرونه.
٥٤٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُطَّوِّعِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا أَبُو مُوسَى إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهَرَوِيُّ، نا سُفْيَانُ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ؛ جَاءَتِ الْعَوْرَاءُ أُمُّ جَمِيلٍ، وَلَهَا وَلْوَلَةٌ، وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ، وَهِيَ تَقُولُ: مُذَمَّمًا أَبَيْنَا، وَدِينَهُ قَلَيْنَا، وَأَمْرَهُ عَصَيْنَا، وَرَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، جَالِسٌ وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَقَدْ أَقْبَلَتْ هَذِهِ وَأَنَا أَخَافُ أَنْ تَرَاكَ، فَقَالَ: «إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي»، وَقَرَأَ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾، قَالَ: فَجَاءَتْ حَتَّى قَامَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ، ﷺ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي، قَالَ: لا، وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ، مَا هَجَاكِ، فَانْصَرَفَتْ وَهِيَ تَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي بِنْتُ سَيِّدِهَا، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي (صَحِيحِهِ)، عَنِ الصَّبَغِيِّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ مُوسَى، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ
وقوله: حجابا مستورا قال الأخفش: أراد ساترا، والفاعل قد يكون فِي لفظ المفعول، كما تقول: إنه لمشئوم وميمون، وإنما هو شائم ويامن.
فقال غيره: حجابا مستورا عن الأعين لا يبصر، إنما هو قدرة من قدرة الله تعالى، حجب النبي ﷺ عن أعين أعدائه حجاب لا يرونه ولا يراه النبي ﷺ.
ثم ذكر أن الله منعهم من فهم القرآن بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الإسراء: ٤٦] وقد تقدم تفسيره فِي ﴿[الأنعام، وقوله:] وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الإسراء: ٤٦] يعني قلت لا إله إلا الله وأنت تتلو القرآن، ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] قال ابن عباس: كارهين أن يوحدوا الله.
وقال قتادة: إن
[ ٣ / ١١٠ ]
النبي ﷺ لما قال: لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون، وكبر عليهم.
والمعنى: انصرفوا هاربين عنك كراهية لما يسمعونه من توحيد الله.
قوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٧] قال المفسرون: أمر رسول الله ﷺ أن يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين، ففعل ذلك عليٌّ، ودخل عليهم رسول الله ﷺ، وقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى التوحيد، فكانوا يستمعون ويقولون فيما بينهم متناجين: هو ساحر، وهو مسحور.
فأخبر الله نبيه بذلك، وأنزل عليه ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ﴾ [الإسراء: ٤٧] أي يستمعونه، والباء زائدة، أخبر الله أنه عالم بتلك الحالة، وبذلك الذي كانوا يستمعونه، إذ يستمعون إلى الرسول، ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] قال ابن عباس: يتناجون فيما بينهم بالتكذيب والاستهزاء، ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ [الإسراء: ٤٧] يعني أولئك المشركون، إن تتبعون ما تتبعون، ﴿إِلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] مخدوعا، والمسحور الذي قد سحر فاختلط عليه أمره، قال ابن الأعرابي: المسحور الذاهب العقل، المفسد أمره.
و﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ﴾ [الإسراء: ٤٨] بينوا لك الأشياء حين شبهوك بالكاهن، والساحر، والشاعر، والمعلم، والمجنون، فضلوا عن الحق ﴿فَلا يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٨] مخرجا عن الضلال إلى الهدى.
ثم ذكر إنكارهم البعث بقوله: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ [الإسراء: ٤٩] قال الفراء: الرفات التراب لا واحد له، وهو مثل الرقاق، والحطام.
والرفت كسر الشيء بيدك، مثل المدر والعظم البالي، وما كسر فهو رفات، مثل الفتات، قال ابن عباس ﵁: أي إذا ذهب اللحم والعروق، وبقيت عظام قد بليت، فإذا مسكته بين أصبعيك انسحق، فهو رفات.
﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩] أي: أنبعث إذا صرنا ترابا؟ وهذا استفهام إنكار وتعجب، قال الله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] قال الزجاج: إنهم كانوا يقرون أن الله خالقهم، وينكرون أنه يعيدهم.
فقيل لهم استشعروا أنكم لو خلقتم من حجارة أو حديد ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] الأكثرون قالوا: يعني الموت، وليس أكبر فِي صدور بني آدم من الموت، يقول: لو كنتم الموت، لأماتكم الله، ثم أحياكم، لأن القدرة التي بها أنشأكم، بها يعيدكم، هذا معنى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١] وقال مجاهد: ما شئتم فكونوا حجارة، أو حديدا، أو سماء، أو أرضا، أو جبلا سيعيدكم الله كما كنتم، وقوله: فسينغضون يقال: أنغض رأسه ينغضه إنغاضا إذا حركه.
والمعنى: يحركون رءوسهم تكذيبا لهذا القول واستبعادا له، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ [الإسراء: ٥١] أي البعث والإعادة، ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] يعني هو قريب، وعسى من الله واجب.
ثم ذكر أنه متى يكون، فقال: يوم يدعوكم أي: بالنداء الذي يسمعكم، وهو النفخة الأخيرة كما قال: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] .
[ ٣ / ١١١ ]
﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ [الإسراء: ٥٢] تجيبون، ﴿بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] قال سعيد بن جبير: يخرجون من قبورهم، ويقولون: سبحانك وبحمدك، ولا ينفعهم فِي ذلك اليوم لأنهم حمدوا حين لا ينفعهم الحمد.
﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٥٢] وتعلمون ما لبثتم فِي الدنيا إلا قليلا، قال الحسن، وقتادة: استقصروا مدة لبثهم مع ما يعلمون من طول لبثهم فِي الآخرة.
ومن المفسرين من يذهب إلى أن هذه الآية خطاب للمؤمنين، لأنهم يستجيبون الله بحمده، ويحمدونه على إحسانه إليهم، ويستقلون مدة لبثهم فِي البرزخ لأنهم كانوا غير معذبين.
وقوله: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] قال الكلبي: كان المشركون يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ بمكة، فيقولون: يا رسول الله، ائذن لنا فِي قتالهم.
فيقول لهم: إني لم أومر فيهم بشيء.
فأنزل الله هذه الآية، والمعنى: قل لعبادي المؤمنين يقولوا للكافرين الكلمة التي هي أحسن، قال الحسن: يقولون له: يهديك الله.
إن الشيطان هو الذي يفسد بينهم لأنه عدو للإنسان ظاهر العداوة.
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] بالإنجاء من كفار مكة، وينصركم عليهم، ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] بتسليطهم عليكم، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلا﴾ [الإسراء: ٥٤] حافظا وكفيلا، أي وما وكل إليهم إيمانهم، إن شاء هداهم وإن شاء خذلهم.
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٥٥] قال ابن عباس: لأنه خلقهم، فهدى بعضهم وأضل بعضهم على علم منه بهم، وكذلك تفضيل النبيين بعضهم على بعض، كان عن حكمة وعلم، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] قال قتادة: اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكلم موسى تكليما، وجعل عيسى كلمته وروحه، وآتى سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى داود زبورا، وغفر لمحمد ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
وقوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] قال الزجاج: أي فلا تنكروا تفضيل محمد ﷺ وإعطاءه القرآن، فقد أعطى الله داود الزبور.
وقال قتادة: كنا نحدث أنه تحميد وتمجيد لله، ليس فِيهِ حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا ﴿٥٦﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴿٥٧﴾﴾ [الإسراء: ٥٦-٥٧] قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٥٦] الآية، قال المفسرون: ابتلى الله قريشا وأهل مكة بالقحط سنين، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله هذه الآية.
والمعنى: قل للمشركين ادعوا الذين ادعيتم كذبا أنهم آلهة، ثم أخبر عن الآلهة، فقال: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٦] يعني البؤس والشدة، ولا تحويلا التحويل النقل من حال إلى حال، ومن
[ ٣ / ١١٢ ]
مكان إلى مكان، قال ابن عباس: يريد من السقم والفقر إلى الصحة والغنى.
وفي هذا احتجاج عليهم أنهم فِي عبادتهم على الباطل، قال ابن عباس فِي رواية عطاء: ثم ذكر أولياءه، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] قال: يتضرعون إلى الله فِي طلب الجنة، والوسيلة الدرجة العليا، وقد تكون الوسيلة القربة إلى الله تعالى وما يقربك من رحمته.
ذكرنا ذلك فِي قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] قال الزجاج: المعنى يبتغي أيهم أقرب الوسيلة إلى الله، أي: يتقرب إليه بالعمل الصالح، قال ابن عباس: يتقربون إلى الله بصالح الأعمال، فيرجون رحمته، ويريدون جنته، ويخافون عذابه.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] يحذره المؤمنون المتقون، فيطيعون الله خوفا منه.
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴿٥٨﴾ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا ﴿٥٩﴾ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا ﴿٦٠﴾﴾ [الإسراء: ٥٨-٦٠] قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ [الإسراء: ٥٨] قال ابن مسعود: إذا ظهر الزنا والربا فِي أهل قرية، أذن الله فِي إهلاكها.
وقال مقاتل: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب.
وقال الزجاج: أي ما من أهل قرية إلا وسيهلك، إما بموت أو بعذاب يستأصلهم.
﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨] قال قتادة: قضاء من الله كما تسمعون ليس منه بد.
قوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ﴾ [الإسراء: ٥٩] قال المفسرون: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي الجبال عنهم، فيزرعوا.
فأتاه جبريل، فقال: إن شئت، كان ما سأل قومك، ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يمهلوا، وإن شئت، استأنيت بهم.
قال: «لا، بل أستأني بهم» .
فأنزل الله هذه الآية، وتقدير الكلام: وما منعنا إرسال الآيات التي سألوها إلا تكذيب الأولين، ويعني أنهم سألوا الآيات التي استوجب بها الأولون العذاب لما كذبوا بها، والمعنى: أنا لم نرسل بالآيات لئلا يكذب بها هؤلاء كما كذب من قبلهم، فيستحقوا المعاجلة بالعقوبة، وسنة الله فِي الأمم، إذا سألوا الآيات، فأتتهم، ثم لم يؤمنوا، أن يعذبهم، ولا يمهلهم، وقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] قال قتادة: بينة.
[ ٣ / ١١٣ ]
والمبصرة البينة، أراد آية مبصرة، أي مضيئة.
وهذا كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]، وقوله فظلموا بها أي: ظلموا أنفسهم بتكذيبها، وقد يكون الظلم الجحد كقوله: ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩] أي يجحدون، ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ﴾ [الإسراء: ٥٩] أي: العبر والدلالات، إلا تخويفا للعباد ليتعظوا ويخافوا.
قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] أي: فهم فِي قبضته وهو محيط بهم بالعلم والقدرة، قال قتادة: يمنعك من الناس حتى تبلغ رسالة ربك.
وقال الحسن: حال بينهم وبين أن يقتلوك كما قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] يعني ما أراه الله ليلة الإسراء، وكانت رؤيا يقظة، لا رؤيا منام، وهذا قول سعيد بن جبير، وأبي مالك، والسدي، ومجاهد، وقتادة، والحسن، والضحاك، وابن زيد، وابن عباس فِي رواية عكرمة، قال: هي رؤيا عين أريها النبي ﷺ ليلة أسري به فِي بيت المقدس، وذلك أنه ارتد بعضهم حين أعلمهم قصة الإسراء، فأنكروا وكذبوا، وازداد المؤمنون المخلصون إيمانا، وكانت تلك الرؤيا فتنة للناس.
وقوله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ﴾ [الإسراء: ٦٠] هذا على التقديم والتأخير، والتقدير وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة فِي القرآن إلا فتنة للناس، وهي شجرة الزقوم، وكانت الفتنة فِيها ما قال قتادة: خوف الله تعالى بها عباده، ففتنوا بذلك حتى قال أبو جهل: زعم صاحبكم أن فِي النار شجرا، والنار تأكل الشجر.
وقال ابن الزبعري: ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد.
قال الزجاج: والعرب تقول لكل طعام مكروه وضار:
[ ٣ / ١١٤ ]
ملعون.
يدل على هذا ما روى عكرمة، عن ابن عباس، قال: الشجرة المذمومة.
ومعنى فِي القرآن أي التي ذكرت فِي القرآن.
٥٤٦ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الطَّبَرِيُّ، أنا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُوَيْهِ الْمَرْوَزِيُّ، نا مَحْمُودُ بْنُ آدَمَ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَالشَّجَرَةُ الْمَلْعُونَةُ هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيِّ، عَنِ الدَّبَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ سُفْيَانَ
وقوله: ونخوفهم أي بالآيات والدلالات، فما يزيدهم التخويف، ﴿إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] لأنهم لا يرجعون عن غيهم.
قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ﴿٦١﴾ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا ﴿٦٢﴾ قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا ﴿٦٣﴾ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا ﴿٦٤﴾ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا ﴿٦٥﴾﴾ [الإسراء: ٦١-٦٥] ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [الإسراء: ٦١] الآية مفسرة فيما تقدم إلى قوله: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] قال الزجاج: المعنى لمن خلقته طينا، وهو منصوب على الحال.
والمعنى أنك أنشأته فِي حال كونه من طين، واعتقد إبليس، لعنه الله، أن النار أكرم أصلا من الطين، وأنه أكرم ممن خلق من الطين، وذهب عليه بجهله أن الجواهر كلها من جنس واحد، وأن الله ﷿ يصرفها بالإعراض كيف شاء، مع كرم جوهر الطين بكثرة ما فِيهِ من المنافع.
قال إبليس، ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] أي: أرأيت هذا الذي فضلته عليَّ، يعني آدم، والكاف فِي أرأيتك لا موضع لها، لأنها ذكرت فِي الخاطبة توكيدا، ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الإسراء: ٦٢] أي: أخرت أجل موتي، ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢] لأستأصلنهم، ولأستولين عليهم بالإغواء والإضلال، وأصله من احتناك الجراد الزرع، وهو أن تأكله وتستأصله بأحناكها وتفسده، وهذا هو الأصل، ثم يسمى الاستيلاء على الشيء وأخذ كله احتناكا، وقوله: إلا قليلا يعني المعصومين، قال ابن عباس: هم أولياء الله الذين عصمهم، وهم الذين استثنى الله فِي قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] .
قال الله تعالى لإبليس: ﴿اذْهَبْ﴾ [الإسراء: ٦٣] وهذا اللفظ يتضمن معنى إنظاره وتأخير أجله، فمن تبعك أي: أطاعك واتبع أمرك، منهم من ذرية آدم، ﴿
[ ٣ / ١١٥ ]
فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] قال الزجاج: موفرا، يقال وفرته أفره وفرا، وهو موفور، وأنشد لزهير:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
واستفزز أي أزعج واستخف، من استطعت من بني آدم، يقال: أفره واستفزه، أي أزعجه واستخفه، ومعنى الأمر ههنا التهديد، كما يقال للإنسان: اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك.
وقوله: بصوتك قال مجاهد، وعكرمة: يعني الغناء والمزامير.
وقال الوالبي، عن ابن عباس: صوته دعاء كل داع إلى معصية الله.
وقال عطاء عنه: كل متكلم فِي غير ذات الله، فهو صوت الشيطان.
وقوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] يقال: أجلبوا وجلبوا إذا صاحوا.
يقول: صح بخيلك ورجلك، واحثثهم عليهم بالإغواء.
وقال الزجاج: يقال: أجلب على العدو إجلابا إذا جمع عليه الخيول.
والمعنى على هذا: أجمع عليهم كل ما تقدر من مكايدك، ويكون الباء في بخيلك زائدة على هذا القول، وكل راكب، أو راجل فِي معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده، والرجل جمع راجل، وقرأ حفص بكسر الجيم، قال أبو زيد: يقال: رجل ورجل بمعنى راجل.
وقوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الإسراء: ٦٤] وهي كل ما أصيب من حرام، وأخذ بغير حقه، وكل ولد زنا، قال قتادة: أما فِي الأموال فأمرهم أن يجعلوا بحيرة وسائبة، وأما فِي أولادهم فأنهم هودوهم ونصروهم ومجسوهم.
وقوله: وعدهم قال الفراء: أي قل لهم لا جنة ولا نار.
وقال الزجاج: وعدهم بأنهم لا يبعثون.
قال الله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا ﴿٦٤﴾ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٤-٦٥] قال ابن عباس: إن أوليائي ليس لك عليهم حجة فِي الشرك.
وقال قتادة: عبادة الذين لا سلطان له عليهم المؤمنون.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الإسراء: ٦٥] لأوليائه يعصمهم من القبول من إبليس.
قوله: ﴿
[ ٣ / ١١٦ ]
رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴿٦٦﴾ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا ﴿٦٧﴾ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلا ﴿٦٨﴾ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ﴿٦٩﴾﴾ [الإسراء: ٦٦-٦٩] ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ [الإسراء: ٦٦] أي: يسوق ويسير حالا بعد حال، ﴿لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الإسراء: ٦٦] فِي طلب التجارة، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الإسراء: ٦٦] قال ابن عباس: يريد بأوليائه وأهل طاعته.
وهذا الخطاب خاص للمؤمنين.
ثم خاطب المشركين، فقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ [الإسراء: ٦٧] يعني خوف الغرق، ﴿فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] أي زال وبطل من تدعون من الآلهة إلا الله تعالى، قال ابن عباس: نسيتم اتخاذ الأنداد والشركاء وتركتموهم وأخلصتم لله، فلما نجاكم من الغرق والبحر، ﴿إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧] عن الإيمان والإخلاص وكان الإنسان يعني الكافر، كفورا لنعمة ربه.
ثم بين أنه قادر أن يهلكهم فِي البر، فقال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء: ٦٨] أي: يغيبكم ويذهبكم فِي جانب البر، وهو الأرض، يقال: خسف به الأرض، أي: غاب به فِيها، أخبر الله تعالى أنه كما قدر أن يغيبهم فِي الماء قادر أن يغيبهم فِي الأرض، وقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الإسراء: ٦٨] عذابا يحصبكم، أي: يرميكم بالحجارة، والحصب الرمي، ويقال للريح التي تحمل التراب والحصاء: حاصب.
﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلا﴾ [الإسراء: ٦٨] قال قتادة: مانعا ولا ناصرا.
﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ [الإسراء: ٦٩] فِي البحر، تارة مرة أخرى، ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا﴾ [الإسراء: ٦٩] كاسرا، من الريح والقصف الكسر بشدة، وأراد ههنا ريحا شديدة تقصف الفلك، وهو قوله: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٩] بكفركم، حيث سلمتم ونجوتم فِي المرة الأولى، ويقرأ قوله: أن يخسف وأخواته من الأفعال بالياء والنون، والمعنى واحد، وكل حسن، وتؤكد النون قوله: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] قال الزجاج: لا تجدوا من يتبعنا بإنكار ما نزل بكم.
وهذا معنى قول المفسرين: لا برا ولا ناصرا، وتبع بمعنى تابع.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ﴿٧٠﴾ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴿٧١﴾ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا ﴿٧٢﴾﴾ [الإسراء: ٧٠-٧٢] ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] قال ابن عباس: فضلنا كقوله: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] والمعنى: فضلناهم بالعقل والنطق والتمييز.
وقال عطاء: بامتداد القامة.
وروى ميمون بن مهران، عن ابن عباس، قال: ليس من دابة إلا وهي
[ ٣ / ١١٧ ]
تأكل بفيها إلا ابن آدم، فإنه يأكل بيديه.
وروى جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ فِي تفسيره هذه الآية: قال: «الكرامة الأكل بالأصابع» .
﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ﴾ [الإسراء: ٧٠] على الإبل والخيل والبغال والحمير، وفي البحر على السفن، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٠] يعني الثمار والحبوب والمواشي، والسمن والزبد والحلاوى، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٧٠] قال السدي: فضلوا على البهائم والدواب والوحوش، وهم الكثير.
٥٤٧ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الْجَوْهَرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْعَوَقِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، نا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ: قَالَ " مَنْ رَأَى رَجُلا بِهِ بَلاءً قَدْ عُوفِيَ مِنْهُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلا، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ ذَلِكَ الْبَلاءِ "
قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ﴾ [الإسراء: ٧١] قال الزجاج: يعني به يوم القيامة، وهو منصوب على معنى اذكر يوم ندعو.
وقوله: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] قال مجاهد، وقتادة: نبيهم.
ويكون المعنى على هذا: أن ينادي يوم القيامة، فيقال: هاتوا متبعي إبراهيم، هاتوا متبعي موسى وعيسى، هاتوا متبعي محمد ﵈.
فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء، فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم يقال: هاتوا متبعي الشيطان، هاتوا متبعي رؤساء الضلالة.
وهذا معنى قول ابن عباس فِي رواية سعيد بن جبير: إمام هدى، أو إمام ضلالة.
ونحو هذا، روى الوالبي، قال: بأئمتهم فِي الخير والشر.
وقال الضحاك، وابن زيد: يعني فِي كتابهم الذي أنزل عليهم.
والمعنى على هذا أن يقال: يا أهل القرآن، يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل.
٥٤٨ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُوَيْهِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ شُعَيْبٍ الشَّاشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، نا أَبُو قُرَّةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، نا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَجُمِعَتِ الأُمَمُ، فَيُقَالُ: مَنْ هَذِهِ الأُمَّةُ؟ وَيَتَشَرَّفُ إِلَيْهَا النَّاسُ، فَيُقَالُ: هَذَا مُحَمَّدٌ فِي أُمَّتِهِ، فَيُنَادِي الْمُنَادِي: لِيَكُنِ الآخِرُونَ هُمُ الأَوَّلِينَ، فَتَأْتِي فَتَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ حَتَّى تَكُونَ أَقْرَبَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةً، ثُمَّ يُدْعَى الْيَهُودُ، فَيُقَالُ: مَا أَنْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْيَهُودُ، فَيُقَالُ: مَا كِتَابُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: التَّوْرَاةُ، فَيُقَالُ: مَنْ نَبِيُّكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَبِيُّنَا مُوسَى، فَيُقَالُ: مَا تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: نَعْبُدُ عُزَيْرًا، نَعْبُد اللَّهَ، فَيُقَالُ: اسْلُكُوا بِهؤُلاءِ فِي جَهَنَّمَ، وَيُدْعَى النَّصَارَى، فَيُقَالُ: مَا أَنْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ النَّصَارَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كِتَابُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: الإِنْجِيلُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ نَبِيُّكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَبِيُّنَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَيُقَالُ: مَا تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: نَعْبُدُ عِيسَى وَأُمَّهُ وَاللَّهَ، فَيُقَالُ: اسْلُكُوا بِهَؤُلاءِ فِي
[ ٣ / ١١٨ ]
جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَدْعُونَ بَشَرًا كَثِيرًا بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ آلِهَتِهِمْ، مِنْهَا الْحِجَارَةُ، وَمِنْهَا الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، فَيُقَالُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ إِلَهًا، فَلْيَتَّبِعْهُ، تَقَدَّمُهُمْ آلِهَتُهُمْ، ثُمَّ يَبْقَى الْمُسْلِمُونَ، فَيَقِفُ بِهِمْ رَبُّهُمْ، ﷿، فَيَقُولُ: مَا أَنْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، فَيَقُولُ: خَيْرُ اسْمٍ، وَخَيْرُ دَاعِيَةٍ، فَيَقُولُ: مَنْ نَبِيِّكُمْ؟ قَالُوا: نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ، ﷺ، فَيَقُولُ: مَا كِتَابُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: الْقُرْآنُ، فَيَقُولُ: مَا تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: نَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُونَهُ إِنْ رَأَيْتُمُوهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَتَجَلَّى الرَّبُّ، ﷿، فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، جَلَّ جَلالُكَ، ثُمَّ يَمْضِي النُّورِ بِأَهْلِهِ "
وقوله: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [الإسراء: ٧١] أي: لا ينقصون من ثوابهم بمقدار فتيل، وهو القشرة التي فِي شق النواة، ويضرب مثلا للشيء الحقير.
قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾ [الإسراء: ٧٢] يعني فِي الدنيا، أعمى عما يرى من قدرة الله تعالى فِي خلق السموات والأرض، والبحار والجبال، ﴿فَهُوَ فِي الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٧٢] أي: فِي أمرها مما لم يعاينه، ﴿أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢] أشد عمى، وكلاهما من عمى القلب لا من عمى العين، قال قتادة: من عاين الشمس والقمر، فلم يؤمن، فهو أعمى عما يغيب عنه، أن يؤمن به هذا الذي ذكرنا قول عامة المفسرين.
وقال الحسن: من كان فِي الدنيا ضالا كافرا، فهو فِي الآخرة أعمى وأضل سبيلا، لأنه فِي الدنيا تقبل توبته، وفي الآخرة لا تقبل توبته.
اختار أبو إسحاق الزجاج هذا القول، فقال: تأويله إنه إذا عمي فِي الدنيا، وقد عرفه الله الهدى، وجعل له إلى التوبة وصلة، فعمي عن رشده، ولم يتب، فهو فِي الآخرة أعمى، أي: أشد عمى وأضل سبيلا، لأنه لا يجد طريقا إلى الهداية.
واختاره أبو علي الفارسي أيضا، فقال: معنى قوله: ﴿فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢] أي: أشد عمى فِي الدنيا، كان ممكنا من الخروج عن عماه بالاستدلال، ولا سبيل له فِي الآخرة إلى الخروج من عماه، لأنه قد حصل على عمله.
وكذلك قوله: وأضل سبيلا لأن ضلاله فِي الآخرة لا سبيل له إلى الخروج منه، وقرأ أبو عمرو فِي هذه أعمِي بكسر الميم، ﴿فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢] بفتح الميم، أراد أن يفرق بين ما هو اسم، وبين ما هو أفعل منه، فغاير بينهما بالإمالة، وتركها لأن معنى قوله: ﴿فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢] أي: أعمى منه فِي الدنيا، ومعنى العمى فِي الآخرة أنه لا يهتدي إلى طريق الثواب.
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴿٧٣﴾ وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا ﴿٧٤﴾ إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴿٧٥﴾ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا ﴿٧٦﴾ سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلا ﴿٧٧﴾﴾ [الإسراء: ٧٣-٧٧] قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] أي: هموا وقاربوا أن يزيلوك ويصرفوك، ﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] يعني القرآن، والمعنى عن حكمه نزلت الآية فِي وفد ثقيف، أتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: متعنا باللات سنة، وحرم وادينا كما حرمت مكة، فإنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن كرهت ما نقول، وخشيت أن تقول العرب: أعطيتهم ما لم تعط غيرهم، فقل: الله أمرني بذلك.
فأمسك رسول الله ﷺ عنهم، وداخلهم الطمع، وقد هم أن يعطيهم ذلك، فأنزل الله
[ ٣ / ١١٩ ]
هذه الآية.
وكان فِي إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن، لذلك قال: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣] لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك، وهو قولهم: قل الله أمرني بذلك.
﴿وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٣] لو فعلت ما أرادوا.
﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٧٤] على الحق بعصمتنا إياك، لقد كدت هممت وقاربت، تركن إليهم أي: تميل شيئا قليلا، عبارة عن المصدر، أي: ركونا، قال ابن عباس: يريد حيث سكت عن جوابهم، والله أعلم بنيته.
ثم توعده على ذلك لو فعله ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٥] أي: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، أي: ضعف ما يعذب به غيره، قال ابن عباس: ورسول الله ﷺ معصوم، ولكن هذا تخويف لأمته، لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين فِي شيء من أحكام الله وشرائعه.
قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٧٦] قال قتادة: هم أهل مكة بإخراج نبي الله ﷺ منها، ولو فعلوا ذلك ما نوظروا، ولكن الله كفهم عن ذلك حتى أمره بالخروج.
والمعنى أنهم قاربوا أن يزعجوك من أرض مكة ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾ [الإسراء: ٧٦] وخلفك أي: بعدك، يعني بعد خروجك، وخلافك بمعنى خلفك، كقوله تعالى: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١] وقوله: إلا قليلا أي: لو أخرجوك لاستأصلناهم بعد خروجك بمدة يسيرة، كسنتنا فِي من قبلهم، وهو قوله: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الإسراء: ٧٧] قال سفيان بن عيينة: يقول: لم نرسل قبلك رسولا فأخرجه قومه إلا أهلكوا.
وقال الزجاج: إن سنتنا هذه السنة فِي من أرسلنا قبلك إليهم، أنهم إذا أخرجوا نبيهم من بين أظهرهم، أو قتلوه، أن ينزل العذاب بهم.
وقوله: ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلا﴾ [الإسراء: ٧٧] أي: ما أجرى الله به العادة لم يتهيأ لأحد أن يقبلها، قال ابن عباس: لا خلف لسنتي ولا لقضائي ولا لموعدي.
قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴿٧٨﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴿٧٩﴾ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴿٨٠﴾ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴿٨١﴾ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا ﴿٨٢﴾﴾ [الإسراء: ٧٨-٨٢] ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] دلوك الشمس زوالها وميلها فِي وقت الظهر، وكذلك ميلها للغروب هو دلوكها أيضا، قال المبرد: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها عند العرب.
والمفسرون مختلفون فِيهِ، فقوم يقولون: دلوكها زوالها، وهو قول الحسن، والشعبي، وعطاء، ومجاهد، وقتادة.
وقال قوم: دلوكها غروبها، وهو قول ابن مسعود، وعلي، والسدي، وابن عباس، فِي رواية سعيد بن جبير.
قال الأزهري: معنى الدلوك
[ ٣ / ١٢٠ ]
فِي كلام العرب الزوال، ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار: دالكة، وقيل لها إذا أفلت: دالكة، لأنها فِي الحالتين زائلة.
قال: والقول عندي: إن زوالها نصف النهار لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس.
والمعنى: أقم الصلاة من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل، فتدخل فِيها الأولى، والعصر، وصلاتا غسق الليل، وهما العشاءان، ثم قال: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فهذه خمس صلوات، ومعنى غسق الليل سواده وظلمته، قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما غسق الليل؟ قال: أوله حين يدخل.
وقال ابن مسعود: غسق الليل إظلامه.
قال الفراء، والزجاج: يقال: غسق الليل أغسق إذا أقبل ظلامه.
وقوله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قال ابن عباس، والمفسرون: يريد صلاة الصبح.
قال الزجاج: أي وأقم قرآن الفجر، قال: وفي هذا فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون بقراءة حيث سميت الصلاة قرآنا.
وقوله: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] كلهم قالوا: صلاة الفجر، تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.
٥٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، نا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خميرَوَيْهِ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: «تَفْضُلُ صَلاةُ الْجَمَاعَةِ صَلاةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ، وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فُصِلَ بِالْقُرْآنِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَلْقَمَةُ وَالأَسْوَدُ: التَّهَجُّدُ بَعْدَ النَّوْمِ، قَالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ إِذَا اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ، وَقَالَ الأَزْهَرِيُّ: الْمُتَهَجِّدُ الْقَائِمُ إِلَى الصَّلاةِ مِنَ النَّوْمِ، وَقِيلَ لَهُ: مُتَهَّجِدٌ لإِلْقَائِهِ الْهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا يُقَالُ: تَخَرَّجَ وَتَأَثَّمَ وَتَحَوَّبَ
[ ٣ / ١٢١ ]
وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] معنى النافلة فِي اللغة ما كان زيادة على الأصل، وصلاة الليل كانت زيادة للنبي ﷺ خاصة، لرفع الدرجات لا للكفارات، لأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وليست لنا بنافلة.
وهذا قول جميع المفسرين، قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال ابن عباس: عسى من الله واجبة، يريد أعطاك الله يوم القيامة مقاما محمودا يحمدك فِيهِ الأولون والآخرون، تشرف على جميع الخلائق، وتسأل فتعطى، وتشفع فتشفع، وليس أحد إلا تحت لوائك.
وإجماع المفسرين على أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة، ومعنى يبعثك ربك مقاما: يقيمك فِي ذلك المقام.
٥٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا عَبْدَانُ الْجَوَالِيقِيُّ، نا أَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نا وَكِيعٌ، عَنْ إِدْرِيسَ الأَوْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ الشَّفَاعَةُ
٥٥١ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، نا الْفَضْلُ بْنُ الْخَصِيبِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرَّازِيُّ، نا أَبُو أُسَامَةَ، نا دَاوُدُ الأَوْدِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، فِي قَوْلِهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، قَالَ: هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي أُشَفَّعُ فِيهِ لأُمَّتِي
قوله ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] روى قابوس بن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ بمكة، ثم أمر بالهجرة، فنزلت عليه هذه الآية.
والمعنى: ادخلني المدينة، وأخرجني من مكة، والمدخل والمخرج بمعنى المصدر، وإضافتهما إلى الصدق مدح لهما، وكل شيء أضفته إلى الصدق فهو مدح، نحو قوله: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]، ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥]، ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] حجة بينة تنصرني بها على جميع من خالفني.
قوله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] قال السدي: الحق الإسلام، والباطل الشرك.
وقال قتادة: الحق القرآن، والباطل الشيطان.
ومعنى زهق: بطل واضمحل، وكل شيء هلك وبطل فقد زهق.
٥٥٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُطَّوِّعِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا أَبُو خَيْثَمَةَ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ، ﷺ، مَكَّةَ وَحَوْلَ الْبَيْتِ ثَلاتُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا، وَيَقُولُ: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ،
[ ٣ / ١٢٢ ]
عَنْ عَلِيٍّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ كِلاهُمَا، عَنْ سُفْيَانَ
وقوله: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] قال ابن عباس: يريد كل ما كان عن الشيطان، كان خارجا عن الحق.
وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [الإسراء: ٨٢] من هذا الجنس الذي هو القرآن، ﴿مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢] فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، قال قتادة: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه.
وعلى هذا معنى كونه شفاء، أنه ببيانه يزيل عمى الجهل وحيرة الشك، فهو شفاء من داء الجهل، وقال ابن عباس: يريد شفاء من كل داء، وعلى هذا معناه أن يتبرك به، فيدفع الله به كثيرا من المكاره والمضار.
ويؤكد هذا ما روي عن النبي ﷺ، قال: «من لم يستشف بالقرآن، فلا شفاه الله» .
وقوله: ورحمة للمؤمنين قال ابن عباس: يريد ثوابا لا انقطاع له، يعني فِي تلاوته يرحمهم الله بها، ويثيبهم عليها، ولا يزيد القرآن، الظالمين المشركين، إلا خسارا لأنهم يكفرون به ولا ينتفعون بمواعظه، فالقرآن سبب لهداية المؤمنين، وزيادة لخسارة الكافرين.
٥٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ الْمَرْوَزِيُّ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدَانُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ، قَالَ: لَمْ يُجَالِسْ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، قَضَاءً مِنَ اللَّهِ الَّذِي قَضَى ﴿شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] .
قوله: ﴿
[ ٣ / ١٢٣ ]
وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ﴿٨٣﴾ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا ﴿٨٤﴾﴾ [الإسراء: ٨٣-٨٤] ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإسراء: ٨٣] قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة، أعرض عن الدعاء والابتهال الذي كان يفعله فِي حال البلوى والمحنة.
ونأى بجانبه، وتعظم، وتكبر، وبعد نفسه عن القائم بحقوق النعم، ونأى معناه بعد، ونأى بالشيء معناه أبعده، وقرأ ابن عامر وناء مثل ناع، وهذا على القلب مثل رأى وراء، وقرأ حمزة نأى بإمالة الفتحتين، أمال فتحة الهمزة لأن الألف منقلبة عن الياء التي فِي النأي، أراد أن ينحو نحوها، وأمال فتحة النون لإمالة فتحة الهمزة، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء: ٨٣] قال ابن عباس: إذا أصابه مرض أو فقر يئس من رحمة الله.
وهذا من صفة الجاهل بالله، وذم له بأنه لا يثق بتفضل الله على عباده.
قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] قال الليث: الشاكلة من الأمور ما يوافق فاعله.
والمعنى أن كل أحد يعمل على طريقته التي تشاكل أخلاقه، فالكافر يعمل ما يشبه طريقته من الإعراض عند الإنعام واليأس عند الشدة، والمؤمن يفعل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء، يدل على هذا قوله: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٨٤] أي: بالمؤمن الذي لا يعرض عند النعمة، ولا ييئس عند المحنة.
قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ﴿٨٥﴾ وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلا ﴿٨٦﴾ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴿٨٧﴾﴾ [الإسراء: ٨٥-٨٧] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] الآية.
٥٥٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: إِنِّي لَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِي حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ، فَمَرَّ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تَسْأَلُوهُ فَيَسْتَقْبِلُكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ، فَأَتَاهُ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا تَقُولُ فِي الرُّوحِ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَمْسَكَ بِيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُنَزَّلُ عَلَيْهِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ
[ ٣ / ١٢٤ ]
الأَعْمَشِ
وقال ابن عباس فِي رواية عطاء: قالت اليهود لقريش: سلوا محمدا عن ثلاث، فإن أخبركم باثنين وأمسك عن الثالثة فهو نبي: سلوه عن فتيه فقدوا، وسلوه عن ذي القرنين، وسلوه عن الروح.
فسألوه عنها، ففسر لهم أمر الفتية فِي ﴿[الكهف وفسر لهم قصة ذي القرنين، وأمسك عن قصة الروح، وذلك أنه ليس فِي التوراة قصته ولا تفسيره إلا ذكر اسم الروح، وأنزل قوله:] وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [سورة الإسراء: ٨٥] .
واختلف العلماء فِي ماهية الروح، فقال قوم: إن الروح هو الدم، ألا ترى أن من نزف دمه مات؟ والميت لا يفقد من جسمه إلا الدم.
وزعمت طائفة أن الروح هو استنشاق الهواء، ألا ترى أن المخنوق ومن منع من نسيم الهواء يموت.
وقال عامة المعتزلة، والنجارية: الروح عرض.
إلا ابن الراوندي، فإنه قال: الروح جسم لطيف أسكن البدن.
وقال بعض الحكماء: إن الله تعالى خلق الأرواح من ستة أشياء: من جوهر النور، والطيب، والبقاء، والحياة، والعلم، والعلو ألا ترى أنه ما دام فِي الجسم كان الجسد نورانيا، تبصر العينان، وتسمع الأذنان، ويكون طيبا، فإذا خرج أنتن الجسد ويكون باقيا، فإذا زايله الروح صار فانيا، ويكون حيا وبخروجه يصير ميتا، ويكون عالما فإذا خرج منه الروح لم يعلم شيئا، ويكون الجسد علويا لطيفا ما دام فِيهِ الروح، فإذا خرج صار سفليا كثيفا، والاختيار من هذه الأقوال أنه جسم لطيف توجد به الحياة، يدل على هذا قوله تعالى فِي صفة الشهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿١٦٩﴾ فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩-١٧٠] والارتزاق والفرح من صفات الأجسام، والمراد بهذا أرواحهم، لأن أجسامهم بليت فِي التراب، وكذلك ما روي أن أرواح الشهداء تعلق من شجر الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، وهذا الفعل لا يتأتى من العرض.
٥٥٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ، أنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ، أنا أُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ طُفَيْلٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي طُفَيْلُ بْنُ زَيْدٍ، نا أَبُو عُمَيْرٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَعَّابُ، نا نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، نا سُلَيْمَانُ بْنُ رَافِعٍ الْبَصْرِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الإِنْسَانِ؛ مَاتَ الْجَسَدُ، وَصَارَ الرُّوحُ صُورَةً أُخْرَى، فَلا يُطِيقُ الْكَلامَ؛ لأَنَّ الْجَسَدَ جِرْمٌ، وَالرُّوحُ يُصَوِّتُ مِنْ جَوْفِهِ وَيَتَكَلَّمُ، فَإِذَا فَارَقَ الرُّوحُ الْجَسَدَ؛ صَارَ الْجَسَدُ صُفْرًا، وَصَارَ الرُّوحُ صُورَةً أُخْرَى، يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ، يَبْكُونَهُ، وَيُغَسِّلُونَهُ وَيَدْفِنُونَهُ، وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَكَلَّمَ، كَمَا أَنَّ الرِّيحَ إِذَا دَخَلَ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ سَمِعْتَ لَهُ دَوِيًّا، فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ لَمْ تَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا، وَكَذَلِكَ الْمَزَامِيرُ، فَأَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَجِدُونَ
[ ٣ / ١٢٥ ]
رِيحَهَا، وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، حَتَّى إِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ النَّفْخَةُ الأُولَى؛ رُفِعَ الْعَذَابُ وَكَانَتِ الأَرْوَاحُ عِنْدَ ذَلِكَ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَرْوَاحَ الْكَافِرِينَ، وَرُفِعَ الْعَذَابُ عَنِ الْكُفَّارِ فِيمَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ، تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ فَأَشْيَاءُ تَفْنَى وَيَبْقَى وَجْهُ اللَّهِ الْكَرِيمِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا كُلَّهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ ضَرْبٌ مِنَ التَّكَلُّفِ؛ لأَنَّ اللَّهَ، تَعَالَى، أَبْهَمَ عِلْمَ ذَلِكَ
قال عبد الله بن بريدة: ما يبلغ الجن والإنس والملائكة والشياطين علم الروح، ولقد مات رسول الله ﷺ وما يدري الروح.
وقال الفراء: الروح الذي يعيش به الإنسان لم يخبر الله به أحدا من خلقه، ولم يعط علمه أحدا من عباده.
فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] أي: من علم ربي، أي أنكم لا تعلمونه، وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] أي: بالأضافة إلى علم الله تعالى، وذلك أن اليهود تذكر كل شيء بما فِي كتبهم، فقال الله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] وقال الزجاج: ويجوز أن يكون الخطاب للنبي ﷺ والمؤمنين، وذلك حين لم يعرف رسول الله ﷺ، ولم يبين الله له ذلك، قال له: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] يدل على هذا قوله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] أي: إني أقدر أن آخذ ما أعطيتك، كأنه يقول: لم تؤت إلا قليلا من العلم، ولو شئت أن آخذ ذلك قدرت، قال الزجاج: لو شئنا لمحوناه من القلوب ومن الكتب حتى لا يوجد له أثر.
٥٥٦ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الأَزْدِيُّ، نا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا يَبْقَى مِنْهُ الصَّلاةُ، وَلَيُصَلِّيَنَّ أَقْوَامٌ لا خَلاقَ لَهُمْ، وَسَيُرْفَعُ الْقُرْآنُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾
وقوله: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلا﴾ [الإسراء: ٨٦] أي: لا تجد من تتكل عليه فِي رد شيء منه.
﴿إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٨٧] لكن الله رحمك، فأثبت ذلك فِي قلبك وقلوب المؤمنين، ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٧] قال ابن عباس: يريد حيث جعلتك سيد ولد آدم، وختمت بك النبيين، وأعطيتك المقام المحمود.
ثم احتج على المشركين بإعجاز القرآن، فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴿٨٨﴾ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا ﴿٨٩﴾ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴿٩٠﴾ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ
[ ٣ / ١٢٦ ]
خِلالَهَا تَفْجِيرًا ﴿٩١﴾ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴿٩٢﴾ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا ﴿٩٣﴾﴾ [الإسراء: ٨٨-٩٣] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] الآية، قال المفسرون: هذا تكذيب للنضر بن الحارث، حيث قال: لو شئنا لقلنا مثل هذا.
وقال مقاتل: وإن نبي الله ﷺ تحداهم أولا، فقال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] فعجزوا عن ذلك، فتحداهم، فقال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] فعجزوا، فآيسهم الله عن معارضته بمثل ما أتى به فِي هذه الآية، والمثل الذي طلب منهم كلام له نظم كنظم القرآن فِي أعلى طبقات البلاغة، وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] الظهير: المعين المظاهر لك.
قال ابن عباس: يريد معينا مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعر فيقيمونه.
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ﴾ [الإسراء: ٨٩] تقدم تفسيره فِي هذه ال ﴿[، وقوله:] مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [سورة الإسراء: ٨٩] أي: من الأمثال التي يجب بها الاعتبار، ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ [الإسراء: ٨٩] يعني أكثر أهل مكة، إلا كفورا جحودا للحق وإنكارا، وذلك أنهم أنكروا القرآن بعد قيام الحجة عليهم، واقترحوا من الآيات ما ليس لهم، وهو قوله: وقالوا يعني رؤساء مكة، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠] لن نصدقك، ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا﴾ [الإسراء: ٩٠] وقرى تفجر بالتخفيف، يقال: فجرت الماء فجرا، وفجرته تفجيرا، والينبوع عين ينبع منها الماء، وذلك أنهم سألوا أن يجري لهم نهرا كأنهار الشام والعراق.
﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ [الإسراء: ٩١] هذا أيضا كان فيما اقترحوا عليه، ﴿فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ﴾ [الإسراء: ٩١] تفتحها وتجريها، خلالها وسط تلك الجنة.
﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ﴾ [الإسراء: ٩٢] قالوا له: أسقط السماء علينا.
قال ابن عباس: يعنون العذاب.
كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، وقوله: كسفا جمع كسفة، وهي القطعة، والكسف القطع، ويجوز أن يكون الكسف الشيء المقطوع، كقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الطور: ٤٤] ومن فتح السين فهو جمع كسفة أيضا مثل قطعة وقطع، قال ابن عباس: كسفا قطعا.
ومن سكن السين، فمعناه: أسقط السماء علينا قطعة واحدة، وقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] قال قتادة، والضحاك: عيانا.
والمعنى: تأتي بهم حتى نراهم
[ ٣ / ١٢٧ ]
مقابلة، واختاره أبو علي الفارسي، فقال: إذا حملته على المعاينة كان القبيل مصدرا كالنذير والنكير، ويدل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١] .
وقال عطاء، ومجاهد: فوجا فوجا.
وكل جنس من الناس قبيل، ذكرنا ذلك فِي قوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٢٧] .
وقوله: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي: من ذهب.
قال الزجاج: أصل الزخرف فِي اللغة الزينة، ولا شيء فِي تحسين البيت وتزيينه كالذهب، وكان فيما اقترحوا عليه أن يكون له قصور من ذهب.
وقوله: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء: ٩٣] يقال: رقيت أرقى رقيا ورقيا.
قال عبد الله بن أبي أمية: لا أومن بك يا محمد حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فِيهِ، وأنا أنظر، حتى تأتيها، وتأتي بنسخة منشورة معك، ونفر من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول.
وهو قوله: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] قال ابن عباس: كتابا من عند رب العالمين إلى فلان وفلان، يصبح عند كل رجل منا يقرؤه.
قال النبي ﷺ: سبحان ربي وقرئ ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٩٣] على الأمر له بأن يقول سبحان ربي، قال ابن عباس: عظم وكرم.
﴿هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٣] أي أن هذه الأشياء ليست فِي قوى البشر أن يأتوا بها، فلا وجه لطلبكم مني مع أني بشر.
قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا ﴿٩٤﴾ قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا ﴿٩٥﴾ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴿٩٦﴾ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴿٩٧﴾ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴿٩٨﴾ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُورًا ﴿٩٩﴾﴾ [الإسراء: ٩٤-٩٩] ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ [الإسراء: ٩٤] قال ابن عباس: يريد أهل مكة.
أن يؤمنوا أي: الإيمان والتصديق، ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ [الإسراء: ٩٤]
[ ٣ / ١٢٨ ]
البيان والرشاد من الله على لسان محمد ﷺ، وهو القرآن، ﴿إِلا أَنْ قَالُوا﴾ [الإسراء: ٩٤] أي: إلا قولهم فِي التعجب والإنكار، ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٤] وهو أنهم قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا.
وفي إنكارهم كون البشر رسولا اقتضاء أن يبعث إليهم ملك.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ [الإسراء: ٩٥] قال الحسن: قانطين.
وقال الكلبي: مقيمين.
وقال الزجاج: مستوطنين فِي الأرض.
ومعنى الطمأنينة السكون، والمراد ههنا المقام والاستيطان، لأنه يقال: سكن فلان بلد كذا إذا استوطن، وإن كان ماشيا متقلبا فِي حاجاته، وليس يراد السكون الذي هو ضد الحركة، وقوله: ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٥] أعلمهم الله تعالى أن الأعدل والأبلغ فِي الأداء إليهم بشر مثلهم، ولو كان فِي الأرض بدل الآدميين ملائكة لنزلنا عليهم ملكا رسولا، وما بعد هذا مفسر فِي آخر ﴿[الرعد.
قوله:] وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ [سورة الإسراء: ٩٧] قال ابن عباس: من يرد الله هداه، ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ [الإسراء: ٩٧] قال: ومن يخذله، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٩٧] .
يهدونهم من دون الله، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧]
٥٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْثَمِ الأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ، نا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، نا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
رَوَاه الْبُخَارِيّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّد، وَرَوَاه مُسْلِم، عَن عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ كِلاهُمَا، عَن يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ شَيْبَانَ
وقوله: ﴿عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧] قال ابن عباس فِي رواية الوالبي: لا يرون شيئا يسرهم، ﴿وَبُكْمًا﴾ [الإسراء: ٩٧] لا ينطقون بحجة، ﴿وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] لا يسمعون شيئا يسرهم.
وقال فِي رواية عطاء: يريد عميا عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، وبكما عن مخاطبة الله تعالى، وصما عما مدح الله به أولياءه.
وقال مقاتل: هذا حين يقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فيصيرون عميا بكما صما، لا يرون ولا يسمعون ولا ينطقون بعد ذلك.
وقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ [الإسراء: ٩٧] يقال: خبت النار، تخبو خبوا إذا سكن لهيبها.
﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] قال ابن عباس: سعر العذاب عليهم بأشد مما كان.
وما بعد هذا مفسر فِي هذه ال ﴿[.
ثم
[ ٣ / ١٢٩ ]
أجابهم على إنكارهم البعث بقوله:] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾ [سورة الإسراء: ٩٩] الآية، المعنى: ألم يعلموا أن من قدر على خلق السموات والأرض فِي عظمها، قادر على أن يخلق مثلهم، أي: على أن يخلقهم ثانيا، وأراد بمثلهم إياهم، وذلك أن مثل الشيء مساو له فِي حالته، فجاز أن يعبر به عن الشيء نفسه، يقال: مثلك لا يفعل هذا، أي: أنت لا تفعله، ذكرنا هذا عند قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] ونحو هذا قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] تم الكلام، ثم قال: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الإسراء: ٩٩] قال ابن عباس: يريد أجل الموت وأجل القيامة.
فأبى الظالمون المشركون، إلا كفورا جحودا بذلك الأجل، وهو البعث والقيامة.
قوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠] قال ابن عباس: لو أنتم، يا معشر المشركين، تملكون خزائن الرزق.
﴿إِذًا لأَمْسَكْتُمْ﴾ [الإسراء: ١٠٠] لبخلتم، قال الزجاج: أعلمهم الله أنهم لو ملكوا خزائن الأرزاق لأمسكوا شحا وبخلا، وهو خشية الإنفاق.
وقال ابن عباس، وقتادة: خشية الفقر والفاقة.
وقال السدي: خشية أن تنفقوا فتفتقروا.
﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] بخيلا مسيكا، يقال: قتر يقتر، ويقتر قترا، وأقتر إقتارا، وقتر تقتيرا، إذا قصر فِي الإنفاق.
ثم ذكر إنكار فرعون آيات موسى ﵇، تشبيها بحال هؤلاء المشركين بحاله، وتسلية للنبي ﷺ، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ﴿١٠١﴾ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴿١٠٢﴾ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا ﴿١٠٣﴾ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ﴿١٠٤﴾﴾ [الإسراء: ١٠١-١٠٤] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] قال المفسرون: هي الطوفان والجراد والقمل، والضفادع والدم، والعصا، ويده والسنون، ونقص من الثمرات.
وقال القرظي بدل السنين والنقص: قلق البحر والطمس.
٥٥٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيُّ، أنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، أَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ لِصَاحِبِه: تَعَالَ، حَتَّى
[ ٣ / ١٣٠ ]
نَسْأَلَ هَذَا النَّبِيَّ، قَالَ: فَأَتَيَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فَقَالَ: لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلا تَسْحِرُوا، وَلا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلا تَقْذِفُوا الْمُحْصَنَةَ، وَلا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وَعَلَيْكُمْ، خَاصَّةَ يَهُودَ، أَلا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ، قَالَ: فَقَبَّلُوا يَدَهُ، فَقَالُوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟ قَالُوا: إِنَّ دَاوُدَ، ﵇، دَعَا أَنْ لا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخْشَى إِنِ اتَّبَعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ
قوله: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ١٠١] قال ابن عباس: يريد المؤمنين من قريظة والنضير.
وإنما أمر بأن يسألهم ليكشف لعامة اليهود، يقول علمائهم: صدق ما أتى به، وأخبر عنه.
فيكون ذلك حجة عليهم، وقوله: ﴿إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء: ١٠١] يعني موسى، ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] قال أبو عبيد، والفراء: هو بمعنى الساحر، كالمشئوم والميمون.
ويجوز أن يكون مفعولا من السحر، أي: إنك قد سحرت، فعمل فيك السحر.
فقال موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] الآيات، ﴿إِلا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] عبرا ودلالات، وقراءة العامة بفتح التاء، وهي قراءة ابن عباس، وقرأ الكسائي بضم التاء، وهي قراءة علي ﵁، وكان يقول: والله ما علم عدو الله، ولكن موسى هو الذي علم.
فبلغ ذلك ابن عباس، فاحتج بقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] على أن فرعون وقومه كانوا قد عرفوا صحة أمر موسى.
قال الزجاج: الأجود فِي القراءة فتح التاء، لأن علم فرعون بأنها آيات من عند الله أوكد فِي الحجة، فموسى يحتج بما علم هو لا بما علم موسى.
وقوله: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ﴾ [الإسراء: ١٠٢] أي أعلمك، مثبورا قال ابن عباس: ملعونا.
قال الفراء: المثبور الملعون المحبوس عن الخير، تقول العرب: ما ثبرك عن هذا؟ أي: ما منعك منه، وما صرفك.
وقال قتادة: مهلكا.
وقال مجاهد: هالكا.
وقال أبو عبيدة: المعروف فِي الثبور والهلاك والملعون، هالك.
قوله: فأراد يعني فرعون، أن يستفزهم يزعجهم ويخرجهم، يعني موسى وبني إسرائيل، من الأرض أرض مصر، قال الزجاج: أراد إخراجهم منها بالقتل أو بالتنحية، فأغرقه الله وقومه، وأورث بني إسرائيل مساكنهم وديارهم.
وفي هذا تسلية للنبي ﷺ، وأنه يفعل به وبالمشركين ما فعل بموسى وعدوه، ثم فعل ذلك، أظهر نبيه على المشركين ورده إلى مكة ظاهرا عليها.
وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ١٠٤] يعني القيامة، ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] قال مجاهد
[ ٣ / ١٣١ ]
وقتادة، جميعا: اللفيف: الجمع العظيم من أخلاط شتى.
والمعنى: جئنا بكم من قبوركم إلى المحشر أخلاطا، يعني جميع الخلق، المسلم والكافر، والبر والفاجر.
قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿١٠٥﴾ وَقُرْءَانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا ﴿١٠٦﴾ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا ﴿١٠٧﴾ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا ﴿١٠٨﴾ وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴿١٠٩﴾﴾ [الإسراء: ١٠٥-١٠٩] ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الإسراء: ١٠٥] أنزلنا القرآن بالأمر الثابت والدين القائم، ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] ومع الحق نزل، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] لمن أطاع بالجنة، ﴿وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] منذرا مخوفا لمن عصى بالنار.
﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَاهُ﴾ [الإسراء: ١٠٦] قال الوالبي: فصلناه.
وقال السدي: قطعناه آية آية، و﴿[سورة، ولم ينزله جملة.
قال قتادة: كان بين أول القرآن وآخره عشرون سنة.
وهو معنى قوله:] لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [سورة الإسراء: ١٠٦] قال مجاهد: على تؤدة وترسل.
وقال الزجاج: فرقه الله فِي التنزيل ليفهمه الناس.
﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا﴾ [الإسراء: ١٠٦] نجوما بعد نجوم، وشيئا بعد شيء.
قل لأهل مكة، آمَنُوا بالقرآن، ﴿أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ١٠٧] وهذا تهديد، أي: فقد أنذر الله، وبلغ الرسول ﷺ، فاختاروا ما تريدون، ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] من قبل نزول القرآن، يعني طلاب الدين مثل أبي ذر، وسلمان، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو.
﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ١٠٧] القرآن، ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] قال ابن عباس ﵁: للوجوه، يريد يسجدون بوجوههم وجباههم وأذقانهم.
واللام ههنا بمعنى على.
ويقولون فِي سجودهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا﴾ [الإسراء: ١٠٨] بإنزال القرآن، وبعث محمد ﷺ، ﴿لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨] وذلك أن هؤلاء كانوا يسمعون أن الله باعث نبيا من العرب، ومنزل عليه الكتاب، فلما سمعوا القرآن، سجدوا لله وحمدوه على إنجاز الوعد ببعث الرسول والكتاب.
﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٩] كرر القول، دلالة على تكرر الفعل منهم، وقال عبد الأعلى التيمي: إن من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق ألا يكون أوتي علما ينفعه، لأن الله تعالى نعت العلماء، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ١٠٧] تلا إلى قوله: ﴿يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] أي: يزيدهم القرآن تواضعا.
قوله: ﴿
[ ٣ / ١٣٢ ]
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴿١١٠﴾ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴿١١١﴾﴾ [الإسراء: ١١٠-١١١] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] قال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ، قال وهو ساجد ذات ليلة: ياالله، يا رحمن، فسمعه أبو جهل، وهم لا يعرفون الرحمن، فقال: إن محمدا ينهانا أن نعبد إلهين، وهو يدعو إلها آخر مع الله، يقال له: الرحمن، فأنزل الله ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أي: قل يا محمد: ادعوا الله يا معشر المؤمنين، أو ادعوا الرحمن، أي: إن شئتم قولوا: يا الله، وإن شئتم قولوا: يا رحمن، قال الزجاج: أعلمهم الله أن دعاءهم الله، ودعاءهم الرحمن يرجعان إلى واحد، فقال: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: ١١٠] .
المعنى: أيُّ أسماء الله تعالى تدعوا ﴿فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وقوله: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] المخافته الإخفاء، يقال: خفت صوته يخفت خفوتا إذا ضعف، وصوت خفيف، والرجل يخافت بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت، والجهر رفع الصوت، وكان النبي ﷺ إذا جهر بالقرآن، سب المشركون القرآن، فأمره الله ألا يعرض القرآن لسبهم، ولا يخافت مخافتة لا يسمعها من يصلي خلفه من أصحابه، فقال: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ١١٠] أي: اسلك طريقا بين الجهر والمخافتة.
٥٥٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بُن إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: نا وَالِدِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، نا أَبُو بِشْرٍ حَكَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، فَكَانُوا إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ؛ سَبُّوا الْقُرْآنَ، وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ، ﷿، لِنَبِيِّهِ، ﷺ: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ أَيْ: بِقِرَاءَتِكَ، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ، فَيَسُبُّوا الْقُرْآنَ ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾، عَنْ أَصْحَابِكَ فَلا يَسْمَعُونَ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُسَدَّدٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، كِلاهُمَا، عَنْ هُشَيْمٍ
[ ٣ / ١٣٣ ]
٥٦٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْجَارِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي السَّرِيِّ الْبَكَّائِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ، نا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُخَافِتُ إِذَا قَرَأَ، وَكَانَ عُمَرُ يَجْهَرُ بِقِرَاءَتِهِ، وَكَانَ عَمَّارٌ يَأْخُذُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، وَمِنْ هَذِهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، ﷺ، فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ: لِمَ تُخَافِتُ؟ فَقَالَ: إِنِّي أُسْمِعُ مَنْ أُنَاجِي، وَقَالَ لِعُمَرَ: لِمَ تَجْهَرُ؟ فَقَالَ: أُفْزِعُ الشَّيْطَانَ، وَأُوقِظُ الْوَسْنَانَ، وَقَالَ لِعَمَّارٍ: لِمَ تَأْخُذُ مِنْ هَذِهِ وَهَذِهِ؟ قَالَ: تَسْمَعُنِي أَخْلِطُ بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَكُلُّهُ طَيِّبٌ
قوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] قال قتادة: كذب الله بهذه الآية اليهود والنصارى وأهل القرى عليه.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١] ليس له من يشاركه فِي ملكه، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١] قال مجاهد: لم يخالف أحدا، ولم يبتغ نصر أحد.
والمعنى أنه لا يحتاج إلى موالاة أحد لذل يلحقه، فهو مستغن عن الولي والنصير، وهذا معنى قول الزجاج: لم يحتج أن ينتصر بغيره.
﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] عظمه عظمة تامة.
[ ٣ / ١٣٤ ]