مدنية، وآياتها ست وثمانون ومائتان.
٢٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّوْسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الأبِيوَرْدِيُّ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ»
٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ
[ ١ / ٧٣ ]
الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ لا يَدْخُلُهُ الشَّيْطَانُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ»
٢٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرِجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ
[ ١ / ٧٤ ]
عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ الْجَرَشِيِّ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ سُوَرِ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْبَقَرَةُ»، قِيلَ: أَيُّ الْبَقَرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «آيَةُ الْكُرْسِيِّ»
التفسير ﴿الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾﴾ [البقرة: ١-٥] قوله ﷿: الم: كثر اختلاف المفسرين فِي الحروف المقطعة فِي القرآن، فذهب قوم إلى أن الله تعالى لم يجعل لأحد سبيلا إلى إدراك معانيها، وأنها مما استأثر الله تعالى بعلمها، فنحن نؤمن بظاهرها، ونكل علمها إلى الله تعالى.
قال داود بن أبي هند: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور، فقال: يا داود إن لكل كتاب سرا، وإن سر القرآن فواتح السور، فدعها وسل عما سوى ذلك.
[ ١ / ٧٥ ]
وفسرها الآخرون، فقال ابن عباس، فِي رواية سعيد بن جبير وأبي الضحى: الم أنا الله أعلم.
وقال الضحاك: كل الم فِي القرآن: أنا الله أعلم.
وهذا اختيار الزجاج، قال: المختار ما روي عن ابن عباس هو أن معنى الم: أنا الله أعلم، وأن كل حرف منها له تفسير.
قال: والدليل على ذلك أن العرب قد تنطق بالحرف الواحد تدل به على الكلمة التي هو منها.
وأنشد:
قلت لها قفي لنا قالت قاف
فنطق بقاف فقط يريد: قالت قف.
ويروى عن الحسن، أنه قال: الم وسائر حروف التهجي فِي القرآن: أسماء للسور.
وعلى هذا القول إذا قال القائل: قرأت المص.
عرف السامع أنه قرأ ال ﴿[التي افتتحت ب المص.
قوله ﷿: ذلك الكتاب: ذلك يجوز أن يكون بمعنى: هذا، عند كثير من أهل التفسير.
قال الفراء: ومثاله فِي الكلام أنك تقول: قد قدم فلان.
فيقول السامع: قد بلغنا ذلك.
أو يقول: قد بلغنا
[ ١ / ٧٦ ]
الخبر.
فصلحت: هذا، لأنه قرب من جوابه فصار كالحاضر الذي تشير إليه، وصلحت: ذلك لانقضاء كلامه، والمنقضي كالغائب.
وذكر ابن الأنباري لهذا شرحا شافيا فقال: إنما قال عز ذكره: ذلك الكتاب، فأشار إلى غائب، لأنه أراد: هذه الكلمات يا محمد، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك، لأن الله تعالى لما أنزل على نبيه ﵇:] إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [سورة المزمل: ٥] كان واثقا بوعد الله إياه، فلما أنزل الله تعالى عليه: ﴿الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١-٢] دله على الوعد المتقدم.
وقال الزجاج: القرآن: ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى، وعيسى.
فجعل الم بمعنى القرآن، لأنه من القرآن.
والكتاب مصدر كتبتُ، ويسمى المكتوب كتابا، كما يسمى المخلوق خلقا، والمفعول يسمى بالمصدر، يقال: هذا درهم ضرب الأمير.
أي: مضروبه، وهذا الثوب نسج اليمن.
أي: منسوجه.
وأصل الكتب فِي اللغة: الجمع والضم، يقال: كتبت البغلة.
إذا ضممتَ بين شفريها بحلقة، وكتبت السقاء.
إذا خرزته، والكتب: الخروز، واحدتها: كتبة، والكتابة: جمع حرف إلى حرف.
والمراد ب الكتاب ههنا: القرآن، فِي قول جميع المفسرين.
قوله: لا ريب فِيهِ: الريب: الشك، قال أبو زيد: يقال: رابني من فلان أمر رأيته منه ريبا.
إذا كنت مستيقنا منه الريبة، فإذا أسأت به الظن ولم تستيقن بالريبة منه قلت: قد أرابني من فلان أمر هو فِيهِ.
إذا ظننته من غير أن تستيقنه.
قال سيبويه: «لا» تعمل فيما بعدها فتنصبه، ونصبها لما بعدها كنصب «إنَّ»، إلا أنها تنصب بغير تنوين، وإنما شبه «لا» ب «إنَّ»، لأن «إن» للتحقيق فِي الإثبات و«لا» فِي النفي، فلما كان لا تقتضي تحقيق النفي كما تقتضي «إن» تحقيق الإثبات أجري مجراه، وهي مع ما بعدها بمنزلة شيء واحد.
[ ١ / ٧٧ ]
وموضع لا ريب رفع بالابتداء عند سيبويه، لأنه بمنزلة: «خمسة عشر» إذا ابتدأت به، ولهذا جاز العطف عليه بالرفع فِي قول الشاعر:
لا أم لي أن كان ذاك ولا أب
وموضع فِيهِ رفع لأنه خبر بالابتداء الذي هو لا ريب.
فإن قيل: كيف قال لا ريب فِيهِ وقد ارتاب به المبطلون؟ قيل: معناه: أنه حق فِي نفسه، وصدق وإن ارتاب به المبطلون، كما قال الشاعر:
ليس فِي الحق يا أمامة ريب إنما الريب ما يقول الكذوب
فنفى الريب عن الحق، وإن كان المتقاصر فِي العلم يرتاب.
ويجوز أن يكون خبرا فِي معنى النهي، ومعناه: لا ترتابوا، كقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والمعنى: لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا.
قوله: هدى للمتقين معنى الهدى: البيان، لأنه قوبل به الضلالة فِي قوله ﷿: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، أي: من قبل هداه.
ومعنى الاتقاء فِي اللغة: الحجز بين الشيئين، يقال: اتقاه بترسه.
أي: جعل الترس حاجزا بينه وبينه، ومنه التقية فِي الدين: يجعل ما يظهر حاجزا بينه وبين ما يخشاه من المكروه، ومنه الحديث: «كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ﷺ فكان أقربنا إلى العدو» .
[ ١ / ٧٨ ]
فالمتقي: هو الذي يتحرز بطاعته عن العقوبة، ويجعل اجتنابه عما نهي عنه، وفعله ما أمر به حاجزا بينه وبين العقوبة التي توعد بها العصاة.
والمراد ب المتقين فِي هذه الآية: المؤمنون الذين اتقوا الشرك، وجعلوا إيمانهم حاجزا بينهم وبين الشرك، كأنه قال: القرآن بيان وهدى لمن اتقى الشرك وهم المؤمنون.
وخص المؤمنين بأن الكتاب بيان لهم دون الكفار، الذين لم يهتدوا بهذا الكتاب، لانتفاعهم به دونهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، وكان ﵇ منذرا لمن خشي ولمن لم يخش.
قال ابن الأنباري: معناه: هدى للمتقين والكافرين، فاكتفى بأحد الفريقين عن الآخر كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أراد الحر والبرد، فاكتفى بذكر أحدهما.
وأما إعراب هدى فقال الزجاج: يجوز أن يكون موضعه نصبا على الحال كأنه قال: هاديا للمتقين، ويجوز أن يكون موضعه رفعا على إضمار هو، كأنه لما تم الكلام قيل: هو هدى.
ويجوز أن يكون الوقف على قولك لا ريب، أي: ذلك الكتاب لا ريب ولا شك، كأنك قلت: ذلك الكتاب حقا.
لأن لا شك بمعنى: حقا، ثم قيل بعد فِيهِ هدى.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] قال الزجاج: موضع الذين خفض نعتا للمتقين.
ومعنى يؤمنون: يصدقون، قال الأزهري: اتفق العلماء أن الإيمان معناه التصديق، كقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: بمصدق.
[ ١ / ٧٩ ]
ومعنى التصديق: هو اعتقاد السامع صدق المخبر فيما يخبر، فمن صدَّق الله تعالى فيما أخبر به فِي كتابه وصدَّق الرسول ﷺ فيما أخبر معتقدا بالقلب تصديقَهما فهو مؤمنٌ.
وأنشد ابن الأنباري، على أن آمن معناه: صدق، قولَ الشاعر:
ومن قبل آمنا وقد كان قومنا يصلون للأوثان قبل محمدا
معناه: من قبل آمنا محمدا، أي: صدقنا محمدا.
والغيب: ما غاب، وهو مصدر غاب يغيب غيبا، وكل ما غاب عنك فلم تشهده فهو غيب، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] والعرب تسمي المكان المنخفض من الأرض: الغيب، لأنه غائب عن الأبصار.
والمراد ب الغيب المذكور ههنا: ما غاب علمه عن الحس والضرورة مما يدرك بالدليل.
قال قتادة: آمنوا بالجنة والنار، والبعث بعد الموت، وبيوم القيامة، كل هذا غيب.
وقال أبو العالية: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر وجنته وناره، ولقائه، وبالبعث بعد الموت.
قال الزجاج: وكل ما غاب عنهم مما أخبرهم به النبي ﷺ فهو غيب.
٢٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، وَحَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
[ ١ / ٨٠ ]
مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرْنَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا سَبَقُوا بِهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانَ بَيِّنًا لِمَنْ رَآهُ، وَالَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا آمَنَ أَحَدٌ قَطُّ إِيمَانًا أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ١-٣] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
وقوله: ويقيمون الصلاة أي: يديمونها، ويحافظون عليها، ويقال: قام الشيء.
إذا دام وثبت.
وأقامه.
إذا أدامه، والصلاة معناها فِي اللغة: الدعاء، ومنه الحديث: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليطعم، وإن كان صائما فليصل» .
قال أبو عبيدة: قوله: «فليصل» أي: فليدع له بالبركة والخير، وكل داع فهو مصل.
هذا معنى الصلاة فِي اللغة، ثم ضمت إليها هيئات وأركان سميت مجموعها صلاة، قال قتادة فِي قوله: ويقيمون
[ ١ / ٨١ ]
الصلاة: إقامتها: المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها.
وقوله: ومما رزقناهم يقال: رزق الله الخلق رزقا ورزقا، فالرَّزق، بالفتح، هو المصدر الحقيقي، والرِّزق: الاسم، ويجوز أن يوضع موضع المصدر، وكل ما انتفع به العبد فهو رزقه من مال وولد وعبد وغيره.
وقوله: ينفقون معنى الإنفاق فِي اللغة: إخراج المال من اليد، ومن هذا يقال: نفق المبيع.
إذا كثر مشتروه فخرج عن يد البائع، ونفقت الدابة.
إذا خرجت روحها، قال قتادة: ينفقون فِي طاعة الله وسبيله.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] الآيةَ، قال مجاهد: الآيات الأربع من أول هذه ال ﴿[نزلت فِي جميع المؤمنين، سواء كانوا من العرب أو من أهل الكتاب، وقال ابن عباس، وابن مسعود: إن آيتين من أول السورة نزلتا فِي مؤمني العرب، والآيتان بعدهما نزلتا فِي مؤمني أهل الكتاب، لأنه لم يكن للعرب كتاب كانوا مؤمنين به قبل محمد ﷺ.
والمراد بقوله:] بما أنزل إليك﴾: القرآن، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [سورة البقرة: ٤] يعني: الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل.
وقوله: وبالآخرة أي: وبالدار الآخرة، هم يوقنون يقال: يقن ييقن يقنا فهو يقين، وأيقن بالأمر واستيقن وتيقن كله واحد.
واليقين: هو العلم الذي يحصل بعد استدلال ونظر، ولا يجوز أن يسمى علمُ الله تعالى يقينا، لأن علمه لم يحصل عن استدلال ونظر، والمعنى: أنهم يؤمنون بالآخرة ويعلمونها علما باستدلال.
قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] «أولاء»: كلمة معناها الكناية عن جماعة نحو «هم»، والكاف فِيهِ للمخاطبة، نحو كاف «ذلك» .
[ ١ / ٨٢ ]
والمعنى: هم على بيان وبصيرة من عند ربهم، لأن الله تعالى هداهم لدينه.
﴿وأولئك هم المفلحون﴾ قال الزجاج: يقال لكل من أصاب خيرا: مفلح.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]، و﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] .
والمعنى: هم الذين أدركوا البغية ووجدوا النعيم المقيم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾﴾ [البقرة: ٦-٧] قوله: إن الذين كفروا الآية، قال الضحاك: نزلت فِي أبي جهل وخمسة من أهل بيته.
وقال الكلبي: يعني اليهود.
يقال: كفر كفرا وكفورا.
كما يقال: شكر شكرا وشكورا.
ومعنى الكفر فِي اللغة: الستر، قال ابن السكيت: كل ما ستر شيئا فقد كفره، ومنه قيل: الليل كافر.
لأنه يستر بظلمته الأشياءَ، ومنه سمي الكافر كافرا لأنه ستر إنعام الله تعالى بالهدى والآيات التي بانت لذوي التمييز: أن الله تعالى واحد لا شريك له، فمن لم يصدق بها وردها فقد كفر النعمة، أي: سترها وغطاها.
والكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر معاندة، وكفر نفاق، فمن لقي ربه بشيء من ذلك لم يغفر له.
[ ١ / ٨٣ ]
أما كفر الإنكار: فهو أن يكفر بقلبه ولسانه، ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد، وكفر الجحود: أن يعرف بقلبه ولا يعترف بلسانه ككفر إبليس وكفر أمية بن أبي الصلت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] يعني: كفر الجحود.
وأما كفر المعاندة: فهو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه ولا يقبل ولا يدين به، ككفر أبي طالب حيث يقول:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا
وأما كفر النفاق: فأن يقر بلسانه، ويكفر بقلبه.
وقوله تعالى: سواء عليهم أي: معتدل ومتساو عندهم، أأنذرتهم: أأعلمتهم وخوفتهم.
والإنذار: إعلام مع تخويف، فكل منذر معلم، وليس كل معلم منذرا، يقال: أنذرته فنذر.
أي: علم بموضع الخوف.
قال الوالبي، عن ابن عباس فِي هذه الآية: كان رسول الله ﷺ يحرص أن يؤمن به جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة فِي الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله تعالى الشقاء فِي الذكر الأول.
ثم ذكر السبب فِي تركهم الإيمان فقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] قال الزجاج: معنى «ختم»، «وطبع» فِي اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء
[ ١ / ٨٤ ]
والاستيثاق منه بأن لا يدخله شيء، والختم على الوعاء يمنع الدخول فِيهِ والخروج منه، كذلك الختم على قلوب الكفار، يمنع دخول الإيمان فِيها وخروج الكفر منها، وإنما يكون ذلك بأن يخلق الله الكفر فِيها، ويصدهم عن الهدى فلا يدخل الإيمان فِي قلوبهم كما قال الله ﷿: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] وقوله: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وحَّد السمع لأنه مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع، وقال سيبويه: اكتفى من الجمع بالواحد لأنه توسط جمعين فصار كقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] .
وتم الكلام، ههنا، ثم قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] الأبصار: جمع البصر وهو العين، يقال: تبصرت الشيء إذا رأيته.
والغشاوة: الغطاء، ويقال للجلدة التي على الولد: غشاوة.
ومثل هذه الآية فِي المعنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]، وطبع فِي المعنى ك ختم.
قال الزجاج فِي هذه الآية: إنهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون ولكن لم يستعملوا هذه الحواسَّ استعمالا ينفعهم، فصاروا كما لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر.
وقوله: ﴿ولهم عذاب عظيم﴾ العذاب: كل ما يُعَنِّي الإنسان ويشق عليه، والعظيم: فعيل من العظم، وهو كثرة المقدار فِي الجثة، ثم قيل: كلام عظيم، وأمر عظيم.
أي: عظيم القدر، يريدون به: المبالغة فِي وصفه.
ومعنى وصف العذاب العظيم: هو المواصلة بين أجزاء الآلام، بحيث لا يتخللها فرجة.
[ ١ / ٨٥ ]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿١٠﴾﴾ [البقرة: ٨-١٠] قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨]: الناس: لفظ وضع للجمع كالنوم والرهط والجيش وواحده: إنسان، لا من لفظه.
وقوله: وباليوم الآخر يعني: يوم القيامة، وسمي آخرًا لأنه بعد أيام الدنيا.
وقوله: ﴿وما هم بمؤمنين﴾: جمع بعد التوحيد فِي من يقول لأن لفظ من يصلح للواحد وللجميع، فقوله: من يقول يجوز أن يراد به الجمع وإن كان اللفظ على واحد.
قال المفسرون: نزلت هذه الآية فِي المنافقين حين أظهروا كلمة الإيمان وأسروا الكفر، فأخبر الله سبحانه أنهم يقولون: إنا مؤمنون.
ويظهرون كلمة الإيمان، ثم نفى الله عنهم الإيمان فقال: ﴿وما هم بمؤمنين﴾، فدل على أن حقيقة الإيمان ليس الإقرار فقط.
قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩]: يخادعون: يفاعلون، من الخدع، يقال: خدعته خدْعًا وخدَعًا وخديعةً، إذا أظهر له غير ما يضمر.
والمعنى: أن هؤلاء المنافقين يظهرون غير ما فِي نفوسهم ليدرءوا عنهم أحكام الكفر فِي ظاهر الشريعة من القتل والجزية وغيرهما.
فإن قيل: المفاعلة تكون بين اثنين، والله تعالى يَجِلُّ أن يشاركهم فِي الخداع، فما وجه قوله: يخادعون الله؟ قيل: يخادعون ههنا بمعنى: يخدعون.
قال أبو عبيدة: خادعت الرجل بمعنى: خدعته.
والمفاعلة كثيرًا ما يقع من الواحد، كالمعافاة والمعاقبة وطارقت النعل، على هذا.
[ ١ / ٨٦ ]
وقال الحسن: يخادعون الله: أي نبيه، لأن الله بعث نبيه بدينه، فمن أطاعه فقد أطاع الله كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وإذا خادعوا النبي ﷺ فقد خادعوا الله.
وقوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩] قرئ بوجهين: فمن قرأ بالألف قال: هو من المفاعلة التي تقع من الواحد كقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩]، فلما وقع الاتفاق على الألف فِي قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩] أجري الثاني على الأول طلبًا للتشاكل.
ومن قرأ: يخدعون قال: إن فَعَلَ أُوِّلَ بفعل الواحد، من فاعل الذي فِي أكثر الأمر يكون لفاعلين.
ومعنى قوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩]: هو أنهم طلبوا الخداع فلم يخدعوا الله ولا المؤمنين وما خدعوا إلا أنفسهم، لأن وبال خداعهم عاد عليهم، لا أن الله تعالى يطلع نبيه على أسرارهم ونفاقهم فيفتضحون فِي الدنيا، ويستوجبون العقاب فِي العقبى.
وقوله وما يشعرون أي: وما يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم، وأن وبال خداعهم يعود عليهم.
قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]: قال ابن عباس، وابن مسعود، والحسن، وقتادة، وجميع المفسرين: أي: شك ونفاق.
وقال الزجاج: المرض فِي القلب: كل ما خرج به الإنسان من الصحة فِي الدين.
وقوله: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] أي: بما أنزل من القرآن، فشكوا فِيهِ كما شكوا فِي الذي قبله.
[ ١ / ٨٧ ]
قوله: ﴿ولهم عذاب أليم﴾: الأليم بمعنى: المؤلم، كالسميع بمعنى المسمع، وهو العذاب الذي يصل وجعه إلى قلوبهم.
قوله: ﴿بما كانوا يكذبون﴾: «ما»: فِي تأويل المصدر، أي: بتكذيبهم وبكونهم مكذبين.
وقرأ أهل الكوفة يكذبون بالتخفيف، من الكذب، وهو أشبه بما قبله وما بعده لأن ما قبله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨]، وهذا كذب منهم، وبعده قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، وهذا يدل على كذبهم فِي دعوى الإيمان.
وقال ابن عباس: ﴿بِمَا كَانُوا يكذّبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] يعني: تكذيب الأنبياء.
قال: ومن خففها فالمراد أنهم يتكلمون بما يعلم الله خلافه فِي قلوبهم، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] .
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴿١١﴾ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ﴿١٢﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ﴿١٣﴾ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴿١٤﴾ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١٥﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴿١٦﴾﴾ [البقرة: ١١-١٦] قوله: ﴿وإذا قيل لهم﴾: موضع «إذا» من الإعراب نصب، لأنه اسم للوقت، كأنك قلت: وحين قيل لهم، أو يوم قيل لهم.
وقيل: كان فِي الأصل: قُوِل، فنقلت كسرة الواو إلى القاف، فسكنت الواو وانكسر ما قبلها فصارت ياءً.
والكسائي يُشِمُّ قيل وأخواتِه الضمَّ، ليدل بذلك على أنه كان فِي الأصل «فعل» .
ومعنى الآية ﴿وإذا قيل لهم﴾ يعني: لهؤلاء المنافقين، ﴿لا تفسدوا فِي الأرض﴾ بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ، ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] يظهرون هذا القول كذبا ونفاقا، كما أنهم قالوا: آمنا وهم كاذبون.
[ ١ / ٨٨ ]
فرد الله عليهم قولَهم: ﴿نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] فقال: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، قال الزجاج: ألا: كلمة يُبتدأ بها، يُنبَّه بها المخاطب ليُدَلَّ على صحة ما بعدها، وهم لتأكيد الكلام.
والمعنى: هم المفسدون أنفسَهم بالكفر، والناسَ بالتعويق عن الإيمان، ولكن لا يشعرون لا يعلمون أنهم مفسدون، لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاحٌ.
ولكنْ: معناها استدراك بإيجاب بعد نفي، أو نفي بعد إيجاب كالتي فِي هذه الآية، لأنه إذا قيل: هم المفسدون سبق إلى الوهم أنهم يفعلون ذلك من حيث يشعرون، فقال: ولكن لا يشعرون فاستدرك بالنفي بعد الإيجاب.
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣] الآية، قال جميع المفسرين: المراد بالناس فِي هذه الآية أصحاب محمد ﷺ والذين آمنوا به.
والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: آمنوا بمحمد ﷺ كما آمن أصحابه.
قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار.
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] الألف فِي أنؤمن استفهام معناه: الجحد والإنكار، أي: لا نفعل كما فعلوا، والسفهاء: الجهال الذين قلت عقولهم، جمع السفيه، ومصدره: السَّفَهُ، والسَّفاهة والسفاه.
قال أهل اللغة: معنى السفه: الخفة، والسفيه: الخفيف العقل، ولهذا سمى الله تعالى الصبيان والنساء سفهاء فِي قوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، لجهلهم وخفة عقلهم.
وعنوا ب السفهاء: أصحاب محمد ﷺ، قال ابن عباس: قالوا: أولئك سفهاؤنا.
فإن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]؟ قيل: إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم، لا عند المؤمنين، فأخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين.
[ ١ / ٨٩ ]
قال ابن عباس: فرد الله عليهم جواب كفرهم فقال: ألا إنهم هم السفهاء لا المؤمنون الذين صدقوا محمدًا ﷺ، ولكن لا يعلمون ولكنهم لا يعلمون ما يقولون.
قوله: وإذا لقوا الذين آمنوا الآية، قال المفسرون: أراد ب الذين آمنوا: أبا بكر ﵁ وأصحابَه، وذلك أن المنافقين كانوا إذا لقوهم واجتمعوا معهم قالوا: إيماننا كإيمانكم ونحن معكم.
يقال: لقيته لقاء ولقيانا ولقيا، وكل شيء استقبل شيئا فقد لقيه.
وقوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤] يقال: خلوت بفلان، أخلو به خلوة وخلاء.
وخلوت معه وخلوت إليه بمعنًى واحدٍ.
والشيطان: كل متمرد عات من الجن والإنس، قال الله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، واشتقاقه من شطن، أي: بعد، فمعنى الشيطان: البعيد من الجنة.
قال الزجاج: ومعنى الشيطان: الغالي فِي الكفر، المتعبد فِيهِ من الجن والإنس.
قال ابن عباس: أراد ب شياطينهم: كبراءهم ورؤساءهم.
وقوله: إنا معكم أي: على دينكم، إنما نحن مستهزءون بأصحاب محمد ﷺ، حيث نقول لهم: آمنا.
يقال: هزئ به يهزأ وتهزأ به، واستهزأ به.
وهو أن يظهر غير ما يضمر، استصغارا وعبثا.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] أي: يجازيهم جزاء استهزائهم، فسمى الجزاء باسم المجازى عليه كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، فسمى الثاني سيئة باسم الأول، وقال أيضًا: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
[ ١ / ٩٠ ]
قال ابن عباس، فِي رواية عطاء، فِي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]: هو أن الله تعالى إذا قسم النور يوم القيامة للجواز على الصراط أعطى المنافقين مع المؤمنين نورًا، حتى إذا ساروا على الصراط طُفِئَ نورُهم.
قال: فذلك قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، حيث يعطيهم ما لا يتم ولا ينتفعون به.
وروي عنه، أيضًا، أنه قال: هو أن الله تعالى يطلع المؤمنين وهم فِي الجنة على المنافقين وهم فِي النار، فيقولون لهم: أتحبون أن تدخلوا الجنة؟ فيقولون: نعم.
فيفتح لهم بابٌ من الجنة، ويقال لهم: ادخلوا.
فيسيرون وينقلبون فِي النار، فإن انتهوا إلى الباب سُدَّ عنهم ورُدوا إلى النار، ويضحك المؤمنون منهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿٣٤﴾ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴿٣٥﴾ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿٣٦﴾﴾ [المطففين: ٣٤-٣٦] .
٢٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَادكَ بْنِ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ الْكِلابِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جُنَادَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ:
[ ١ / ٩١ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يُؤْمَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِنَاسٍ مِنَ النَّاسِ إِلَى الْجَنَّةِ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهَا وَاسْتَنْشَقُوا رَائِحَتَهَا، وَنَظَرُوا إِلَى قُصُورِهَا، وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لأَهْلِهَا فِيهَا، نُودُوا أَنِ اصْرِفُوهُمْ عَنْهَا لا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهَا، قَالَ: فَيَرْجِعُونَ بِحَسْرَةٍ مَا رَجَعَ بِمِثْلِهَا الأَوَّلُونَ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَوْ أَدْخَلْتَنَا النَّارَ قَبْلَ أَنْ تُرِيَنَا مَا أَرَيْتَنَا مِنْ ثَوَابِكَ وَمَا أَعْدَدْتَ فِيهَا لأَوْلِيَائِكَ كَانَ أَهْوَنَ عَلَيْنَا، قَالَ: ذَلِكَ أَرَدْتُ بِكُمْ، كُنْتُمْ إِذَا خَلَوْتُمْ بِي بَارَزْتُمُونِي بِالْعَظَائِمِ، وَإِذا لَقِيتُمُ النَّاسَ لَقِيتُمُوهُمْ مُخْبِتِينَ، تُرَاءُونَ النَّاسَ بِخِلافِ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، هِبْتُمُ النَّاسَ وَلَمْ تَهَابُونِي وَأَجْلَلْتُمُ النَّاسَ وَلَمْ تُجِلُّونِي، وَتَرَكْتُمْ لِلنَّاسِ وَلَمْ تَتْرُكُوا لِي، فَالْيَوْمَ أُذِيقُكُمُ الْعَذَابَ الأَلِيمَ، مَعَ مَا حَرَمْتُكُمْ مِنَ الثَّوَابِ "
قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] أي: يمهلهم ويطول أعمارهم ومدتهم.
والطغيان: مصدر كالرجحان والكفران، ومعناه: مجاوزة القدر، وكل شيء جاوز القدر فقد طغى، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١]، وقيل لفرعون: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤]، أي: أسرف حيث ادعى الربوبية.
ومعنى يعمهون: يترددون متحيرين، يقال: عمه الرجل يعمه فهو عامهٌ وعَمِهٌ إذا حار عن الحق.
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] حقيقة الاشتراء: الاستبدال، والعرب تجعل من آثر شيئًا على شيء مشتريًا له وبائعًا للآخر، وإن لم يكن ثَمَّ شراءٌ ولا بيعٌ ظاهرٌ.
قال ابن عباس: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.
[ ١ / ٩٢ ]
وقوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] الربح: الزيادة على أصل المال، والتجارة: تقليب الأموال وتصريفها لطلب النماء، يقال: تجر الرجل يتجر تجارة فهو تاجر.
والمعنى: ما ربحوا فِي تجارتهم، وأضاف الربح إلى التجارة لأن الربح يكون فِيها، والعرب تقول: ربح بيعك، وخسر بيعك، وخاب سعيك.
على معنى: ربحت فِي بيعك، فيسندون الربح إلى البيع، وما كانوا مهتدين أي: مصيبين فِي تجارتهم.
ثم ضرب الله مثلًا للمنافين فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ﴿١٧﴾ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ﴿١٨﴾﴾ [البقرة: ١٧-١٨] ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]: والمثل من الكلام: قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول، والأصل فِيهِ: التشبيه، وحقيقته: ما جعل كالعلم للتشبيه بحال الأول، مثال ذلك قول كعب بن زهير:
كانت مواعيد عرقوب لنا مثلًا وما مواعيده إلا الأباطيل
فمواعيد عرقوب: علم فِي كل ما لا يصح من المواعيد.
واستوقد بمعنى: أوقد.
وأضاء: يكون لازمًا ومتعديًا، يقال: أضاء الشيء بنفسه وأضاءه غيره، وأضاءت النار، وأضاءها غيرها، والذي فِي هذه الآية متعد.
وما فِي قوله: ما حوله: منصوب بوقوع الإضاءة عليه، وحوله نصب على الظرف، يقال: هم حوله وحوليه وحواله وحواليه.
قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، والسدي: يقول: مَثَلُ هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارا فِي
[ ١ / ٩٣ ]
ليلة مظلمة فِي مغارة، فاستضاء بها واستدفأ، ورأى ما حوله، فاتقى ما يحذر ويخاف، وأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي مظلما خائفا متحيرا، كذلك المنافقون، لما أظهروا كلمة الإيمان استناروا بنورها، واعتزوا بعزها وأمنوا، فناكحوا المسلمين ووارثوهم، وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف، وبقوا فِي العذاب، وذلك معنى قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] .
وكان يجب فِي حق النظم أن يكون اللفظ: فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره، ليشاكل جواب لما معنى هذه القصة، ولكن كان إطفاء النار مثلا لإذهاب نورهم، أقيم إذهاب النور مقام الإطفاء، وجعل جواب لما اختصارا وإيجازا.
ومعنى ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] وهو أن الله تعالى يسلب المنافقين ما أعطوا من النور مع المؤمنين فِي الآخرة، وذلك قوله تعالى، فيما أخبر عنهم: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣] .
قوله: صم أي: هم صم، جمع أصم، وهو المُنْسَدُّ الأذن، يقال: رمح أصم إذا لم يكن أجوفَ.
وصخرة صماء: إذا كانت صلبة.
وإنما وصفوا بالصم لتركهم قبول ما يسمعون، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل على ما يسمعه: أصم.
بكم أي: عن الخير فلا يقولونه، عمي لتركهم ما يبصرون من الهدى والقرآن.
وقوله: فهم لا يرجعون أي: عن الجهل والعمى إلى الإيمان.
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿١٩﴾ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٠﴾﴾ [البقرة: ١٩-٢٠] قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] الآية، الصيب من المطر: الشديد، من قولهم: صاب يصوب، إذا نزل من علو إلى سفل.
والسماء: كل ما ارتفع وعلا، يقال لسقف البيت: سماء.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥]، والسماء: السحاب، من سما يسمو.
وقوله: فِيهِ: أي فِي ذلك الصيب، ظلمات: جمع ظلمة، والمطر لا يخلو من ظلمة، لأنه يأتي من السحاب، والسحاب يغشي الشمس بالنهار، والنجوم بالليل فيظلم الجو.
[ ١ / ٩٤ ]
قوله: ورعد وبرق: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود إلى النبي ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن أشياء، فإن أجبتنا عنها اتبعناك، أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: «ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث ما أمر الله» .
فقالوا: فما هو الصوت الذي نسمعه؟ قال: «زجرة السحاب، إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر الله» .
فقالوا: صدقت.
وقال أصحاب ابن عباس: مجاهد وطاوس وعكرمة: الرعد: ملك يزجر السحاب بصوته، ويسوقه، والرعد الذي هو الصوت سمي به.
وسئل وهب بن منبه عن الرعد، فقال: الله أعلم.
٢٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلاءِ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودٍ الأَصْفَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الرَّعْدَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لا يُصِيبُ ذَاكِرًا»
[ ١ / ٩٥ ]
والبرق: مصع ملك يسوق السحاب، وقال علي، ﵁: البرق: مخاريق بأيدي الملائكة.
وكان النبي ﷺ إذا رأى البرق وسمع الصواعق قال: «اللهم لا تهلكنا بعذابك، ولا تقتلنا بغضبك، وعافنا قبل ذلك» .
وأما معنى الآية، فقال المفسرون: إن الله تعالى ضرب للمنافقين مثلا آخر وشبههم بأصحاب مطر.
ومعنى أو كصيب: أو كأصحاب صيب، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وأراد بالمطر: القرآن، وشبهه بالمطر لما فِيهِ من حياة القلوب، وبالظلمات: لما فِي الكفر من ذكر الكفر والشرك، وبيان الفتن والأهوال، وبالرعد: لما خوفوا به من الوعيد وذكر النار، وبالبرق: حجج القرآن وما فِيهِ من البيان والنور والشفاء والهدى، وشبه جعل المنافقين أصابعهم فِي آذانهم لكيلا يسمعوا ما ينزل من القرآن ما فِيهِ افتضاحهم بجعل الذي فِي هذا المطر أصابعه فِي أذنه كيلا يسمع صوت الرعد.
والصواعق: وهي جمع صاعقة، والصاعقة والصعقة: الصيحة، يغشى منها على من يسمعها أو يموت، قال الله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣] .
ويقال للرعد والبرق إذا قتل إنسانًا: أصابته صاعقة.
وقيل: الصاعقة: الصوت الشديد من الرعد يسقط معها قطعة نار.
وقوله: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩]: قال الزجاج: إنما نصب حذر لأنه فِي تأويل المصدر، كأنه قيل: يحذرون حذرا، لأن جعل الأصابع فِي الآذان يدل على الحذر.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩]: قال مجاهد: جامعهم يوم القيامة، يقال: أحاط بكذا إذا لم يشذ منه شيء،
[ ١ / ٩٦ ]
كقوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، أي: لم يشذ عن علمه شيء.
وجاء فِي التفسير: والله مهلكهم، يقال: أحاط بفلان، إذا دنا هلاكه فهو محاط به.
قال الله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] أي: أصابه ما أهلكه وأفسده، وقوله تعالى: ﴿إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] أي: تهلكوا جميعا.
وقوله: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]: كاد: موضوع عند العرب لمقاربة الفعل، وكدت أفعل معناه عند العرب: قاربت الفعل ولم أفعل، وما كدت أفعل معناه: فعلت بعد إبطاء.
والخطف: أخذ باستلاب، يقال: خطف يخطف خطفا، ومنه الخطاف.
وهذه الآية من تمام التمثيل، والمعنى: يكاد ما فِي القرآن من الحجج النيرة يخطف قلوبهم من شدة إزعاجها إلى النظر فِي أمر دينهم، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] البرق، ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] لاهتدائهم إلى الطريق بضوء البرق، كذلك المنافقون كلما قرئ عليهم شيء من القرآن مما يحبون صدقوا، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] الطريق، قاموا أي: وقفوا، كذلك المنافقون كلما سمعوا شيئا مما يكرهون وينكرون وقفوا عن تصديقه، وتم التمثيل ههنا ثم أوعدهم فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أي: لو شاء الله لأصمهم وأعماهم فذهب بأسماعهم وأبصارهم الظاهرة حتى يصيروا صما عميا، كما ذهب بأسماعهم وبأبصارهم الباطنة، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] أي أنه ذو قدرة على إيقاع ما أوعدهم به، فليحذروا عاجل عقوبة الله وآجله.
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٢﴾﴾ [البقرة: ٢١-٢٢] قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]: يأيها الناس: عموم فِي كل مكلف من مؤمن وكافر، ويروى عن الحسن وعلقمة أن يأيها الناس خطاب لأهل مكة، ويأيها الذين آمنوا خطاب لأهل المدينة.
ومعنى اعبدوا ربكم: اخضعوا له بالطاعة، ولا يجوز ذلك إلا لمالك الأعيان.
[ ١ / ٩٧ ]
قوله: الذي خلقكم: الخلق: إبداع شيء لم يسبق إليه، وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه أولا على غير مثال سبق إليه.
ومعنى الآية: أن الله تعالى احتج على العرب بأنه خلقهم وخالق من قبلهم لأنهم كانوا مقرين بذلك، لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، فقيل لهم: إذ كنتم معترفين بأن الله خالقكم فاعبدوه، فإن عبادة الخالق أولى من عبادة المخلوقين من الأصنام.
وقوله: لعلكم تتقون: قال ابن الأنباري: لعل: يكون ترجيا ويكون بمعنى كي.
وقال سيبويه: لعل: كلمة ترجية وتطميع، أي: كونوا على رجاء وطمع أن تتقوا بعبادتكم عقوبة الله أن تحل بكم، كما قال فِي قصة فرعون: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] كأنه قال: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما، والله تعالى من وراء ذلك وعالم بما يئول إليه أمره.
قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]: الأرض التي عليها الناس هي فراش الأنام، على معنى أنها فرشت لهم، أي: بسطت لهم، وهذا كقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩]، والمعنى: أنه لم يجعلها حزنة غليظة لا يمكن الاستقرار عليها.
﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة: ٢٢] يعني المطر، والمعنى: من نحو السماء، فحذف المضاف وإن جعلت السماء بمعنى السحاب لم يحتج إلى تقدير المضاف.
وقوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]: الثمرات: جمع ثمرة وهي حمل الشجرة فِي الأصل، ثم صارت اسما لكل ما ينتفع به مما هو زيادة على أصل المال، يقال: ثمر الله ماله، وعقل مثمر إذا كان يهدي صاحبه إلى رشد.
والثمرة: تستعمل فيما ينتفع به ويستمتع مما هو فرع الأصل.
قال المفسرون: أراد بالثمرات: جميع ما ينتفع به مما يخرج من الأرض.
وقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]: يقال: فلان ند فلان.
أي: شبهه ومثاله، قال حسان:
[ ١ / ٩٨ ]
أتهجوه ولست له بند فشركما لخيركما الفداء
وقال جرير:
أتيما تجعلون إلي ندا وما تيم لذي حسب نديد
قال ابن عباس والسدي: لا تجعلوا لله أكفاء من الرجال تطيعونهم فِي معصية الله.
وقال ابن زيد: الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه.
وقال الزجاج: هذا احتجاج عليهم لإقرارهم بأن الله خالقهم، فقيل لهم: لا تجعلوا لله أمثالا وأنتم تسلمون أنهم لا يخلقون، والله الخالق.
وقال ابن الأنباري: وأنتم تعلمون أن الأنداد التي تعبدونها لم ترفع لكم السماء، ولم تمهد لكم الأرض، ولم ترزقكم رزقا، وإنما وصفهم الله تعالى بهذا العلم لتتأكد الحجة عليهم إذا اشتغلوا بشيء يعلمون أن الحق فيما سواه.
٢٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا وَالِدِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
[ ١ / ٩٩ ]
إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ: أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُثْمَانَ، وَإِسْحَاقَ، كُلُّهُمْ عَنْ جَرِيرٍ
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٣﴾ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴿٢٤﴾ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٥﴾﴾ [البقرة: ٢٣-٢٥] قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]: إن: دخلت ههنا لغير شك، لأن الله تعالى علم أنهم مرتابون، ولكن هذا عادة العرب فِي خطابهم كقولك: إن كنت إنسانا فافعل كذا.
وأنت تعلم أنه إنسان، وإن كنت ابني فأطعني.
فخاطبهم الله تعالى على عادة خطابهم فيما بينهم.
وقيل: إن ههنا بمعنى: إذا.
قال أبو زيد: وتجيء إن بمعنى إذا، نحو قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ
[ ١ / ١٠٠ ]
الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقال الأعشى:
وسمعت حلفتها التي حلفت إن كان سمعك غير ذي وقر
وقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]: ال ﴿[: عرق من عروق الحائط، وتجمع: سور وسور، وكل منزلة رفيعة فهي سورة، مأخوذة من سور البناء، ومنه قول النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب
وهذا قول أبي عبيدة وابن الأعرابي فِي تفسير السورة، فكل سورة من سور القرآن بمنزلة درجة عالية رفيعة ومنزل عال، يرتفع القارئ منها إلى منزلة أخرى إلى أن يستكمل القرآن.
وقال أبو الهيثم: السورة من سور القرآن عندنا: قطعة من القرآن، وخص ذلك القدر بتسميته سورة، لأنه أقل قطعة وقع به التحدي.
وعلى هذا القول: هي مأخوذة من سؤر الشراب، وهي بقيته وقطعة منه، إلا أنها لما كثرت فِي الكلام ترك الهمز.
[ ١ / ١٠١ ]
فإن قيل: ما الفائدة فِي تفصيل القرآن على السور؟ قيل: فِيهِ فوائد كثيرة منها: أن القارئ إذا خرج من سورة إلى سورة أخرى كان أنشط لقراءته وأحلى فِي نفسه.
ومنها: أن تختص كل سورة بقدر مخصوص كاختصاص القصائد.
ومنها: أن الإنسان قد يضعف عن حفظ الجميع، فيحفظ سورة تامة، فربما كان ذلك سببا يدعوه إلى حفظ غيرها.
قال المفسرون: ومعنى ال:: أن الله تعالى لما احتج عليهم فِي إثبات توحيده، احتج عليهم، أيضا، فِي إثبات نبوة محمد ﷺ بما قطع عذرهم فقال:] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا﴾ [البقرة: ٢٣] أي: فِي شك من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمد، وقلتم: لا ندري هل هو من عند الله أم لا؟ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] أي: من مثل القرآن، كقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، وقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]، وقوله: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] كل ذلك يريد به مثل القرآن.
فالمعنى: فأتوا ب ﴿[مثل ما أتى به محمد ﷺ فِي الإعجاز وحسن النظم والإخبار عما كان وعما يكون دون تعلم الكتاب ودراسة الأخبار.
ويجوز أن تعود الكناية فِي مثله إلى قوله: على عبدنا وهو النبي ﷺ.
والمعنى: فأتوا بسورة من رجل أمي لا يحسن الخط والكتابة، ولم يدرس الكتب.
وقوله: وادعوا شهدائكم: قال ابن عباس: يعني أنصاركم وأعوانكم الذين يظاهرونكم على تكذيبكم، وسمى أعوانهم شهداء لأنهم يشاهدونهم عند المعاونة، والشهيد يكون بمعنى الشاهد كالجليس والشريب.
[ ١ / ١٠٢ ]
وقوله: من دون الله: أي: من غير الله، يقال: ما دون الله مخلوق.
يريد: وادعوا من اتخذتموهم معاونين من غير الله.
إن كنتم صادقين فِي أن هذا الكتاب تقوله محمد ﷺ من نفسه.
وقوله: فإن لم تفعلوا إن: حرف الشرط والجزاء، كقولك: إن تضرب أضرب، ولم: حرف يجزم الفعل المضارع ويقع ما بعدها بمعنى الماضي، كما يقع الماضي بعد حروف الجزاء بمعنى الاستقبال.
وقوله: ولن تفعلوا: لن: حرف قائم بنفسه وضع لنفي الفعل المستقبل ونصبه للفعل كنصب إن.
ومعنى ال:: فإن لم تفعلوا معارضته بمثل القرآن فيما مضى من الزمان، ولن تفعلوا أيضا فيما يستقبل، فاتقوا النار أي: فاحذروا أن تصلوا النار بتكذيبكم.
وإنما قيل لهم هذا بعد أن ثبتت عليهم الحجة فِي التوحيد وصدق محمد ﵇ بالآيات السابقة.
ثم وصف النار فقال:] الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] قال ابن السكيت: الوقود بالضم: المصدر، يقال: وقدت النار وقدا ووقودا.
والوقود بالفتح: اسم لما توقد به النار، يقال: ما أجود هذا الوقود للحطب.
والحجارة: جمع حجر، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جمل وجمالة، وذكر وذكارة.
والقياس: أحجار.
وجاء فِي التفسير عن ابن عباس وغيره: أن الحجارة ههنا: حجارة الكبريت، وهي أشد لإيقاد النار.
وقيل: ذكر الحجارة دليل على عظم تلك النار، لأنها لا تأكل الحجارة إلا إذا كانت فظيعة.
أعدت خلقت وهيئت، للكافرين لأنهم يخلدون فِيها.
ولما ذكر جزاء الكافرين بتكذيبهم ذكر جزاء المؤمنين بتصديقهم، فقال: وبشر الذين آمنوا التبشير: إيراد الخبر السار الذي يظهر أثر السرور فِي بشرة المخبر، هذا هو الأصل، ثم كثر استعماله حتى صار بمنزلة الإخبار فاستعمل فِي نقيضه، كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، إلا أنه فيما يسر أكثر استعمالا.
وقوله: وعملوا الصالحات: قال ابن عباس: وعملوا الطاعات فيما بينهم وبين ربهم.
[ ١ / ١٠٣ ]
وقوله: أن لهم موضع أن نصب، معناه: بشرهم بأن لهم، فلما سقطت الباء وصل الفعل إلى أن فنصب.
وقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]: جنات: جمع جنة وهي الحديقة ذات الشجر، سميت جنة لكثرة شجرها ونباتها، يقال: جنت الرياض جنونا، إذا أعتم نبتها حتى ستر الأرض.
ويقال لكل ما ستر: قد جن وأجن.
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] أي: من تحت أشجارها ومساكنها.
والنهر لا يجري وإنما يجري الماء فِيهِ، ويستعمل الجري فِيهِ توسعا لأنه موضع الجري.
وقوله: كلما: كل: حرف جملة ضم إلى ما فصار أداة للتكرار، وهي منصوبة على الظرف.
رزقوا: أطعموا، من ثمرة: من صلة، أي: ثمرة، ويجوز أن تكون للتبعيض لأنهم إنما يرزقون بعض ثمار الجنة، ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] لتشابه ما يؤتون به، ولم يريدوا بقولهم: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] نفس ما يأكلون، ولكن أرادوا: هذا من نوع ما رزقنا من قبل، كما يقول الرجل لغيره: فلان قد أعد لك الطبيخ والشواء.
فيقول: هذا طعامي فِي منزلي كل يوم.
يريد هذا الجنس.
قال الزجاج: وضم قبل لأنها غاية، كان يدخلها بحق الإعراب الفتح والكسر، فلما عدلت عن بابها بنيت على ما لم يكن يدخلها بحق الإعراب، وعدلها: أن أصلها الإضافة، فجعلت مفردة تنبئ عن الإضافة.
هذا كلامه، ومعناه: أن قبل لا يستعمل إلا مضافا، وله إعرابان عند الإضافة: الفتح والكسر، نحو قبلك، من قبلك، فلما استعمل منفردا من غير إضافة والمعنى إرادة الإضافة بني على ما لم يكن يدخلها بحق الإعراب وهو الضم، ومن هذا قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] تأويله: من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء.
ومعنى ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]: أي: من قبل هذا الزمان ومن قبل هذا الوقت.
وقوله: وأتوا به: أي: أُتِيَ المؤمنون بذلك الرزق، متشابها: يشبه بعضه بعضا فِي اللون والصورة، مختلفا
[ ١ / ١٠٤ ]
فِي الطعم، نحو رمان يؤدي طعم الكمثرى والتفاح والسفرجل، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود والضحاك، قالوا: إذا طعموه وجدوا له طعما سوى الطعم الأول، فإذا رأوه قالوا: هذا الأول.
وقال الحسن، وقتادة، وابن جريج: متشابها فِي الفضل، خيارا كله لا رذال فِيهِ كما يكون فِي ثمار الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]: الأزواج: جمع زوج وزوجة، وشكل كل شيء: زوجه، ومطهرة: قال مجاهد: لا يتغوطن ولا يبلن ولا يمنين ولا يحضن، فهن مطهرة من الحيض والبول والنخام والبزاق والمني والولد.
وقيل: مطهرة من مساوئ الأخلاق، لما فيهن من حسن التبعل، ودل على هذا قوله: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] .
وهم فِيها خالدون لأن تمام النعمة بالخلود والبقاء هناك، كما أن التغيض بالزوال والفناء.
٢٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّجَّارُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو رِفَاعَةَ عُمَارَةُ بْنُ وَثِيمَةَ، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ
[ ١ / ١٠٥ ]
أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ أَزْوَاجَ الْجَنَّةِ لَيُغَنِّينَ أَزْوَاجَهُنَّ بِأَحْسَنِ أَصْوَاتٍ مَا سَمِعَهَا أَحَدٌ قَطُّ وَإِنَّ مِمَّا يُغَنِّينَ بِهِ: نَحْنُ الْخَيْرَاتُ الْحِسَانْ، أَزْوَاجُ قَوْمٍ كِرَامْ، يَنْظُرُونَ بِقُرَّةِ أَعْيَانْ، وَإِنَّ مِمَّا يُغَنِّينَ بِهِ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلا نَمُوتُ، نَحْنُ الآمِنَاتُ فَلا نَخَافُ، نَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلا نَظْعَنُ "
٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا كُرَيْبٌ، حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَذَكَرَ يَوْمًا، فَقَالَ: «أَلا مُشَمِّرٌ لَهَا؟ هِيَ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، رَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ وَنُورٌ يَتَلأْلأُ، وَنَهْرٌ
[ ١ / ١٠٦ ]
مُطَّرِدٌ، وَزَوْجَةٌ لا تَمُوتُ فِي حُبُورٍ وَنَعِيمٍ، وَمَقَامٍ أَبَدًا»
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ ﴿٢٦﴾ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٢٧﴾ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢٨﴾ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٢٩﴾ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴿٣٠﴾﴾ [البقرة: ٢٦-٣٠] قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا﴾ [البقرة: ٢٦] الآية: قال الحسن، وقتادة، وعطاء، عن ابن عباس: لما ذكر الله ﷿ الذباب والعنكبوت فِي كتابه وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله.
فأنزل الله هذه الآية.
قال أهل المعاني: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ [البقرة: ٢٦] خرج على لفظهم حيث قالوا: إن الله يستحي أن يضرب المثل بالذباب والعنكبوت.
فرد الله عليهم وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ﴾ [البقرة: ٢٦]، كما أنهم لما قالوا للقرآن: هذا سحر مفترى.
قال الله تعالى ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣] .
وقال بعضهم: معنى قوله: لا يستحيي: هو أن الذي يستحيا منه ما يكون قبيحا فِي نفسه ويكون لفاعله عيب فِي فعله، فأخبر الله سبحانه أن ضرب المثل منه ببعوضة فما فوقها ليس بقبيح ولا نقص ولا عيب، حتى يستحيا منه.
[ ١ / ١٠٧ ]
وقيل: معنى قوله: لا يستحيي: لا يترك، لأن أحدنا إذا استحى من شيء تركه، ومعناه: إن الله لا يترك ضرب المثل ببعوضة فما فوقها إذا علم أن فِيهِ عبرة لمن اعتبر وحجة على من جحد.
وقوله: ما بعوضة: ما: زائدة مؤكدة كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ولا إعراب لها، والناصب والخافض يتعداها إلى ما بعدها، ونصبت بعوضة على أنها المفعول الثاني ل يضرب، لأن يضرب ههنا معناه: يجعل.
هذا الذي ذكرنا هو قول البصريين.
والبعوض: صغار البق، الواحدة: بعوضة.
وقوله: فما فوقها: قال ابن عباس: يعني الذباب والعنكبوت.
وهما فوق البعوض، وقد استشهد على استحسان ضرب المثل الحقير فِي كلام العرب بقول الفرزدق:
ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل
ويقول أيضا:
وهل شيء يكون أذل بيتا من اليربوع يحتفر الترابا
وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦]: مدحهم الله بعلمهم أن المثل وقع فِي حقه، وذم الكافرين بإعراضهم عن طريق الاستدلال وإنكارهم ما هو صواب وحكمة، يقولون: أي شيء أراد الله بهذه الأمثال؟ وهذا استفهام معناه الإنكار، كأنهم قالوا: أي فائدة فِي ضرب المثل بهذا؟ وفي نصب قوله: مثلا وجوه: أحدها: الحال، لأنه جاء بعد تمام الكلام، كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا مبينا؟ والثاني: التمييز والتفسير للمبهم، وهو هذا، كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا من الأمثال؟ والثالث: القطع، كأنه قيل: ماذا أراد الله بهذا المثل؟ إلا أنه لما جاء نكرة نصب على القطع من اتباع المعرفة.
وهذا قول الفراء.
[ ١ / ١٠٨ ]
وأجاب الله تعالى الكفار عن قولهم: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ [البقرة: ٢٦] فقال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] أي: أراد الله بهذا المثل أن يضل به كثيرا من الكافرين، وذلك أنهم ينكرونه ويكذبونه، ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] من المؤمنين، لأنهم يعرفونه ويصدقون به.
قال الأزهري: الإضلال فِي كلام العرب: ضد الهداية والإرشاد، يقال: أضللت فلانا، إذا وجهته للضلال عن الطريق.
وإياه أراد لبيد بقوله:
من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل
ولا يجوز أن يكون معنى الإضلال الحكم والتسمية، لأن أحدنا إذا حكم بإضلال إنسان لا يقال: أضله.
وهذا شيء لا يعرفه أهل اللغة.
قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] قال الليث: والفسوق: الترك لأمر الله.
وقال الفراء: الفسق: الخروج عن الطاعة.
والعرب تقول: فسقت الرطبة عن قشرها، إذا خرجت.
وقال أبو الهيثم: وقد يكون الفسوق شركا، ويكون إثما، والذي أريد به ههنا: الكفر.
ثم وصف هؤلاء الفاسقين فقال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] ومعنى النقض: الهدم وإفساد ما أبرمته من حبل أو بناء، ونقيض الشيء: ما ينقضه، أي: ما يهدمه ويرفع حكمه.
وعهد الله: وصيته وأمره، يقال: عهد الخليفة إلى فلان كذا وكذا.
أي: أمره وأوصاه به، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠] .
وذكر المفسرون فِي العهد المذكور فِي هذه الآية قولين: أحدهما: ما أخذوه على النبيين ومن اتبعهم، أن لا يكفروا بالنبي ﷺ، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١] الآية.
[ ١ / ١٠٩ ]
والثاني: أن يكون عهد الله الذي أخذه من بني آدم يوم الميثاق حين قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ثم مجدوا ونقضوا ذلك العهد فِي حال كمال عقولهم.
وهذا قول ابن عباس فِي رواية عطاء.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]: الميثاق: ما وقع من التوثيق، والكتاب أو الكلام الذي يستوثق به: ميثاق.
والكتابة فِي الميثاق يجوز أن تكون عائدة على اسم الله، أي: من ميثاق الله ذلك العهد بما أكد من إيجابه عليهم، ويجوز أن تعود على العهد، أي: من بعد ميثاق العهد وتوكيده.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧] يعني الأرحام، وذلك أن قريشا قطعوا رحم رسول الله ﷺ بالمعاداة معه.
وقيل: هو الإيمان بجميع الكتب والرسل، وهو نوع من الصلة، وهو قول ابن عباس، قال: يريد الإيمان بجميع الأنبياء، من لدن آدم إلى محمد ﷺ، بخلاف قول الكفار: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، فالمؤمنون وصلوا بينهم بالإيمان بجميعهم فقالوا: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
وقوله: ويفسدون فِي الأرض: قال ابن عباس: يحكمون بغير الحق.
وقال غيره: يفسدون فِي الأرض بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ.
أولئك هم الخاسرون بفوت المثوبة، والمصير إلى العقوبة.
وأصل الخسران فِي التجارة، وهو نقصان رأس المال، ويقال فِيهِ: الخسارة والخسر هذا هو الأصل، ثم قيل لكل صائر إلى مكروه: خاسر.
لنقصان حظه من الخير.
وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨]: كيف فِي الأصل: سؤال عن حال، لأن جوابه يكون بالحال كما تقول: كيف زيد؟ فيقال: صالح، أو سقيم.
قال الزجاج: تأويل كيف ههنا: استفهام فِي معنى التعجب، والتعجب إنما هو للخلق والمؤمنين، أي: أعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون بالله وقد ثبتت حجة الله عليهم!!
[ ١ / ١١٠ ]
ونحو هذا قال الفراء: هذا على وجه التعجب والتوبيخ، لا على الاستفهام المحض.
أي: وَيْحَكُمْ كيف تكفرون؟ ! وهذا كما يقال: كيف تكفر نعمة فلان وقد أحسن إليك؟ ومعنى الآية: على أي حال يقع منكم الكفر وحالكم أنكم كنتم أمواتا؟ قال ابن عباس، فِي رواية الضحاك، أراد: كنتم ترابا.
ردهم إلى أبيهم آدم، وفي رواية عطاء، والكلبي: وكنتم نطفا.
وكل ما فارق الجسد من نطفة أو شعر فهو موات، وقوله فأحياكم: فِي الأرحام بأن جعل فيكم الحياة، ثم يميتكم فِي الدنيا، ثم يحييكم للبعث، ثم إليه ترجعون فيفعل بكم ما يشاء.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]: قال المفسرون: لما استعظم المشركون أمر الإعادة عرفهم الله خلق السموات والأرض ليدلهم بذلك على قدرته على الإعادة، فقوله: لكم أي: لأجلكم، فما فِي الأرض كله مخلوق للآدميين، بعضه للانتفاع وبعضه للاعتبار كالسباع والعقارب والحيات، فإن فِيها عبرة وتخويفا، لأنه إذا رؤي طرف من المتوعد به كان ذلك أبلغ فِي الزجر عن المعصية.
وقوله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]: قال الفراء: الاستواء فِي كلام العرب على وجهين: أحدهما: أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته، أو يستوي من اعوجاج.
ووجه ثالث: أن نقول: كان فلان مقبلا على فلان ثم استوى علي وإلي يكلمني.
على معنى: أقبل علي وإلي، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]، وسئل أحمد بن يحيى ثعلب عن الاستواء فِي صفة الله تعالى فقال: الاستواء: الإقبال على الشيء.
قال
[ ١ / ١١١ ]
الزجاج: قال قوم فِي قوله تعالى: ثم استوى إلى السماء: أي: عمد وقصد إلى السماء.
كما تقول: فرغ الأمير من بلد كذا، ثم استوى إلى بلد كذا.
معناه: قصد بالاستواء إليه، قال: وقول ابن عباس: استوى إلى السماء.
أي: صعد، معناه: صعد أمره إلى السماء.
وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: كان الأمير يدبر أهل الشام ثم استوى إلى أهل الحجاز.
أي: تحول فعله.
وقوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]: التسوية: جعل الشيئين أو الأشياء على استواء، يقال: سويت الشيئين فاستويا.
وجمع الكناية فِي فسواهن: لأنه أراد بالسماء: جمع سماءة، أو سماوة على ما ذكرنا.
وجائز أن تعود الكناية إلى أجزاء السماء ونواحيها، فالمعنى: جعلهن سبع سموات مستويات بلا فطور ولا أمت.
وهو بكل شيء عليم إذ بالعلم يصح الفعل المحكم، فأفعاله تدل على علمه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠] الآية، قال أبو عبيدة: إذ ههنا زائدة، معناه: وقال ربك للملائكة.
وأنكر الزجاج وغيره هذا القول وقالوا: إن الحرف إذا أفاد معنى صحيحا لم يجز إلغاؤه.
قالوا: وفي الآية محذوف، معناه: واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة.
وأكثر المفسرين على أن كل ما ورد فِي القرآن من هذا النحو فالذكر فِيهِ مضمر.
وأما الملائكة فقال سيبويه: واحدها: ملك، وأصلها: ملاك، مهموز، حذف همزه لكثرة الاستعمال، وأنشد:
فلست لإنس ولكن لملأك تنزل من جو السماء يصوب
[ ١ / ١١٢ ]
وأصله من المألكة والألوك وهي الرسالة.
قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]: الخليفة: الذي يخلف الذاهب، أي: يجيء بعده، يقال: خلف فلان مكان فلان، وأصل الخليفة: خليف، بغير هاء، لأنه فعيل بمعنى فاعل كالعليم والسميع، فدخلت الهاء للمبالغة بهذا الوصف، وكما قالوا: راوية وعلامة.
ألا ترى أنهم جمعوه خلفاء كما يجمع فعيل، ومن أنث لتأنيث اللفظ قال فِي الجمع: خلائف.
وقد ورد التنزيل بها، قال الله تعالى: ﴿خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقال: ﴿خَلائِفَ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس: ١٤] .
وأراد بالخليفة: آدم، فِي قول جميع المفسرين، جعله خليفة عن الملائكة الذين كانوا سكان الأرض بعد الجن، وذلك أن الله خلق السماء والأرض، وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة السماء، وأسكن الجن الأرض، فعبدوا دهرا طويلا فِي الأرض ثم ظهر فيهم الحسد والبغي، فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث الله إليهم جندا من الملائكة يقال لهم: الجن.
رأسهم إبليس، وهم خزان الجنان، اشتق لهم اسم من الجنة، فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجن عن وجوهها إلى شعوب الجبال وجزائر البحور وسكنوا الأرض.
وكانوا أخف من الملائكة عبادة، لأن أهل السماء الدنيا أخف عبادة أخف من الذين فوقهم، وكذلك أهل كل سماء، وهؤلاء الملائكة لما صاروا سكان الأرض خفف الله عليهم العبادة، فأحبوا البقاء فِي الأرض، وكان الله قد أعطى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنان، وكان يعبد الله تارة فِي الأرض وتارة فِي السماء وتارة فِي الجنة، فأعجب بنفسه وتداخله الكبر، فاطلع الله ﷿ على ما انطوى عليه من الكبر، فقال له ولجنده: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] .
[ ١ / ١١٣ ]
٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُعَاوِيَةَ الطَّلْحِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُطَيْرِ بْنِ رَاشِدٍ الأَسَدِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ جَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَهُ أَجْوَفَ، قَالَ: ظَفِرْتُ بِهِ خَلْقًا لا يَتَمَاسَكُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَمَّادٍ
٣٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَطِيبِ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزَّبِيبِيُّ، حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ قَالُوا:
[ ١ / ١١٤ ]
أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، فَجَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ»
وقوله: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]: قال السدي: قال ابن عباس: قال الله تعالى لهم: إني خالق بشرا.
وإنهم يتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا، فلذلك ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]؟ ! وقال أكثر المفسرين: إنهم قاسوا على الغائب، فقالوا: أتجعل فِيها من يفسد فِيها كما فعل بنو الجان.
وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]: معنى التسبيح: تنزيه الله من كل سوء، وكل من أثنى على الله وبعده عن السوء فقد سبح الله.
قال الحسن: معناه: نقول: سبحان الله وبحمده.
وقال غيره: معنى قوله: نسبح بحمدك: نتكلم بالحمد لك، والنطق بالحمد لله تسبيح له كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥]، وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ
[ ١ / ١١٥ ]
رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] أي: احمده، ويكون حمد الحامد له تسبيحا له، لأن معنى الحمد: الثناء عليه والشكر له، وهذا تنزيه له واعتراف أنه أهل لأن ينزه ويعظم ويثنى عليه، قوله تعالى: ونقدس لك أي: نطهرك وننزهك عما لا يليق بك من النقص، واللام فِيهِ صلة، والتقديس: التطهير، والقدس: الطهارة، والبيت المقدس: المطهر.
وقوله: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]: قال ابن عباس: يعني إضمار إبليس العزم على المعصية وما اطلع عليه من كبره.
وقال قتادة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]: أنه يكون فِي أولاد آدم من هو من أهل الطاعة.
وقيل: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] من تفضيل آدم عليكم وما أتعبدكم به من السجود له، وأفضله به عليكم من تعليم الأسماء، وذلك أنهم قالوا، فيما بينهم: ليخلق ربنا ما يشاء فلن يخلق أفضل ولا أكرم عليه منا، وإن كان خيرا منا فنحن أعلم منه، لأنا خلقنا قبله، ورأينا ما لم يره.
فلما أعجبوا بعلمهم فضل الله آدم عليهم بالعلم، فعلمه الأسماء كلها، وذلك قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٣١﴾ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿٣٢﴾ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴿٣٣﴾﴾ [البقرة: ٣١-٣٣] ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]: ووجه تعليمه آدم أن خلق فِي قلبه علما بالأسماء على سبيل الابتداء، وألهمه العلم بها.
قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: علمه اسم كل شيء، حتى القصعة والمغرفة.
وقال أهل التأويل: إن الله تعالى علم آدم جميع اللغات، ثم إن أولاده تكلم كل واحد منهم بلغة أخرى، فلما تفرقوا فِي البلاد اختص كل فرقة منهم بلغة، فاللغات كلها إنها سمعت من آدم وأخذت عنه.
[ ١ / ١١٦ ]
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١]: معنى العرض فِي اللغة: الإظهار، ومنه عرض الجارية، وعرض الجند، يقال: عرضت المتاع على البيع، إذا أظهرته للمشتري.
قال الله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠] قال الفراء: أي: أبرزها حتى رأوها.
قال مقاتل: إن الله تعالى خلق كل شيء، الحيوان والجماد، ثم علم آدم أسماءها، ثم عرض تلك الشخوص الموجودات على الملائكة، ولذلك قال: ثم عرضهم، لأنه كنى عن المسمين والمسميات، وكان فيهم من يعقل من الجن والإنس والملائكة.
وقوله: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٣١] أي: أخبروني، والنبأ: الخبر، وهذا أمر تعجيز، أراد الله تعالى أن يبين عجزهم عن علم ما يرون ويشاهدون، فلا يظنون أنهم أعلم من الخليفة الذي يجعله الله فِي الأرض.
وقوله تعالى: إن كنتم صادقين: قال قتادة، والحسن: إن كنتم صادقين أنني لا أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه وأفضل منه.
فقالت الملائكة إقرارا بالعجز واعتذارا: سبحانك قال ابن عباس: تنزيها لك، وتعظيما عن أن يعلم الغيب أحد سواك.
وقيل: تنزيها لك عن الاعتراض عليك فِي حكمك.
وهو منصوب على المصدر عند الخليل والفراء إذا قلت: سبحان الله.
فكأنك قلت سبحت الله تسبيحا وسبحانا.
فجعل السبحان فِي موضع التسبيح، كما تقول: كفرت عن يميني تكفيرا وكفرانا، وكلمته كلاما، وسلمت سلاما.
قال الله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] .
قال سيبويه: يقال: سبحت الله تسبيحا، وسبحانا.
فالمصدر: تسبيح، وسبحان: اسم يقوم مقام المصدر.
[ ١ / ١١٧ ]
وقوله: ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]: قال المفسرون: هذا اعتراف عن الملائكة بالعجز عن علم ما لم يعلموه، فكأنهم قالوا: ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] وليس هذا مما علمتنا.
فجاء الكلام مختصرا.
وقوله: إنك أنت العليم أي: العالم، الحكيم: الحاكم، تحكم بالعدل وتقضي به، والحكم: القضاء بالعدل، قال النابغة:
وأحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد
ويجوز أن يكون الحكيم بمعنى: المحكم للأشياء، كالأليم بمعنى المؤلم، والسميع بمعنى المسمع فِي قول عمرو بن معديكرب:
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]: قال المفسرون: لما ظهر عجز الملائكة عن علم أسماء الموجودات قال الله ﷿: يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فسمى كل شيء باسمه، وألحق كل شيء بجنة، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] أخبرهم بتسمياتهم، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٣٣] لم: حرف نفي وصل بألف الاستفهام، فصار بمعنى الإيجاب والتقرير كقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح
وقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] أي: ما غاب فِيهمَا عنكم، وهذا كقوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [هود: ١٢٣] أي: له ما غاب فِيهمَا ملكا وخلقا.
﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] من قولكم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] من إضمار إبليس
[ ١ / ١١٨ ]
الكفر.
وقال الحسن وقتادة: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] يعني قولهم: لن يخلق الله خلقا أفضل ولا أعلم منا.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٣٤﴾ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٣٥﴾ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴿٣٦﴾ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿٣٧﴾ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٨﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٣٩﴾﴾ [البقرة: ٣٤-٣٩] قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] موضع إذ نصب نسقا على إذ التي قبلها، وقوله: قلنا هو خطاب الأكابر والعظماء، يقول الواحد منهم: فعلنا.
لعلمه بأن أتباعه يفعلون كفعله، فأخبر الله تعالى عن نفسه على الجمع لأنه ملك الملوك.
واختلفوا فِي الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم، من هم؟ فقال بعضهم: هم الذين كانوا مع إبليس فِي الأرض.
وقال آخرون: هم جميع الملائكة حتى جبريل وميكائيل، لأنه قال: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]، وفي هذا تأكيد للعموم.
وأصل السجود فِي اللغة: الخضوع والتذلل، وكل من ذل وخضع لما أمر به فقد سجد.
وسجود كل موات فِي القرآن: طاعته لما سخر له.
وقال أبو عبيدة: عين ساجدة، إذا كانت فاترة.
ونخلة ساجدة، إذا مالت لكثرة حملها.
وكان سجود الملائكة لآدم على جهة التكريم، فكان ذلك تكريمًا لآدم وطاعة لله، ولم تكن عبادة لآدم،
[ ١ / ١١٩ ]
وحكى ابن الأنباري، عن الفراء، وجماعة من الأئمة: أن سجود الملائكة لآدم كان تحية ولم يكن عبادة، وكان ذلك سجود تعظيم وتسليم وتحية، لا سجود صلاة وعبادة، وكان ذلك تحية الناس وتعظيم بعضهم بعضًا ولم يكن وضع الوجه على الأرض، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام.
وآدم سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وقيل: إنه كان أدأم بالعبرانية، وهو التراب، فعربته العرب فقالوا: آدم.
وقوله: ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤] قال أكثر أهل اللغة والتفسير: سمي إبليس بهذا الاسم لأنه أبلس من رحمة الله، أي: أيس، والمبلس: المكتئب الآيس الحزين، وفي القرآن ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] .
وقال ابن الأنباري: لا يجوز أن يكون مشتقًّا من أبلس، لأنه لو كان كذلك لانصرف ونون كما ينون إكليل وإحليل وبابه، وترك التنوين فِي القرآن يدل على أنه أعجمي معرب معرفة، والأعجمي لا يعرف له اشتقاق.
قال مجاهد، وطاوس، عن ابن عباس: كان إبليس قبل أن يركب المعصية ملكًا من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان سكان الأرض من الملائكة يسمون الجن، ولم يكن من الملائكة أشد اجتهادًا، ولا أكثر علما منه، فلما تكبر على الله وأبى السجود لآدم وعصاه، طرده الله ولعنه، وجعله شيطانا وسماه إبليس.
وهذا قول ابن مسعود، وابن جريج، وقتادة، وأكثر المفسرين.
وقوله: أبى أي: أبى السجود ولم يسجد، وقوله: واستكبر ومعنى الاستكبار: الأنفة مما لا ينبغي أن يؤنف منه.
وقوله: وكان من الكافرين أي: صار، كقوله: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]، وقال الأكثرون: وكان فِي سابق علم الله من الكافرين.
[ ١ / ١٢٠ ]
وقوله: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] أي: اتخذاها مأوى ومنزلًا، وليس معناه: استقر فِي مكانك ولا تتحرك، وهذا اللفظ مشترك، يقال: أسكنه.
أي: أزال حركته، وأسكنه مكان كذا: أي جعله مأوى ومنزلًا له.
وقوله: وزوجك لفظ مذكر، ومعناه مؤنث، وكان الأصمعي يؤثر ترك الهاء فِي الزوجة، والقرآن كله عليه.
وقوله: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ [البقرة: ٣٥] الرغد أو الرغد: سمعة المعيشة، قال امرؤ القيس:
بينما المرء تراه ناعما يأمن الأحداث فِي عيش رغد
قال الليث: الرغد أن يأكل ما شاء إذا شاء حيث شاء.
وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] معناه: لا تقرباها بالأكل، لأن آدم عصى بالأكل منها، لا بأن قربها، وهو نهي بأبلغ لفظ يكون، يقال: ما قربت هذا الأمر قربانا.
أي: ما دنوت منه.
والشجرة فِي اللغة: ما لها ساق يبقى فِي الشتاء، والنجم: ما ليس له ساق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] واختلفوا فِي الشجرة التي نهي آدم عنها، فقال ابن عباس، وعطية، ووهب، وقتادة: إنها السنبلة، وقال ابن
[ ١ / ١٢١ ]
مسعود، والسدي: هي الكرم، وقال ابن جريج: إنها التين.
وقوله: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] أي: من العاصين الذين وضعوا أمر الله فِي غير موضعه، وأصل الظلم: وضع الشيء فِي غير موضعه.
ومن أمثال العرب: ومن شابه أباه فما ظلم.
قال الأصمعي: أي: ما وضع الشبه غير موضعه.
قوله: فأزلهما الشيطان أي: نحاهما وبعدهما، يقال: زلت قدمه زللا وزليلا، إذا لم تثبت.
وأزلها صاحبها، إذا حملها على الزلل.
وقرأ حمزة فأزالهما، يقال: زال عن مكانه، وأزاله غيره.
ونسب الفعل إلى الشيطان لأن زوالهما عنها إنما كان بتزيينه وتسويله، فلما كان ذلك منه بسبب أسند الفعل إليه.
وقوله: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦] أي: من الريثة والمنزلة ولين العيش، قال المفسرون: إن الحية أدخلت إبليس الجنة حتى قال لآدم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] فأبى أن يقبل منه، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين.
فاغترا، وما كانا يظنان أن أحدًا يحلف بالله كذبا، فبادرت حواء إلى أكل الشجرة، ثم ناولت آدم حتى أكلها.
وقال الحسن: إنما رآهما على باب الجنة، لأنهما كانا يخرجان من الجنة.
وقوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] الهبوط: النزول من علو إلى أسفل، والخطاب لآدم وحواء والحية وإبليس.
[ ١ / ١٢٢ ]
والعدو: اسم يقع على الواحد والجميع والذكر والأنثى، وأراد بهذا: العداوة التي بين آدم وحواء والحية وبين ذرية آدم من المؤمنين وإبليس.
٣١ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: يَا آدَمُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَاعْتَلَّ آدَمُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ زَيَّنَتْهُ لِي حَوَّاءُ، قَالَ: فَإِنِّي أَعْقَبْتُهَا أَنْ لا تَحْمِلَ إِلا كَرْهًا، وَلا تَضَعَ إِلا كَرْهًا، وَدَمَّيْتُهَا فِي الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ، فَرَنَّتْ حَوَّاءُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقِيلَ: عَلَيْكِ الرَّنَّةُ، وَعَلَى بَنَاتِكَ "
٣٢ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَطَّارُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يُعَالِجُ حَيَّةً صَغِيرَةً يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَهَا، فَقُلْتُ: مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ عَادَيْنَنَا فَاقْتُلُوهُنَّ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُنَّ»
[ ١ / ١٢٣ ]
قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]: موضع قرار، أحياء وأمواتًا، ومتاع هو ما تمتعت به من أي شيء كان، وكل ما حصل التمتع به فهو متاع، قال المفسرون: فلنا فِي الأرض متاع من حيث الاستقرار عليها، والاغتذاء بما تنبتها من الثمار والأقوات.
وقوله: إلى حين الحين: وقت من الزمان يصلح للأوقات كلها، طالت أم قصرت، ويجمع على: الأحيان، ثم يجمع الأحيان: أحايين.
والمراد بالحين ههنا فيما ذكره أهل التفسير: حين الموت.
قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] التلقي ههنا معناه: الأخذ والقبول، ومنه الحديث أن رسول الله ﷺ كان يتلقى الوحي من جبريل ﵇، أي: يتقبله ويأخذه.
وقال الأصمعي: تلقت الرحم ماء الرجل: إذا قبلته.
والكلمات: جمع الكلمة، والكلمة: تقع على القليل والكثير، وتقع على الحرف الواحد من الهجاء، ومعنى تلقى آدم من ربه الكلمات: هو أن الله تعالى ألهم آدم حتى اعترف بذنبه، وقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] الآية، فهذه الآية هي المعنية بالكلمات فِي قول الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد.
[ ١ / ١٢٤ ]
٣٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَمَّا أَصَابَ آدَمُ الْخَطِيئَةَ فَزِعَ إِلَى كَلِمَةِ الإِخْلاصِ، فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، عَمِلْتُ سُوءًا، وَظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغْفِرْ لِي وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي، فَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ "
٣٤ - وَرَوَى الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «الْكَلِمَاتُ» هِيَ: أَنَّ آدَمَ ﵇، قَالَ: يَا رَبِّ أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَلَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلِمَ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا؟ قَالَ: بِشُؤْمِ مَعْصِيَتِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ، أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ أَرَاجِعِي أَنْتَ إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَال: نَعَمْ، قَالَ: فَهَذِهِ «الْكَلِمَاتُ»
وقرأ ابن كثير: آدمَ بالنصب، وكلماتٌ بالرفع، وذلك أن من الأفعال ما يكون إسناده إلى الفاعل كإسناده إلى المفعول، وذلك نحو: أصبحت، ونلت، ولقيت، تقول: نالني خير ونلت خيرًا.
وأصابني خير وأصبت خيرًا.
وتقول: لقيني زيد ولقيت زيدًا.
قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وقال: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، وإذا كانت معاني هذه الأفعال كما ذكرنا، فنصب ابن كثير آدم ورفعه الكلمات، فِي المعنى، كقول من رفع آدم ونصب الكلمات.
وقوله تعالى: فتاب عليه معنى التوبة فِي اللغة: الرجوع، وفي الشريعة: رجوع العبد من المعصية
[ ١ / ١٢٥ ]
إلى الطاعة، فالعبد يتوب إلى الله، والله يتوب عليه، أي: يرجع إليه بالمغفرة، ومعنى قوله: فتاب عليه أي: عاد عليه بالمغفرة والرحمة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] أي: يتوب على عبده بفضله إذا تاب إليه من ذنبه.
قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨] كرر الأمر بالهبوط للتأكيد، ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨] أي: فإن يأتكم مني شريعة ورسول وبيان ودعوة، ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ [البقرة: ٣٨] أي: قَبِلَ أمري، اتبع ما أمرته به، ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] فِي الآخرة، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] ولا حزن، والخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أعلمهم الله تعالى أنه يبتليهم بالطاعة، ويجازيهم بالجنة عليها وأن هذا الابتلاء وقع عند الهبوط إلى الأرض.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [البقرة: ٣٩] هذه الآية إيعاد بالنار للكافرين بكتب الله وشرائعه، وهي مما خاطب الله تعالى به آدم وحواء وأعلمهما أن الكافر خالد فِي النار.
والآيات جمع آية، ومعنى الآية فِي اللغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: ١١٤] أي: علامة منك لإجابتك دعاءنا، وكل آية من كتاب الله تعالى علامة ودلالة على المقيمين فِيها.
وقال أبو عبيدة: معنى الآية: أنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها وانقطاعه عن الذي بعدها.
وقال ابن السكيت: يقال: خرج القوم بآيتهم: أي: بجماعتهم، لم يدعوا وراءهم شيئًا، وعلى هذا القول معنى الآية من كتاب الله تعالى: جماعة حروف دالة على معنى مخصوص.
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٤٠﴾ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴿٤١﴾ وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤٢﴾ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿٤٣﴾ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴿٤٤﴾ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
[ ١ / ١٢٦ ]
وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿٤٥﴾ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿٤٦﴾﴾ [البقرة: ٤٠-٤٦] قوله تعالى: يا بني إسرائيل يعني: يا أولاد يعقوب، وإسرائيل هو يعقوب، ولا ينصرف لاجتماع العجمة والمعرفة فِيهِ، وكل اسم اجتمعا فِيهِ وزاد عن ثلاثة أحرف لم ينصرف عند أحد من النحويين.
وقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] أراد: نعمي، فأوقع الواحد موقع الجماعة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] وهذه النعم هي: أن الله تعالى فلق لهم البحر، وأنجاهم من عدوهم، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، إلى سائر ما أنعم الله تعالى به عليهم، وهي مذكورة فِي قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠] وأراد بقوله: عليكم أي: على آبائكم وأسلافكم، وجعلها عليهم لأن النعمة على آبائهم نعمة عليهم.
فإن قيل: اليهود أبدًا يذكرون هذه النعم، فلم ذكروا ما لم ينسوه؟ قيل: المراد بقوله: اذكروا: اشكروا، وذكر النعمة: شكرها، وإذا لم يشكروها حق شكرها فكأنهم نسوها، وإن أكثروا ذكرها.
وقال ابن الأنباري: أراد: اذكروا ما أنعمت به عليكم فيما استودعتكم من علم التوراة، وبينت لكم من صفة محمد ﷺ، وألزمتكم من تصديقه واتباعه، فلما بعث ولم يتبعوه كانوا كالناسين لهذه النعمة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] يقال: وفيت بالعهد، وأوفيت به سواء، أي: أتممته.
قال ابن عباس: هذا العهد هو أن الله تعالى عهد إليهم فِي التوراة أنه باعث نبيًا يقال له: محمد، فمن تبعه كان له أجران اثنان: أجر باتباعه موسى وإيمانه بالتوراة، وأجر باتباعه محمدًا ﵇ وإيمانه بالقرآن ومن كفر به تكاملت أوزاره وكانت النار جزاءه، فقال الله ﷿: وأوفوا بعهدي فِي اتباع محمد ﷺ، أوف بعهدكم أدخلكم الجنة.
[ ١ / ١٢٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] أي: خافون فِي نقض العهد، لا ما يفوتكم من المآكل والرياسة.
وقوله ﷿ وآمنوا بما أنزلت يعني القرآن، مصدقا لما معكم موافقًا للتوراة فِي التوحيد والنبوة، ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١] قال الفراء: أراد أول من يكفر به.
وقال البصريون: أراد أول فريق كافر أو حزب كافر، ثم حذف المنعوت وأقيم نعته مقامه، والهاء فِي به يعود إلى ما فِي قوله تعالى: بما أنزلت: وهو القرآن.
والمعنى: ولا تكونوا أول كافر بالقرآن من أهل الكتاب، لأن قريشًا كفرت قبل اليهود بمكة.
والخطاب لعلماء اليهود، وإذا كفروا بالقرآن كفر أتباعهم فيكونون أئمة فِي الضلالة، ولا تشتروا: ولا تستبدلوا، بآياتي يعني ما فِي التوراة من بيان صفة محمد ﷺ ونعته، ثمنا قليلا عرضا يسيرًا من الدنيا، وذلك أن رؤساء اليهود كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وعوامهم، فخافوا إن هم بينوا صفة محمد ﷺ وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل والرياسة، واختاروا الدنيا على الآخرة، وإياي فاتقون فاخشون فِي أمر محمد، لا ما يفوتكم من الرياسة.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] يقال: لبست الأمر ألبسه لبسا، إذا خلطته وعميته.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، والمعنى: ولا تخلطوا الحق الذي أنزلت عليكم من صفة محمد ﷺ بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم من تغيير صفته وتبديل نعته.
قال مقاتل: إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد ﷺ وكتموا بعضًا، ليصدقوا فِي ذلك، فقال الله تعالى: ولا تلبسوا الحق الذي تقرون به وتبينونه، بالباطل: يعني بما تكتمونه، فالحق: بيانهم، والباطل: كتمانهم.
[ ١ / ١٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢] هو عطف على المجزوم فِي قوله: ولا تلبسوا أي: ولا تكتموا الحق، وأنتم تعلمون أن محمدًا ﷺ نبي مرسل، قد أنزل عليكم ذكره فِي كتابكم، واليهود جحدوا نبوة محمد ﷺ مع العلم بأنه نبي، فلم ينفعهم ذلك العلم، لأن جاحد النبوة كافر.
قوله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة الزكاة: تطهير للمال وإصلاح له وتثمير ونماء، كل ذلك قد قيل، وأصلها: من الزيادة، يقال: زكا الزرع يزكو زكاء، ممدود، وكل شيء يزداد فهو يزكو، قال النابغة:
وما أخرت من دنياك نقص وإن قدمت عاد لك الزكاء
يعني الزيادة، وسمي ما يخرج من المال للمساكين بإيجاب الشرع زكاة لأنها تزيد المال الذي يخرج منه، وتوفره، وتقيه الآفات.
قوله تعالى: واركعوا مع الراكعين معنى الركوع فِي اللغة: الانحناء، يقال للشيخ إذا انحنى من الكِبَر: ركع.
قال لبيد:
أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأني كلما قمت راكع
قال المفسرون: معناه: وصلوا مع المصلين محمد ﷺ وأصحابه، فعبر بالركوع عن جميع الصلاة، إذ كان ركنا من أركانها.
وإنما قال: واركعوا بعد قوله: وأقيموا الصلاة لأنه أراد الحث على إقامة الصلاة فِي جماعة، وقيل: لأنه لم يكن فِي دين اليهود ولا فِي صلاتهم ركوع، فذكر ما اختص بشريعة الإسلام، والآية خطاب لليهود.
[ ١ / ١٢٩ ]
قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] الآية، خطاب لعلماء اليهود، وكانوا يقولون لأقربائهم من المسلمين: اثبتوا على ما أنتم عليه.
ولا يؤمنون.
والألف للاستفهام، معناه: التوبيخ والمراد بالبر: الإيمان بمحمد ﷺ، والنسيان ههنا بمعنى: الترك، ومنه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وبخهم الله تعالى على ما كانوا يفعلون من أمر الناس بالإيمان وترك أنفسهم ذلك.
وقوله تعالى: وأنتم تتلون الكتاب أي: تقرءون التوراة، وفيها صفة محمد ﷺ، أفلا تعقلون أنه حق فتتبعونه.
وأصل التلاوة من قولهم: تلاه يتلوه.
إذا تبعه، والتلاوة: إتباع الحروف بالقراءة، ويقال عقل الرجل يعقل عقلا، إذا كان عاقلا.
وعقل الإنسان هو تمييزه الذي به فارق جميع الحيوان، سمي عقلا لأنه يعقله، أي: يمنعه من التورط فِي الهلكة كما يمنع العقال البعير عن ركوب رأسه.
٣٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بُجَيْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:
[ ١ / ١٣٠ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى أُنَاسٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: هَؤُلاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا مِمَّنْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ "
ثم رجع إلى خطاب المسلمين فأمرهم أن يستعينوا على ما يطلبونه من رضاء الله تعالى ونيل جنته بالصبر والصلاة، فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]: ومعنى الصبر: حبس النفس على شيء تكرهه، والمراد بالصبر ههنا: الصبر على أداء الفرائض، واجتناب المحارم، واحتمال الأذى، وجهاد العدو، وعلى المصائب، وقوله: والصلاة لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وقال مجاهد: الصبر فِي هذه الآية: الصوم، ويقال لشهر رمضان: شهر الصبر.
وقوله تعالى: وإنها لكبيرة قال الحسن والضحاك: ثقيلة.
وكل ما ثقل على الإنسان كبر عليه، كقوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، والكناية فِي وإنها تعود على الصلاة لأنها الأغلب والأفضل والأهم، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] .
وقوله تعالى: إلا على الخاشعين أي: المطيعين الساكنين إلى الطاعة، الخشوع معناه فِي اللغة: السكون، قال: وخشعت الأصوات للرحمن.
[ ١ / ١٣١ ]
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] هذا من نعت الخاشعين، والعرب تقول لليقين: ظن.
وللشك: ظن.
لأن فِي الظن طرفًا من اليقين، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]، وقال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]، وقال: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، كل هذا بمعنى اليقين.
وقال دريد بن الصمة:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم فِي الفارسي المسرد
أي: أيقنوا.
والملاقاة: اللقاء، بمعنى العيان والاجتماع والمحاذاة والمصير، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧]، أي: لا يخافون المصير إلينا، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] أي: مجتمع معكم وصائر إليكم.
قال ابن عباس: يريد الذين يستيقنون أنهم مبعوثون وأنهم محاسبون وأنهم راجعون إلى الله تعالى، واللقاء والملاقاة، من حيث ذكر فِي القرآن، يحمله المفسرون على البعث والصبر إلى الله ﷿، وقوله تعالى: وأنهم إليه راجعون أي: يصدقون بالبعث ويقرون بالنشأة الثانية، وجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا إليه.
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٤٧﴾ وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴿٤٨﴾﴾ [البقرة: ٤٧-٤٨] وقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧] تقدم تفسيره.
[ ١ / ١٣٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] التفضيل: نقيض التسوية، يقال: فضله، إذا أعطاه الزيادة.
وفضله: إذا حكم له بالزيادة فِي الفضل، وهذا التفضيل هو ما ذكر فِي قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠] وأراد ب العالمين عالمي زمانهم، والخطاب للموجودين منهم فِي ذلك الوقت، والمراد بالتفضيل سَلَفُهم، ولكن فِي تفضيل الآباء شرف الأبناء، لذلك قال: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] .
وقوله تعالى: واتقوا يومًا أي: واحذروا واجتنبوا عقاب يوم، ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي: لا يقضي ولا يغني أحد عن أحد فِي ذلك اليوم، يقال: جزى عنه كذا، إذا قضى عنه.
قال الكلبي: هو يوم القيامة يقول: اتقوا يومًا لا يغني والد عن ولده، ولا ولد عن والده.
قوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] يقال: قبلت الشيء أقبله قبولًا وقبولًا.
ويقال: على فلان قبول، أي: تقبله العين.
ومعنى الشفاعة: كلام الشفيع من هو فوقه فِي جماعة يسألها لغيره، وهو الشفع الذي هو خلاف الوتر، وذلك أن سؤال الشفيع يصير شفعا لسؤال المشفوع له.
وقرئ ولا يقبل بالياء، لأن الشفاعة والتشفع بمنزلة واحدة، كما أن الوعظ والموعظة والصيحة والصوت كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقال: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] .
[ ١ / ١٣٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] عدل الشيء وعدله: مثله، قال الله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] أي: ما يماثله من الصيام، قال كعب بن مالك:
صبرنا لا نرى لله عدلا على ما نابنا متوكلينا
أي: لا نرى له مثلا.
والمراد بالعدل فِي هذه الآية: الفداء، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] أي: إن تفد كل فداء، وسمي الفداء عدلا لأنه يعادل المفدي ويماثله.
قال السدي فِي هذه الآية: لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما قبل منها.
وقوله تعالى: ولا هم ينصرون أي: لا يمنعون من عذاب الله، قال المفسرون: نزلت هذه الآية فِي اليهود، وذلك أنهم كانوا يقولون: يشفع لنا آباؤنا الأنبياء، فآيسهم الله ﷿ من ذلك.
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿٤٩﴾ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴿٥٠﴾ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴿٥١﴾ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٥٢﴾﴾ [البقرة: ٤٩-٥٢] قوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] التنجية: التخليص من مكروه وشدة، ومثله الإنجاء، وآل فرعون: أتباعه، ومن كان على دينه.
[ ١ / ١٣٤ ]
وقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٤٩] السوم: أن تجشم إنسانا مشقة أو سوءا أو ظلما، يقال: سمته ذلا وسوءا، إذا ألزمته إياه.
وسوء العذاب: شديد العذاب.
وقد فسره بقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] وأصل الذبح فِي اللغة: الشق، والذباح والذباح بالتخفيف والتشديد: تشقق فِي الرجل، وسمي فري الأوداج ذبحًا لأنه نوع شق، والتفعيل: على التكثير.
وقوله تعالى: ويستحيون نساءكم يستحيون: يستفعلون، من الحياة، والمعنى: يستبقونهن أحياء ولا يقتلونهن، ومنه الحديث: «اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم» .
واسم النساء: يقع على الصغار والكبار، وهم كانوا يستبقون البنات لا يقتلونهن.
والخطاب لبني إسرائيل، يذكرهم الله تعالى النعمة عليهم حين أنجاهم من عدوهم الذين كانوا يذيقونهم شدة العذاب بذبح الأبناء واستبقاء النساء، ثم قال: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] البلاء: اسم ممدود من البلو، وهو الاختبار والتجربة، يقال: بلاه يبلوه بلوا، إذا جربه.
والبلاء يكون حسنا ويكون سيئا، والله ﷿ يبلو عباده بالصنيع الحسن ليمتحن شكرهم عليه ويبلوهم بالبلوى التي يكرهونها ليمتحن صبرهم، فقيل للحسن: بلاء.
وللسيء: بلاء.
لأن أصلهما المحنة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] .
والذي فِي هذه الآية يحتمل الوجهين، فإن حملته على الشدة كان معناه: فِي استحياء البنات للخدمة، وذبح البنين بلاء ومحنة، وهو قول ابن عباس، فِي رواية عطاء والكلبي.
[ ١ / ١٣٥ ]
وإن حملته على النعمة كان المعنى: وفي تنجيتكم من هذه المحن نعمة عظيمة، وهو قول مجاهد، والسدي.
ومثل هذا فِي احتمال الوجهين قوله فِي قصة إبراهيم: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] .
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٠] وذلك أن الله تعالى أمر موسى أن يذهب ببني إسرائيل إلى البحر فينفلق له حتى يخوض فِيهِ هو وبنو إسرائيل، فلما ذهب بهم وانتهى إلى البحر فرق الله البحر اثني عشر طريقًا، لكل سبط منهم طريق، حتى مروا فِيهِ وهو منفلق، وسمي البحر بحرًا لاستبحاره، وهو سعته وانبساطه.
وقوله تعالى: وأغرقنا آل فرعون ولم يذكر غرق فرعون، لأنه قد ذكره فِي مواضيع، كقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣]، ويجوز أن يريد بآل فرعون: نفسه، كقوله تعالى: ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] يعني موسى وهارون.
وقوله: وأنتم تنظرون وذلك أنهم لما خرجوا من البحر رأوا انطباق البحر على فرعون وقومه، ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تنظرون إلى فرق الله البحر وإنجائكم من عدوكم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] قال المفسرون: إن الله تعالى لما أنجى موسى وبني إسرائيل وأغرق فرعون، وأمن بنو إسرائيل من عدوهم ودخلوا مصر ولم يكن لهم كتاب ولا شريعة ممهدة، فواعد الله موسى أن يؤتيه الكتاب فِيهِ بيان ما يأتون وما يذرون، وأمره أن يصوم ثلاثين يومًا فصامه وصالا ولم يطعم شيئًا، فتغيرت رائحة فمه، فعمد إلى لحاء شجرة فمضغها، فأوحى الله إليه: «أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك»؟ وأمر أن يصل بها عشرًا، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وخرج موسى من بين بني إسرائيل تلك الأيام فاتخذ السامري عجلا وقال لبني إسرائيل: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨]، فافتتن بالعجل ثمانية آلاف رجل منهم، وعكفوا عليه يعبدونه.
[ ١ / ١٣٦ ]
وقراءة أكثر القراء واعدنا من المواعدة، لأن ما كان من الله من الوعد ومن موسى القبول والتحري لإنجازه يقوم مقام الوعد، فصار كالتواعد من الفاعلين، وأيضًا فإن المفاعلة قد تقع من الواحد وقد ذكرنا.
وقرأ أبو عمرو وعدنا بغير ألف، لكثرة ما جاء فِي القرآن من هذا القبيل بغير ألف، كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩]، ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ [طه: ٨٦]، ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٧]، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ [الفتح: ٢٠]، يقال: وعدته وعدًا وعدة وموعدًا، وموعدة.
قال الله تعالى: ﴿إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩] .
ويقال: وعد، فِي الخير والشر.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦]، وقال: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢] .
وتقدير الكلام: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة للتكلم معه، أو لإتيانه الكتاب.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٥١] الاتخاذ: افتعال من الأخذ، والمعنى: ثم اتخذتم العجل من بعده معبودًا أو إلها، فحذف المفعول الثاني للعلم به، وكذلك قوله تعالى: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤]، ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، التقدير فِي هذا كله: اتخذوه إلها، فحذف المفعول الثاني.
ومعنى الآية: أن الله تعالى نبههم على أن كفرهم بمحمد ﷺ ليس بأعجب من كفرهم وعبادتهم العجل ومن موسى ﵇.
وقوله تعالى: وأنتم ظالمون أي: ضارون لأنفسكم، وواضعون العبادة فِي غير موضعها.
[ ١ / ١٣٧ ]
وقيل: وأنتم ظالمون اليوم بمخالفة محمد ﷺ.
قوله تعالى: ثم عفونا عنكم قال ابن الأنباري: عفا الله عنك، معناه: محا الله عنك، مأخوذ من قولهم: عفت الرياح الآثار، إذا درستها ومحتها.
وعفو الله: محوه الذنب عن العبيد، والمراد بالعفو ههنا: قبوله التوبة من عَبَدَةِ العجل، وأمره برفع السيف عنهم.
وقوله تعالى: من بعد ذلك أي: من بعد عبادة العجل، لعلكم تشكرون لكي تشكروا نعمتنا بالعفو.
ومعنى الشكر فِي اللغة: عرفان الإحسان بالقلب ونشره باللسان.
﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿٥٣﴾ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿٥٤﴾ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴿٥٥﴾ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٥٦﴾ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٥٧﴾﴾ [البقرة: ٥٣-٥٧] وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣] الآية، الفرقان: مصدر فرقت بين الشيئين أفرق فرقا وفرقانا، كالرجحان والنقصان، ويسمى كل فارق فرقانا، كما سمي كتاب الله: الفرقان، لفصله بين المحق والمبطل، وسمى الله تعالى يوم بدر يوم الفرقان فِي قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، لأنه فرق فِي ذلك اليوم بين الحق والباطل، فكان ذلك يوم الفرقان، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] أي: يفرق بينكم وبين ذنوبكم.
واختلفوا فِي معنى الفرقان فِي هذه الآية: فقال مجاهد: هو بمعنى الكتاب، وهما شيء واحد.
وهو اختيار الفراء، قال: العرب تكرر الشيء إذا اختلفت ألفاظه، كقول عدي بن زيد:
وألفى قولها كذبا ومينا.
وقال عنترة:
أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
[ ١ / ١٣٨ ]
وارتضى الزجاج هذا القول، قال: لأن الله تعالى ذكر لموسى الفرقان فِي غير هذا الموضع، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]، فعلى هذا القول الفرقان هو الكتاب، والكتاب هو الفرقان.
قال الزجاج: ويجوز أن يريد بالفرقان: انفراق البحر، وهو من عظيم الآيات، كأنه قيل: آتيناه فرق البحر.
وقال ابن عباس: أراد بالفرقان: النصر على الأعداء، لأن الله تعالى نصر موسى وقومه على عدوهم، وسمى نصره فرقا لأن فِي ذلك فرقا بين الحق والباطل، وقوله: لعلكم تهتدون أي: بما آتيناه من الكتاب.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٥٤] يعني الذين عبدوا العجل، يا قوم نداء مضاف حذف منه الياء، والمنادى إذا أضفته إلى نفسك جاز فِيهِ ثلاث لغات: حذف الياء، وإثباتها، وفتحها، فحذف الياء كقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ [البقرة: ٥٤]، والإثبات كقوله: يَا عِبَادِي فَاتَّقُونِ، والفتح كقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] على قراءة من فتح الياء، والأجود الاكتفاء بالكسرة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] أي: نقصتم حظ أنفسكم، ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤] إلها، ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ارجعوا إليه بالطاعة والتوحيد، والباري: الخالق، يقال: برأ الله الخلق.
أي: خلقهم.
وكان أبو عمرو يختلس حركة الهمزة فِي بارئكم كأنه يخفف الحركة ويقربها من الجزم، وسيبويه: يجوز تخفيف حركة الإعراب، وأنشد فِي ذلك:
وقد بدا هنك من المئزر
[ ١ / ١٣٩ ]
وأنشد أيضًا قول امرئ القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل
وفي الآية إضمار واختصار، كأنه لما قال لهم: فتوبوا إلى بارئكم قالوا: كيف؟ قال: فاقتلوا أنفسكم أي: ليقتل البريء المجرم.
المعنى: استسلموا للقتل، فجعل استسلامهم للقتل قتلا منهم لأنفسهم.
وقوله تعالى: ذلكم خير لكم أي: توبتكم بقتل أنفسكم، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] من إقامتكم على عبادة العجل.
وقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] فِي الآية اختصار لأن التقدير: ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤] .
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] قال ابن عباس: يعني: نراه علانية.
وقال قتادة: عيانا.
ومعنى قوله: جهرة أي: غير مستتر عنا بشيء، يقال: جهرت بالقول، أجهر به: إذا أعلنته.
والجهر: العلانية.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥] يعني: ما تصعقون منه، أي: تموتون، قال المفسرون: إن الله تعالى
[ ١ / ١٤٠ ]
أمر موسى أن يأتيه فِي ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين رجلا من خيارهم، وخرج بهم إلى طور سيناء، وسمعوا كلام الله ﷿، وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، ويغشاه عمود من غمام، فلما فرغ موسى وانكشف الغمام، قالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة: ٥٥] أي: لن نصدقك ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، فأخذتهم الصاعقة، وهي نار جاءت من السماء فأحرقتهم جميعا، وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥] يريد: نظر بعضهم إلى بعض عند نزول الصعقة، وإنما أخذتهم لأنهم امتنعوا من الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته، حتى يريهم ربهم جهرة، والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزتهم، ولا يجوز اقتراح المعجزات عليهم، فلهذا عاقبهم الله، وهذه الآية تتضمن التوبيخ لهم على مخالفة الرسول ﷺ مع قيام معجزته، كما خالف أسلافهم موسى مع ما أتى به من الآيات الباهرة، والتحذير لهم أن ينزل بهم ما نزل بأسلافهم.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] قال المفسرون: إنهم لما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرع ويقول: يا رب، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله جميعا، رجلا بعد رجل، وهم ينظرون كيف يحيون، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] أي: نشرناكم وأعدناكم أحياء.
والبعث: إثارة البارك والنائم عن مكانه، ونشر الميت كبعث النائم.
قال قتادة: بعثهم الله تعالى ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم، ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا، ولكن كان ذلك الموت عقوبة لهم على ما قالوا.
قال الزجاج: والآية احتجاج على مشركي العرب الذين كفروا بالبعث، فاحتج النبي ﷺ بإحياء من بعث بعد موته فِي الدنيا فيما يوافقه اليهود والنصارى.
وقوله تعالى: لعلكم تشكرون أي: نعمة البعث.
قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧] معناه: تسترناكم عن الشمس بالغمام، والظل معناه فِي اللغة: الستر، يقال: لا أزال الله عنا ظل فلان، أي: ستره، وظل الشجرة: سترها، ويقال لظلمة الليل: ظل، لأنها تستر الأشياء، ومنه قوله تعالى: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] .
[ ١ / ١٤١ ]
والغمام: جمع غمامة، وهي السحاب، سمي غماما لأنه يغم السماء، أي: يسترها، وكل ما ستر شيئا فقد غمه.
قال المفسرون: وهذا كان حين أبوا على موسى دخول تلقاء مدينة الجبارين فتاهوا فِي الأرض ثم ندموا على ذلك وكانت العزيمة من الله أن يحبسهم فِي التيه، فلما ندموا ألطف الله لهم بالغمام، ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧] كرامة لهم ومعجزة لنبيهم.
والمن: الترنجبين، وكان كالعسل الجامس حلاوة، وكان يقع على أشجارهم بالأسحار، والسلوى: طائر كالسماني، والواحدة: سلواة، وأنشد الليث:
كما انتفض السلواة من بلل القطر
قال مقاتل: كان الله ﷿ يبعث سحابة فتمطر لهم السماني.
وقوله: كلوا أي: وقلنا لهم كلوا، من طيبات حلالات، ما رزقناكم والطيب: الحلال، لأنه طاب، وأصل الحرام يكون خبيثًا، وأصل الطيب: الطاهر، وسمي الحلال طيبا لأنه طاهر لم يتدنس بكونه حراما.
وما ظلمونا أي: ما نقصونا وما ضرونا بالمعصية وإبائهم دخول تلك القرية، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] أي: ولكن ظلموا أنفسهم، ونقصوا حظها باستيجابهم عذابي.
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٨﴾ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿٥٩﴾﴾ [البقرة: ٥٨-٥٩] وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما خرجوا من
[ ١ / ١٤٢ ]
التيه قال الله لهم: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] .
قال ابن عباس: هي أريحا.
وقال قتادة، والسدي، والربيع: هي بيت المقدس.
واشتقاق القرية من قريت، أي: جمعت، والمقرأة: الحوض يجمع فِيهِ الماء، ويقال لبيت النمل: قرية.
لأنه يجمع النمل، فالقرية تجمع أهلها.
وقوله: وادخلوا الباب يعني بابا من أبوابها، سجدا قال ابن عباس: ركعا.
وهو شدة الانحناء، والمعنى: منحنين متواضعين.
قال مجاهد: هو باب حطة من بيت المقدس، طوطئ لهم الباب ليخفضوا رءوسهم فلم يخفضوا، ودخلوا متزحفين على أستاههم.
وقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] هي فعلة من الحط، وهو وضع الشيء من أعلى إلى أسفل، يقال: حط الحمل عن الدابة.
والسيل يحط الحجر عن الجبل، وقال امرؤ القيس:
كجلمود صخر حطه السيل من عل
فالحطة من الحط، مثل الردة من الرد، ويجوز أن يكون اسما، ويجوز أن يكون مصدرا.
[ ١ / ١٤٣ ]
وقال ابن عباس، فِي رواية سعيد بن جبير، فِي قوله تعالى: وقولوا حطة أي: مغفرة.
فقالوا: حنطة.
وقال مقاتل: إنهم أصابوا خطيئة بإبائهم على موسى دخول الأرض التي فِيها الجبارون، فأراد الله أن يغفرها لهم فقيل لهم: قولوا حطة.
وقال الزجاج: معناه: قولوا مسألتنا حطة.
أي: حط ذنوبنا عنا.
وقوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] أصل الغفر: الستر والتغطية، وغفر الله ذنوبه، أي: سترها، وكل شيء سترته فقد غفرته، والمغفر: يكون تحت بيضة الحديد يغفر الرأس.
وأجمع القراء على إظهار الراء عند اللام، إلا ما روي عن أبي عمرو من إدغامه الراء عند اللام.
قال الزجاج: وهو خطأ فاحش، وأحسب الذين رووا ذلك عن أبي عمرو غالطين، ولا يدغم الراء فِي اللام، لأن الراء حرف مكرر، ولا يدغم الزائد فِي الناقص، فلو أدغمت الراء فِي اللام لذهب التكرير من الراء، وهذا إجماع النحويين.
والخطايا جمع خطيئة، وهي الذنب على عمد، قال أبو الهيثم: يقال: خطئ: لما صنعه عمدا وهو الذنب، وأخطأ: لما صنعه خطأ غير عمد.
وقوله: وسنزيد المحسنين أي: الذين لم يكونوا من أهل تلك الخطيئة إحسانا وثوابا.
قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] التبديل: التغيير إلى بدل، والمعنى: أنهم غيروا تلك الكلمات التي أمروا بها وقالوا بدل حطة: حنطة.
وهذا قول ابن عباس وجميع المفسرين.
وقال الزجاج: جملة ما قالوه أنه أمر عظيم سماهم الله به فاسقين.
[ ١ / ١٤٤ ]
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩] الرجز: العذاب، قال تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] أي: العذاب، ثم سمي كيد الشيطان رجزا لأنه سبب العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١]، وقال: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] قيل: أراد به: عبادة الأوثان، لأنه سبب العذاب.
قال الضحاك: أرسل الله تعالى عليهم ظلمة وطاعونا، فهلك منهم فِي ساعة واحدة سبعون ألفا عقوبة لهم بتبديلهم ما أمروا به.
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٦٠﴾ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿٦١﴾﴾ [البقرة: ٦٠-٦١] قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى﴾ [البقرة: ٦٠] الآية، قال المفسرون: عطش بنو إسرائيل فِي التيه، فقالوا: يا موسى، من أين لنا الشراب؟ فاستسقى لهم موسى، فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك الحجر.
قال ابن عباس: وكان حجرا خفيفا مربعا مثل رأس الرجل، أمر أن يحمله معه، فكان يضعه فِي مخلاته، فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه، وضربه بعصاه فينفجر عيونا، لكل سبط عين.
وقوله تعالى: فانفجرت فِيهِ اختصار، والمعنى: فضرب فانفجرت، أي: انشقت، والانفجار: الانشقاق، والفجر فِي اللغة: الشق، وسمي فجر النهار لشقه ظلمة الليل، وقوله ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠] أراد: كل أناس منهم، يعني الأسباط، وكانوا اثني عشر سبطا.
[ ١ / ١٤٥ ]
والمشرب يجوز أن يكون مصدرا كالشرب، ويجوز أن يكون موضعا.
قال المفسرون: كان فِي ذلك الحجر اثنتا عشرة حفرة، فكانوا إذا نزلوا وضعوا الحجر، وجاء كل سبط إلى حفرته فحفروا الجداول إلى أهلها، فذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠] .
وقوله تعالى: كلوا أي: وقلنا لهم كلوا من المن والسلوى، واشربوا من الماء فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة ولا مئونة، وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿[البقرة: ٦٠ يقال: عثي يعثى عثوا، وهو أشد الفساد.
قوله تعالى:] وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] الطعام: اسم جامع لما يؤكل، وإنما قالوا: طعام واحد وكان طعامهم المن والسلوى، لأنهم كانوا يأكلون المن بالسلوى، فكان طعاما واحدا كالخبيص، لون واحد وإن اتُّخِذَ من أطعمةٍ شتَّى.
قال المفسرون: إنهم ملوا عيشهم وما كانوا يأكلونه، وذكروا عيشا كان لهم بمصر، فقالوا لموسى: فادع لنا ربك أي: ادع لأجلنا ربك، وسله وقل له: ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا﴾ [البقرة: ٦١] وهو كل نبات لا يبقى له ساق إذا رعته الماشية، وقثائها وهو نوع من الخضروات، وفومها وهو الحنطة بلا اختلاف بين أهل اللغة، فقال لهم موسى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] أي: أقرب وأسهل متناولا بالرفيع الجليل الذي خصكم الله به؟ ! ويجوز أن يكون معنى الدنو فِي قرب القيمة، يقول: أتأخذون ما هو أقل قيمة بدلا بالذي هو خير فِي القيمة؟ ! ويجوز أن يكون أدنى من الدناءة، وهي الخسة، وترك همزها، والمعنى: أتستبدلون ما هو أوضع وأخس بالذي هو خير؟ ! وهذا اختيار الفراء.
[ ١ / ١٤٦ ]
وقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] أي: انزلوا مصرا من الأمصار، فإن الذي سألتم لا يكون إلا فِي القرى والأمصار، وفي الكلام إضمار كأنه قيل: فدعا موسى فاستجبنا له وقلنا لهم: اهبطوا مصرا، ويجوز أن يكون أراد: مصر بعينها، وصرفها لخفتها وقلة حروفها، مثل: جمل، ودعد، وهند.
وقوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة: ٦١] أي: ألزموها إلزاما لا تبرح عنهم، وأصله من ضرب الشيء على الشيء، كما يضرب المسمار على الشيء فيلزمه.
يقال: ضرب فلان على عبده ضريبة، وضرب السلطان على التجار ضريبة.
أي: ألزمهم شيئا معلوما يؤدونه إليه.
والذلة: الذل، والمسكنة: مصدر فعل المسكين، يقال: تمسكن الرجل، إذا صار مسكينا.
قال الحسن، وقتادة: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴿[البقرة: ٦١ هي أنهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.
وقال عطاء بن السائب: هي الكستينج وزي اليهودية، والمسكنة: زي الفقر، فترى المثري منهم يتباءس مخافةَ أن يضاعف عليه الجزية، ولا يوجد يهودي غني النفس.
وقوله تعالى:] وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]: أي: رجعوا، فِي قول الفراء، وقال الكسائي: انصرفوا به.
ولا يكون باءوا إلا بشيء، إما بخير وإما بشر، يقال: باء يبوء بوءا وبواءا.
ولا يكون باء بمعنى مطلق الانصراف.
[ ١ / ١٤٧ ]
وقال عبيدة، والزجاج: باءوا بغضب: احتملوه، يقال: قد بؤت بهذا الذنب.
أي: احتملته، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] .
ومعنى غضب الله ذمه إياهم، وإنزال العقوبة بهم.
وقوله: ذلك إشارة إلى ضرب الذلة والمسكنة والغضب، ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] قال ابن عباس: يريد: الحكمة التي أنزلت على محمد ﷺ.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ٦١] يعني: من قتلهم اليهود من الأنبياء مثل زكريا ويحيى، وشعيا.
وقوله: بغير الحق أي: قتلا بغير حق، يعني: بالظلم.
وأكثر العرب على ترك همزة النبي وبابه، قال أبو عبيدة: اجتمعت العرب على حذف الهمزة من أربعة أحرف: من النبي، والذرية، والخابية، والبرية، وأصلها الهمزة.
قال الزجاج، وعدة معه: اشتقاق النبي من نبأ، وأنبأ، أي: أخبر، وترك همزه لكثرة الاستعمال، وهذا مذهب سيبويه، واستردأ سيبويه همز النبي والبرية لأن الغالب فِي استعمالها تخفيف الهمزة.
وحجة من همز النبي أن يقول: هو أصل الكلمة.
ولا ينكر أن يؤتى بالكلمة على أصلها.
[ ١ / ١٤٨ ]
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ [البقرة: ٦١] أي: ذلك الكفر والقتل بشؤم ركوبهم المعاصي، ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] يتجاوزون ويرتكبون محارمي، والاعتداء: تجاوز الحد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] قوله تعالى: إن الذين آمنوا أي: بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك، وقيل: أراد المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم، والذين هادوا أي: دخلوا فِي دين اليهودية، كقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] .
واختلفوا لمَ سموا اليهود؟ فقال بعضهم: هو من الهود، وهو التوبة، ولما تابوا من عبادة العجل لزمهم هذا الاسم، يقال: هاد يهود، إذا تاب.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] .
وقيل: هو من الهيد، وهو الحركة، وذلك أنهم كانوا يتحركون عند قراءة التوراة فلزمهم هذا الاسم.
والنصارى واحدهم: نصري، مثل: بعير مهري، وإبل مهارى، وسموا نصارى لأنهم كانوا من قرية يقال لها: نصرة.
والصابئين يقال: صبأ الرجل فِي دينه يصبأ صبوءا، إذا كان صابئا.
وهو الخارج من دين إلى دين، وهم قوم كانوا يعبدون النجوم ويعظمونها.
وقال قتادة: هم قوم كانوا يعبدون الملائكة، وقال مجاهد: هم قبيلة من اليهود والمجوس لا دين لهم.
[ ١ / ١٤٩ ]
وقرأ نافع: الصابون، والصابين بترك الهمزة.
ولا يجيز سيبويه ترك الهمز على هذا الحد إلا فِي الشعر، وأجازه أبو زيد وغيره، فهذه القراءة على قول من أجاز ذلك، والقراءة متبعة.
وقوله تعالى: من آمن بالله أي: من جملة هؤلاء الأصناف المذكورة فِي هذه الآية، من آمن إيمانا حقيقيا، وهو أن يؤمن بالله وبرسوله محمد ﷺ.
والدليل على أنه أراد به الإيمان بمحمد ﷺ قوله تعالى: وعمل صالحا وقد قام الدليل على أن من لا يؤمن بالنبي محمد ﷺ لا يكون عمله صالحا.
وقوله تعالى: فلهم أجرهم جمع الكناية بعد أن وحد الفعل فِي قوله: آمن، لأن من يصلح للواحد والجميع والمذكر والمؤنث، فالفعل يعود إلى لفظ من، وهو واحد مذكر، والكناية تعود إلى معنى من، ومثله فِي القرآن كثير، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، وقال فِي موضع آخر: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] .
والمعنى: لا ينالهم خوف ولا يصيبهم حزن فِي الآخرة، لأنهم يصيرون إلى النعيم المقيم، والأمن الدائم.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٦٣﴾ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٦٤﴾﴾ [البقرة: ٦٣-٦٤] قوله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣] الآية، الطور: الجبل، بالسريانية، وقد تكلمت به العرب، قال العجاج:
دانى جناحيه من الطور فمر
[ ١ / ١٥٠ ]
قال المفسرون: إن موسى لما أتى بني إسرائيل بالتوراة قرءوها وما فِيها من التغليظ، كبر ذلك عليهم وأبَوا أن يقبلوا ذلك، فأمر الله ﷿ جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رءوسهم مثل الظلة، فأوحى الله إلى موسى ﵇: إن قبلوا التوراة، وإلا رضختهم بهذا الجبل.
فلما رأوا ذلك قبلوا ما فِيها وسجدوا من الفزع، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فمن أجل ذلك يسجد اليهود على أنصاف وجوههم، فهذا معنى أخذ الميثاق فِي حال رفع الجبل فوقهم، لأن فِي هذا الحال قيل لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] .
وكان فيما آتاهم الله تعالى الإيمان بمحمد ﷺ.
وفي هذه الآية إضمار، لأن المعنى: وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم، أي: اعملوا بما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه.
وقوله: بقوة قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: بجد ومواظبة على طاعة الله واجتهاد.
واذكروا ما فِيهِ الكناية تعود إلى ما فِي قوله: ما آتيناكم، وهو التوراة.
والمعنى: احفظوا ما فِي التوراة من الحلال والحرام، واعملوا بما فِيهِ، وقيل: اذكروا ما فِيهِ من الثواب والعقاب.
لعلكم تتقون لكي تتقوا محارمي فتتركوها.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٦٤] أي: أعرضتم وعصيتم أمر الله وتركتم طاعته، من بعد ذلك من بعد أخذ الميثاق، ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [البقرة: ٦٤] بتأخير العذاب عنكم، ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤] بالعقوبة وذهاب الدنيا والآخرة.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴿٦٥﴾ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٦٦﴾﴾ [البقرة: ٦٥-٦٦] قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] العلم ههنا بمعنى المعرفة، كقوله
[ ١ / ١٥١ ]
تعالى: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، و﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] هم الذين جاوزوا ما أمروا به من ترك الصيد يوم السبت.
كانوا أمروا ألا يصيدوا السمك فِي السبت، فحبسوها فِي السبت، وأخذوها فِي الأحد، فعدوا فِي السبت، لأن صيدها: منعها من التصرف.
وذكر الله تعالى قصتهم فِي ﴿[الأعراف فِي قوله تعالى:] وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [سورة الأعراف: ١٦٣] الآية.
قال ابن الأنباري: السبت: القطع، وسمي السبت من الأيام سبتا، لأن الله تعالى ابتدأ الخلق فِيهِ، وقطع فِيهِ بعض الخلق، وخلق الأرض، ويقال: أُمِرَ فِيهِ بنو إسرائيل بقطع الأعمال وتركها.
وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥] أي: كونوا بتكويننا إياكم وتغييرنا خلقكم، وهذا أمر حتم ليس للمأمور فِيهِ اكتساب، ولا يقدر على دفعه عن نفسه.
والقردة: جمع قرد، ويقال: قرد وثلاثة أقردة وقرود، وقردة كثيرة.
وقوله تعالى: خاسئين الخسء: الطرد والإبعاد، يقال: خسأته فخسأ وانخسأ، فهو واقع ومطاوع.
قال الفراء، والكسائي: يقال: خسأته خسئا، فخسأ خسوءا، مثل: رجعته رجعا فرجع رجوعا، وتقدير الآية: كونوا خاسئين قردة، لأنه لولا التقديم والتأخير لكان قردة خاسئة.
[ ١ / ١٥٢ ]
يخوف الله تعالى اليهود بهذه الآية فِي تركهم الإيمان بمحمد ﷺ، ويذكرهم ما أصاب من المسخ للذين اعتدوا فِي السبت، وهو قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا﴾ [البقرة: ٦٦] الآية، الكناية راجعة إلى القردة، وقال الفراء: الكناية راجعة إلى المسخة، لأن معنى كونوا قردة: مسخناهم قردة، فوقعت الكناية عن الكلام المتقدم.
والنكال: اسم لما جعلته نكالا لغيره، إذا رآه خاف أن يعمل عمله، من قولهم: نكل عن الأمر ينكل نكولا، إذا جبن عنه.
وقوله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ [البقرة: ٦٦] قال الزجاج: للأمم التي تراها.
﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] ما يكون بعدها، فما فِي قوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] عبارة عن: الأمم، وتكون بمعنى من.
وهذا قول ابن عباس، فِي رواية عطاء، قال: يريد: نكالا للخلق الذين كانوا معهم.
وما خلفها ولجميع من يأتي إلى يوم القيامة، وقال، فِي رواية الكلبي: يقول: جعلناها عقوبة.
لما بين يديها لما مضى من ذنوبهم، وما خلفها يعني: من بعدهم من بني إسرائيل، أن يستنوا بسنتهم ويعملوا بعملهم، وما الثانية تكون بمعنى من.
وروى محمد بن الحصين، عن ابن عباس، قال: يعني: ما بين يديها من القرى وما خلفها وما خلفها، ويعتبرون بهم، فلا يعملون عملهم.
وموعظة للمتقين: نهيًا لأمة محمد ﷺ أن يتجاوزوا ما حد لهم.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ
[ ١ / ١٥٣ ]
الْجَاهِلِينَ ﴿٦٧﴾ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ﴿٦٨﴾ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ﴿٦٩﴾ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴿٧٠﴾ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴿٧١﴾ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴿٧٢﴾ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٧٣﴾ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٧٤﴾﴾ [البقرة: ٦٧-٧٤] قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] قال المفسرون: كان فِي بني إسرائيل رجل كثير المال، وله ابن عم مسكين لا وارث له غيره، فلما طال عليه موته قتله ليرثه، ولما قتله حمله من قرية إلى قرية أخرى، ثم أصبح يطلب بثأره ودمه، واشتبه أمر القتيل على موسى، ووقع الخلاف فِيهِ، فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين لهم ذلك، فسأل موسى ربه، فأمره بذبح بقرة، فقال موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧] أي: أتستهزئ بنا حين نسألك عن القتيل وتأمرنا بذبح البقرة؟ ! وإنما قالوا ذلك لتباعد الأمرين فِي الظاهر، قال موسى، أعوذ بالله أي: أمتنع بالله، ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] أي: من المستهزئين بالمؤمنين.
ولما علم القوم أن ذبح البقرة عزم من الله ﷿ سألوه الوصف، ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم.
وقالوا لموسى، ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨] يقال: بين الشيء وأبانه، إذا أزال الإشكال عنه.
والمعنى: يظهر لنا ما تلك البقرة التي نذبحها لأجل القتيل، وأي شيء هي؟ ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ﴾ [البقرة: ٦٨] قال الفراء: هي الهرمة.
وقال الكسائي: الفارض: الكبيرة العظيمة، وقد فرضت تفرض فروضا.
ولا بكر
[ ١ / ١٥٤ ]
يقال: بقرة بكر.
أي: فتية لا تحمل، قال الزجاج: أي: ليست بكبيرة ولا صغيرة.
قال: وارتفع فارض بإضمار هي.
وقوله تعالى: عوان قال أبو الهيثم: العوان: النصف التي بين الفارض والبكر.
وقال أبو زيد: بقرة عوان: بين المسنة والشابة، وقد عانت تعون عونا إذا صارت عوانا.
وقال ابن الأعرابي: العون من الحيوان: السن بين السنين، لا صغير ولا كبير، يقال فِي الجمع: عون.
ويقال: فرس عوان، وخيل عون.
قال ابن عباس: عوان: بين الصغيرة والكبيرة، وهي أقوى ما يكون من البقر وأحسن ما يكون.
وقال مجاهد: وعوان: وسط، قد ولدت بطنا أو بطنين.
وقوله تعالى: بين ذلك أي: بين الهرم والشاب، وبين الفروض والبكارة.
وقوله تعالى: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨] أي: من ذبح البقرة.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩] يبين لنا أي شيء لونها؟ ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]، فاقع: مبالغة فِي نعت الأصفر، قال ابن عباس: شديد الصفرة.
قال عدي بن زيد:
وإني لأسقى الشرب صفراء فاقعا كأن زكيَّ المسك فِيها يفتق
[ ١ / ١٥٥ ]
يقال: فقع يفقع فقوعا، إذا اشتدت صفرته.
قوله تعالى: تسر الناظرين أي: تعجبهم بحسنها وصفاء لونها، لأن العين تسر وتولع بالنظر إلى الشيء الحسن.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٧٠] أسائمة أم عاملة، ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] اشتبه وأشكل، وذكر الفعل، والبقر: جمع بقرة، لتذكير اللفظ، كقوله: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، وكل جمع حروفه أقل من حروف واحده جاز تذكيره، مثل: بقر، ونخل، وسحاب، فمن ذَكَّرَ ذهب إلى لفظ الجمع، ولفظ الجمع مذكر، ومن أنث ذهب إلى لفظ الجماعة، قال الله تعالى: ﴿يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور: ٤٣]، وقال: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠] .
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] قال ابن عباس: إلى القاتل.
قال: ولولا أنهم استثنوا ما اطلعوا على القاتل.
قال لهم موسى، إنه إن ربكم، ﴿يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١] لم يذللها العمل، ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١] يعني: لا يزرع عليها، ليست من العوامل، ومعنى الإثارة ههنا: قلب الأرض للزراعة، يقال: أثرت الشيء واستثرته، إذا هيجته.
﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١] أي: ليست بسانية، والحرث: الأرض المهيأة للزرع، مسلمة قال ابن عباس، وقتادة، والربيع: أي: من العيوب.
وقال الحسن: من أثر العمل.
لا شية فِيها الوشي، والشية: خلط لون بلون، يقال: وشيت الثوب أشيه وشيا وشية.
وأصل الدرء: الدفع، وادارأتم أصله: تدارأتم، ثم أدغم التاء فِي الدال، وأدخلت الألف ليسلم سكون
[ ١ / ١٥٦ ]
الحرف الأول، ومثله: اثاقلتم، واطيرنا، قوله: والله مخرج مظهر، ما كنتم تكتمون أي: تخفون وتسترون من أمر القتيل.
فقال ابن عباس: لا بياض فِيها، صفراء كلها.
وقال الزجاج: ليس فِيها لون يفارق سائر لونها.
قالوا الآن وهو الوقت الذي أنت فِيهِ، جئت بالحق بالوصف البين التام الذي دل على التمييز من أجناسها.
وقوله تعالى: فذبحوها فِي الآية إضمار ما، أراد: فطلبوها فوجدوها فذبحوها، وما كادوا يفعلون قال ابن عباس، والقرطبي: لغلاء ثمنها.
وقال السدي: من تشديدهم على أنفسهم، وتعنتهم موسى.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] هذا عطف على قوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ [البقرة: ٥٥]، والذكر مضمر ههنا، كأنه قال: واذكروا إذ قتلتم نفسا.
وأضاف القتل إليهم وإن كان القاتل واحدا على ما ذكرنا من عادة العرب أنهم يضيفون فعل البعض إلى جماعة القبيلة، يقولون: فعلتم كذا.
وإن كان بعضهم فعل ذلك.
وهذه الآية هي أول القصة، ولكنها مؤخرة فِي الكلام، ومعناه التقديم.
قوله تعالى: فادارأتم فِيها قال ابن عباس: اختلفتم.
وقال الربيع: تدافعتم.
يعني: ألقى هذا على ذلك، وذلك على هذا، فدافع كل واحد عن نفسه.
قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣] قال ابن عباس: بالعظم الذي يلي الغضروف.
وقال الضحاك: بلسانها.
وقال سعيد بن جبير: بعجب ذنبها.
وقال مجاهد: ضرب بفخذ البقرة فقام حيا وقال: قتلني فلان.
ثم عاد فِي ميتته، فذلك قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] أي: كما أحيا هذا القتيل.
وفي الآية اختصار، لأن التقدير: اضربوه ببعضها فيحيا، فضرب فحيي، ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] .
فإن قيل: ما معنى ضرب القتيل ببعض البقرة، والله قادر على إحيائه بغير ذلك؟ ! فالجواب: إن فِي ذلك تأكيدا لقدرة الله على إحياء الميت، إذ جعل الأمر فِي إحيائه إليهم، وجعل ذلك عند الضرب بموات لا
[ ١ / ١٥٧ ]
إشكال فِي أنه علامة لهم، وآية للوقت الذي يحيا فِيهِ عندما يكون منهم، فبان أنه من فعل الله ﷿.
قوله تعالى: ويريكم آياته أي: علامات قدرته فِي خلق الحياة فِي الأموات، لعلكم تعقلون: لكي تعرفوا قدرة الله ﷿ على إحياء الميت.
قال أبو إسحاق الزجاج: وهذه القصة فِي القرآن من أدل الدلائل على نبوة محمد ﷺ، حيث خبرهم بما صدقه فِي ذلك أهل الكتاب، وهو رجل عربي أمي، لم يقرأ كتابا، ولم يتعلم من أحد، ولم يكن هذا من علم العرب.
قوله تعالى: ثم قست قلوبكم يقال: قسا قلبه يقسو قسوة وقساوة وقسوا.
وهي الشدة والصلابة واليبس، يقال: حجر قاس.
أي: صلب، وأرض قاسية: لا تنبت شيئا.
قال الزجاج: تأويل القسوة: ذهاب اللين والرحمة والخشوع.
قوله تعالى: من بعد ذلك أي: من بعد إحياء الميت لكم بعضو من أعضاء البقرة، وهذه آية عظيمة كان يجب على من شاهدها أن يلين قلبه ويخضع، فهي كالحجارة قال المفسرون: إنما شبه قلوبهم بالحجارة فِي الغلطة والشدة، ولم يقل: كالحديد.
وإن كان الحديد أصلب من الحجارة، لأن الحديد يلين بالنار، وقد لان لداود ﵇ بإذن الله حتى صار كالعجين، ولا تلين الحجارة بمعالجة أبدا، ولأن فِي الحديد منافع، تلك المنافع لا توجد فِي الحجارة، فشبه الله قلوبهم بالحجارة لقسوتها، ولعدم المنفعة فِيها.
قوله تعالى: أو أشد قسوة معناه: بل أشد قسوة، وارتفع أشد بإضمار هي، كأنه قال: أو هي أشد.
٣٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْشَاذَ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ
[ ١ / ١٥٨ ]
اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ الْجُوَيْنِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الثَّلْجِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ الْمَدَائِنِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُكْثِرُوا الْكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تُقَسِّي الْقَلْبَ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي»
ثم فضل الحجارة على القلب القاسي فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] الكناية فِي منه عائدة على ما، كأنه قيل: وإن من الحجارة للذي يتفجر منه الأنهار، يعني: من الحجارة ما يسيل منه أنهار من ماء، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ [البقرة: ٧٤] أي: يتشقق، فأدغمت التاء فِي الشين، ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ﴾ [البقرة: ٧٤] أي: ينزل ويسقط من رأس الجبل إلى أسفله، ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] قال مجاهد: كل حجر تفجر منه الماء، أو تشقق عن الماء، أو تردى من رأس جبل، فهو من خشية الله نزل فِي القرآن.
ومعنى الآية: إن الحجارة قد تصير إلى هذه الأحوال التي ذكرها من خشية، الله وقلوب اليهود لا تخشع ولا
[ ١ / ١٥٩ ]
تخشى الله ولا تلين، لأنهم عارفون بصدق محمد ﷺ، وبأن من كذبهم كانت النار عاقبته، ثم لا يؤمنون به، فقلوبهم أقسى من الحجارة.
ثم أوعدهم على ترك الإيمان بمحمد ﷺ فقال: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤] أي: أن يجازيكم على ذلك.
ثم خاطب النبي ﷺ والمؤمنين، فقال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴿٧٦﴾ أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿٧٧﴾ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ ﴿٧٨﴾ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴿٧٩﴾ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴿٨٠﴾ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٨١﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٨٢﴾﴾ [البقرة: ٧٥-٨٢] ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] وهذا استفهام معناه الإنكار والنهي، ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] أي: يصدقكم اليهود، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] أي: طائفة وجماعة، ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٥] يعني التوراة، ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥] أي: يغيرونه، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: ٧٥] علموه وفهموه، يعني: الذين غيروا آية الرجم وصفة محمد ﵇، وهذا قول مجاهد، وقتادة، والسدي.
وقال ابن عباس، ومقاتل: هم الذين انطلقوا مع موسى إلى الجبل فسمعوا كلام الله ثم حرفوه، وزادوا فِيهِ.
وذلك أنهم لما رجعوا إلى قومهم سألهم الذين لم يذهبوا معهم، فقالت طائفة منهم ﴿لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]: سمعنا الله فِي آخر كلامه يقول: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم، فلا تفعلوا ولا بأس.
فغيروا ما سمعوا، ولم يؤدوه على الوجه الذي سمعوه، فقيل فِي هؤلاء الذين شاهدهم النبي ﷺ: إنهم إن كفروا
[ ١ / ١٦٠ ]
وحرفوا فلهم سابقة فِي كفرهم، وهذا مما يقطع الطمع فِي إيمانهم.
وقوله تعالى: وهم يعلمون أي: لم يفعلوا ذلك عن خطأ ونسيان، بل فعلوه عن قصد وتعمد.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ٧٦] قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: يعني منافقي اليهود، كانوا إذا رأوا المؤمنين قالوا: آمنا بمحمد ﷺ أنه نبي صادق نجده فِي كتابنا بنعته وصفته.
﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٧٦] إذا رجعوا إلى رؤسائهم لاموهم على ذلك، وقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦] قال الكلبي: قال: بما قص الله عليكم فِي كتابكم أن محمدا حق وقوله صدق.
وقال الكسائي: بما بينه الله لكم من العلم بصفة محمد النبي المبشر به ونعته.
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٧٦] ليجادلوكم ويخاصموكم، يعني أصحاب محمد ﵇، ويقولون لليهود: قد أقررتم أنه نبي حق فِي كتابكم ثم لا تتبعونه! وقوله تعالى: عند ربكم قال ابن الأنباري: معناه: فِي حكم ربكم، كما تقول: هذا حلال عند الشافعي.
أي: فِي حكمه.
وهذا يحل عند الله.
أي: فِي حكمه.
والمعنى: لتكون لهم الحجة عليكم عند الله فِي الدنيا والآخرة، أفلا تعقلون أفليس لكم ذهن الإنسانية، وهذا من كلام رؤسائهم لهم فِي لومهم إياهم، فقال الله تعالى: أولا يعلمون يعني: اليهود، ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ [البقرة: ٧٧] من التكذيب، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] من التصديق.
قوله تعالى: ومنهم عبد الله: من اليهود، أميون قال الحجاج: معنى الأمي فِي اللغة: المنسوب إلى ما عليه جبلة الأمة.
أي: لا يكتب، فهو فِي أنه لا يكتب على ما ولد عليه.
[ ١ / ١٦١ ]
وقال غيره: قيل للذي لا يكتب: أمي، لأن الكتابة مكتسبة، أي: هو على ما ولدته أمه، لم يتعلم الكتابة.
وقوله تعالى: لا يعلمون الكتاب قال الكلبي: لا يحسنون قراءة الكتاب ولا كتابته.
إلا أماني قال ابن عباس: إلا أحاديث، لا يعلمون إلا ما حدثوا به، وقال الفراء: الأماني: الأحاديث المفتعلة، يقول الله تعالى: لا يعلمون الكتاب، ولكن أحاديث مفتعلة ليست كتاب الله، يسمعونها من كبرائهم، وهي كلها أكاذيب.
والعرب تقول: أنت إنما تمتني هذا القول.
أي: تختلقه.
وقال أحمد بن يحيى: التمني: الكذب، يقول الرجل: والله ما تمنيت هذا الكلام ولا اختلقته.
وقال الحسن، وأبو العالية، وقتادة فِي قوله تعالى: إلا أماني: أي: إلا أن يتمنوا على الله الباطل والكذب مثل قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١]، وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] .
قال ابن الأنباري: والاستثناء على هذا التأويل منقطع عن الأول، يريد: لا يعلمون الكتاب البتة، لكنهم يتمنون على الله ما لا ينالون.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] قال ابن عباس: لا يعلمون ولا يدرون ما هم فِيهِ وهم يجحدون نبوتك بالظن.
وقال أصحاب المعاني: ذم الله بهذه الآية قوما من اليهود لا يحسنون شيئا، وليسوا على البصيرة إلا ما
[ ١ / ١٦٢ ]
يحدثون به، وإلا ما يقرءونه من غير علم به، ففيه حث على تعلم العلم، حتى لا يحتاج الإنسان إلى تقليد غيره وأن يقرأ شيئا لا يكون له به معرفة.
قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] روى أبو سعيد الخدري، أن النبي ﷺ، قال: " ويل: واد فِي جهنم، يهوي فِيهِ الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره ".
وقال عطاء بن يسار: الويل: واد فِي جهنم لو سيرت فِيهِ الجبال لانماعت من حره.
وقال الزجاج: الويل: كلمة يستعملها كل واقع فِي هلكة.
وقال الكلبي، عن ابن عباس فِي قوله: فويل، قال: الشدة من العذاب.
﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] يعني: يغيرون صفة محمد رسول الله ﷺ فِي كتابهم، فجعلوه آدم سبطا طويلا، وكان ربعة أسمر، وكتبوا صفته على غير ما كانت فِي التوراة، وذلك لما كانوا يأخذونه من المآكل من سائر اليهود، فخافوا أن تذهب مأكلتهم إن هم بينوا الصفة، فذلك قوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] .
٣٧ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شَبِيبٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "
[ ١ / ١٦٣ ]
أَحْبَارُ الْيَهُودِ وَجَدُوا صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ مَكْتُوبَةً فِي التَّوْرَاةِ: أَكْحَلَ، أَعْيَنَ رَبْعَةً، حَسَنَ الْوَجْهِ، فَلَمَّا وَجَدُوهُ فِي التَّوْرَاةِ مَحَوْهُ حَسَدًا وَبَغْيًا، فَأَتَاهُمْ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: أَتَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ نَبِيًّا مِنَّا؟ قَالُوا: نَعَمْ، نَجِدُهُ طَوِيلا أَزْرَقَ سَبِطَ الشَّعْرِ "
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] قال ابن عباس: قدم رسول الله ﷺ المدينة، ويهود تقول: إنما هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما واحدا، ثم ينقطع عنا العذاب.
فأنزل الله فِي ذلك: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] أي: قليلة.
والمعدودة إذا أطلقت كان معناها: القليلة، كقوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] فقال الله ﷿: قل لهم يا محمد، ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ [البقرة: ٨٠] أي: هل أخذتم بما تقولون من الله ميثاقا؟ ! فالله لا ينقض ميثاقه، ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٠] الباطل جهلا منكم.
والمعنى: قل لهم: على أي الحالتين أنتم على اتخاذ العهد؟ أم على القول ب ما لا تعلمون؟ قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] قال الفراء: بلى يكون جوابا للكلام الذي فِيهِ الجحد، فإذا قال الرجل: ألست تقوم؟ فتقول: بلى.
ونعم جواب للكلام الذي لا جحد فِيهِ، فإذا قال الرجل: هل تقوم؟ قلت: نعم.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴿٨﴾ قَالُوا بَلَى﴾ [الملك: ٨-٩]، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقال: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] والآية رد على اليهود فِي قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، فقال الله تعالى: بلى أعذب من كسب سيئة.
والسيئة: العمل القبيح.
وإجماع أهل التفسير أن السيئة ههنا هي الشرك، ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] أي: سدت عليه مسالك النجاة، والخطيئة: الذنب على عمد.
[ ١ / ١٦٤ ]
قال ابن عباس، والضحاك، وأبو وائل، وأبو العالية، والربيع، وابن زيد: هي الشرك يموت عليه الإنسان.
وقال غيرهم: هي الذنوب الكبيرة الموجبة لأهلها النار.
والمؤمنون لا يدخلون فِي حكم هذه الآية، لأن الله تعالى أوعد بالخلود فِي النار من أحاطت به خطيئة وتقدمت منه سيئة هي الشرك، والمؤمن، وإن عمل الكبائر، فلم يوجد منه الشرك.
وقرأ أهل المدينة خطيئاته بالجمع، والباقون: على الواحدة، لأنها أضيفت إلى ضمير مفرد، فلما لم يكن الضمير جمعا لم يجمع كما جمعت فِي قوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦١]، لأنه مضاف إلى جماعة، وهي وإن كانت مفردة لا يمتنع وقوعها على الكثرة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] والعد إنما يقع على الجموع.
ومن قرأ بالجمع حمل على المعنى، والمعنى: الجمع والكثرة لا الواحد، والضميرُ المضافُ إليه جمعٌ فِي المعنى، بدليل قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢] .
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴿٨٣﴾ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴿٨٤﴾ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٨٥﴾
[ ١ / ١٦٥ ]
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴿٨٦﴾﴾ [البقرة: ٨٣-٨٦] قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] قرئ بالياء والتاء، وما كان من مثل هذا جاز أن يكون على لفظ الغيبة، من حيث كان اللفظ لها، وجاز أن يكون على لفظ المخاطب، لأنك تحكي حال الخطاب وقت ما تخاطب، ألا ترى أنهم قد قرءوا قل للذين كفروا سيغلبون ويحشرون على لفظ الغيبة، وبالتاء على حكاية حال الخطاب، وإذا كان هذا النحو جائزًا جاز أن تجيء القراءة بالوجهين.
قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، كأنه لما قال: أخذنا ميثاقهم.
قال: وقلنا لهم: أحسنوا بالوالدين إحسانا.
ويقال: أحسن به، وأحسن إليه.
قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وقال: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] ومعنى الإحسان بالوالدين: البر بهما والعطف عليهما.
وقوله: وذي القربى يعني: القرابة فِي الرحم، واليتامى جمع يتيم، مثل: نديم وندامى، وهو المنفرد من أبيه ما دام طفلا، والمساكين يعني الفقراء ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن جريج، ومقاتل، والأكثرون: وقولوا للناس صدقا وحقا فِي شأن محمد ﷺ، فمن سألكم عنه فاصدقوه وبينوا له صفته، ولا تكتموا أمره، ولا تغيروا نعته.
وقال الربيع، وعطاء، ومحمد بن علي الباقر: هذا على العموم فِي تحسين المقالة للناس كلهم.
وقال الحسن، والثوري: يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أن يأمروهم بما أمرهم الله به، وينهوهم عما نهاهم الله عنه.
[ ١ / ١٦٦ ]
وقال عطاء، عن ابن عباس: المراد بالناس فِي هذه الآية: محمد ﵇، كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]، فكأنه يقول: قولوا للنبي ﷺ حسنا.
وقرئ: حسنا وحسنا، وكلاهما واحد، لأن الحسن لغة فِي الحسن، كالبخل والبخل، والرشد والرشد، وبابه، حكى الزجاج عن الأخفش هذا القول فقال: زعم الأخفش أنه يجوز أن يكون حسنا فِي معنى حسنا.
وقوله تعالى: ثم توليتم أي: أعرضتم عن العهد والميثاق، إلا قليلا منكم يعني: من كان ثابتا على دينه ثم آمن بمحمد ﷺ، وأنتم معرضون كأوائلكم فِي الإعراض عما عهد إليكم فِي كتابكم، ومعنى الإعراض: الذهاب عن المواجهة إلى جهة العرض.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] السفك: صب الدم، يقال: سفك يسفك ويسفك: لغتان، ودماء: جمع دم.
قال ابن عباس، وقتادة: لا يسفك بعضكم دم بعض بغير حق.
﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] أي: لا يخرج بعضكم بعضا من داره وغلبه عليها، ثم أقررتم أي: قبلتم ذلك وأقررتم به، وأنتم تشهدون اليوم على إقرار أوائلكم بأخذ الميثاق عليهم.
قوله: ثم أنتم الخطاب لقريظة والنضير، هؤلاء أراد: يا هؤلاء، فحذف حرف النداء، تقتلون
[ ١ / ١٦٧ ]
أنفسكم يقتل بعضكم بعضا، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥] روى الربيع، عن أبي العالية، قال: كان بنو إسرائيل إذا استضعف قوم قوما أخرجوهم من ديارهم، وقد أخذ عليهم الميثاق ألا يسفكون دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، وإن أسر بعضهم بعضا أن يفادوهم، فأخرجوهم من ديارهم، ثم فادوهم، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض.
وقد كشف السدي عن هذا فقال: أخذ الله تعالى عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، وذلك أن قريظة كانت حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، وكانوا يقتتلون، وذلك أن قريظة مع الأوس، والنضير مع الخزرج، فإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه، فتعيرهم العرب بذلك وتقول: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ فيقولون: إنا قد أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم.
قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي أن يستذل حلفاؤنا.
فذلك حين عيرهم الله تعالى عليه فقال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، قرئ بتخفيف الظاء وتشديدها، فمَن شدَّد أدغم التاء فِي الظاء لمقاربتهما، ومَن خفَّف حذف التاء لكراهة اجتماع المثلين، والمعنى: تتعاونون على أهل ملتكم بالمعصية والظلم.
والمظاهرة: المعاونة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤]، وقوله: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [البقرة: ٨٥] العدوان: الإفراط فِي الظلم، يقال: عدا عدوا وعدوانا وعدوا وعداء.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] وإن أتوكم مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم، وقرئ أسارى، وأسرى، وهما جمع أسير، وأسير: فعيل فِي معنى مفعول، وإذا كان كذلك فجمعه: فعلى، نحو لديغ
[ ١ / ١٦٨ ]
ولدغى، وقتيل وقتلى، وجريح وجرحى فالأسرى هو القياس فِي جمع أسير.
ومن قال: أسارى شبهه بكسالى، وذلك أن الأسير لما كان محبوسا عن كثير من تصرفه للأسرى كما أن الكسلان محتبس عن ذلك لعادته، شبه به، فقيل فِي جميعه: أسارى.
كما قيل: كسالى.
قال سيبويه: قالوا: كسلى.
شبهوه بأسرى، كما قالوا: أسارى.
شبهوه بكسالى.
وقوله تعالى: تفادوهم قرئ أيضا بوجهين: بألف: من المفاداة، وبغير ألف: من الفداء، يقال: فديته بمال.
قال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، ويقال: فادى الأسير، إذا أطلقه وأخذ عنه شيئا.
ومعنى فديته بالشيء: خلصته به، وجعلته عوضا عنه صيانة له، والقراءتان معناهما واحد، وإنك تقول: فديته بالمال وفاديته وافتديته.
قال طرفة:
على مثلها أمضي إذا قال صحابي ألا ليتني أفديك منها وأفتدي
ومعنى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]: خلصناه به من الذبح.
والمفعول الثاني محذوف من الآية، لأن المعنى: تفدونهم، أو تفادونهم بالمال.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] هو إضمار الإخراج الذي تقدم ذكره فِي قوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا﴾ [البقرة: ٨٥]، ثم بين لتراخي الكلام أن ذلك الذي حرم عليهم الإخراج، فقال: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، ولو اقتصر على هذا القدر اشتبه أن يرجع ذلك إلى فداء الأسرى، فأظهر المكني عنه وأعاده فقال: إخراجهم، ونظم الآية، على التقدير والتأخير، لأن التقدير: وتخرجون فريقا منكم من ديارهم وهو محرم عليكم إخراجهم وإن يأتوكم أسرى تفدوهم.
والمحرم: الممنوع منه، والحرام: كل ممنوع من فعله، والمحروم: الممنوع منه ما ناله سواه.
[ ١ / ١٦٩ ]
وقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ٨٥] يعني فداء الأسرى، ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] يعني المقاتلة والإخراج من الديار، وقوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] استفهام فِي معنى توبيخ، ﴿إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٨٥] يعني ما نال بني قريظة وبني النضير، لأن بني النضير أجلوا من مساكنهم، وبني قريظة أبيروا بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم.
والخزي: الهوان والفضيحة، وقد أخزاه الله، أي: أهانه وفضحه، وفي القرآن: ﴿وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨] أي: لا تفضحون.
ثم أعلم الله تعالى أن ذلك غير مكفرٍ عنهم ذنوبَهم فقال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ﴾ [البقرة: ٨٥] يرجعون، إلى أشد العذاب أي: لا روح فِيهِ باتصال أجزائه، وقيل: إلى عذاب أشد من عذاب الدنيا.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥] وعيد لهم وتهديد، فمن قرأ بالياء فهو على الإخبار عنهم، ومن قرأ بالتاء فللمخاطبة، ثم أخبر أنهم استبدلوا قليل الدنيا بكثير الآخرة فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٨٦] أي: اختاروا الحياة فِي هذه الدنيا بالنعيم المقيم والعز الدائم فِي الآخرة، فلا يخفف أي: لا يهون، ﴿عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] أي: يمنعون من عذاب الله.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴿٨٧﴾ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ ﴿٨٨﴾ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٨٩﴾ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴿٩٠﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
[ ١ / ١٧٠ ]
آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٩١﴾﴾ [البقرة: ٨٧-٩١] قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] أي: أرسلنا رسولا يقفو رسولا فِي الدعاء إلى توحيد الله والقيام بشرائع دينه، يقال: قفا أثره، وقفا غيره على أثره.
أي: أتبعه إياه، ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٨٧] وهي العلامات الواضحة التي ذكرها فِي ﴿[آل عمران، والمائدة، وأيدناه قويناه، يقال: آيده وأيده، إذا قواه.
والأيد والآد: القوة، بروح القدس قال قتادة والربيع، والضحاك، والسدي، وعطاء، عن ابن عباس: إنه جبريل، وكان قرينه يسير معه حيثما سار، وصعد به إلى السماء لما قصد قتله، ومثله قوله تعالى:] قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [سورة النحل: ١٠٢] يعني: جبريل، وإنما سمي بذلك لأن الغالب على جسمه الروحانية، لرقته، وكذلك سائر الملائكة، وأضيف إلى القدس، وهو الطهارة، لأنه لا يقترف ذنبا ولا يأتي مأثمًا.
وقرئ القدس بالتخفيف والتثقيل، وهما نعتان مثل: العنق والعنق، والحلم والحلم، وبابه.
قوله تعالى: أفكلما جاءكم يا معشر اليهود، ﴿رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ [البقرة: ٨٧] بما لا يوافق أهواءكم، استكبرتم أي: تعظمتم عن الإيمان به، وذلك أنهم كانت لهم الرياسة وكانوا متبوعين، فآثروا الدنيا على الآخرة، ففريقا كذبتم مثل: عيسى ومحمد ﵉، وفريقا تقتلون مثل: يحيى وزكريا ﵉، نظير قوله: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠]، والفريق: الطائفة من الناس.
[ ١ / ١٧١ ]
ولما قال لهم رسول الله ﷺ هذا عرفوا أنه الوحي، يوبخهم الله تعالى بما صنعوا.
وقالوا يا محمد، قلوبنا غلف وهو جمع أغلف، وكل شيء فِي غلاف فهو أغلف، يقال: سيف أغلف، وقوس غلفاء، ورجل أغلف، إذا لم يختتن.
قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: إنهم قالوا استهزاء وإنكارا لما أتى به النبي ﷺ: قلوبنا عليها غشاوة، فهي أوعية، فلا تعي ولا تفقه ما تقول يا محمد.
فأكذبهم الله فيما قالوا، وقال: بل لعنهم الله أي: أبعدهم من رحمته وطردهم، واللعن فِي اللغة: الإبعاد، ثم يسمى التعذيب والسب والشتم لعنا.
يقول الله تعالى: ليس كما ذكروا من أن قلوبهم فِي الغلاف فلا تفهم، ولكن الله لعنهم وأخزاهم ولم يجعل لهم سبيلا إلى فهم ما يقول محمد، وإن فهموا حرموا الانتفاع به.
فهذا معنى لعن الله اليهود فِي هذا الموضع.
وقوله تعالى: بكفرهم أي: بإقامتهم على كفرهم، وتركهم الإيمان بمحمد ﷺ جعل الله جزاءهم على ذلك أن لعنهم، فقليلا ما يؤمنون قال قتادة: معناه: لا يؤمنون منهم إلا قليل، لأن من آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود.
وما صلة، وانتصب قليلا على الحال على تقدير: فيؤمنون قليلا كعبد الله بن سلام وأصحابه.
والآية رد على القدرية، لأن الله تعالى بين أن كفرهم بسبب لعنه إياهم، وأنه لما أراد كفرهم وشقاءهم منعهم الإيمانَ.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] يعني القرآن، مصدق موافق، لما معهم لأنه جاء على ما تقدم به الأخبار فِي التوراة، فهو مصداق الخبر المتقدم، وكانوا يعني اليهود، من قبل أي: من قبل
[ ١ / ١٧٢ ]
هذا الكتاب، ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] يستنصرون الله عليهم بالقرآن والنبي المبعوث آخر الزمان.
قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود خيبر، فعاذت اليهود بهذا الدعاء، وقالت: اللهم إنما نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا فِي آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم.
فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان، فلما بعث النبي ﷺ كفروا به، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] يعني الكتاب، وذلك أنهم كانوا قد قرءوا فِي التوراة أن الله يبعث فِي آخر الزمان نبيا وينزله عليه قرآنا مبينا، ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] .
وقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩٠] بئس: لفظ وضع للذم، يخبر به عن الشيء المذموم، وهو مستوف لجميع الذم، ومعنى الاشتراء ههنا: البيع، وهو من الأضداد، والمعنى: بئس الشيء باعوا به أنفسهم الكفر، يريد: أنهم اختاروا الكفر وأخذوه، وبذلوا أنفسهم للنار، لأن اليهود، خصوصًا، علموا صدق محمد ﷺ، وأن من كذبه فالنار عاقبته، فاختاروا الكفر وسلموا أنفسهم للنار، فكان ذلك كالبيع منهم.
وقوله تعالى: بغيا أي: حسدا، قال اللحياني: يقال: بغيت على أخيك بغيا.
أي: حسدته، فالبغي أصله الحسد، ثم سمي الظلم بغيا لأن الحاسد يظلم المحسود جهده، طلبا لإزالة نعمة الله عنه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩]، وقال ابن عباس: إن كفر اليهود لم يكن شكا ولا اشتباها، ولكن كان بغيا منهم، حيث صارت النبوة فِي ولد إسماعيل، وقال السدي: لما جاءهم محمد ﷺ كفروا به حسدا، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل؟
[ ١ / ١٧٣ ]
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] أي: إنزال الله، والمعنى: حسدا إنزال الله الكتاب، ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] يعني محمدًا ﵇، ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] قال قتادة: الأول: بكفرهم بعيسى والإنجيل، والثاني: بكفرهم بمحمد والقرآن.
وقال السدي: أما الغضب الأول: فحين غضب الله عليهم فِي عبادة العجل، والثاني: حين كفروا بمحمد ﵇.
وقال مجاهد: الأول: بتبديلهم التوراة قبل خروج محمد ﷺ، والثاني: بجحودهم النبي ﷺ وكفرهم بما جاء به.
وللكافرين يعني: الجاحدين نبوة محمد ﷺ، عذاب مهين يهانون فِيهِ ولا يعزون.
وقوله: وإذا قيل لهم أي: لليهود، آمنوا بما أنزل الله يعني القرآن، ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] يعنون التوراة، ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١] قال ابن الأنباري: تم الكلام عند قوله: بما أنزل علينا، ثم ابتدأ الله تعالى بالإخبار عنهم فقال: ويكفرون بما وراءه أي: بما سواه.
وقال الفراء: وذلك كثير فِي العربية، يتكلم الرجل بالكلام الحسن، فيقول السامع: ليس وراء هذا الكلام شيء.
يريد: ليس سوى هذا الكلام شيء، ويحتمل بما وراءه: بما بعده، أي: بما بعد التوراة.
يريد: الإنجيل والقرآن، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ما بعده وما سواه، وقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٧] .
[ ١ / ١٧٤ ]
قوله تعالى: وهو الحق يعني ما وراء التوراة من الإنجيل والقرآن، أخبر الله تعالى أن ما يكفرون به هو الحق، مصدقا لما معهم قال الزجاج: فِي هذا دلالة على أنهم قد كفروا بما معهم، إذ كفروا بما يصدق ما معهم، قال: ونصبت مصدقا على الحال.
ثم أمر نبيه ﷺ أن يحتج عليهم بقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١] وهذا تكذيب لقولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] أي: أي كتاب جوز فِيهِ قتل نبي، وأي دين جوز فِيهِ ذلك؟ والمراد بلفظ الاستقبال ههنا: المضي، وجاز ذلك لأنه لا يذهب الوهم إلى غيره بقوله: من قبل، ودليل هذا قوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، وأضاف القتل إلى المخاطبين، وإن كان آباؤهم قد قتلوا، لأنهم كانوا يتولون الذين قتلوا، فهم على مذهبهم، وإذا كانوا كذلك فقد شركوهم.
قال ابن عباس: كلما عملت معصية فمن أنكرها برئ منها، ومن رضي بها كان كمن شهدها.
وقوله تعالى: إن كنتم مؤمنين: إن بمعنى الشرط وجوابها قبلها، على تقدير: إن كنتم مؤمنين فلمَ تقتلون أنبياءَ اللهِ؟ لأنه ليس سبيل المؤمنين أن يقتلوا الأنبياء، ولا يتولوا قاتليهم.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴿٩٢﴾ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٩٣﴾﴾ [البقرة: ٩٢-٩٣] قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٩٢] يعني: العصا، واليد، وفلق البحر، وما أوتي موسى من الدلالات الواضحة، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٩٢] أي: من بعد انطلاقه إلى الجبل، وأنتم ظالمون، وهذه الآية توبيخ لليهود على كفرهم وعبادتهم العجل بعدما رأوا آيات موسى، وبيان أنهم إن كفروا بمحمد ﷺ فليس بأعجب من كفرهم فِي زمان موسى.
وقوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاقكم مفسر فيما سبق إلى قوله: واسمعوا أي: ما فِيهِ من حلاله وحرامه، قالوا سمعنا ما فِيهِ، وعصينا ما أمرنا به.
[ ١ / ١٧٥ ]
وقال الحسن: قالوا سمعنا بألسنتهم، وعصينا بقلوبهم.
والمفسرون اتفقوا على أنهم قالوا: سمعنا لما أظل الجبل فوقهم، فلما كشف عنهم قالوا: عصينا.
وقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] الإشراب: خلط لون بلون، يقال: أبيض مشرب حمرة، إذا كان يخالطه حمرة.
قال أبو عبيدة، والزجاج: معناه: سقوا حب العجل، وخلطوا به حتى اختلط بهم.
وبين أن محل ذلك الحب قلوبهم، وأن الخلط حصل فِيها، فأسند الفعل أولا إلى الجملة، ثم خص القلوب، كما تقول: ضربوا على رءوسهم، وأراد: حب العجل، فحذف المضاف، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] .
وقوله تعالى: بِكُفْرِهِمْ أي: باعتقادهم التشبيه، لأنهم طلبوا ما يتصور فِي نفوسهم.
﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣] معناه: إن كنتم مؤمنين فبئس الإيمان إيمان يأمركم بالكفر.
وهذا تكذيب لهم، لأنهم كانوا يزعمون أنهم مؤمنون، وذلك أنهم قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] فكذبهم الله تعالى وعيرهم بعبادة العجل، وذلك أن آباءهم ادعوا الإيمان ثم عبدوا العجل.
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٩٤﴾ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿٩٥﴾ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿٩٦﴾﴾ [البقرة: ٩٤-٩٦] وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ [البقرة: ٩٤] الآية، كانت اليهود تقول: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] فقيل لهم: إن كنتم صادقين عند أنفسكم فتمنوا الموت فإن من كان لا يشك فِي أنه صائر إلى الجنة فالجنة آثر عنده من الدنيا.
[ ١ / ١٧٦ ]
ثم أخبر أنهم لا يتمنون الموت فقال: ولن يتمنوه أبدا وذلك أنهم عرفوا أنهم كفرة، ولا نصيب لهم فِي الجنة، لأنهم تعمدوا كتمان أمر النبي ﷺ وتكذيبه، وقوله تعالى: بما قدمت أيديهم أي: بما قدموه وعملوه، فأضاف ذلك إلى اليد، وإن أكثر جنايات الإنسان تكون بيده، فيضاف إلى اليد كل جناية، وإن لم يكن لليد فِيها عمل، وقوله تعالى: والله عليم بالظالمين فِيهِ معنى التهديد، أي: عليم بمجازاتهم.
وفي هذه الآية أبينُ دلالةٍ على صدق نبينا محمد ﷺ، لأنه أُخبر عن الله أنهم لا يتمنون الموت، ثم لم يرد، مع حرصهم على تكذيبه، أن أحدًا أتاه وقال: يا محمد، أنا أشتهي الموت وأتمناه.
لأنهم علموا أنهم لو تمنوا، لم يبق منهم صغير ولا كبير إلا مات، فكان إحجامهم عن ذكر الموت دليلا على عنادهم الحق وتكذيب من يعرفون صدقه.
قوله تعالى: ولتجدنهم دخلت اللام والنون لأن القسم مضمر، تقديره: والله لتجدنهم، يعني علماء اليهود الذين كتموا أمر محمد ﷺ، ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار إذا ماتوا.
ومعنى الحرص: شدة الطلب، ومن الذين أشركوا أي: وأحرص من الذين أشركوا، ومعنى الإشراك: عبادة غير الله مع الله، وهو أن يجعل عبادته مشتركة بين الله وغيره.
قال أبو العالية، والربيع: أراد بالذين أشركوا: المجوس، وإنما وصفوا بالإشراك لأنهم يقولون بالنور والظلمة، ويزدان وأهرمن، وهم موصفون بالحرص على الحياة، ولهذا جعلوا التحية بينهم: زه هزار سال.
أي: عش ألف سنة.
وقال ابن عباس: أراد بالذين أشركوا: منكري البعث، ومن أنكر البعث أحب الحياة، لأنه لا يرجو بعثا بعد الموت.
[ ١ / ١٧٧ ]
وقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ [البقرة: ٩٦] أي: أحد اليهود، يقال: وددت الشيء أوده ودا وودادا وودادة.
﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] يقال: عمره الله تعميرا، إذا أطال عمره.
وما هو أي: وما أحدهم، ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ [البقرة: ٩٦] بمبعده، ﴿مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦] والزحزحة: الإبعاد والتنحية، يقال: زحزحه فتزحزح.
يعني: إنه وإن عمر فعاقبته النار.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٩٧﴾ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴿٩٨﴾ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ ﴿٩٩﴾ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿١٠٠﴾﴾ [البقرة: ٩٧-١٠٠] قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] الآية، سألت اليهود رسول الله ﷺ عمن يأتيه من الملائكة، فقال: «جبريل» .
فقالوا: هو عدونا، ولو أتاك ميكائيل بالوحي لقبلنا منك.
فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وجبريل فِيهِ لغات، وكذلك ميكائيل وإسرائيل، وهذه أسماء أعجمية وقعت إلى العرب، فإذا أتي بها على ما فِي أبنية العرب مثله كان أذهب فِي باب التعريب.
فمن قال: جبريل.
بكسر الجيم وحذف الهمزة، كان على لفظ: قنديل وبرطيل، ومن قال: جبريل.
بفتح الجيم وترك الهمزة، فليس بهذا البناء مثل فِي كلام العرب فيكون هذا من باب الآجر والإبريسم والفرند، ونحو ذلك من الذي لم يجئ له مثل فِي كلامهم،
[ ١ / ١٧٨ ]
ومن قال: جبرئل.
على وزن جبرعل، كان على وزن جحمرش، وصهصلق.
وجبرئيل: على وزن عندليب، وكلا المذهبين حسن، لاستعمال العرب لهما جميعا.
قال جرير:
عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد وبجبرئيل وكذبوا ميكالا
وقال حسان:
وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس به خفاء
وقال كعب بن مالك:
ويوم بدر لقيناكم لنا مدد فِيهِ مع النصر جبريل وميكال
وقال جماعة من أهل العلم: جبر، وميك: هو العبد بالسريانية، وإيل: هو الله ﷿.
وروي عن ابن عباس، أنه قال: إنما جبريل وميكائيل كقولنا: عبد الله وعبد الرحمن.
وقوله: فإنه يعني جبريل، نزله يعني القرآن، ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] يعني قلب محمد ﵇، بإذن الله بأمر الله، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧] لما قبله من الكتب التي أنزلها الله، ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧] رد على اليهود حين قالوا: إن جبريل ينزل بالحرب والشدة.
فقيل: إنه، وإن كان ينزل بالحرب والشدة على الكافرين، فإنه ينزل بالهدى والبشرى للمؤمنين.
وعنى بالهدى والبشرى: القرآن، فإن فِيهِ هدى من الضلالة وبشرى بالجنة لمن آمن به.
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ٩٨] الآية.
إن اليهود قالت لعمر بن الخطاب ﵁: إن صاحب محمد من الملائكة جبريل وهو عدونا يطلع محمدًا على سرنا، وهو صاحب كل عذاب وخسف وسنة وشدة.
فقال عمر: فإني أشهد أن من كان عدوا لجبريل فإنه عدو لميكائيل، ومن كان عدوا لهما فإن الله عدو له.
ثم أتى عمر إلى النبي ﷺ فوجد جبريل عليه
[ ١ / ١٧٩ ]
السلام قد سبقه بالوحي، فقرأ عليه رسول الله ﷺ هذه الآيات، وقال: «لقد وافقك ربك يا عمر» .
قال عمر: فلقد رأيتني فِي دين الله أصلب من الحجر.
ومعنى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ٩٨] أي: من كان الله عدوه، ولا تصح العداوة لله على الحقيقة، لأن العداوة للشيء: طلب الإضرار به بغضا به، وإنما قيل للكافر: عدو لله.
من عداوة الله له، أو لأنه يفعل فعل المعادي.
وقوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]: أخرجهما الله من جملة الملائكة، بالذكر تخصيصا وتشريفا لهما، كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وكقوله: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٠٩]، ومعنى الآية: من كان عدوا لأحد هؤلاء فإن الله عدو له، وهو قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] لأن عدو الواحد عدو للجميع، وعدو محمد عدو لله، ومعنى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]: أنه تولى تلك العداوة بنفسه، وكفى رسله وملائكته أمر من عاداهم.
وإنما قال: عدو للكافرين ولم يقل: عدو لهم.
ليدل على أنهم كافرون بهذه العداوة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [البقرة: ٩٩] قال ابن عباس: هذا جواب لابن صوريا، حيث قال لرسول الله ﷺ: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك لها.
فأنزل الله هذه الآية.
والبينة: الدلالة الفاصلة بين القضية الصادقة والكاذبة، لأنها من إبانة أحد الشيئين عن الآخر فيزول الالتباس بها.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] أي: الخارجون عن أديانهم، واليهود خرجت، بالكفر بمحمد ﷺ، عن شريعة موسى.
قوله تعالى: أوكلما الواو فِيهِ: عطف واو العطف، ودخل عليها ألف الاستفهام، وكلما: ظرف، وقوله: ﴿عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠]
[ ١ / ١٨٠ ]
قال المفسرون: إن اليهود عاهدوا، فيما بينهم: لئن خرج محمد ﷺ ليؤمنن به، وليكونن معه على مشركي العرب.
فلما بُعث نقضوا العهد وكفروا به.
وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين اليهود فنقضوها، كفعل قريظة والنضير، عاهدوا ألا يعينوا عليه أحدًا، فنقضوا ذلك وأعانوا عليه قريشا يوم الخندق.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠] لأنهم من بين كافر ينقض العهد، أو كافر بالجحد لأمر محمد ﷺ، فأكثرهم غير مؤمنين.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿١٠١﴾ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿١٠٢﴾ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿١٠٣﴾﴾ [البقرة: ١٠١-١٠٣] قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠١] أي: من نعته وصفته، جاءهم على النعت الذي نعت به فِي التوراة، ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٠١] يعني علماء اليهود الذين تواطئوا على كتمان أمر محمد ﵇.
قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١] يجوز أن يكون المراد ب كتاب الله: القرآن، ويجوز أن يكون المراد به: التوراة، لأن الذين كفروا بالنبي ﷺ نبذوا التوراة، والنبذ: الطرح، ويقال لكل من استخف بشيء ولم يعمل به: نبذه وراء ظهره.
قال الشعبي: هو بين أيديهم يقرءونه، ولكن نبذوا العمل به.
[ ١ / ١٨١ ]
وقال سفيان بن عيينة: أدرجوه فِي الحرير والديباج، وحلوه بالذهب والفضة، ولم يحلوا حلاله، ولم يحرموا حرامه، فذلك النبذ.
وقوله تعالى: كأنهم لا يعلمون أعلم الله تعالى أنهم نبذوا كتاب الله ورفضوه عن علم بعظيم ما يفعلون، حتى كأنهم لا يعلمون ما يستحقون من العذاب، ثم أخبر أنهم رفضوا كتابه، واتبعوا السحر فقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: تقرأ وتحدث وتقص، والمراد بلفظ الاستقبال: المضي، بمعنى: تلت الشياطين، ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] قال السدي: إن الناس، فِي زمن سليمان، اكتتبوا السحر، واشتغلوا بتعلمه، فأخذ سليمان تلك الكتب وجعلها فِي صندوق، ودفنها تحت كرسيه، ونهاهم عن ذلك، فلما مات سليمان، وذهب الذين كانوا يعرفون دفنه الكتب، تمثل الشيطان على صورة إنسان، فأتى نفرا من بني إسرائيل، فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا؟ قالوا: نعم.
قال: فاحفروا تحت الكرسي.
فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوا قال الشيطان: إن سليمان كان يضبط الجن والإنس والشياطين والطير بهذا.
فاتخذ بنو إسرائيل تلك الكتب، فذلك أكثر ما يوجد السحر فِي اليهود، وبرأ الله ﷿ سليمان من ذلك، وأنزل هذه الآية.
وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: لم يكن كافرا ساحرا يسحر ويعمل بالسحر، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] بالله.
وفي ولكن قراءتان: التشديد ونصب الاسم به، والتخفيف ورفع الاسم به، وهذا الحرف إذا استعمل
[ ١ / ١٨٢ ]
مثقلا كان عاملا فِي الاسم، وعمله النصب، وإذا استعمل مخففا لم يعمل النصب وكان حرف عطف.
وقوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] يعني: الشياطين إذا حدثوا بالسحر وتكلموا به وألقوه بين الناس، ويجوز أن يكون يعلمون من فعل اليهود الذين عنوا بقوله: واتبعوا.
قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢] موضع ما نصب عطفا على السحر.
ومعنى ﴿أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة: ١٠٢]: علِّما وأُلْهِمَا، وقذف فِي قلوبهما من علم التفرقة بين المرء وزوجه، وهو رقية وليس بسحر، والرخصة فِي الرقية واردة، وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا» .
وروى طلحة، عن عطاء، قال: بلغني أن هاروت وماروت قالا، وهما فِي السماء: أي ربنا، إنك لتعصى فِي الأرض.
قال: فاهبطا إلى الأرض.
فجعلا يحكمان بين الناس، حتى جاءتهما امرأة من أحسن الناس وأجملهم تخاصم زوجا لها، فقال أحدهما للآخر: هل سقط فِي نفسك مثل الذي سقط فِي نفسي؟ قال: نعم.
قال: فهل لك أن تقضي لها على زوجها؟ فقال له صاحبه: أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب؟ فقال له صاحبه: أما تعلم ما عند الله من المغفرة والرحمة؟ فسألاها نفسها، فقالت لهما: لا، إلا أن تقضيا على زوجي.
فقضيا عليه ثم سألاها نفسها، فقالت: لهما: لا، إلا أن تقتلاه، فأفرغ لكما.
فقال أحدهما للآخر: أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب؟ فقال له صاحبه: أما تعلم ما عند الله من المغفرة والرحمة؟ فقتلاه، ثم سألاها نفسها، فقالت: لا، إلا أن لها صنما تعبده، إن أنتما صليتما معي عنده فعلت.
فقال أحدهما لصاحبه مثل القول الأول، وقال له صاحبه مثل قوله الأول، فصليا معها عنده، فمسخت عند ذلك شهابا، وأخذا عند ذلك، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة.
[ ١ / ١٨٣ ]
قال عطاء: فبلغني أنهما معلقان بأرجلهما، مصوبة رءوسهما تحت أجنحتهما، وبابل: اسم أرض فِي جانب العراق.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] اختلفوا فِي تعليم الملكين السحر، فذكر أهل التفسير وأصحاب المعاني فِيهِ وجهين: أنهما كانا لا يتعمدان تعليم السحر، ولكنهما يصفانه، ويذكران بطلانه، ويأمران باجتنابه، وكانا يعلمان الناس وغيرهم ما يسألان عنه، ويأمران باجتناب ما حرم عليهم، وطاعة الله فيما أمروا به ونهوا عنه، وفي ذلك حكمة، لأن سائلا لو سأل: ما الزنى وما اللواط؟ لوجب أن يوقف عليه ويعلم أنه حرام، فكذلك مجاز إعلام الملكين الناس السحر، وأمرهما السائل باجتنابه بعد الإعلام والإخبار أنه كفر وحرام.
ويؤكد هذا الوجه ما روى أبو العباس، عن ابن الأعرابي، أنه قال: علم بمعنى: أعلم، وذلك أن التعليم لا ينفك من الإعلام، كما يقال: تعلم، بمعنى: علم.
لأن من تعلم شيئا فقد علمه، فيوضع التعليم موضع العلم.
قال ابن الأعرابي: ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] قال: معناه: أن الساحر يأتي الملكين فيقول:
[ ١ / ١٨٤ ]
أخبراني عما نهى الله عنه حتى أنتهي.
فيقولان: نهى الله عن الزنى.
فيصفانه، فيقول: وعن ماذا؟ فيقولان عن اللواط.
ثم يقول: وعن ماذا؟ فيقولان: عن السحر.
فيقول: وما السحر؟ فيقولان: هو كذا.
فيحفظه وينصرف، فيخالف فيكفر.
فهذا معنى قوله: يعلمان أنما هو يعلمان.
ولا يكون تعليم السحر، إذا كان إعلاما، كفرا، ولا تعمله، إذا كان على معنى الوقوف عليه ليجتنبه، كفرا، كما أن من عرف الزنى لم يأثم، إنما يأثم بالعمل.
الوجه الثاني: أن الله ﷿ امتحن الناس بالملكين فِي ذلك الوقت، وجعل المحنة فِي الكفر والإيمان أن يقبل تعليم السحر، فيكفر بتعلمه، ويؤمن بشرك التعلم، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما يشاء، كما امتحن بنهر طالوت فِي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، يدل على صحة هذا: قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: محنة من الله، نخبرك أن عمل السحر كفر بالله وننهاك عنه، فإن أطعتنا فِي ترك العمل بالسحر نجوت، وإن عصيتنا فِي ذلك هلكت.
ومعنى من أحد: أحدا، ومن زائدة مؤكدة كقولك: ما جاءني من أحد.
ومعنى الفتنة: الابتلاء والامتحان، مأخوذ من قولهم: فتنت الذهب والفضة، إذا أذبتهما بالنار ليتميز الرديء من الجيد.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] قيل فِي التفسير: وهم لا يبتلون فِي أنفسهم وأموالهم.
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] أي: اختبرنا، ويقال: فتنه وأفتنه.
والفتنة مصدر، لذلك لم يُثَنَّ.
[ ١ / ١٨٥ ]
وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] وهو أن يؤخذ كل واحد منهما عن صاحبه، ويبغض كل واحد منهما إلى صاحبه، وما هم أي: السحرة، وقيل: الشياطين.
بضارين به أي: بالسحر، من أحد أي: أحدا.
إلا بإذن الله قال المفسرون: الإذن ههنا: إرادة التكوين.
أي: لا يضرون بالسحر إلا من أراد الله أن يلحقه الضرر.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] المعنى: أنه يضرهم فِي الآخرة وإن تعجلوا به فِي الدنيا نفعا، ولقد علموا يعني اليهود، ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: اختاره، يعني السحر، ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: نصيب، والخلاق: النصيب الرامز من الخير، قال المفسرون: الخلاق من هذه الآية: النصيب من الجنة.
قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: بئس شيء باعوا به حظ أنفسهم، حيث اختاروا السحر ونبذوا كتاب الله، لو كانوا يعلمون عاقبة ما يصير إليه من بخس حظه فِي الآخرة.
ولو أنهم آمنوا بمحمد ﷺ والقرآن، واتقوا اليهود والسحر، لأثيبوا ما هو خير لهم، وهو قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣]، والمثوبة كالثواب، وكذلك المثوبة مثل المشورة والمشورة، ويعني بالآية أن ثواب الله لهم لو آمنوا خير من كسبهم بالكفر والسحر.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٠٤﴾ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿١٠٥﴾﴾ [البقرة: ١٠٤-١٠٥] قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] المراعاة: المراقبة وحفظ ما يكون من أحوال الشيء، يقال: راعنا سمعك.
أي: اسمع منا حتى نفهمك وتفهم عنا، والعرب تقول: راعنا سمعك، وراعنا بسمعك.
بمعنى واحد.
قال الكلبي، عن ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ: راعنا سمعك.
وكان هذا بلسان اليهود سبا قبيحا فيما بينهم، فلما سمعوا هذه الكلمة يقولونها لرسول الله ﷺ أعجبتهم، فكانوا يأتونه ويقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ، وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: عليكم لعنة الله، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها
[ ١ / ١٨٦ ]
لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه.
فقالت اليهود: أولستم تقولونها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ونهوا عن ذلك.
وهذا النهي اختص بذلك الوقت، لإجماع الأمة على جواز المخاطبة بهذا اللفظ الآن.
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] أي: نظرت فلانا، أي: انتظرته، ومنه قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، ومعنى انظرنا: اصبر حتى نفهمك ما نقول، ويجوز أن يكون انظرنا أي: انظر إلينا، فحذف حرف الجر، أمروا أن يقولوا بدل راعنا: انظرنا.
قوله تعالى: واسمعوا أي: ما يقال لكم وما تؤمرون به، ومعناه: وأطيعوا، لأن الطاعة تحت السمع، وللكافرين يعني اليهود، عذاب أليم.
قوله تعالى: ما يود أي: ما يحب وما يريد، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٠٥] يعني اليهود، ولا المشركين من العرب، ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥] أي: خيرٌ، من ربكم ومن: صلة مؤكدة، يريد: أنهم على إنزال القرآن عليكم، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ﴾ [البقرة: ١٠٥] يقال: خصه بالشيء واختصه به، إذا أفرده به دون غيره.
قوله تعالى: برحمته أي: نبوته، من يشاء يعني محمدًا ﷺ، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥] تفضل بالنبوة على محمد ﷺ وعلى المسلمين بدينه الإسلام.
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٠٦﴾ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴿١٠٧﴾﴾ [البقرة: ١٠٦-١٠٧] قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] الآية، وذلك أن المشركين قالوا: القرآن كلام محمد تقوَّله من نفسه، يأمر أصحابه بأمر، ثم ينهاهم عنه بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا.
فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ومعنى النسخ: إبطال الشيء وإقامة آخر مقامه، تقول العرب: نسخت الشمس الظل.
أي: أذهبته وحلت محله، وهذا نسخ إلى بدل، لأن الظل يزول ويبطل، وتكون الشمس بدلا عنه، ويجوز النسخ إلى غير بدل، وهو رفع
[ ١ / ١٨٧ ]
الحكم وإبطاله من غير أن يقيم له بدلا، يقال: نسخت الريح الآثار، أي: أبطلتها وأزالتها.
والمعروف من النسخ فِي القرآن: إبطال الحكم مع إثبات الخط، وهو أن تكون الآية الناسخة والمنسوخة ثابتتين فِي التلاوة، إلا أن المنسوخة لا يعمل بها، مثل عدة المتوفى عنها زوجها، كانت سنة، لقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] ثم نسخت بأربعة أشهر وعشر، لقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وكقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] الآية، ثم نسخت بقوله: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦]، الآية.
وقرأ ابن عامر ما ننسخ بضم النون، من أنسخت الآية، أي: وجدتها منسوخة، كقولك: أحمدت الرجل، وأحببته، وأكذبته، وأبخلته.
أي: وجدته على هذه الأحوال.
فيكون معنى قوله: ننسخ: نجده منسوخا، وإنما نجده كذلك لنسخه إياه، وإذا كان كذلك كان معنى قراءة ابن عامر كمعنى قراءة من قرأ ننسخ، بفتح النون، يتفقان فِي المعنى، وإن اختلفا فِي اللفظ.
وقوله تعالى: أو ننسها النسيان: ضد الذكر، والإنساء منقول منه، يقال: نسي الرجل الشيء، وأنسيته الشيء، إذا جعلته ينساه.
ومعنى الآية: إنا إذا رفعنا آية من جهة النسخ أو الإنساء لها أتينا بخير من الذي نرفعه بإحدى هذين الوجهين، وهما النسخ والإنساء.
وقد يقع النسخ بالإنساء، وهو ما
٣٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ
[ ١ / ١٨٨ ]
التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: أَنَّ رَهْطًا مِنَ الأَنْصَارِ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرُوهُ أَنَّهُ قَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يُرِيدُ أَنْ يَفْتَتِحَ سُورَةً قَدْ كَانَ دَعَاهَا، فَلَمْ يَقْدِرْ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ إِلا (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، فَأَتَى بَابَ النَّبِيِّ ﷺ، حِينَ أَصْبَحَ، لِيَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَآخَرُ، حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَسَأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا: مَا جَمَعَهُمْ؟ فَأَخْبَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِشَأْنِ تِلْكَ السُّورَةِ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُمْ، وَسَأَلُوهُ عَنِ السُّورَةِ، فَسَكَتَ سَاعَةً لا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: «نُسِخَتِ الْبَارِحَةَ مِنْ صُدُورِكُمْ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ كَانَتْ فِيهِ»
وقرأ أبو عمرو ننسأها مفتوحة النون، مهموزة، من النسيء بمعنى التأخير، يقال: نسأت الإبل عن الحوض.
أي: أخرتها.
ومعنى التأخير فِي الآية: أن يؤخر التنزيل، فلا ينزل ولا يعلم ولا يعمل به ولا يتلى، والمعنى: نؤخرها لوقت كان، فنأتي بدلا منها فِي الوقت المتقدم بما يقوم مقامها،
[ ١ / ١٨٩ ]
ومعنى ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] أي: أصلح لمن تعبر بها، وأنفع لها، وأسهل عليهم، وأكثر لأجرهم، لا أن آية خير من آية، أو مثلها فِي المنفعة والمثوبة بأن يكون ثوابها كثواب التي قبلها.
والفائدة فِي ذلك: أن يكون الناسخ أسهل من المأخذ من المنسوخ، والإيمان به والناس إليه أسرع، نحو القبلة التي كانت على جهة، ثم حولت إلى الكعبة، فهذا وإن كان السجود إلى سائر النواحي متساويا فِي العمل والثواب، فالذي أمر الله به فِي ذلك الوقت كان الأصلح والأدعى للعرب وغيرهم إلى الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] أي: من النسخ والتبديل وغيرهما.
قوله: ألم تعلم استفهام معناه التقرير، ﴿أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧] الملك: تمام القدرة واستحكامها، والمعنى: أنه يملك السموات والأرض ومن فيهن، فهو أعلم بما يتعبدهم من ناسخ ومنسوخ، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [البقرة: ١٠٧] الولي: فعيل بمعنى فاعل، يقال: هو والي الأمر ووليه.
أي: القائم به.
المعنى: ما لكم من دون الله من وال يلي أمركم، ولا نصير ناصر يمنعكم من العذاب، وفي هذا تحذير للعباد، إذ لا مانع منه.
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿١٠٨﴾ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٠٩﴾ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١٠﴾﴾ [البقرة: ١٠٨-١١٠] قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٨] الآية، قال المفسرون: إن اليهود وغيرهم من المشركين تمنوا على رسول الله ﷺ، فمن قائل يقول: ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتي موسى بالتوراة، ومن قائل
[ ١ / ١٩٠ ]
يقول، وهو عبد الله بن أبي أمية المخزومي: ائتني بكتاب من السماء فِيهِ: من رب العالمين إلى ابن أبي أمية، اعلم أني قد أرسلت محمدا إلى الناس.
ومن قائل يقول: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا.
فأنزل الله ﷿: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ [البقرة: ١٠٨] معناه: بل أتريدون، فهو استفهام منقطع عما قبله، ﴿أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٨] محمدًا ﵇ من الاقتراح والتمني، ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨] يعني قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] .
قال الزجاج: معنى الآية: أنهم نهوا أن يسألوا رسول الله ﷺ ما لا خير لهم فِي السؤال عنه، والسؤال بعد قيام البراهين كفر، لذلك قال: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] أي: قصده ووسطه.
ومعنى الضلال: الذهاب عن الاستقامة.
قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩] قال ابن عباس: نزلت فِي نفر من اليهود قالوا للمسلمين، بعد وقفة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم؟ ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم.
وقوله تعالى: حسدا أي: يحسدونكم حسدا، من عند أنفسهم أي: فِي حكمهم وتدينهم ومذهبهم، أي: هذا الحسد مذهب لهم، لم يؤمروا به، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] فِي التوراة أن قول محمد صدق، ودينه حق.
قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة: ١٠٩] أي: عن مساوئ كلامهم وغل قلوبهم، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] قال عطاء: يريد: إجلاء النضير وقتل قريظة، وفتح خيبر وفدك.
[ ١ / ١٩١ ]
وقال قتادة: يعني: أمر بالقتال فِي قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] .
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ١١٠] .
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١١١﴾ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١١٢﴾ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١١٣﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١١٤﴾﴾ [البقرة: ١١١-١١٤] قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] أي: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا.
وقالت النصارى: لن يدخلها إلا من كان نصرانيا.
والهود: هم اليهود، هادوا يهودون هودا، أي: تابوا من عبادة العجل، والهود: جمع هائد، مثل: حائل وحول، وفاره وفره، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١] التي تمنوها على الله باطلا، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] أي: قربوا حجتكم على ما تقولون، إن كنتم صادقين فِي دعواكم.
بلى يدخل الجنة، ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢] أي: يذل وجهه له فِي السجود، والمعنى: سلم وجهه له بأن
[ ١ / ١٩٢ ]
صانه عن السجود لغيره، وهو محسن قال ابن عباس: مؤمن موحد، مصدق لما جاء به محمد ﵇، فله أجره الذي وعده الله له، عند ربه يعني الجنة، ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢] .
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] الآية، قال ابن عباس: قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ، فتنازعوا مع اليهود، فكذب كل واحد منهما صاحبه، فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣] قال الزجاج: يعني أن الفريقين يتلوان التوراة، وقد وقع بينهما هذا الاختلاف وكتابهم واحد، فدل بهذا على ضلالتهم.
ثم بين أن سبيلهم كسبيل من لا يعلم الكتاب فِي الإنكار لدين الله من مشركي العرب وغيرهم فقال: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣] قال مقاتل: يعني مشركي العرب قالوا: إن محمدًا وأصحابه ليسوا على شيء من الدين.
﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١١٣] الآية، قال الزجاج: أي: يريهم من يدخل الجنة عيانا ومن يدخل النار عيانا.
قوله: ومن أظلم أي: وأي أحد أظلم، ﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] يعني مشركي مكة، منعوا المسلمين من ذكر الله فِي المسجد الحرام، وسعى عمل، فِي خرابها لأن عمارتها بالعبادة فِيها، وكل من منع من عبادة الله فِي مسجد فقد سعى فِي خرابه، ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤] قال ابن عباس، فِي رواية عطاء: هذا وعد من الله لنبيه والمهاجرين، يقول: أفتح لكم مكة حتى تدخلوها آمنين وتكونوا أولى بها منهم.
[ ١ / ١٩٣ ]
لهم فِي الدنيا خزي يعني: القتل لمن أقام على الكفر، ولهم فِي الآخرة عذاب عظيم.
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿١١٥﴾ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴿١١٦﴾ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿١١٧﴾ وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿١١٨﴾﴾ [البقرة: ١١٥-١١٨] قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] الآية، قال ابن عباس، فِي رواية علي بن أبي طلحة الوالبي: إن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم ﵇، فلما صرفه الله إليها عيرت اليهود المؤمنين، فأنزل الله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] .
والمعنى: فأينما تولوا وجوهكم، فحذف المفعول للعلم به.
ومعنى قوله: فثم وجه الله: فهناك قبلة الله، والوجه: والجهة، والجهة: القبلة، ومثله: الوزن والزنة، والوعد والعدة، والعرب تسمي القصد الذي يتوجه إليه: وجها، قال الشاعر:
أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل
معناه: إليه القصد بالعبادة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥] أي: واسع الرحمة، واسع الشريعة بالترخيص لهم والتوسعة على عباده فِي دينهم، لا يضطرهم إلى ما يعجزون عن أدائه.
٣٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَنْصُورِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ
[ ١ / ١٩٤ ]
إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ الْعَرْزَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً كُنْتُ فِيهَا، فَأَصَابَتْنَا ظُلْمَةٌ، فَلَمْ نَعْرِفِ الْقِبْلَةَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَّا: قَدْ عَرَفْنَا الْقِبْلَةَ، هِيَ هَهُنَا قِبَلَ الشَّمَالِ فَصَلُّوا وَخُطُّوا خُطُوطًا، وَقَالَ بَعْضُنَا الْقِبْلَةُ هَهُنَا قِبَلَ الْجَنُوبِ، فَصَلُّوا، وَخُطُّوا خُطُوطًا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ أَصْبَحَتْ تِلْكَ الْخُطُوطُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَلَمَّا قَفَلْنَا مِنْ سَفَرِنَا، سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَسَكَتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]
قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] نزلت ردا على اليهود والنصارى والمشركين، فإنهم وصفوا الله تعالى بالولد ف ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقال المشركون: الملائكة بنات الله.
فنزه الله نفسه عن اتخاذ الولد فقال: سبحانه وفي مصاحف الشام قالوا بغير واو، لأن هذه الآية مستأنفة غير معطوفة على ما تقدم.
[ ١ / ١٩٥ ]
وقوله: بل أي: ليس الأمر كما زعموا، له ما فِي السموات والأرض عبيدا وملكا، ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] قال مجاهد، وعطاء، والسدي: مطيعون.
والقنوت: الطاعة، والقانت: المطيع لله ﷿، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩]، قال ابن عباس: هذا راجع إلى أهل طاعته دون الناس أجمعين.
وهو من العموم الذي أريد به الخصوص، وهذا قول مقاتل والفراء.
وقال السدي: هذا فِي يوم القيامة، تصديقه قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] .
وقال أهل المعاني: طاعة الجميع لله تعالى: تكونهم فِي الخلق عند التكوين، إذ قال: كن فكان كما أراده.
﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] البديع: الذي يبدع الأشياء، أي: يحدثها مما لم يكن، وبديع: بمعنى مبدع.
قال أبو إسحاق الزجاج: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]: منشئهما على غير مثال سابق، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له: أبدعت.
ولهذا يقال لمن خالف السنة: مبتدع.
لأنه أحدث فِي الإسلام ما لم يسبقه إليه السلف.
قوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [البقرة: ١١٧] أي: قدره وأراد خلقه، فإنما يقول له أي: لذلك الأمر الذي يريد وجوده، وما قدر الله وجوده، فهو كالموجود الشاهد، فجاز أن يخاطب.
[ ١ / ١٩٦ ]
وقال ابن الأنباري: يحتمل أن تكون اللام فِي له: لام الأجل، والتأويل: فإذا قضى أمرا فإنما يقول من أجل إرادته: كن فيكون كقوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] أي: من أجله، وكقوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] أي: من أجل حب المال لبخيل.
وقوله: كن: المأمور بهذا الأمر لا قدرة له على دفع هذا الأمر، ولا صنع له فِيهِ، والمعنى: كن بتكويننا إياك.
وقوله: فيكون قال الفراء، والكسائي، والزجاج: رفعه من وجهين: أحدهما: العطف على يقول، ومثله ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ﴾ [إبراهيم: ٤٤]، والثاني: أن يكون رفعه على الاستئناف، والمعنى: فهو يكون، لأن الكلام تم عند قوله: كن ثم قال: فيكون ما أراد الله، قال الفراء: وإنه لأحب الوجهين إلي.
وقرأ ابن عامر فيكون بنصب النون، على جواب الأمر بالفاء فِي ظاهر اللفظ.
وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٨] قال ابن عباس: هم اليهود.
وقال مجاهد: هم النصارى.
وقال الحسن، وقتادة: هم مشركو العرب، قالوا لمحمد ﵇: لا نؤمن لك حتى يعلمنا الله أنك رسوله، أو حتى تأتينا بمثل الآيات التي أتت بها الرسل، وهو قوله: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة: ١١٨] أي: هلا، تقول: لولا فعلت ما أمرتك.
بمعنى: هلا فعلت، وقد يقال: لو ما.
بهذا المعنى كقوله تعالى: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧] أي: هلا، وكل ما فِي القرآن لولا يفسر على هلا، غير التي فِي ﴿[الصافات:] فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [سورة الصافات: ١٤٣] .
وقوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨] أراد: كفار الأمم الخالية، قال الزجاج: أعلم الله أن كفرهم فِي
[ ١ / ١٩٧ ]
التعنت بطلب الآيات على اقتراحهم ككفر الذين من قبلهم فِي قولهم لموسى: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وما أشبهه، وفي هذا تعزية للنبي ﷺ، قوله: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] أي: أشبه بعضها بعضا فِي الكفر والقسوة، ومسألة المحال كقوله: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ٣٠] .
قوله ﴿قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨] يريد أن من أيقن وطلب الحق فقد أتته الآيات والبينات، نحو المسلمين ومن لم يعاند من علماء اليهود، لأن القرآن برهان شاف.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴿١١٩﴾ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴿١٢٠﴾ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿١٢١﴾ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿١٢٢﴾ وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴿١٢٣﴾﴾ [البقرة: ١١٩-١٢٣] قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩] قال ابن عباس: الحق: القرآن، كقوله: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ [الزخرف: ٢٩]، وكقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق: ٥]، وقال ابن كيسان: الحق فِي هذه الآية: الإسلام، نحو قوله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]، والباء فِي بالحق بمعنى مع، أي: مع الحق، كقوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]، وقوله: بشيرا هو فعيل بمعنى فاعل، من بشر يبشر بشرا بمعنى: بشر، ونذيرا أي: منذرا، بمعنى: مخوفا محذرا، كالبديع بمعنى المبدع، قوله: ﴿وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] قال مقاتل: إن النبي ﷺ قال: «لو أن الله أنزل بأسه باليهود آمنوا» .
فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] أي: لست بمسئول عنهم، وليس عليك من شأنهم عهدة ولا تبعة، فلا تحزن عليهم.
[ ١ / ١٩٨ ]
وقرأنا مع ولا تسأل بفتح التاء وجزم اللام، على النهي للنبي ﷺ، وذلك أنه سأل جبريل عن قبر أبيه وأمه، فدله عليهما، فذهب إلى القبرين فدعا لهما، فتمنى أن يعرف حال أبويه فِي الآخرة، فنزل قوله: ﴿وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]،
[ ١ / ١٩٩ ]
والجحيم: النار المتلظية العظيمة، يقال: جحمت النار تجحم جحوما فهي جاحمة وجحيم.
قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] .
وقوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] قال المفسرون: كانت اليهود والنصارى يسألون النبي ﷺ الهدنة، ويطمعونه ويرونه أنه إن هاونهم وأمهلهم اتبعوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبر أنه لا يُرضيْهم إلا ما يستحيل وجوده، لأن اليهود لا ترضى عنه إلا بالتهود، والنصارى إلا بالتنصر، ويستحيل الجمع بينهما، وإذا استحال إرضاؤهم فهم لا يرضون أبدًا، ومعنى ملتهم: دينهم.
وقوله ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠] قال ابن عباس: يريد أن الذي أنت عليه هو دين الله الذي رضيه، ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] قال ابن عباس: صليت إلى قبلتهم.
﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٢٠] بأن دين الله الإسلام، والقبلة هي الكعبة.
والخطاب للنبي ﷺ، والمراد به أمته، لأنه معصوم عن اتباع هوى الكافرين ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] .
ثم ذكر أن من كان منهم غير متعنت ولا حاسد، ولا طالب رياسة، تلا التوراة كما أنزلت، فرأى فِيها أن النبي ﷺ حق، فآمن به وهو قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] قال ابن مسعود: يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويقرءونه كما أنزل، ولا يحرفونه عن مواضعه.
وقال مجاهد: يتبعونه حق اتباعه.
وقال ابن عباس: نزلت فِي الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، وكانوا من أهل الكتاب بالنبي ﷺ.
وقال الضحاك: نزلت فِي مؤمني اليهود.
وما بعد هذا قد تقدم تفسيره إلى قوله تعالى: ﴿
[ ١ / ٢٠٠ ]
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴿١٢٤﴾ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿١٢٥﴾ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿١٢٦﴾ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١٢٧﴾ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿١٢٨﴾ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١٢٩﴾﴾ [البقرة: ١٢٤-١٢٩] ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] الابتلاء: الاختبار والامتحان، وابتلاء الله يعود إلى إعلامه عباده لا إلى استعلامه، لأنه يعلم ما يكون، فلا يحتاج إلى الابتلاء ليعلم، والمعنى: أنه عامله معاملة المختبر.
وأكثر المفسرين قالوا فِي تفسير الكلمات: إنها عشر خصال عن السنة، خمس فِي الرأس، وخمس فِي الجسد، فالتي فِي الرأس: الفرق، والمضمضمة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك.
والتي فِي الجسد: تقليم الأظافر، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، ونتف الرفغين.
قال عطاء، عن ابن عباس: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم: يا خليلي تطهر.
فمضمض، فأوحى الله إليه: أن تطهر.
فاستنشق، فأوحى الله إليه: أن تطهر.
فاستاك، فأوحى الله إليه: أن تطهر.
فأخذ من شاربه، فأوحى الله إليه: أن
[ ١ / ٢٠١ ]
تطهر.
ففرق، فأوحى الله إليه: أن تطهر.
فاستنجى، فأوحى الله إليه: أن تطهر.
فحلق عانته، فأوحى إليه: أن تطهر.
فنتف إبطيه، فأوحى الله إليه: أن تطهر.
فقلم أظفاره، فأوحى الله إليه: أن تطهر.
فأقبل بوجهه ماذا يصنع؟ فاختتن بعد عشرين ومائة سنة.
٤٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بِالْقَدُومِ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ
[ ١ / ٢٠٢ ]
٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بِالْقَدُومِ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ
وقوله: فأتمهن أي: أداهن تامات غير ناقصات، فقال الله تعالى له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] قال ابن عباس: أوحى الله إليه: إني جاعلك للناس إماما يقتدي بك الصالحون من بعدك.
والإمام: كل من ائتم به قوم، والنبي: إمام وقته، والخليفة: إمام رعيته، والقرآن: إمام المسلمين، على معنى أنهم ينتهون إليه فيما أمر وزجر.
قال إبراهيم، ومن ذريتي أي: ومن أولادي أيضا فاجعل أئمة يقتدى بهم، والذرية: تقع على الآباء والأبناء والرجال والنساء، قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] أراد آباءهم الذين حملوا مع نوح فِي السفينة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] إلى قوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] فدخل الآباء فِيها والأبناء.
وتكون الذرية واحدا، وهو فِي قوله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] يعني: ولدا صالحا.
قال الله تعالى لإبراهيم: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] أعلمه أن فِي ذريته الظالم، قال السدي: عهدي: نبوتي، أي: لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإمامة فِي الدين من كان ظالما من ولدك.
وقال الفراء: لا يكون للناس إمام مشرك.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ [البقرة: ١٢٥] يعني الكعبة التي هي القبلة اليوم، ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥] المثاب والمثابة مصدران: ثاب يثوب إذا رجع، والمراد بالمثابة ههنا: الموضع الذي يثاب إليه، قال ابن عباس: معادا ومرجعا لا يقضون منه وطرا، كلما أتوه وانصرفوا اشتاقوا إلى الرجعة إليه.
وقوله: وأمنا أراد: مأمنا.
قال ابن عباس:
[ ١ / ٢٠٣ ]
يريد: من دخله كان آمنا، فمن أحدث حدثا خارج الحرم ثم لجأ إليه أمن من أن يهاج فِيهِ، ولكن لا يئوى ولا يخالط ولا يبايع، فإذا خرج منه أقيم عليه الحد، ومن أحدث فِي الحرم أقيم عليه الحد.
وهذا مذهب أبي حنيفة: وهو أن الجاني إذا لاذ بالحرم أمن.
ومذهب الشافعي: أنه لا يأمن بالالتجاء إليه، ويستوفى منه ما وجب عليه فِي الحرم على ما روي فِي الخبر: «إن الحرم لا يعيذ عاصيا» .
وعلى هذا فمعنى قوله: وأمنا الأولى: أن يأمن فِيهِ الجاني، فإن أخيف بإقامة الحد عليه جاز، وقد قال كثير من المفسرين: من شاء آمن ومن شاء لم يؤمن، كما أنه لما جعله مثابة، من شاء ثاب، ومن شاء لم يثب.
وكان قبل الإسلام يرى الرجل قاتل أبيه فِي الحرم فلا يتعرض له، وهذا شيء كانوا توارثوه من دين إسماعيل، فبقوا عليه إلى أيام النبي ﷺ، فاليوم من أصاب فِيهِ جريرة أقيم عليه الحد بالإجماع.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] قراءة أهل المدينة والشام بفتح الخاء على معنى الخبر، ويؤكده أن الذي قبله والذي بعده خبر، وهو قوله: وإذ جعلنا، وعهدنا، ومن قرأ واتخذوا، بالكسر على الأمر، فحجته ما
[ ١ / ٢٠٤ ]
٤٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّوْسِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُنِيبٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلاثٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَوِ اتخَّذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ الْحِجَابِ، وَقَالَ: وَبَلَغَنِي بَعْضُ مَا أَذَيْنَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَعْنِي: أَزْوَاجَهُ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ، فَجَعَلْتُ أَسْتَقْرِبُهُنَّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، قُلْتُ: وَاللَّهِ لَتَنْتَهُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى زَيْنَبَ، فَقَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] الآيَةَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فِي تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةِ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]: هُوَ الصَّلاةُ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، أُمِرُوا بِالصَّلاةِ عِنْدَهُ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِمَسْحِهِ وَلا تَقْبِيلِهِ
والمقام فِي اللغة: موضع القدمين، حيث يقوم عليه الإنسان، وهو الحجر الذي فِيهِ أثر قدمي إبراهيم ﵇.
٤٣ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
[ ١ / ٢٠٥ ]
قَالَ: رَأَيْتُ الْمَقَامَ فِيهِ أَصَابِعَهُ، وَأَخْمَصَ قَدَمَيْهِ، وَالْعَقِبَ، غَيْرَ أَنَّهُ أَذْهَبَهُ مَسْحُ النَّاسِ بِأَيْدِيهِمْ
٤٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ الْعَدَنِيُّ بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَشَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ»
٤٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ صُبَيْحٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُسَافِعَ بْنَ شَيْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، أَشْهَدُ بِاللَّهِ، أَشْهَدُ بِاللَّهِ، لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «
[ ١ / ٢٠٦ ]
الرُّكْنُ وَالْمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا، وَلَوْلا أَنَّ نُورَهُمَا طُمِسَ لأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»
٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْتَرَابَاذِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَزْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الأَرْضِ مِنَ الْجَنَّةِ إِلا الرُّكْنُ الأَسْوَدُ وَالْمَقَامُ، فَإِنَّهُمَا جَوْهَرَتَانِ مِنْ جَوَاهِرِ الْجَنَّةِ وَلَوْلا مَا مَسَّهُمَا أَهْلُ الشِّرْكِ: مَا مَسَّهُمَا ذُو عَاهَةٍ إِلا شَفَاهُ اللَّهُ
وقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٥] أي: أمرناهما وأوحينا إليهما، ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥] قال سعيد بن جبير، وعبيد بن عمير، وعطاء، ومقاتل: من الأوثان والريب.
قال الكلبي: إن الله تعالى عهد إلى إبراهيم إذ بنى الكعبة: أن طهره من الأوثان، فلا ينصب حوله
[ ١ / ٢٠٧ ]
وثن.
وقال مجاهد: طهرا بيتي: من الشرك.
وقوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] قال الكلبي: أما الطائفون: فمن اعتراه من بلد غيره، والعاكفون: فأهل البلد، والركع السجود: فأهل الصلاة.
وقال عطاء: إذا كان طائفا فهو من الطائفين، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين، وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود.
٤٧ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاةٌ، إِلا أَنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ أَحَلَّ فِيهِ الْمَنْطِقَ، فَمَنْ نَطَقَ فَلا يَنْطِقُ إِلا بِخَيْرٍ»
٤٨ - وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ الْعَابِدِيُّ،
[ ١ / ٢٠٨ ]
حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ الْفَيْضِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ للَّهِ ﷿ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةٍ تَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ، سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ، وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ»
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] كل موضع من الأرض عامر أو غامر، مسكون أو خال: بلد، والقطعة منه: بلدة، والجمع: بلاد وبلدان.
قال ابن عباس: يريد: حراما محرما لا يصاد طيره، ولا يقطع شجره، ولا يختلى خلاه، والحكم فِي هذا أن صيد مكة لا ينفر، ولا يتعرض له بنوع أذى، ومن قتل صيد مكة فعليه جزاؤه، ولا يجوز قطع أشجار الحرم على جهة الإضرار بها.
وقال النبي ﷺ: «إن الله تعالى حبس الفيل عن مكة، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد كان بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار» .
[ ١ / ٢٠٩ ]
والعرب تقول: آمن من حمام مكة.
يضرب المثل بها فِي الأمن لأنها لا تهاج، قوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦] يعني أنواع حمل الأشجار من أي نوع كان، فاستجاب الله دعاء إبراهيم فِي المسألتين جميعا، فقال فِي موضع آخر: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، وذكر المفسرون أن الله تعالى بعث جبريل إلى الشام حتى اقتلع الطائف من موضع الأردن، ثم طاف بها حول الكعبة، فسميت الطائف، ثم أنزلها تهامة، ومنها يجبى إلى مكة الثمرات.
وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦]: من: بدل من أهله، وهو بدل البعض من الكل، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهذا كما تقول: أخذت المال ثلثيه، ورأيت القوم ناسا منهم.
وإنما خص إبراهيم ﵇ بطلب الرزق بطلب للمؤمنين، لأن الله تعالى أدبه بقوله: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، فتوهم أنه كما لا يعطيهم النبوة إلا إذا كانوا مؤمنين، كذلك لا يرزق أهل مكة إلا إذا كانوا مؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٢٦] فسأرزقه إلى منتهى أجله.
وقراءة العامة بالتشديد، من التفعيل، وعليه التنزيل كقوله: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود: ٣]، ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٦١]، ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] .
وقرأ ابن عامر بالتخفيف من الإمتاع، وأفعل قد يكون بمعنى فعل فِي كثير من المواضع، نحو: فرحته وأفرحته، ونزلته وأنزلته.
ومعنى قليلا: أي زمانا قليلا، يعني مدة عمره، وإنما وصف بالقلة من حيث كان إلى نفاد ونقص وتناه، وإن طال.
وقوله تعالى: ثم أضطره أي: ألجئه فِي الآخرة، ﴿إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦] بئس المرجع عذاب النار.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧]: القواعد: أصول الأساس، الواحدة: قاعدة.
قال الزجاج: وكل قاعدة فهي أصل للتي فوقها، ومنه يقال لخشبات أسافل الهودج: القواعد.
لأنها كالأساس له.
[ ١ / ٢١٠ ]
قال ابن عباس: يعني أصل البيت، قال: وجاء إبراهيم إلى ابنه إسماعيل فقال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر.
فقال: فأطع ما أمرك ربك.
قال: فتعينني؟ قال: وأعينك عليه.
قال: إن الله أمرني أن أبني له بيتا ههنا.
فعند ذلك رفع إبراهيم القواعد من البيت.
﴿وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧] أي: ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧] كقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] المعنى: يقولون: أخرجوا أنفسكم، ومثله: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴿٢٣﴾ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤]، وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] يريد: السميع لدعائنا، العليم بما فِي قلوبنا.
وقوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] أي: مطيعين مستسلمين منقادين لحكمك، والمسلم: المستسلم لأمر الله.
وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] كل قوم نسبوا إلى نبي فأضيفوا إليه فهم أمته، وكل جيل من الناس أمة على حدة.
قال ابن الأنباري: والأمة أيضا: تُبَّاعُ الأنبياء.
قال ابن عباس: يريد أمة محمد ﷺ: المهاجرين، والأنصار، والتابعين لهم بإحسان.
وإنما خصا بالدعوة بعض الذرية لأن الله تعالى أعلمهما أن فِي ذريتهما من لا ينال العهد فِي قوله: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] .
وقوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨] قال الزجاج: الأجود كسر الراء لأن الأصل: أرئنا، فالكسرة فِي الراء هي كسرة همزة ألقيت، فطرحت حركتها على الراء، فالكسرة دليل الهمزة، وحذفها قبيح، وهو جائز على بعد، لأن
[ ١ / ٢١١ ]
الكسرة والفتحة تحذفان استثقالا لقولهم فِي فخد فخذ، وفي عضد عضد.
والمعنى: عرفنا متعبداتنا والمواضع التي يتعلق بها النسك لنفعله ونقضي نسكنا فِيها، نحو المواقيت التي يحرم منها، والموضع الذي نقف فِيهِ بعرفة، وموضع الطواف، وموضع رمي الجمار.
وكل متعبد فهو منسك ومنسك، ومن هذا قيل للعابد: ناسك.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] قال ابن عباس: يريد: ولدي، والكناية تعود إلى الذرية، أو إلى الأمة فِي قوله: ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وكلاهما ولد إبراهيم، وهم العرب.
وقوله: رسولا منهم قال ابن عباس: يريد: محمدًا ﷺ، فاستجاب الله له دعاءه، وبعث فيهم رسولا من أنفسهم، محمدا سيد الأنبياء، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] قال: يريد: القرآن الذي أنزل عليه، وما فِيهِ من الفرائض والأحكام والسنن وشرائع النبيين، وقال مجاهد: الحكمة: فهم القرآن.
وقال ابن دريد: كل كلمة وعظتك، أو زجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهي حكم، ومنه قوله ﵇: «إن من الشعر حكمة» .
وقوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] قال ابن عباس: ويرشدهم إلى أفضل عبادتك.
وقال ابن جريج: يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه.
وقال ابن كيسان: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ.
[ ١ / ٢١٢ ]
قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] قال الزجاج: العزيز فِي صفات الله: الممتنع، فلا يغلبه شيء.
وكذا قول المفضل، قال: العزيز: الممتنع الذي لا تناله الأيدي.
وعزة الله تعالى: امتناعه على من أراده وعلوه من أن تناله يد.
وقال ابن عباس: العزيز: الذي لا يوجد مثله.
قال الفراء: يقال عز يعز، بالكسر، إذا قل حتى لا يكاد يوجد غيره عزة فهو عزيز.
وقال الكسائي، وابن الأنباري: يقال: العزيز: القوي الغالب.
تقول العرب: عز فلان فلانا يعزه عزا، إذا غلبه.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]، ويقال: من عزيز.
فمعنى العزيز: الغالب القوي الذي لا يعجزه شيء.
وذكرنا معنى الحكيم فيما تقدم.
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٣٠﴾ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٣١﴾ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٢﴾﴾ [البقرة: ١٣٠-١٣٢] قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠] الآية، قال الزجاج: معنى من: التقرير والتوبيخ، ولفظها لفظ الاستفهام.
والمعنى: ما يرغب عن ملة إبراهيم، ﴿إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] قال الأخفش: يعني: سفه فِي نفسه، فحذف حرف الجر كما يحذف فِي سائر المواضع، كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣] والمعنى: لأولادكم، ومثله: ﴿
[ ١ / ٢١٣ ]
وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي: عليها.
وقال الزجاج: معنى ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]: جهل نفسه، فوضع سفه موضع جهل.
وبهذا قال ابن كيسان، فقال: لأن من عبد حجرا أو قمرا أو شمسا أو صنما فقد جهل نفسه، لأنه لم يعلم خالقها، ولم يعلم ما يحق لله عليه.
والعرب تضع سفه فِي موضع جهل، ومنه الحديث: «الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس» .
أي: تجهل الحق.
ويؤيد هذا القول ما روي فِي الحديث: «من عرف نفسه عرف ربه» .
فقيل فِي معناه: إنما يقع الناس فِي البدع والضلالات لجهلهم أنفسهم، وظنهم أنهم يملكون الضر والنفع دون الله ﷿.
وحكي عن أبي بكر الوراق، أنه قال فِي معنى هذا الحديث: من عرف نفسه مخلوقة مرزوقة بلا حول ولا قوة، عرف ربه خالقا رازقا بالحول والقوة.
[ ١ / ٢١٤ ]
وقد أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: كيف عرفتني؟ وكيف عرفت نفسك؟ فقال: عرفتك بالقدرة والقوة والبقاء، وعرفت نفسي بالضعف والعجز والفناء.
فقال: الآن عرفت.
فإذا كان من عرف نفسه عرف ربه كان من جهل نفسه جهل ربه، حتى يرغب عن ملة إبراهيم.
قال قتادة: رغبت عن ملة إبراهيم اليهود والنصارى، واتخذوا اليهودية والنصرانية دينا بدعة ليست لله، وتركوا ملة إبراهيم.
وقوله: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ١٣٠] أي: اخترناه للرسالة، وتأويله: أخذناه صافيا من غير شائب، ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] قال عطاء: يريد نوحا وآدم.
وقال الحسن: أي: من الذين يستوجبون على الله الكرامة وحسن الثواب.
وقال الزجاج: يريد: من الفائزين، لأن الصالح فِي الآخرة فائز.
وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ [البقرة: ١٣١]: إذ يتعلق بالاصطفاء، على معنى: اصطفاه إذ قال له ربه: أسلم.
أي: فِي ذلك الوقت.
قال الكلبي، عن ابن عباس: رفع إبراهيم الصخرة عن باب السرب، ثم خرج منه، فنظر إلى الكوكب والشمس والقمر كما ذكر الله عنه فِي قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام: ٧٦] الآيات، فقال له ربه: أسلم.
أي: أخلص دينك لله بالتوحيد.
وقال عطاء: أسلم نفسك إلى الله، وفوض أمرك إليه.
قال الكلبي: أخلصت ب «لا إله إلا الله» .
[ ١ / ٢١٥ ]
وقال ابن عباس، فِي رواية عطاء: يريد: بقلبه ولسانه وجوارحه، فلم يعدل بالله شيئا، ورضي أن يحرق بالنار فِي رضا الله ﷿، ولم يستعن بأحد من الملائكة.
قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢] يقال: وصى يوصي توصية ووصاه.
وقرئ وأوصى، ولهما أمثلة من الكتاب، فمثال التشديد قوله: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ [يس: ٥٠]، وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت: ٨]، ومثال الإفعال قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] .
قال الزجاج: وصى: أبلغ من أوصى، لأن أوصى: جائز أن يكون قال لهم مرة واحدة، ووصى: لا يكون إلا لمرات كثيرة.
وقوله: بها قال الكلبي، ومقاتل: بكلمة الإخلاص «لا إله إلا الله»، وذلك أن إبراهيم، ومِنْ بعدِه يعقوب وصيا أولادهما بلزوم التوحيد، وقالا لهم: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ [البقرة: ١٣٢] قال ابن عباس: يريد: دين الإسلام دين الحنيفية، قال إبراهيم لبنيه: لا تعدلوا بالله شيئا، وإن نشرتم بالمناشير، وقرضتم بالمقاريض، وحرقتم بالنار.
وقوله: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وقع النهي فِي ظاهر الكلام على الموت، وإنما نهوا فِي الحقيقة عن ترك الإسلام، لئلا يصادفهم الموت عليه.
والمعنى: الزموا الإسلام حتى إذا أدرككم الموت صادفكم عليه، وهذا كما تقول: لا أريتك ههنا.
توقع حرف النهي على الرؤية، وأنت لم تنه نفسك على الحقيقة، بل نهيت المخاطب، كأنك قلت: لا تقربن هذا الموضع، فمتى جئته لم أرك فِيهِ.
وهذا من سعة الكلام.
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٣﴾ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٣٤﴾﴾ [البقرة: ١٣٣-١٣٤] وقوله: أم كنتم شهداء الآية، نزلت فِي اليهود حين قالوا للنبي ﷺ: ألست تعلم أن يعقوب
[ ١ / ٢١٦ ]
يوم مات أوصى بنيه باليهودية؟ فأنزل الله ﷿ قوله: أم كنتم شهداء الآية، ومعناه: بل أكنتم، كأنه ترك الكلام الأول واستفهم فقال: أكنتم شهداء؟ أي: حاضرين، أي: أحضرتم وصية يعقوب بنيه حين حضره الموت؟ ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣] قال ابن عباس: وذلك أن الله تعالى لم يقبض نبيا حتى يخيره بين الموت والحياة، فلما خير يعقوب، قال: أنظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم.
فجمع ولده، وهم اثنا عشر رجلا وهم الأسباط وجميع أولادهم، فقال لهم: قد حضرت وفاتي وأنا أريد أن أسألكم: ما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك الذي لا إله غيره، ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [البقرة: ١٣٣] الآية، فطابت نفسه.
وقوله: وإسماعيل: أدخله فِي جملة الآباء، وكان عم يعقوب، لأن العرب تسمي العم أبا، وروي أن رسول الله ﷺ قال للعباس: «هذا بقية آبائي» .
وقوله: إلها واحدا ينتصب على وجهين: أحدهما: الحال، كأنهم قالوا: نعبد إلهك فِي حال وحدانيته.
والثاني: على البدل من قوله: إلهك.
قوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ [البقرة: ١٣٤] يعني إبراهيم وبنيه ويعقوب وبنيه الذين قد تقدم ذكرهم، ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤] مضت، ومنه قوله: ﴿فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] يعني: الماضية المتقدمة، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤] من العمل، ولكم يا معشر اليهود، ما كسبتم أي: حسابهم عليهم، وإنما تسألون عن أعمالكم لا عن أعمالهم، وهو قوله: ﴿وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] .
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٣٥﴾ قُولُوا آمَنَّا
[ ١ / ٢١٧ ]
بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٦﴾ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١٣٧﴾ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴿١٣٨﴾﴾ [البقرة: ١٣٥-١٣٨] قوله: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١٣٥] قال ابن عباس: نزلت فِي يهود المدينة ونصارى نجران، قال كل واحد من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا تهتدوا فلا دين إلا ذلك.
فقال الله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٥] أي: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا.
قال ابن دريد: الحنيف: العادل عن دين إلى دين، وسمي الإسلام: الحنيفية، لأنها مالت عن اليهودية والنصرانية.
وقال الأصمعي: ومن عدل عن دين اليهود والنصارى فهو حنيف عند العرب.
وقال الأخفش: الحنيف: المسلم، وكان فِي الجاهلية يقال لمن اختتن وحج البيت: حنيف.
لأن العرب لم تتمسك فِي الجاهلية بشيء من دين إبراهيم غير الختان وحج البيت، فلما جاء الإسلام عادت الحنيفية.
وقال ابن عباس: الحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام.
وقال مجاهد: الحنيفية: اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إماما للناس.
قوله تعالى: قولوا آمنا بالله الآية:
٤٩ - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
[ ١ / ٢١٨ ]
إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعَبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ»، وَ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٦] الآيَةَ
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن العباس القرشي، فيما كتب إلي، أن العباس بن الفضل بن زكريا، أخبرهم عن أحمد بن نجدة، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: علموا أولادكم وأهاليكم وخدمكم أسماء الأنبياء الذين ذكرهم الله فِي كتابه، حتى يؤمنوا بهم، ويصدقوا بما جاءوا به، فإن الله تعالى يقول: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية.
٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا
[ ١ / ٢١٩ ]
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فِي الأُولَى مِنْهُمَا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٦] الآيَةَ كُلَّهَا، وَفِي الآخِرَةِ ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ
قوله: والأسباط قال الزجاج: الأسباط فِي ولد إسحاق بمنزلة القبائل فِي ولد إسماعيل، فولد كل واحد من ولد يعقوب: سبط، وولد كل واحد من ولد إسماعيل: قبيلة.
وإنما سموا هؤلاء بالأسباط وهؤلاء بالقبائل، ليفصل بين ولد إسماعيل وولد إسحاق.
قال ابن الأعرابي: السبط فِي كلام العرب: خاصة الأولاد، وكان فِي الأسباط أنبياء، لذلك قال: وما أنزل إليهم.
﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ [البقرة: ١٣٦] أي: من الآيات والكتاب، ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] من المعجزات والكتب، ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] أي: لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، ونحن له مسلمون أي: مخلصون ديننا عن الشرك بالله تعالى.
[ ١ / ٢٢٠ ]
قال الحسن: علموا أولادكم وأهاليكم وخدمكم أسماء الأنبياء الذين ذكرهم الله فِي كتابه حتى يؤمنوا بهم ويصدقوهم بما جاءوا به.
وقالت العلماء: لا يكون الرجل مؤمنا حتى يؤمن بسائر الأنبياء السابقين وجميع الكتب التي أنزلها الله تعالى على الرسل، فيجب على الإنسان أن يعلم صبيانه ونساءه أسماء الأنبياء، ويأمرهم بالإيمان بجميعهم، إذ لا يبعد أن يظنوا أنهم كلفوا الإيمان بمحمد ﷺ فقط، فيلقنوا قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] قال ابن الأنباري: المعنى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] أي: فإن آمنوا مثل إيمانكم، فزيدت الباء للتوكيد كما زيدت فِي قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] .
وقال أبو معاذ النحوي: أراد: فإن آمنوا هم بكتابكم كما آمنتم أنتم بكتابهم، فالمثل ههنا المراد به الكتاب، وقيل: المثل: صلة، والمعنى: فإن آمنوا آمنتم به.
وقد يذكر المثل ويراد به الشبه والنظير كقول الشاعر:
يا عاذلي دعني من عذلكا مثلي لا يقبل من مثلكا
أي: أنا لا أقبل منك.
وكان ابن عباس يقرأ فإن آمنوا بما آمنتم به، وهذا يدل على أن مثل فِي قراءتنا صلة.
قوله: فقد اهتدوا أي: قد صاروا مسلمين، وإن تولوا أي: أعرضوا عن الإيمان بكتابكم ونبيكم، ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧] فِي خلاف وعداوة.
[ ١ / ٢٢١ ]
والشقاق والمشاقة: المخالفة، ومنه قوله تعالى: ومن يشاقق الرسول، ومن يشاق الله.
وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] وعد من الله لرسوله بكفايته أمر من عاداه من مخالفيه، قال المفسرون: ثم كفاه الله أمر اليهود بالقتل والسبي فِي قريظة، والجلاء والنفي فِي بني النضير، والجزية والذلة فِي نصارى نجران.
قوله: صبغة الله الصبغ: ما يلون به الثياب، والصبغ: المصدر، قال الحسن، وقتادة، وأبو العالية، ومجاهد، والسدي، وابن زيد، وعطية: دين الله، وإنما سمي الدين صبغة لأن المتدين يلزمه ولا يفارقه كما يلزم الصبغ الثوب.
وقال ابن عباس، فِي رواية الكلبي: صبغة الله يعني: دين الله، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨] يقول: دينًا؟ وذلك أن النصارى كان إذا ولد لأحدهم ولد فأتى عليه سبعة أيام صبغوه فِي ماء لهم ليطهروه بذلك، ويقولون: هذا طهور.
مكان الختان، وذلك حين جعلوه نصرانيا، وهم صنف من النصارى، فجعل الله الختان للمسلمين تنظيفا وتطهيرا، وأمر به معارضة للنصارى.
وسمي الختان صبغة من حيث كان بدل ما فعلوه من صبغهم أولادهم، كما قال: وجزاء سيئة سيئة فسمى الثانية سيئة لما كانت فِي معارضة الأولى.
وصبغة الله نصب على الإغراء، على معنى: الزموا واتبعوا.
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴿١٣٩﴾ أَمْ تَقُولُونَ
[ ١ / ٢٢٢ ]
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿١٤٠﴾ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٤١﴾﴾ [البقرة: ١٣٩-١٤١] قوله: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٩] الآية، خاصمت يهود المدينة ونصارى نجران رسول الله ﷺ، وقالوا: إن أنبياء الله كانوا منا، ونبينا هو الأقدم، وكتابنا هو الأسبق، ولو كنت نبيا كنت منا.
فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ [البقرة: ١٣٩] أي: أتخاصموننا وتجادلوننا؟ ! وهذا استفهام معناه التوبيخ.
وقوله: فِي الله أي: فِي دين الله، ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [البقرة: ١٣٩] أي: نحن وأنتم عبيد له، ولنا أعمالنا نجازى بحسنها وسيئها، ولكم أعمالكم: وأنتم فِي أعمالكم على مثل سبيلنا، لا يؤخذ بعضنا بذنب بعض، ونحن له مخلصون موحدون.
قال ابن الأنباري: وفي الآية إضمار وهو: وأنتم غير مخلصين، فحذف اكتفاء بقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] .
قوله: أم تقولون قرئ بالتاء والياء، فمن قرأ بالتاء فلأن ما قبله من قوله: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ [البقرة: ١٣٩] وما بعده من قوله: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ﴾ [البقرة: ١٤٠] بالتاء، ومن قرأ بالياء فلأن المعنى لليهود والنصارى وهم غيب.
ومعنى الآية: كأنه قيل: بل أتقولون إن الأنبياء الذين ذكروا فِي هذه الآية من قبل أن تنزل التوراة ﴿كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] أي: قد أخبرنا الله أن الأنبياء كان دينهم الإسلام ولا أحد أعلم منه.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠] توبيخ لليهود، قال ابن عباس: يريد: من أظلم ممن كتم شهادته التي أشهد عليها؟ ! يريد أن الله أشهدهم فِي التوراة والإنجيل أنه باعث فيهم محمد بن عبد الله من ذرية إبراهيم، وأخذ على ذلك مواثيقهم أن يبينوه للناس، فكتموه وكذبوا فِيهِ.
وقال مجاهد، والربيع: الشهادة فِي أمر إبراهيم والأنبياء الذين ذكرهم أنهم كانوا حنفاء مسلمين، فكتموها وقالوا: إنهم كانوا هودا أو نصارى.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠] وعيد لهم، أي أنه يجازيكم على خلاف ذلك.
قوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٤١] قد مضت هذه الآية، وأعيدت ههنا لأن الحجاج إذا اختلفت مواطنه حسن تكريره للتذكير.
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿١٤٢﴾ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿١٤٣﴾﴾ [البقرة: ١٤٢-١٤٣] قوله تعالى: سيقول السفهاء الآية، نزلت فِي تحويل القبلة، قال ابن عباس: عني ب السفهاء: يهود المدينة.
والسفهاء: جمع سفيه، وهو الخفيف إلى ما لا يجوز له أن يخف فِيهِ، ما ولاهم أي: عدلهم وصرفهم، ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] يعنون بيت المقدس.
والقبلة: الوجهة، وهي الفعلة من القابلة، والعرب تقول: ما له قبلة ولا دبرة، إذا لم يهتد لجهة أمره.
والضمير فِي قبلتهم للنبي ﷺ وأصحابه، ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] أي: له أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء، ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] قال ابن عباس: إلى دين مستقيم، ودين الله يسمى الصراط المستقيم، لأنه يؤدي إلى الجنة كما يؤدي الطريق المستقيم إلى المطلوب.
قوله تعالى: وكذلك أي: وكما اخترنا إبراهيم وأولاده وأنعمنا عليهم بالحنيفية المستقيمة كذلك ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: عدلا خيارا.
قال أهل المعاني: لما صار ما بين الغلو والتقصير خيرا منهما، صار الوسط والأوسط عبارة عن كل ما هو خير،
[ ١ / ٢٢٤ ]
قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] قيل فِي تفسيره: خيرهم وأعدلهم.
قال النبي ﷺ: «خير هذا الدين النمط الأوسط» .
وأمة محمد ﷺ وسط لأنهم لم يغلوا غلو النصارى، ولا قصروا تقصير اليهود فِي حقوق أنبيائهم بالقتل والصلب.
قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال ابن عباس، فِي رواية عطاء: يريد: على جميع الأمم، وذلك أن الله تعالى إذا جمع الأولين والآخرين أتي بالناس أمة بعد أمة، فيؤتى بأمة نوح فيسألهم عما أرسل إليهم فينكرون أن نوحا بلغهم ما أرسل به إليهم، فيدعى بأمة محمد ﷺ فيقولون: نشهد أنه قد بلغ رسالتك فكذبوه وعصوك.
فتقول أمة نوح: هؤلاء كانوا بعدنا، فكيف يشهدون علينا؟ ! فيقولون: ربنا أرسلت إلينا رسولا فآمنا به وصدقناه، فكان فيما أنزلت عليه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] إلى قوله: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] .
وقوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: على صدقكم، فهو من باب حذف المضاف، وذلك أن محمدا ﵇ يسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما معنى ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]؟ قال: أمة محمد ﵇ شهداء على من ترك الحق من الناس أجمعين حين جاءه الهدى والإيمان.
﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] يشهد على أنهم آمنوا بالحق حين جاءهم وقبلوه وصدقوا به.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: وما جعلنا تحويل القبلة التي كنت عليها، فهو من باب حذف المضاف، ويحتمل أن يكون المفعول الثاني للجعل محذوفا، على تقدير: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة، فحذف للعلم به.
وقوله: ﴿إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: لنعلم العلم الذي يستحق العامل به الثوابَ والعقابَ، وهو علم بالشيء بعد وجوده، والله تعالى يعلم الكائنات ولكن لا يعلمها موجودة إلا إذا وجدت، فكذلك العلم الذي يوجب الثواب والعقاب.
وابن عباس يفسر لنعلم ههنا: لنرى، وهذا راجع إلى ما ذكرنا، لأنه إنما يراه إذا علمه موجودا.
وكان تحويل القبلة إلى الكعبة ابتلاء من الله تعالى لعباده، وذلك أن الله تعالى لما وجه نبيه إلى الكعبة قال فِي ذلك قائلون من الناس، فقال بعضهم: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.
وقال آخرون: قد اشتاق الرجل إلى مولد آبائه.
وقال ابن عباس فِي قوله: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]: يعني: أهل اليقين من أهل الشك والريبة، ومن يوافق الرسول فِي التوجه إلى الكعبة ممن يرتد عن الدين فيرجع إلى ما كان عليه.
والانقلاب على العقب: عبارة عن الانصراف إلى حيث أقبل منه.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣]: أي: وقد كانت التولية إلى الكعبة لثقيلة، ﴿إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: هداهم للحق، وهم الذين عصمهم الله حتى صدقوا الرسول فِي التحول إلى الكعبة.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]
٥١ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ النَّسَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
[ ١ / ٢٢٦ ]
لَمَّا وُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ بِالَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]
وقال الكلبي، عن ابن عباس: كان رجال من أصحاب رسول الله ﷺ من المسلمين قد ماتوا على القبلة الأولى، منهم: أسعد بن زرارة أبو أمامة، والبراء بن معرور أحد بني سلمة، وأناس آخرون، فقامت عشائرهم فقالوا: يا رسول الله، توفي إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى، وقد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف بإخواننا؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] .
يعني: ليبطل صلاتكم قبل بيت المقدس، يعني به الأموات أنه قد تقبل منهم.
والمفسرون يجعلون الإيمان ههنا بمعنى الصلاة، ويمكن أن يحمل الإيمان ههنا على ما هو عليه من معنى التصديق فيكون معنى الآية ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يعني: تصديقكم بأمر تلك القبلة.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] الرأفة أشد من الرحمة وأبلغ، يقال: رأفت بالرجل أرأف به رأفة ورأفة، ورؤفت به أرؤف به.
وفي الرءوف قراءتان: إحداهما على وزن فعول، والثانية على وزن فعل، وفعول أكثر فِي كلامهم من
[ ١ / ٢٢٧ ]
فعل، ألا ترى أن باب صبور وشكور أكثر من باب حذر ويقظ؟ وإذا كان أكثر فِي كلامهم كان أولى؟ يؤكد هذا أن صفات الله قد جاءت على هذا الوزن نحو: غفور وشكور، ولم يأت شيء منها على وزن فعل.
ومن قرأ على وزن فعل فقد قيل أنه غالب لغة أهل الحجاز، ومنه قول الوليد بن عقبة:
وشر الطالبين فلا تكنه يقاتل عمه الرءوف الرحيما
وكثر ذلك حتى قاله غيرهم، قال جرير:
ترى للمسلمين عليك حقا كفعل الوالد الرءوف الرحيم
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴿١٤٤﴾ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٥﴾﴾ [البقرة: ١٤٤-١٤٥] قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]:
٥٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ
[ ١ / ٢٢٨ ]
الرِّفَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: " صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ عَلِمَ اللَّهُ ﷿ هَوَى نَبِيِّهِ ﵇، فَنَزَّلَ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيَةَ.
فَأَمَرَهُ أَنْ يُوَلِّيَ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَمَرَّ عَلَيْنَا رَجُلٌ، وَنَحْنُ نُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: إِنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ قَدْ حَوَّلَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَتَوَجَّهْنَا إِلَى الْكَعْبَةِ، وَقَدْ صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ زُهَيْرٍ كِلاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ
قال المفسرون: كانت الكعبة أحب القبلتين إلى رسول الله ﷺ، لأنها قبلة أبيه إبراهيم ﵇، ولأنه كره موافقة اليهود، فقال لجبريل: «وددت أن الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها» .
فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك، فادع ربك وسله.
ثم ارتفع جبريل، وجعل رسول الله ﷺ يديم النظر إلى السماء، رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل ربه، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي: فِي النظر إلى السماء، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] أي: لنصيرنك تستقبل بوجهك قبلة تحبها وتهواها، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي: أقبل وحول وجهك، ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] قصده ونحوه وتلقاءه، ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤] فِي بر أو بحر، ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] يعني: عند الصلاة.
[ ١ / ٢٢٩ ]
ولما حولت القبلة قالت اليهود: يا محمد، ما أمرت بهذا، وإنما هو شيء من عندك تبتدعه من تلقاء نفسك.
فأنزل الله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي: إن اليهود عالمون أن المسجد الحرام قبلة إبراهيم وأنه الحق.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] قال ابن عباس: يريد أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي، وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم، وأن اليهود يطلبون سخطي، وما أنا بغافل عن خزيهم فِي الدنيا والآخرة.
قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] الآية، قال أهل التفسير: إن اليهود والنصارى طلبوا من رسول الله ﷺ الآيات، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأيأس نبيه ﷺ عن إيمانهم، وذلك أنهم علموا صدق محمد ﷺ بما كانوا يرونه فِي كتابهم من صفته ونعته، ولكنهم جحدوا مع تحقق علمهم، وما تغني الآيات والنذر عند من يجحد ما يعرف، لذلك قال: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] .
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥] حسم بهذا أطماع اليهود فِي رجوعه ﵇ إلى قبلتهم، وما بعضهم يعني: اليهود والنصارى ﴿بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] أخبر أنهم وإن اتفقوا على عداوة محمد ﷺ فهم مختلفون فيما بينهم، فلا اليهود تستقبل المشرق، ولا النصارى تستقبل بيت المقدس.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥] أي: صليت إلى قبلتهم، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥] أن قبلة الله هي الكعبة، ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] أي: إنك إذا مثلهم، والخطاب له فِي الظاهر، وهو فِي المعنى لأمته.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٤٦﴾ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿١٤٧﴾ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٤٨﴾﴾ [البقرة: ١٤٦-١٤٨] قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة: ١٤٦] الآية، قال الكلبي: يعني عبد الله بن سلام وأصحابه،
[ ١ / ٢٣٠ ]
يعرفون رسول الله ﷺ بنعته وصفته ومبعثه واسمه فِي كتابهم كما يعرف أحدهم ولده إذا رآه مع الغلمان.
قال عبد الله بن سلام: لأنا كنت أشد معرفة برسول الله ﷺ مني بابني.
فقال له عمر بن الخطاب: وكيف ذاك يابن سلام؟ قال: لأني أشهد أن محمدا رسول الله حقا ويقينا، وأنا لا أشهد بذلك على ابني، لأني لا أدري ما أحدثت النساء.
فقال عمر: وفقك الله يابن سلام.
قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة: ١٤٦] يعني الذين يكتمون شأن محمد ﷺ ونعته، وهم يعلمون لأن الله تعالى بين ذلك فِي كتابهم.
ثم قال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧] أي: هذا الحق من ربك، ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧] الشاكين فيما أخبرتك من أمر القبلة وعناد من كتم النبوة، وامتناعهم من الإيمان بك.
والمرية: الشك، ومنه الامتراء والتماري، والخطاب للنبي ﷺ، والمراد: غيره من الشاكين.
قوله: ولكل وجهة أراد: ولكلِّ أهلٍ دينٌ، والوجهة: اسم لكل متوجه إليه، وقوله: هو موليها قال الزجاج: هو ضمير لكل، والمعنى: كل هو موليها وجهه، أي: مستقبلها بوجهه.
وقرأ ابن عامر هو مولاها، أي: مصروف إليها، والمعنى: لكلِّ وليٍّ جهةٌ.
وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] قال ابن عباس: يقول: تنافسوا فيما رغبتكم فِيهِ من الخير، فلكلٍّ عندي ثوابُه.
وقال الزجاج: أي: فبادروا إلى القبول من الله ﷿، وولوا وجوهكم حيث أمركم الله أن تولوا.
وقوله ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٤٨] أي: أينما تكونوا يجمعكم الله للحساب فيجزيكم بأعمالكم.
ثم أكد عليه استقبال القبلة أينما كان بآيتين، وهما: ﴿
[ ١ / ٢٣١ ]
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿١٤٩﴾ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٥٠﴾﴾ [البقرة: ١٤٩-١٥٠] قوله: حيث خرجت وإنما كُرِّرتِ الآيتان لأن هذا من مواضيع التأكيد لأجل النسخ الذي نقلوا به من جهة إلى جهة.
ومعنى ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ [البقرة: ١٥٠] أي: للمسافرة والبروز إلى البدو، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فاستقبل الكعبة أينما كنت، وما بعد هذا مضى تفسيره، إلى قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] قال المفسرون: الناس ههنا: اليهود، كانوا يحتجون على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين فِي صلاتهم إلى بيت المقدس، ويقولون: ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن! ويقولون: يخالفنا محمد فِي ديننا ويتبع قبلتنا!! وهذا كان حجتهم التي كانوا يحتجون بها على المؤمنين على وجه الخصومة والتمويه بها على الجهال، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة بطلت هذه الحجة، ثم قال: ﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] وهم المشركون، فإنهم قالوا: قد تحير محمد فِي دينه فتوجه إلى قبلتنا، وعلم أنا أهدى سبيلا منه، ويوشك أن يرجع إلى ديننا.
فهؤلاء تبقى لهم الخصومة.
والحجة قد تكون بمعنى الخصومة كقوله: ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]، وقال أبو روق: حجة اليهود أنهم كانوا قد عرفوا أن النبي ﷺ المبعوث فِي آخر الزمان قبلته الكعبةُ، وأنه يحول إليها، فلما رأوا محمدا ﷺ يصلي إلى
[ ١ / ٢٣٢ ]
الصخرة احتجوا بذلك، فصرفت قبلته إلى الكعبة لئلا يكون لهم عليه حجة.
﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] يريد: إلا الظالمين الذين يكتمون ما عرفوا من الحق، ومن أنه يحول إلى الكعبة.
وقوله: فلا تخشوهم أي: فِي انصرافكم إلى الكعبة، وفي تظاهرهم عليكم فِي المحاجة والمحاربة، واخشوني فِي تركها ومخالفتها، ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم ﵇، فتتم لكم الملة الحنيفية.
قال عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] فِي الدنيا والآخرة، أما فِي الدنيا: فأنصركم على عدوكم، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم، وأما فِي الآخرة ففي رحمتي وجنتي، وأزوجكم الحور العين.
ولعلكم تهتدون ولكي تهتدوا بإنعامي عليكم إلى الملة الحنيفية.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴿١٥١﴾ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ﴿١٥٢﴾﴾ [البقرة: ١٥١-١٥٢] قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١] الآية، هذه الكاف تتعلق بما قبله، على تقدير: ولأتم نعمتي عليكم كإرسالي إليكم رسولا، أي: أتم هذه كما أتممت تلك، وذلك أن إبراهيم ﵇ دعا بدعوتين: إحديهما: قوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ [البقرة: ١٢٨] الآية، والثانية: قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] الآية، فالله تعالى قال: كما أجبت دعوته بابتعاث الرسول، كذلك أجيب دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين.
وقوله: رسولا منكم تعرفونه بأصله ونسبه، وباقي الآية مفسر.
[ ١ / ٢٣٣ ]
قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] قال ابن عباس، وسعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي.
وروي أن عبد الملك كتب إلى سعيد بن جبير فِي مسائل، فقال فِي جوابها: وتسأل عن الذكر، الذكر: طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكر الله، ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن أكثر التسبيح وتلاوة الكتاب، وتسأل عن قول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] فإن ذلك أن الله يقول: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي.
ويشهد لصحة هذا ما
٥٣ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْقُرَشِيُّ، فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ الْفَضْلِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَطَاعَ اللَّهُ فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهَ، وَإِنْ قَلَّتْ صَلاتُهُ وَصِيَامُهُ وَتِلاوَتُهُ الْقُرْآنِ، وَمَنْ عَصَى اللَّهَ فَقَدْ نَسِيَ اللَّهَ وَإِنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ وَصِيَامُهُ وَتِلاوَتُهُ الْقُرْآنِ»
[ ١ / ٢٣٤ ]
٥٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْمَعْرُوفُ بِحفدَةَ الْخَشَّابِ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَقُولُ اللَّهُ ﷿: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ". . . رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ. . .، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الأَعْمَشِ
وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ [البقرة: ١٥٢] تقول العرب: شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له.
روى سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام: أن موسى قال لربه: يا رب ما الشكر الذي ينبغي لك؟ قال: يا موسى لا يزال لسانك رطبا من ذكري.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٣﴾ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ﴿١٥٤﴾ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٥﴾ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿١٥٦﴾ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴿١٥٧﴾﴾ [البقرة: ١٥٣-١٥٧] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] قال مقاتل: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر
[ ١ / ٢٣٥ ]
على الفرائض، وبالصلوات الخمس فِي مواقيتها على تمحيص الذنوب.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] قال عطاء، عن ابن عباس: يقول: إني معكم، أنصركم ولا أخذلكم.
وقال الزجاج: تأويله: أن يظهر دينهم على سائر الأديان، لأن من كان الله معه فهو الغالب.
قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة: ١٥٤]: كان الناس يقولون لمن يقتل فِي سبيل الله: مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها.
فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله: بل أحياء ذكر المفسرون فِي حياة الشهداء فِي سبيل الله ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «إن أرواح الشهداء فِي أجواف طير خضر تسرح فِي ثمار الجنة وتشرب من أنهارها، وتأوي بالليل إلى قناديل من نور معلقة بالعرش» .
وقوله: ولكن لا تشعرون أي: ما هم فِيهِ من الكرامة والنعيم.
قوله: ولنبلونكم النون فِيهِ للتأكيد، واللام جواب قسم محذوف على تقدير: والله لنبلونكم، والمعنى: لنعاملنكم معاملة المبتلى، لأن الله تعالى يعلم عواقب الأمور، فلا يحتاج إلى الابتلاء ليعلم العاقبة، ولكنه يعاملهم معاملة من يبتلى، فمن صبر أثابه على صبره، ومن لم يصبر لم يستحق الثواب.
وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ [البقرة: ١٥٥] قال ابن عباس: يعني: خوف العدو.
﴿وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] يعني: المجاعة والقحط، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ﴾ [البقرة: ١٥٥] يعني: الخسران والنقصان فِي المال وهلاك المواشي، ﴿وَالأَنْفُسِ﴾ [البقرة: ١٥٥] يعني: بالموت والقتل والمرض والشيب، ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٥] يعني الجوائح، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج، ثم ختم الآية بتبشير الصابرين ليدل على أن من صبر على هذه المصائب كان على وعد الثواب من الله تعالى فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] .
ثم نعتهم فقال: ﴿
[ ١ / ٢٣٦ ]
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٦] أي: نالتهم نكبة مما ذكر، ولا يقال فيما يصيب بخير: مصيبة.
﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٦] أي: نحن وأموالنا لله، يصنع بنا ما يشاء، ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] إقرار بالفناء والهلاك.
ومعنى الرجوع إلى الله تعالى: الرجوع إلى انفراده بالحكم، إذ قد ملك فِي الدنيا الأحكام، فإذا زال حكم العباد رجع الأمر إلى الله.
٥٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ
٥٦ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ،
[ ١ / ٢٣٧ ]
حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ، عَنْ أَبِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بِي، فَإِنَّهَا أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ»
٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْعِمْرَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الَفِقيُه، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ جَابِرٍ الْمِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَاسِينُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَصَابَ عَبْدًا مُصِيبَةٌ إِلا بِإِحْدَى خَلَّتَيْنِ، إِمَّا بِذَنْبٍ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ إِلا بِتِلْكَ الْمُصِيبَةِ، أَوْ بِدَرَجَةٍ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُبْلِغَهُ إِيَّاهَا إِلا بِتِلْكَ الْمُصِيبَةِ»
[ ١ / ٢٣٨ ]
وقال سعيد بن جبير: لقد أعطيت هذه الآية عند المصيبة ما لم يعطه الأنبياء قبلهم ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، ولو أعطيه الأنبياء لأعطيه يعقوب، إذ يقول: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] .
٥٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغَلِّسِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ سَفِينَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ قَالَ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا آجَرَهُ اللَّهُ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا " قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: مَنْ خَيْرٌ لِي مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي فَقُلْتُهَا، فَأَخْلَفَنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ
[ ١ / ٢٣٩ ]
أخبرنا القاضي أبو بكر الحيري، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا العباس بن بكار، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن الشعبي: أن شريحا قال: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات، أحمد إذ لم تكن أعظم منها، وأحمد إذ رزقني الصبر عليها، وأحمد إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فِيهِ من الثواب، وأحمد إذ لم يجعلها فِي ديني.
قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٥٧] ذكرنا معنى الصلاة فيما تقدم، والصلاة من الله رحمة ومغفرة، وأنشد الأزهري:
صلى على يحيى وأشياعه رب كريم وشفيع مطاع
قال: معناه: ترحم عليه.
وفسر ابن عباس الصلوات ههنا فقال: مغفرة من ربهم، وهذا كما يروى، أن النبي ﷺ، قال: «اللهم صل على آل أبي أوفى» .
أي: ارحمهم.
[ ١ / ٢٤٠ ]
قال ابن كيسان: وجمع الصلوات لأنه عنى بها رحمة بعد رحمة، وذكر الرحمة بعد الصلوات لإشباع المعنى والاتساع فِي اللفظ، ومثله قوله تعالى: ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨]، وقال ذو الرمة:
لمياء فِي شفتيها حوة لعس وفي اللثاث وفي أنيابها شنب
فكرر لما اختلف اللفظ.
وقوله: وأولئك هم المهتدون قال ابن عباس: يريد: الذين اهتدوا للترجيع.
وقيل: إلى الجنة والثواب.
٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁، قَالَ: نِعْمَ الْعِدْلانِ وَنِعْمَ الْعِلاوَةُ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]: نِعْمَ الْعِدْلانِ، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] نِعْمَ الْعِلاوَةُ
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] هما جبلان معروفان بمكة، و﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]: متعبداته التي
[ ١ / ٢٤١ ]
أشعرها الله، أي: جعلها أعلاما لنا، وهي كل ما كان من موقف أو مسعى أو منحر، ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ [البقرة: ١٥٨] أصل الحج فِي اللغة: زيارة شيء تعظمه، قال الزجاج: أهل الحج: القصد، وكل من قصد شيئا فقد حجه.
وقوله: أو اعتمر قال الزجاج: أي: قصد.
وقال غيره: زاره.
﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أي: لا إثم عليه، ولا حرج ولا ذنب، ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]
٦٠ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ، أَخْبَرَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانُوا يُمْسِكُونَ عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَا مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَكُنَّا نَتَّقِي الطَّوَافَ بِهِمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] الآيَةَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَاصِمٍ
أخبرني سعيد بن العباس القرشي، أخبرنا العباس بن المفضل النضروي، أخبرنا أحمد بن نجدة، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، عن داود، عن الشعبي، قال: كان لأهل الجاهلية صنمان، يقال لأحدهما: يساف.
وللآخر: نائلة.
وكان يساف على الصفا، وكان نائلة على
[ ١ / ٢٤٢ ]
المروة، وكانوا إذا طافوا بين الصفا والمروة مسحوهما، فلما جاء الإسلام قالوا: إنما كان أهل الجاهلية يطوفون بينهما لمكان هذين الصنمين وليسا من شعائر الحج.
فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فجعلهما الله من شعائر الحج.
والآية بظاهرها تدل على إباحة ما كرهوه، ولكن السنة أوجبت الطواف بينهما والسعي، وهو قوله ﷺ: «يأيها الناس كتب عليكم السعي فاسعوا» .
وهو مذهب الشافعي ﵀.
وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨] قال الحسن: يعني به الدين كله، والمعنى: فعل غير المفترض عليه من طواف وصلاة وزكاة ونوع من الطاعة.
وقرأ حمزة ومن يطوع بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع، إلا أن التاء أدغمت فِي الطاء لمقاربتهما، وهذا حسن لأن المعنى على الاستقبال والشرط والجزاء، الأحسن فِيهمَا الاستقبال، وإن كان يجوز أن تقول: من أتاك أعطيته.
فتوقع الماضي موضع المستقبل فِي الجزاء، إلا أن اللفظ إذا كان وفق المعنى كان أحسن.
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] أي: مجاز له بعمله، ومعنى الشاكر فِي وصف الله: المجازي على الطاعة بالثواب، عليم بنية المتطوع.
[ ١ / ٢٤٣ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴿١٥٩﴾ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿١٦٠﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿١٦١﴾ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴿١٦٢﴾﴾ [البقرة: ١٥٩-١٦٢] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩] الآية، نزلت فِي علماء اليهود، وأراد ب البينات: الرجم والحدود والأحكام، وبالهدى: أمر محمد ﷺ ونعته، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٥٩] لبني إسرائيل، فِي الكتاب فِي التوراة، أولئك يعني: الذين يكتمون، ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] قال ابن عباس: كل شيء إلا الجن والإنس.
وقال قتادة: هم الملائكة والمؤمنون.
وقال عطاء: الجن والإنس.
وقال ابن مسعود: ما تلاعن اثنان من المسلمين إلا رجعت تلك اللعنة على اليهود والنصارى الذين كتموا أمر محمد ﷺ وصفته.
قوله: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] أي: من الكتمان.
﴿وَأَصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] السريرة بإظهار أمر محمد ﷺ، ﴿وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] نعته، فأولئك أتوب أعود، عليهم بالرحمة.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا﴾ [البقرة: ١٦١] إلى قوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١] قال قتادة، والربيع: أراد بالناس أجمعين: المؤمنين.
وقال السدي: لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: لعن الله الظالم.
إلا رجعت تلك اللعنة على الكافر، لأنه ظالم، فكل واحد من الخلق يلعنه.
[ ١ / ٢٤٤ ]
خالدين فِيها: باقين فِي تلك اللعنة دائمين، ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢] قال ابن عباس: لا يمهلون للرجعة ولا للتوبة ولا للمعذرة.
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿١٦٣﴾ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿١٦٤﴾﴾ [البقرة: ١٦٣-١٦٤] وقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] قال ابن عباس، فِي رواية الكلبي: قالت كفار قريش: يا محمد صف وانسب لنا ربك.
فأنزل الله ﴿[الإخلاص وهذه الآية
وقال جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس: كان للمشركين ثلاث مائة وستون صنما يعبدونها من دون الله، فبين الله سبحانه أنه إله واحد، فأنزل هذه الآية.
قال الأزهري: الواحد فِي صفة الله تعالى له معنيان: أحدهما: أنه واحد لا نظير له، وليس كمثله شيء، والعرب تقول: فلان واحد قومه وواحد الناس، إذا لم يكن له نظير.
والمعنى الثاني: أنه إله واحد ورب واحد، ليس له فِي الإلهة والربوبية شريك، لأن المشركين أشركوا معه آلهة، فكذبهم الله تعالى، فقال:] وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] .
قال أصحابنا: حقيقة الواحد فِي وصف الباري سبحانه: أنه واحد لا قسيم له فِي ذاته، ولا بعض له فِي وجوده، بخلاف الجملة التي يطلق عليها لفظ الواحد مجازا كقولهم: دار واحدة وشخص واحد.
وعبر بعض أصحابنا عن التوحيد فقال: هو نفي الشريك والقسيم والشبيه، فالله تعالى واحد فِي أفعاله، لا شريك له يشاركه فِي إثبات المصنوعات، وواحد فِي ذاته لا قسيم له، وواحد فِي صفاته لا يشبه الخلق فِيها.
[ ١ / ٢٤٥ ]
٦١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] وَ﴿الم ﴿١﴾ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴿٢﴾﴾ [آل عمران: ١-٢]
قوله: إن فِي خلق السموات والأرض الآية، قال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] قالت كفار قريش: كيف يسمع الناس إله واحد؟ وتعجبوا وقالوا: إن محمدا يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] فليأتنا بآية إن كان من الصادقين.
فأنزل الله هذه الآية، وعلمهم كيفية الاستدلال على الصانع وعلى توحيده، وردهم إلى التفكر فِي آياته، والنظر فِي مصنوعاته.
وقوله: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] يريد: تعاقبهما فِي الذهاب والمجيء، ومنه يقال: فلان يختلف إلى فلان، إذا كان يذهب إليه ويجيء من عنده.
فذهابه يخلف مجيئه، ومجيئه يخلف ذهابه، أي: يأتي أحدهما خلاف الآخر، أي بعده.
وكل شيء يجيء بعد شيء فهو خلفه، وبهذا فسر قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] قال الفراء: يذهب هذا ويجيء هذا.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وقوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] الفلك: يكون واحدا وجمعا ومذكرا ومؤنثا، قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩]، فإذا أريد به الواحد ذكره، وإذا أريد به الجمع أنث كالتي فِي هذه الآية.
والآية فِي الفلك: تسخير الله إياها حتى يجريها على وجه الماء، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ [إبراهيم: ٣٢] ووقوفها فوق الماء مع ثقلها وكثرة وزنها.
قوله: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] أي: بالذي ينفعهم من ركوبها والحمل فِيها للتجارات، فهي تنفع الحامل لأنه يربح، والمحمول إليه لأنه ينتفع بما حمل إليه.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] يعني: المطر، قال وهب: ثلاثة ما أظن يعلمهن إلا الله ﷿: الرعد والبرق والغيم، ما أدري من أين هي وما هي؟ فقيل له: إن الله أنزل من الماء ماء.
قال: نعم، ولا أدري أمطر من السماء على السحاب، أم خلق فِي السحاب؟ قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤] أراد بموت الأرض: جدوبتها ويبوستها، فسماها موتا مجازا، وذلك أن الأرض إذا لم يصبها مطر لم تنبت ولم تتم نباتا، فكانت من هذا الوجه كالميت، وإذا أصابها المطر أنبتت.
قوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] البث: النشر والتفريق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]، وقوله: ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] .
قال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض من جميع الخلق، من الناس وغيرهم.
قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤]: تقليبها قبولا ودبورا، وشمالا وجنوبا، وتصريفها مرة بالرحمة ومرة بالعذاب، ومرة حارة ومرة باردة، ولينة وعاصفة.
قال قتادة: قادر والله ربنا إن شاء جعلها رحمة لواقح للسحاب ونشرا بين يدي رحمته، وإن شاء جعلها عذابا ريحا عقيما لا تلقح شيئا، إنما هي عذاب على من أرسلت إليه.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وقال عبيد بن عمير: يبعث الله المنشرة فتقم الأرض قما، ثم يبعث الله المثيرة فتثير سحابا، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلفه، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر.
٦٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هَاجَتِ الرِّيحُ عَلَى عَهْدِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَسُبُّ الرِّيحَ، فَقَالَ: لا تَسُبُّوا الرِّيحَ، وَلَكِنْ قُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلا تَجْعَلْهَا عَذَابًا
٦٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ النَّاسَ رِيحٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَاجٌّ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ حَوْلَهُ: مَنْ يُحَدِّثُنَا عَنِ الرِّيحِ؟ فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ شَيْئًا، قَالَ: فَبَلَغَنِي الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ عُمَرُ، فَاسْتَحْثَثْتُ رَاحِلَتِي، حَتَّى أَدْرَكْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُخْبِرْتُ أَنَّكَ سَأَلْتَ عَنِ الرِّيحِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الرِّيحُ مِنْ رُوحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا»
[ ١ / ٢٤٨ ]
واختلف القراء فِي الرياح، فقرأ بعضهم بالجمع فِي مواضع، وبالتوحيد فِي مواضع، والأظهر فِي هذه الآية الجمع، لأن كل واحدة من هذه الرياح مثل الأخرى فِي دلالتها على الوحدانية بتصريفها، وإذا كان كذلك فالوجه الجمع، وأما من وحد فإنه يريد الجنس، كما قالوا: أهلك الناس الدينار والدرهم.
وإذا أريد بالريح: الجنس، كانت قراءة من وحد كقراءة من جمع.
وقوله: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] أي: المذلل، المطيع لله ﷿ فِي الهواء، لآيات أي: فِي هذه الأضياء التي ذكرها دلالات على توحيد الله وقدرته، لقوم يعقلون.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴿١٦٥﴾ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ﴿١٦٦﴾ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴿١٦٧﴾﴾ [البقرة: ١٦٥-١٦٧] قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] لما ذكر الله تعالى الدلالة على وحدانيته أعلم أن قوما، بعد هذه الدلالة والبيان، يتخذون الأنداد مع علمهم أنهم لا يأتون بشيء مما ذكره.
ومعنى تفسير الأنداد: قال أكثر المفسرين: يريد بالأنداد: الأصنام المعبودة من دون الله.
وقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أي: يحبون الأصنام كحب المؤمنين الله تعالى.
ومعنى حب المؤمنين الله: حب طاعته والانقياد لأمره ليس معنى يتعلق بذات القديم سبحانه.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أي: أثبت وأدوم، وذلك أن المشركين كانوا يعبدون صنما، فإذا رأوا شيئا أحسن منه تركوا ذلك وأقبلوا على عبادة الأحسن.
وقال قتادة: إن الكافر يعرض عن معبوده وقت البلاء، والمؤمن لا يعرض عن الله فِي السراء والضراء والشدة والرخاء.
[ ١ / ٢٤٩ ]
٦٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَةً، وَأَنَا أَقُولُ أُخْرَى، قَالَ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَجْعَلُ للَّهِ تَعَالَى نِدًّا دَخَلَ النَّارَ " وَأَنَا أَقُولُ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ لا يَجْعَلُ للَّهِ نِدًّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٦٥] يعني: الذين أشركوا بالله، ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة: ١٦٥] يعني: فِي الآخرة حين يعاينون جهنم، ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥] تقدير الآية: ولو يرون أن القوة لله جميعا، والمعنى: ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب الله وقوته، وجواب لو محذوف، وتقديره: لعلموا مضرة اتخاذ الأنداد.
وكثير فِي التنزيل حذف جواب لو، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ [الرعد: ٣١]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقرأ نافع وابن عامر ولو ترى بالتاء على مخاطبة النبي ﷺ.
والمعنى: لو تراهم إذ يرون العذاب رأوا أن القوة لله، أي أنهم شاهدوا من قدرته ما تيقنوا معه أنه قوي عزيز، وأن الأمر ليس على ما كانوا عليه من جحودهم لذلك أو شكهم فِيهِ.
والاختيار كسر إن مع المخاطبة، لأن الرؤية واقعة على الذين ظلموا، فكان وجه الكلام استئناف إن، وجواب لو تقديره ههنا: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لعجبت، أو لرأيت أمرا عظيما، ثم تستأنف إن القوة.
وقرأ ابن عامر يرون بضم الياء، وحجته قوله: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [البقرة: ١٦٧] .
[ ١ / ٢٥٠ ]
قوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ١٦٦] العامل فِي إذ معنى شديد من قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴿١٦٥﴾ إِذْ تَبَرَّأَ﴾ [البقرة: ١٦٥-١٦٦] كأنه قيل وقت تبرؤ الذين ابتعدوا، يعني: المتبوعين فِي الشرك والشر، ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] يعني: السلفة والأتباع، ورأوا العذاب عاينوا جهنم.
وقوله: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] الباء ههنا بمعنى عن، كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] أي: عنه.
والأسباب معناها فِي اللغة: الحبال، ثم يقال لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها: سبب.
ويقال للطريق: سبب.
لأنه بسلوكه تصل إلى الموضع الذي تريده، قال الله تعالى: فأتبع سببا أي: طريقا وأسباب السموات: أبوابها، لأن الوصول إليها يكون بدخولها، والمودة بين القوم تسمى: سببا، لأنهم بها يتواصلون، ومنه قول لبيد:
بل ما تذكر من نوار وقد نأت وتقطعت أسبابها ورمامها
قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني: أسباب المودة والوصلات التي كانت بينهم فِي الدنيا تقطعت، وصارت مخالتهم عداوة.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٧] وهم الأتباع، ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة: ١٦٧] أي: رجع إلى الدنيا، ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٦٧] وهو جواب التمني بالفاء.
قال الكسائي: تأويله: لو أن لنا أن نكر فنتبرأ منهم فِي الدنيا لو رجعنا إليها، كما تبرءوا هم، منا اليوم.
[ ١ / ٢٥١ ]
وقوله: كذلك أي: كتبرؤ بعضهم من بعض، ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٧] فِي الآخرة، قال الربيع: يريد: أعمالهم القبيحة التي سلفت منهم فِي الدنيا، حسرات عليهم فِي الآخرة، لأنهم إذا رأوا حسن مجازاة الله المؤمنين بأعمالهم الحسنة تحسروا على أن لم تكن أعمالهم حسنة فيستحقوا بها من ثواب الله مثل الذي استحقه المؤمنون.
قال ابن كيسان: يعني بأعمالهم: عبادتهم الأوثان، رجاءَ أن تقربهم إلى الله تعالى، فلما عذبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسروا وندموا.
قال ابن عباس: نزلت الآية فِي الكفار الذين أخرجوا النبي ﷺ من مكة.
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿١٦٨﴾ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴿١٦٩﴾﴾ [البقرة: ١٦٨-١٦٩] قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] قال ابن عباس، فِي رواية أبي صالح: نزلت فِي الذين حرموا على أنفسهم السوائب والوصائل والبحائر.
وقال فِي رواية عطاء: عنى المؤمنين خاصة.
ومعنى الحلال: المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه، يقال: حل الشيء يحل حلالا وحلا.
والأصل فِي الطيب: هو ما يستلذ به ويستطاب، ويوصف به الطاهر والحلال على جهة التشبيه، لأن النجس تكرهه النفس فلا يستلذ، والحرام أيضا غير مستلذ، لأن المشرع يزجر عنه.
ولما وصف الحلال بالطيب وصف الحرام بأنه خبيث، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠]، وأراد بالحلال الطيب: ما أحل الله أكله مما حرمه المشركون على أنفسهم من الزرع والأنعام، وهو قوله ﷿: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] الآية، وقال ابن عباس، فِي رواية عطاء: يريد: قد غنمتكم مال أعدائكم، وعلى هذا القول عني بالحلال الطيب: الغنيمة.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى: من حيث يطيب لكم، أي: لا تأكلوا من الوجه الذي يحرم.
وقوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] هي جمع خطوة، وهي ما بين القدمين، يقال: خطوت خطوة.
مثل: حسوت حسوة، والحسوة: اسم ما تحسيت، وما كان اسما من هذا القبيل يجمع بتحريك العين نحو: غرفة وغرفات، وظلمة وظلمات، وثمرة وثمرات، وما كان نعتا جمع بسكون العين، نحو: ضخمة وضخمات، وعبلة وعبلات، والخطوة من الأسماء لا من الصفات فتجمع بتحريك العين.
ومن قرأ بتسكين العين فإنه نوى الضمة، وأسقطها لثقلها وهو يقدر ثباتها، لأن ذلك إنما يجوز فِي صورة الشعر.
ومعنى ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] لا تتبعوا سبيله، ولا تسلكوا، ولا تقفوا أثره، ولا تأتموا به، ولا تطيعوه فيما يزين لكم من تحريم حلال واستحلال حرام فِي الشرع.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨] قد أبان عداوته لكم بإبائه السجود لآدم أبيكم، وهو الذي أخرجه من الجنة.
ثم بين الله تعالى عداوته فقال: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] قال عطاء، عن ابن عباس: السوء: عصيان الله، والفحشاء: البخل.
وقال فِي رواية باذان: السوء من الذنوب: ما لا حد فِيهِ فِي الدنيا، والفحشاء: ما كان فِيهِ حد.
وقال السدي: أما السوء فالمعصية، وأما الفحشاء فالزنا.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] من تحريم الحرث والأنعام، هذا قول ابن عباس، فِي رواية أبي صالح، وقال فِي رواية عطاء: يريد المشركين وكفار أهل الكتاب، يعني: فِي نسبتهم أشياء مما شرعوها إلى الله تعالى، كما ذكر الله عنهما فِي قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] .
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴿١٧٠﴾ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴿١٧١﴾﴾ [البقرة: ١٧٠-١٧١] قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٠] قال الكلبي: يعني الذين حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام، وإذا قيل لهم: اعملوا بما أنزل الله فِي القرآن.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: نزلت فِي كفار قريش.
﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠] وجدناهم عليه من الدين، فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] يتبعونهم؟ ! وهذا جواب لو، وهو محذوف، والواو فِي أولو واو العطف، دخلت عليها ألف الاستفهام التي هي للتوبيخ.
وقال عطاء: لا يعقلون عظمة الله ولا يهتدون إلى دينه.
وقوله: ﴿لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٧٠] عام ومعناه الخصوص، أي: لا يعقلون شيئا من أمر الدين.
ثم ضرب الله مثلا للكفار، فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] الآية، النعيق: صوت الراعي بالغنم، يقال: نعق
[ ١ / ٢٥٤ ]
ينعق نعقا ونعيقا ونعقانا ونعاقا، إذا صاح بالغنم زجرا.
قال الأخطل:
انعق بضأنك يا جرير فإنما منتك نفسك فِي الخلاء ضلالا
قال الأخفش، والزجاج، وابن قتيبة: تقدير الآية: ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا فِي وعظهم ودعائهم إلى الله كمثل الراعي الذي يصيح بالغنم ويكلمها يقول: كلي واشربي وارعي.
وهي لا تفهم شيئا مما يقول لها، كذلك هؤلاء الكفار كالبهائم لا يعقلون عنك ولا عن الله شيئا.
وعلى هذا حذف أحد المثلين اكتفاءً بالثاني.
وقال ابن عباس، فِي رواية الكلبي: ومثل الكفار فِي قلة فهمهم وعقلهم كمثل الرعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم شيئا، غير أنها تسمع الصوت ولا تفقه، وعلى هذا شبه الكفار بالرعاة الذين يكلمون ما ﴿لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]، وهي البهائم.
وهذا قول مجاهد، قال: هذا مثل ضربه الله للكافر، يسمع ما يقال له ولا يعقل، فمثله كمثل البهيمة، تسمع النعيق ولا تفهم، ولا تعقل.
ثم وصفهم فقال: صم قال قتادة: صم عن الحق، فلا يسمعونه، بكم عن الحق، فلا ينطقون به، عمي عن الحق فلا يبصرون.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿١٧٢﴾ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٧٣﴾﴾ [البقرة: ١٧٢-١٧٣] قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] قال المفسرون: هذا أمر إباحة، وأراد
[ ١ / ٢٥٥ ]
بالطيبات: الحلالات من الحرث والأنعام وما حرمه المشركون منها على أنفسهم.
٦٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الدَّارِمِيُّ، إِمْلاءً، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ.
أَشْعَثُ أَغْبَرُ، مَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ فُضَيْلٍ، وَهُوَ مِنَ الأَخْبَارِ الَّتِي لَمْ يُخَّرِجْهَا الْبُخَارِيُّ
وقوله: واشكروا لله أي: إذا كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم، فالشكر له واجب بأنه محسن إليكم.
ثم بين أن المحرم ما هو، فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣] قال الزجاج: إنما إذا جعلته كلمة واحدة كان إثباتا لما يذكر بعده،
[ ١ / ٢٥٦ ]
ونفيا لما سواه، وقوله: إنما حرم معناه: ما حرم عليكم إلا ما ذكر، وذلك لأن كلمة إن للتوكيد فِي الإثبات، وما تكون نفيا، فإذا قال القائل: إني بشر.
فالمعنى: أنا بشر على الحقيقة، وإذا قال: إنما أنا بشر.
كان المعنى: ما أنا إلا بشر، والميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح.
قوله: والدم كانت العرب تجعل الدم فِي المباعر، وتشويهَا ثم تأكلها، فحرم الله تعالى الدم.
وقد خصت السنة هذين الجنسين، وهو قوله ﷺ: " أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان: فالجراد والسمك، وأما الدمان: فالكبد والطحال ".
وقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فقيد، وأطلق فِي هذه الآية، والمطلق يحمل على المقيد، وقوله: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣] أراد: الخنزير بجميع أجزائه، وخص اللحم لأنه المقصود بالأكل، ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] معنى الإهلال فِي اللغة: رفع الصوت، قال ابن أحمر:
يهل بالفرقد ركبانها كما يهل الراكب المعتمر
ويقال للمحرم: مهل.
لرفعه صوته بالتلبية، وللذابح: مهل.
لرفعه الصوت بذكر ما يذبح على اسمه.
ومعنى ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]: قال ابن عباس: ما ذبح للأصنام وذكر عليه غير اسم الله.
وهذا قول جميع المفسرين.
[ ١ / ٢٥٧ ]
٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَعَنَ اللَّهُ سَبْعَةً مِنْ خَلْقِهِ، وَلَعَنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَعْنَةً تَكْفِيهِ، قَالَ: مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، مَلْعُونٌ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنَ الْبَهَائِمِ، مَلْعُونٌ مَنْ جَمَعَ امْرَأَةً وَابْنَتَهَا، مَلْعُونٌ مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ، مَلْعُونٌ مَنِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ حُدُودَ الأَرْضِ "
وقوله: فمن اضطر أي: أحوج وألجئ، وهو افتعل من الضرورة، قال الأزهري: معناه: من ضيق عليه الأمر بالجوع.
وقرئ برفع النون وكسرها، فمن رفع فلإتباع ضمة الطاء، ومن كسر فعلى أصل حركة التقاء الساكنين.
قوله: غير باغ البغي: الظلم والخروج عن النصفة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩]، ولا عاد هو من العدو، وهو التعدي فِي الأمور، يقال: عدا عدوا وعدوانا، إذا ظلم.
قال مجاهد: غير قاطع لسبيل، أو مفارق للأئمة، أو خارج فِي معصية الله، فله الرخصة.
وقال سعيد بن جبير: الذي يقطع الطريق
[ ١ / ٢٥٨ ]
فلا رخصة له فِي شرب الخمر ولا أكل الميتة.
وقال ابن عباس، فِي رواية عطاء: غير باغ على المسلمين، ولا عاد عليهم.
وعلى هذا التأويل: كل من عصى بسفره لم تحل له الميتة عند الضرورة لأنه باغ، وهو مذهب الشافعي ﵁.
وفيه قول آخر: غير باغ بأكله من غير اضطرار، ولا عاد يتعدى الحلال إلى الحرام، فيأكله وهو غني عنه، وهذا قول الحسن، والربيع، وابن زيد، وعلى قول هؤلاء يستبيح العاصي بسفره الرخص، وهو مذهب أهل العراق.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] أي: للمعاصي، وفيه إشارة إلى أنه إذا كان يغفر المعصية فإنه لا يأخذ بما جعل فِيهِ الرخصة، رحيم حيث رخص للمضطر فِي أكل الميتة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٧٤﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴿١٧٥﴾ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴿١٧٦﴾ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴿١٧٧﴾﴾ [البقرة: ١٧٤-١٧٧] قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٤] نزلت فِي رؤساء اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ.
[ ١ / ٢٥٩ ]
﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [البقرة: ١٧٤] ذكرنا تفسيره فِي قوله: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [البقرة: ٤١]، ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤] أي: إلا ما يئول عاقبته إلى النار، كقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤] أي: لا يكلمهم كلاما يسرهم وينفعهم، فأما التهديد والتوبيخ فقد يكون، ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٤] ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم.
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٧٥] مضى تفسيره.
وقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] المعنى: فما أصبرهم على عمل أهل النار حين تركوا الهدى وأخذوا بالضلالة! وقال الحسن، وقتادة، والربيع: ما أجرأهم على أعمال أهل النار! قال الفراء: وهذه لغة يمانية، يقول الرجل: ما أصبرك على كذا! يريد: ما أجرأك عليه.
وما على هذا القول: تعجب، كقولك: ما أحسن زيدا! ومعنى التعجب من الله: أنه يعجب المخاطبين ويدلهم على أنهم قد حلوا محل من يتعجب منهم.
وقال السدي: هذا على وجه الاستفهام، ومعناه: ما الذي صبرهم وأي شيء صبرهم على النار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل؟ وما على هذا القول للاستفهام لا للتعجب، وأصبر بمعنى: صبر، مثل: كرم وأكرم.
وقوله: ذلك إشارة إلى قوله: ولهم عذاب أليم أي: ذلك العذاب لهم، ﴿بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١٧٦] يعني: التوراة، فاختلفوا فِيهِ، أي: آمنوا ببعض وكفروا ببعض، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ
[ ١ / ٢٦٠ ]
بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] لفي خلاف طويل، وذكرنا معنى الشقاق فيما سبق.
وقوله ﷿: ليس البر قرئ نصبا ورفعا، وكلاهما حسن، لأن اسم ليس وخبرها اجتمعا فِي التعريف، فجاز أن يكون أحدهما أيها كان اسما والثاني خبرا.
قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وعطاء: كان الرجل فِي ابتداء الإسلام إذا شهد الشهادتين وصلى إلى أي ناحية كان، ثم مات على ذلك وجبت له الجنة، فلما هاجر رسول الله ﷺ، ونزلت الفرائض، وحددت الحدود، وصرفت القبة إلى الكعبة، أنزل الله هذه الآية فقال: ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البر ما ذكر فِي قوله: ولكن البر من آمن بالله.
قال الزجاج: معناه: ولكن ذا البر، فحذف المضاف كقوله: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [آل عمران: ١٦٣] أي: ذوو درجات.
وقال قطرب، والفراء: معناه: ولكن البر بر من آمن بالله، فحذف المضاف وهو كثير فِي الكلام، كقوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] .
قوله: والكتاب قال ابن عباس: يريد: الكتب، والكتاب: اسم جنس، فيجوز وقوعه على الكثير.
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: على حب المال.
قال ابن عباس، وابن مسعود: هو أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر.
[ ١ / ٢٦١ ]
وقوله: وابن السبيل قال مجاهد: هو المنقطع من أهله يمر عليك.
وقال قتادة: هو الضيف ينزل بالرجل.
قوله: وفي الرقاب قال جميع المفسرين: يريد به: المكاتبين، ويكون التقدير: وفي ثمن الرقاب، ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] أراد: فيما بينهم وبين الله، وبينهم وبين الناس، إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا ونذروا وفوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا اؤتمنوا أدوا.
وارتفع الموفون بالعطف على محل من فِي قوله: من آمن فهو رفع لأنه خبر لكن، كأنه قال: ولكن البر من آمن بالله والموفون.
وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] يعني: الفقر، وهو اسم من البؤس، والضراء المرض، وانتصب الصابرين على المدح، وإن كان معطوفا على مرفوع.
والعرب، إذا تطاول الكلام، اعترضت فِيهِ بالمدح أو الذم، وإن كان حقه الرفع، من ذلك قول الشاعر:
لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر
النازلين بكل معترك والطيبين معاقد الأزر
فنصب النازلين، والطيبين على المدح، وإن كان صفة لاسم مرفوع.
[ ١ / ٢٦٢ ]
قال الخليل: المدح والذم ينصبان على معنى: أعني، فكأنه قال، بعد قوله وآفة الجزر: أعني النازلين بكل معترك.
قوله: وحين البأس يعني: وقت القتال فِي سبيل الله، والبأس: اسم للحرب، لما فِيها من الشدة، أولئك أي: أهل هذه الأوصاف، ومن قام بواحدة منها لم يستحق الوصف بالبر.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، حدثنا محمد بن الحسين الطبركي، حدثنا محمد بن مهران، حدثنا وكيع، عن علي بن صالح، عن أبي ميسرة، قال: من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] .
٦٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي كُرَيْبٍ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْعَنْبَرِيُّ الأَرْحَامِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا عَتَّابٌ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ:
[ ١ / ٢٦٣ ]
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَسَأَلَهُ عَنِ الإِيمَانِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ، فَقَالَ: لَيْسَ عَنِ الْبِرِّ سَأَلْتُكَ، إِنَّمَا سَأَلْتُكَ عَنِ الإِيمَانِ، فَقَالَ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، فَقَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ مِثْلِ الَّذِي سَأَلْتَنِي، فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِثْلَ الَّذِي قَرَأْتُ عَلَيْكَ، فَأَبَى أَنْ يَرْضَى كَمَا أَبَيْتَ أَنْ تَرْضَى، فَقَالَ: ادْنُ فَدَنَا مِنْهُ، فَقَالَ: «الْمُؤْمِنُ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً سَرَّتْهُ وَرَجَا ثَوَابَهَا، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً سَاءَتْهُ وَخَافَ عِقَابَهَا»
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٧٨﴾ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١٧٩﴾﴾ [البقرة: ١٧٨-١٧٩] قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]: كتب ههنا بمعنى: فرض وأوجب، كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] والقصاص فعال من المقاصة، يقال: قاصصته مقاصة وقصاصا، إذا أقدته من أخيه.
وقال الليث: القصاص والتقاص فِي الجراحات والحقوق: شيء بشيء.
وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] قال المفسرون: نزلت الآية فِي حيين من العرب، لأحدهما طول على الآخر،
[ ١ / ٢٦٤ ]
فكانوا يتزوجون نساءهم بغير مهر، فقتل الأوضع منهما من الشريف قتلى، فحلف الشريف: ليقتلن الحر بالعبد، والذكر بالأنثى، وليضاعفن الجراح، فأنزل الله هذه الآية يعلم أن الحر المسلم كفء للحر المسلم، وكذلك العبد للعبد، والذكر للذكر، والأنثى للأنثى.
ولم تدل الآية على أن الذكر لا يقتل بالأنثى، وقتل الذكر بالأنثى مستفاد من إجماع الأمة، لأنهما تساويا فِي الحرمة والميراث وحد الزنى والقذف وغير ذلك، فوجب أن يستويا فِي القصاص.
وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] معنى العفو ههنا: ترك الواجب من أرش جناية، أو عقوبة ذنب، أو ما استوجبه الإنسان بما ارتكبه من جناية، فصفح عنه وترك له من الواجب عليه.
وقوله: من أخيه أراد: من دم أخيه، فحذف المضاف للعلم به، وأراد بالأخ: المقتول، سماه أخا للقاتل، فدل على أن أخوة الإسلام بينهما لم تنقطع، وأن القاتل لم يخرج عن الإيمان بقتله.
وفي قوله: شيء دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا سقط القود، لأن شيئا من الدم قد بطل بعفو البعض، والله تعالى قال: فمن عفي له من أخيه شيء والكنايتان فِي قوله: له، وأخيه ترجعاه إلى من، وهو القاتل.
وقوله: فاتباع بالمعروف أي: فعلى ولي المقتول اتباع بالمعروف فِي المطالبة بالدية، وهو ترك التشديد على القاتل فِي طلب الدية.
وقوله: وأداء إليه بإحسان وعلى القاتل تأدية المال إلى العافي بإحسان، أمرَ اللهُ تعالى الطالبَ أن يطلبَ بالمعروف، ويتبع الحق الواجب له، من غير أن يطالبه بالزيادة، أو يكلفه ما لم يوجبه الله، أو يشدد عليه، كل هذا تفسير المعروف، وأمرَ المطلوبَ منه بالإحسان فِي الأداء، وهو ترك المطل والتسويف.
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] قال ابن عباس: يريد: حيث جعل الدية لأمتك يا محمد، قال قتادة: لم تحل الدية لأحد غير هذه الأمة.
قال المفسرون: إن الله تعالى كتب على أهل التوراة أن يقيدوا ولا يأخذوا الدية ولا يعفوا، وعلى أهل
[ ١ / ٢٦٥ ]
الإنجيل أن يعفوا ولا يقيدوا، ولا يأخذوا الدية، وخير هذه الأمة بين القصاص والدية والعفو، فقال: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: هذا التخيير بين هذه الأشياء.
٦٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْعُقَيْلِيُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَخْبَرَنِي مُجَاهِدٌ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] قَالَ: «الْعَفْوُ» أَنْ تَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ
﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] قال: أمر هذا أن يطلب بمعروف، ويؤدي هذا بإحسان، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٨] مما كتب على من كان قبلكم.
٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نَصْرٍ الْجَمَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الصَّغَانِيُّ، حَدَّثَنَا جَرْوَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ أَكْفَرَ اللَّهُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ بِذَنْبٍ لأَكْفَرَ الَّذِينَ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ثُمَّ قَالَ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَمَّى الْقَاتِلَ فِي أَوَّلِ الآيَةِ مُؤْمِنًا، وَفِي وَسَطِهَا أَخًا، وَلَمْ يُؤْيِسْهُ فِي آخِرِهَا مِنَ التَّخْفِيفِ وَالرَّحْمَةِ
وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ١٧٨] يعني: قتل بعد أخذ الدية والعفو، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] .
٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى
[ ١ / ٢٦٦ ]
الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ بِخَبَلٍ، وَالْخَبَلُ: الْجِرَاحَةُ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلاثٍ، فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ، أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَعَدَّى، فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا "
قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] قال مقاتل: حياة بما ينتهي بعضكم عن دماء بعض مخافة أن يقتل.
وقال قتادة: جعل الله هذا القصاص حياة وعبرة لأهل السفه والجُهَّلِ من الناس، وكم من رجل قد هم بداهية لولا مخالفة القصاص لوقع فِيها، ولكن الله حجز بالقصاص عبادة بعضهم عن بعض.
[ ١ / ٢٦٧ ]
وهذا قول أكثر أهل التفسير، قالوا: إن القاتل إذا قتل قصاصا أمسك عن القتل من كان يهم به مخافة أن يقتل، فكان فِي القصاص حياة للذي همَّ بالقتل وللذي هم بقتله.
وقال السدي: كانوا يقتلون بالواحد الاثنين والعشرة والمائة، فلما قصروا على الواحد كان فِي ذلك حياة.
وهذا قول ابن مسعود، قال: لا يقتل إلا القاتل بجنايته.
وقوله: ﴿يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] يعني: يا ذوي العقول، وأولي بمعنى: ذوي، وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] يعني: إراقة الدماء مخافة القصاص.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴿١٨٠﴾ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١٨١﴾ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٨٢﴾﴾ [البقرة: ١٨٠-١٨٢] قوله: كتب عليكم أي: فرض وأوجب، ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] يريد: أسباب الموت ومقدماته من العلل والأمراض، ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] أي: مالا، والخير: اسم جامع للمال فِي كثير من القرآن، كقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، و﴿مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠] أي: بالعدل الذي لا ينكر، يعني: لا يزيد عن الثلث، حقا يعني: حق ذلك عليكم حقا، أي: وجب، على المتقين المؤمنين الذين يتقون الشرك.
وكان السبب فِي نزول هذه الآية: أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بما لهم للبعداء رياءً وسمعةً، فصرف الله تعالى بهذه الآية ما كان يصرف إلى البعداء إلى الأهل والأقرباء، فعمل بها ما كان العمل، ثم نسختها آية المواريث
[ ١ / ٢٦٨ ]
فِي سورة النساء، وكانت الوصية للوالدين والأقربين فرضا على من مات وله مال، حتى نسخ حكم الآية، ولا يجب على أحد وصية لأحد قريب ولا بعيد، وإذا أوصى فله أن يوصي لكل من يشاء من الأقارب والأباعد إلا الوارث.
٧١ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ قَالَ: كُنْتُ تَحْتَ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهِيَ تَقْصُع بِجِرَّتِهَا وَلُعَابُهَا يَنُوسُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَلا إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلا يَجُوزُ لِلْوَارِثِ وَصِيَّةٌ»
٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ،
[ ١ / ٢٦٩ ]
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ مَالٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ إِلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» .
رَوَاهُ مُسْلِم، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّة.
والخير فِي هذه الآية محمول على المال الكثير، قال ابن عباس: من لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا، وقال طاوس: من لم يترك ثمانين دينارا لم يترك خيرا.
قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] الكناية تعود إلى الإيصاء، لأن الوصية بمعنى الإيصاء، كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي: وعظ، ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] من الميت، قال المفسرون: أي: فمن غير الوصية من الأوصياء والأولياء والشهود بعد ما سمعه من الميت، فإنما إثمه إثم التبديل، ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] أي: على من بدل الوصية، وبرئ الميت، إن الله سميع سميع ما قاله الموصي، عليم بنيته وما أراد، وعليم بما فعله الموصى.
قال الكلبي: كان الأولياء والأوصياء يمضون وصية الميت بعد نزول هذه الآية وإن كانت مستغرقة للمال، فأنزل الله قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾ [البقرة: ١٨٢] أي: علم، والخوف يستعمل بمعنى العلم، لأن فِي الخوف طرقا من العلم، وذلك أن القائل إذا قال: أخاف أن يقع أمر كذا.
كأنه يقول: أعلم.
وإنما يخاف لعلمه بوقوعه، فاستعمل الخوف فِي العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ [الأنعام: ٥١]، وقوله: ﴿إِلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
[ ١ / ٢٧٠ ]
قوله: ﴿جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢] أي: ميلا، يقال: جنف يجنف جنفا، إذا مال.
وكذلك تجانف، ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] .
قال ابن عباس: يريد: خطأ من غير تعمد.
وقال السدي، وعكرمة، والربيع، وعطية: الجنف: الخطأ، والإثم: العمد.
قال مجاهد: هذا حين يحضر الرجل وهو يموت، فإذا أسرف أمروه بالعدل، وإذا قصر عن حق قالوا: افعل كذا، أعط فلانا كذا.
ومعنى الآية: أن الميت إذا أخطأ فِي وصيته أو خاف فِيها متعمدا فلا حرج على من علم ذلك أن يغيره ويصلح بعد موته بين ورثته وبين الموصى لهم، ومن ولي أو وصي أو والى أمر المسلمين، ويرد الوصية إلى العدل.
قوله: فأصلح بينهم يعني: بين الورثة والمختلفين فِي الوصية، وهم الموصى لهم.
قوله: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢] لأنه متوسط للإصلاح، وليس بمبدل بإثم.
٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ النَّضْرُوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الأَنْمَاطِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَوَضَعَ وَصِيَّتَهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ كَانَ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لِمَا ضَيَّع مِنْ زَكَاتِهِ فِي حَيَاتِهِ»
[ ١ / ٢٧١ ]
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١٨٣﴾ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١٨٤﴾ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٨٥﴾﴾ [البقرة: ١٨٣-١٨٥] قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] الآية، الصيام: مصدر من صام، كالقيام من قام، وأصله فِي اللغة: الإمساك عن الشيء والترك له، ومنه قيل للصمت: صوم.
لأنه إمساك عن الكلام، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]، وصام النهار: إذا قام قائم الظهيرة.
وصامت الريح: إذا ركدت.
وصام الفرس: إذا قام على غير إعلاف.
هذا أصله فِي اللغة.
وفي الشريعة: هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع اقتران النية به.
وإجماع المفسرين على أن المراد بهذا الصيام: صيام شهر رمضان، وكان الفرض فِي ابتداء الإسلام هو صوم يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، فنسخ ذلك بصيام رمضان، قبل قتال بدر بشهرين.
وقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] أي: كما فرض على الأمم من أهل الكتابين قبلكم، أي: أنتم متعبدون بالصيام كما تعبد الذين كانوا من قبلكم.
وقوله: لعلكم تتقون قال السدي: كي تتقوا الأكل والشرب والجماع وقت وجوب الصوم.
وقال الزجاج: لتتقوا المعاصي، فإن الصيام وصلة إلى التقى، لأنه يكف الإنسان عن كثير مما تطمع إليه النفس من المعاصي.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وقوله: أياما معدودات قال الزجاج: أياما: ظرف ل كتب، كأنه قال: كتب عليكم الصيام فِي هذه الأيام.
وقال الفراء: هي نصب على خبر ما لم يسم فاعله، وهو قوله: كتب كما تقول: أعطى عبد الله المال.
وأراد بالأيام المعدودات: أيام رمضان.
وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: فأفطر فعدة، أي: فعليه عدة ما أفطر، ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] سوى أيام مرضه وسفره، والعدة: فعلة، من العد، وهي بمعنى المعدودة كالطحن بمعنى المطحون.
والمرض الذي يبيح الإفطار هو كل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة فِي علته زيادة لا يحتملها.
وحد السفر الذي يبيح الإفطار: ستة عشر فرسخا فصاعدا، والإفطار: رخصة من الله ﷿ للمسافر، فمن أفطر فبرخصة الله أخذ، ومن صام ففرضه أدى.
٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى ابْنِ وَهْبٍ: أَخْبَرَكَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ:
[ ١ / ٢٧٣ ]
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ
٧٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذَّارِعُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَسِّنٍ حُصَيْنُ بْنُ نُسَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ»
قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: يطيقون الصيام، يقال: أطاق يطيق إطاقة وطاقة.
كما يقال: أطاع يطيع إطاعة وطاعة.
والطاقة والطاعة: اسمان يوضعان موضع المصدر.
وقوله: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] هذه قراءة أهل المدينة والشام، والمعنى: وعلى الذين يطيقونه فأفطروا فدية طعام.
والفدية: البدل، وقد مر ذكره، وأضيفت الفدية إلى الطعام لأنها اسم للقدر الواجب، والطعام: اسم يعم
[ ١ / ٢٧٤ ]
الفدية وغيرها، فهذا كقولك: ثوب خز وخاتم حديد.
وجمعوا المساكين لأن الذين يطيقونه فأفطروا جماعةٌ، وكلُّ واحد منهم يلزمه طعامُ مسكين.
وقرأ الباقون فدية منونة طعام مسكين على واحد، جعلوا ما بعد الفدية تفسيرا لها، ووحدوا المسكين لأن المعنى: على كل واحد لكل يوم طعام مسكين، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وليس جميع القاذفين يفرق فيهم جلد ثمانين، إنما على كل واحد منهم ذلك.
وقال أبو زيد: يقال: أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة، وأعطانا كلنا مائة.
معناه: كسا كل واحد منا حلة، وأعطى كل واحد منا مائة.
فأما حكم الآية فقال ابن عباس والمفسرون: كان فِي ابتداء إيجاب الصوم: من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بالطعام وهو من واحد، ثم نسخ الله تعالى ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] قال ابن عباس: زاد فِي الصدقة على الواحد، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: الصوم خير لكم من الإفطار والفدية، وهذا إنما كان خيرا لهم قبل النسخ، وبعد النسخ لا يجوز، أي يقال: الصوم خير من الإفطار والفدية.
وقوله: شهر رمضان قال الفراء: ارتفع على البدل من الصيام، كأن المعنى: كتب عليكم شهر رمضان، وقال الأخفش: ارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، والمعنى: هي شهر رمضان، لأن قوله: شهر رمضان تفسير للأيام المعدودات.
ورمضان لا يتصرف للتعريف وزيادة الألف والنون، مثل عثمان وسعدان، واختلفوا فِي اشتقاقه فقال قوم: هو
[ ١ / ٢٧٥ ]
مأخوذ من الرمض، وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس، والاسم: الرمضاء، والأرض رمضة، وسمي هذا الشهر رمضان لأن وجوب صومه وافق شدة الحر.
وهذا القول حكاه الأصمعي، عن أبي عمرو.
ويحكى عن الخليل، أنه قال: مأخذه من الرمضى، وهو من السحاب والمطر ما كان فِي آخر القيظ وأول الخريف، وسمي هذا الشهر رمضان لأنه يغسل الأبدان من الآثام.
٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّضْرُوِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعْبَةَ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «شَهْرُ رَمَضَانَ سَيِّدُ الشُّهُورِ، وَأَعْظَمُهَا حُرْمَةً ذُو الْحِجَّةِ»
٧٧ - وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ حَمْزَةَ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ أَبُو الرَّبِيعِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمَّا حَضَرَهُ شَهْرُ رَمَضَانَ، قَالَ: "
[ ١ / ٢٧٦ ]
سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا تَسْتَقْبِلُونَ وَمَاذَا يَسْتَقْبِلُكُمْ؟، قَالَهَا ثَلاثًا، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَحْيٌ نَزَلَ، أَوْ عَدُوٌّ حَضَرَ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ لِكُلِّ أَهْلِ هَذِهِ الْقِبْلَةِ "
٧٨ - وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّا، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ، فَقَالَ: " يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِه تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةِ وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ وَشَهْرٌ يُزَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ لَهُ مَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِ، وَعِتْقُ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا يُفْطِرُ الصَّائِمَ، فَقَالَ: يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى مَذْقَةِ لَبَنٍ، أَوْ تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةِ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الْحَوْضِ شَرْبَةً لا يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَوَسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، فَاسْتِكْثُروا فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: خَصْلَتَانِ تُرْضُونَ بِهَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتَانِ لا غِنَى بِكُمْ عَنْهُمَا.
أَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ تُرْضُونَ بِهَا رَبَّكُمْ: فَشَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَتَسْتَغْفِرُونَهُ، وَأَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ لا غِنَى بِكُمْ عَنْهُمَا: فَتَسْأَلُونَ الْجَنَّةَ، وَتَعُوذُونَ مِنَ النَّارِ "
[ ١ / ٢٧٧ ]
٧٩ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدُونٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ نَافِعِ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
٨٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَزْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "
[ ١ / ٢٧٨ ]
أُعْطِيَتْ أُمَّتِي فِي رَمَضَانَ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ قَبْلِي، أَمَّا وَاحِدَةٌ: فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ أَبَدًا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَإِنَّهُمْ يُمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ، وَأَمَّا الرَّابِعَةُ: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ جَنَّتَهُ أَنِ اسْتَعِدِّي وَتَزَيَّنِي لِعِبَادِي، فَيُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُمْ نَصَبُ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا وَيَصِيرُونَ إِلَى جَنَّتِي وَكَرَامَتِي، وَأَمَّا الْخَامِسَةُ: فَإِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ جَمِيعًا، فَقَالَ قَائِلٌ: أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْعُمَّالِ إِذَا فَرَغُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وُفُّوا "
٨١ - أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أَخْبَرَنَا الإِمَامُ: جَدِّي أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنَا يُوسُف بْنُ الْحَكَمِ بْنِ سَعِيدٍ أَبُو عَلِيٍّ الْمَعْرُوفُ بِدُبَيْسٍ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الأَحْمَرُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَوْمُ الصَّائِمِ عِبَادَةٌ، وَصَمْتُهُ تَسْبِيحٌ، وَدُعَاؤُهُ مُسْتَجَابٌ، وَعَمَلُهُ مُضَاعَفٌ»
[ ١ / ٢٧٩ ]
٨٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَيْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَقُولُ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ، فَإِنَّ الصِّيَامَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
وقوله: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥]:
٨٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّضْرُوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَاسِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْغُدَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ وَاثِلَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الإِنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانِي عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ لأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ»
٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ السُّدِّيِّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي
[ ١ / ٢٨٠ ]
الْمُجَالِدِ، عَنْ مِقْسَمٍ قَالَ: قَالَ عَطِيَّةُ الأَزْرَقُ لابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥] و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وَقَدْ أُنْزِلَ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ، فَقَالَ: أَنَّهُ أُنْزِلَ فِي رَمَضَانَ وَفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَفِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَى مَوَاقِعِ النُّجُومِ أَرْسَالا فِي الشُّهُورِ وَالأَيَّامِ
وقوله: هدى للناس أي: هاديا، يعني القرآن، وبينات جمع بينة، يقال: بان الشيء يبين بيانا فهو بين.
مثل: بيع بمعنى: بايع، والبينات: الواضحات.
قال عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٨٥] يريد: من الرشاد إلى مرضاة الله.
والفرقان يريد: فرق فِيهِ بين الحق والباطل، وبين لكم ما تأتون وما تذرون.
قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: حضر، والشهود فِي اللغة: الحضور، ومفعول شهد محذوف، لأن المعنى: فمن شهد منكم البلد أو بيته فِي الشهر، وانتصاب الشهر على الظرف.
قوله: فليصمه قال ابن عباس، وأكثر المفسرين: معناه: فليصم ما شهد منه، لأنه إن سافر فِي خلال الشهر كان له الإفطار.
وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٥] أعاد تخيير المريض والمسافر وترخيصهما فِي الإفطار، لأن الله تعالى ذكر فِي الآية الأولى تخييرَ المقيم والمسافر والمريض، ونسخ فِي الثانية تخيير المقيم بقوله: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فلو اقتصر على هذا احتمل أن يعود النسخ إلى التخير للجميع، فأعاد بعد النسخ ترخيص المسافر والمريض، ليعلم أنه باق على ما
[ ١ / ٢٨١ ]
كان.
وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]: اليسر: السهولة، يقال: تيسر الأمر، إذا سهل ولان.
والمعنى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] بالرخصة للمسافر والمريض، ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لأنه لم يشدد ولم يضيق عليكم، وقال الشعبي: إذا اختلف عليكم أمران، فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق، لأن الله تعالى يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
٨٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَطِيَّةَ الْحَضْرَمِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ سَعِيدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ مِحْجَنِ بْنِ الأَدْرَعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلا فِي الْمَسْجِدِ يُطِيلُ الصَّلاةَ، فَأَتَاهُ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ رَضِيَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الْيُسْرَ، وَكَرِهَ لَهُمُ الْعُسْرَ، قَالَهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَإِنَّ هَذَا أَخَذَ بِالْعُسْرِ وَتَرَكَ الْيُسْرَ»
وقوله ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] يعني: عدة ما أفطرتم إذا أقمتم وبرأتم فصوموا للقضاء بعدد أيام الإفطار بالعذر.
قال الفراء: معنى الآية: ولتكملوا العدة فِي قضاء ما أفطرتم.
والواو واو استئناف، واللام من صلة فعل مضمر بعدها، والتقدير: ولتكملوا العدة شرع الرخصة، ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] أي: وليكون من الموقنين أريناه ذلك.
[ ١ / ٢٨٢ ]
وقرئ ولتكملوا بالتشديد، وفعل وأفعل: يتعاقبان فِي أكثر الأحوال كما ذكرنا فِي وصى وأوصى.
وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] قال ابن عباس: لتعظموا الله على ما أرشدكم له من شرائع الدين، وقال كثير من العلماء: أراد به التكبير ليلة الفطر.
وكان أبو سلمة، وعروة، وسعيد بن المسيب يجهرون بالتكبير ليلة الفطر لقول الله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال زيد بن أسلم فِي هذه الآية: يعني التكبير يوم الفطر.
ولعلكم تشكرون يعني: الرخصة.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴿١٨٦﴾ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿١٨٧﴾﴾ [البقرة: ١٨٦-١٨٧] قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ [البقرة: ١٨٦] الآية، قال الضحاك: سأل بعض الصحابة النبي ﷺ: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وقوله: فإني قريب قال عطاء، عن ابن عباس: قريب من أوليائي وأهل طاعتي.
وقال أهل المعاني: يريد: قربة بالعلم، كما قال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] يريد: بالعلم.
وقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] قال السدي: ما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإما إن عجل له فِي الدنيا، وإما إن ادخر له فِي الآخرة، أو دفع به عنه مكروها.
ويدل على صحة هذا التفسير
٨٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُسْتُمَ الدِّينَوَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، ثَلاثًا، إِلا قَالَ اللَّهُ ﷿: لَبَّيْكَ عَبْدِي فَيُعَجِّلُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ، وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ "
٨٧ - وَمَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، عَنْ جَعْفَرٍ، يَعْنِي: الأَحْمَرَ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
[ ١ / ٢٨٤ ]
قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّا نَدْعُو بِدُعَاءٍ كَثِيرٍ مِنْهُ مَا نَرَى إِجَابَتَهُ وَمِنْهُ مَا لا نَرَى إِجَابَتَهُ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ إِلا اسْتُجِيبَ لَهُ، أَوْ صُرِفَ عَنْهُ مِثْلَهَا سُوءًا، إِذَا لَمْ يَدْعُ بِمَأْثَمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: فَاللَّهُ أَكْثَرُ وَأَطْيَبُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ "
قال ابن الأنباري: أجيب ههنا بمعنى: أسمع، لأنه أخبر عن قربه، وظاهر القرب يدل على السماع، لا على الإجابة، والإجابة قد تكون فِي بعض المواضع بمعنى السماع، لأنها تترتب على السماع، فسمى السماع إجابة، كما تقول: دعوت من لا يجيب.
أي: من لا يسمع قال الشاعر:
منزلة صم صداها وعفت أرسمها إن سئلت لم تجب
أراد: لم تسمع، فنفى الإجابة لأن نفيها يدل على نفي السماع.
وقوله: فليستجيبوا لي أي: فليجيبوني بالطاعة وتصديق الرسل، وأجاب واستجاب بمعنى واحد، وإجابة العبد لله: الطاعة.
وقوله: لعلهم يرشدون ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد، وهو نقيض الغي.
وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال المفسرون: كان الجماع فِي أول فرض الصيام محرما فِي ليالي الصيام، والأكل والشرب بعد العشاء الآخرة، فأحل الله تعالى ذلك كله إلى طلوع الفجر.
[ ١ / ٢٨٥ ]
وقال الوالبي، عن ابن عباس: كان المسلمون فِي شهر رمضان إذا صلوا العشاء الآخرة حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن ناسا من المسلمين أصابوا من الطعام والنساء فِي شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب ﵁، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
والرفث ههنا: كناية عن الجماع، قال ابن عباس: إن الله حيي يكني بما يشاء، إن الرفث واللماس والمباشرة والإفضاء: هو الجماع.
وقال الزجاج: الرفث: كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة.
وقال الأخفش: إنما عداه ب إلى لأنه بمعنى الإفضاء.
وقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] أصل اللباس: ما يلبسه الإنسان مما يواري جسده، ثم المرأة تسمى لباس الرجل، والرجل لباس المرأة، لانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه، حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، فلما كانا يتلابسان عند الجماع سمي كل واحد منهما لباسا للآخر.
قال الربيع: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن.
والمفسرون يقولون: هن سكن لكم وأنتم سكن لهن.
وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
والمعنى: إنكم تلابسونهن، وتخالطونهن بالمساكنة، وهن كذلك، أي: قل ما يصبر أحد الزوجين عن الآخر، فمن فضل الله أن رخص فِي إتيانهن ليالي الصيام.
وقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] يقال: خانه واختانه، إذا لم يف له.
والمعنى: علم الله أنكم كنتم تخونون أنفسكم بالمعصية، أي: لا تؤدون الأمانة فِي الامتناع عن المباشرة، فتاب عليكم أي: عاد عليكم بالرخصة، وعفا عنكم ما فعلتم قبل هذا، فالآن باشروهن: أمر إباحة.
والمباشرة: المجامعة، لتلاصق البشرتين، ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي: اطلبوا ما قضى الله لكم من الولد، وهذا قول أكثر المفسرين.
[ ١ / ٢٨٦ ]
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] أمر إباحة، ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فسر النبي ﷺ هذا ببياض النهار وسواد الليل.
٨٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الأَنْبَارِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنِّي وَضَعْتُ تَحْتَ رَأْسِي خَيْطَيْنِ، فَلَمْ يَتَبَيَّنْ لِي شَيْءٌ، قَالَ «إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْوِسَادِ، إِنَّمَا ذَلِكَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، أَوِ النَّهَارُ وَاللَّيْلُ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ
قال سهل بن سعد: كان الرجل إذا أراد الصوم ربط فِي رجليه خيطين: أسود وأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له زيهما، فأنزل الله ﷿: من الفجر فعلموا أنه يعني: الليل والنهار.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]:
٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ بَطَّةَ، أَخْبَرَنَا الْبَغَوِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاصَلَ بَيْنَ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَةٍ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: قُبِلَتْ مُوَاصَلَتُكَ وَلا تَحِلُّ لأُمَّتِكَ مِنْ بَعْدِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَلا صِيَامَ بَعْدَ اللَّيْلِ "
وقوله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال المفسرون: كان الرجل يخرج من المسجد وهو معتكف فيجامع أهله ثم يعود، فنهوا عن ذلك ما داموا معتكفين، فالجماع يفسد الاعتكاف.
وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أشار إلى الأحكام التي ذكرها فِي هذه الآية، وحدود الله: ما منع الله من مخالفتها، ومعنى الحد فِي اللغة: المنع، ومنه يقال للبواب: حداد.
لمنعه الناس من الدخول إلا بالإذن.
وقوله: فلا تقربوها أي: لا تأتوها، كذلك يبين الله آياته للناس أي: مثل هذا البيان الذي ذكر، لعلهم يتقون لكي يتقوا ما حرم الله ومنع منه.
[ ١ / ٢٨٨ ]
﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، قال ابن عباس: يعني: باليمين الباطلة والكاذبة يقطع الرجل بها مال أخيه المسلم.
والأكل بالباطل على وجهين: أحدهما: أن يكون على جهة الظلم، من نحو الغضب والخيانة والسرقة، والثاني: على جهة الهزء واللعب، كالذي يؤخذ فِي القمار والملاهي ونحو ذلك.
قوله: وتدلوا بها أي: لا تدلوا بأموالكم إلى الحكام أي: لا تصانعوهم بها، ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حقا لغيركم وأنتم تعلمون أنه لا يحل لكم، ومعنى الإدلاء فِي اللغة: إرسال الدلو وإلقاؤها فِي البئر، ومنه قوله تعالى: فأدلى دلوه ثم جعل كلُّ إلقاءِ قولٍ أو فعلٍ إدلاءً.
يقال للمحتج: أدلى بحجته.
كأنه يرسلها إلى مراده إدلاء المستقي الدلو ليصل إلى مطلوبه من الماء، وفلان يدلي إلى الميت بقرابة أو رحم، إذا كان يمت إليه.
فمعنى ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨]: تتقربون وتتوصلون بتلك الأموال إليهم ليحموا لكم، وهو قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ [البقرة: ١٨٨] أي: طائفة، ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة: ١٨٨] قال ابن عباس: باليمين الكاذبة.
وقال غيره: بالباطل، يعني: بأن ترشوا الحاكم ليقضي لكم، وأنتم تعلمون أنكم مبطلون وأنه لا يحل لكم.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] الآية، الأهلة: جمع هلال، وهو غرة القمر حين يراها الناس، سميت هلالا لأن الناس يهلون بذكر الله، ويذكرها، حين يرون، أي: يرفعون أصواتهم.
قال معاذ بن جبل: يا رسول الله، إن اليهود تغشانا، ويكثرون مسألتنا عن الأهلة.
فأنزل الله تعالى هذه الآية.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وقال قتادة: ذكر لنا أنهم سألوا نبي الله ﷺ: لم خلقت هذه الأهلة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] .
أخبر الله تعالى أن الحكمة فِي زيادة القمر ونقصانه زوال الالتباس عن أوقات الناس فِي حجهم وحل ديونهم، وعدد نسائهم، وأجور أجرائهم، ووقت صومهم وإفطارهم.
٩٠ - حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، إِمْلاءً، بِجُرْجَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، حَدَّثَنَا جَدِّي: أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ فَلا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ بِالصِّيَامِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلاثِينَ» .
وَ«الْمَوَاقِيتُ»: جَمْعُ الْمِيقَاتِ، بِمَعْنَى: الْوَقْتِ، كَالْمِيعَادِ بِمَعْنَى: الْوَعْدِ
وقوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] قال عامة المفسرين: كان أهل الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم نقب فِي بيته نقبا من مؤخره، يخرج منه ويدخل، فأعلمهم الله أن ذلك ليس ببر، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ
[ ١ / ٢٩٠ ]
اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩] أي: بر من اتقى مخالفة الله، وأمرهم بترك سنة الجاهلية، فقال: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]
٩١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، وَالْحَوْضِيُّ قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا لا يَدْخُلُونَ مِنْ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَلَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ
واختلفوا فِي البيوت وأخواتها، فقرءوا بضم أولها وكسره، فمن ضم فهو الأصل، لأن فعل يجمع على فعول، ومن كسر فلأجل موافقة الياء، فإن الكسرة أشد موافقة للياء من الضمة، ولا يستقبح ذلك، وإن لم يكن فعل، لأن الحركة إذا كانت للتقريب من الحرف لم تكره، ألا ترى أنه لم يجئ فِي الكلام عند سيبويه على فعل إلا إبل؟ وقد استعملوا هذا البناء بقصد تقريب الحركة من الحرف، نحو قولهم: ماضغ لهم، ورجل ضحك.
وقالوا فِي الفعل: شهد ولعب.
وقالوا، أيضا: شعير ورغيف وشهيد.
وليس فِي الكلام شيء على وزن فعيل.
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ ﴿١٩٠﴾ وَاقْتُلُوهُمْ
[ ١ / ٢٩١ ]
حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴿١٩١﴾ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٩٢﴾ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿١٩٣﴾ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿١٩٤﴾﴾ [البقرة: ١٩٠-١٩٤] وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] قال الربيع وابن زيد: هذه أول آية نزلت في القتال، فلما نزلت كان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه.
ولا تعتدوا أي: لا تبدءوهم ولا تفجئوهم بالقتال قبل تقديم الدعوة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] وقال ابن عباس: لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ والكبير ولا من ألقى إليكم السلم وكف يده، فإن فعلتم ذلك فقد اعتديتم.
قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] أي: حيث وجدتموهم وأخذتموهم، يقال: ثقفنا فلانا في موضع كذا.
أي: أخذناه، قال الفراء: ثقف يثقف ثقفا وثقفا.
﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] يعني مكة، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] وشركهم بالله أعظم من قتلكم إياهم، ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] نهوا عن ابتدائهم بقتل أو قتال في الحرم حتى يبتدئ المشركون، ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١] أن يقتلوا حيثما وجدوا.
فإن انتهوا عن الكفر وأسلموا، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٢] يغفر ما كان في شركهم إذا أسلموا.
قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] أي: شرك، يعني: قاتلوهم حتى يسلموا، فليس يقبل من المشرك الوثني جزية، ويكون الدين الطاعة والعبادة، لله وحده، فلا يعبد دونه شيء، فإن انتهوا من الكفر، فلا عدوان أي: لا نهب ولا قتل ولا استرقاق، ﴿إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] الكافرين الذين وضعوا العبادة في غير موضعها، وسمى ما عليهم عدوانا لأن ما يكون منهم من الكفر عدوان، فسمى جزاء ذلك عدوانا كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] .
[ ١ / ٢٩٢ ]
وقوله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٤] قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: إن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في مثله، قال الزجاج: معناه: قتال الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام.
﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] قال ابن عباس: يريد: إن انتهكوا لكم حرمة فانتهكوا منهم مثل ذلك.
أعلم الله أن أمر هذه الحرمات قصاص لا يكون للمسلمين أن ينتهكوها على سبيل الاعتداء، ولكن على سبيل القصاص، كقوله: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] ويدل على هذا المعنى قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] أي: ظلم فقاتل، ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] أي: جاوزه باعتدائه وقاتلوه، فسمى الثاني اعتداء لأنه مجازاة اعتداء، واتقوا الله بطاعته واجتناب معاصيه، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] بالعون والنصرة.
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥] كل ما أمر الله به من الخير فهو في سبيل الله وأكثر ما يستعمل في الجهاد، لأنه السبيل الذي يقاتل فيه.
قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] الباء في بأيديكم: زائدة، يقال لكل من أخذ في عمل: قد ألقى يديه إليه وفيه.
ومنه قول لبيد:
حتى إذا ألقت يدا في كافر
يعني: الشمس إذا بدأت في المغيب.
والتهلكة: الهلاك، يقال: هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة.
ومعنى الهلاك: الضياع، وهو مصير الشيء بحيث لا يدرى أين هو، والمعنى: ولا تقربوا مما يهلككم، لأن من ألقى يده إلى الشيء فقد قرب منه.
وهذا مبالغة في الزجر، وتأكيد في النهي، وكأنه المعنى: لا تقربوا من ترك الإنفاق في سبيل الله، أي: لا تمسكوا ولا تبخلوا، وهذا نهي عن ترك النفقة في الجهاد.
[ ١ / ٢٩٣ ]
قال ابن عباس: أنفق في سبيل الله وإن لم يكن إلا سهم أو مشقص، ولا يقولن أحدكم: لا أجد شيئا.
وقال السدي: أنفق في سبيل الله ولو عقالا، ولا تقل ليس عندي شيء.
قال الزجاج: معناه: إنكم إن لم تنفقوا في سبيل الله هلكتم بالمعصية، وجائز أن يكون: هلكتم بِتَقَوِّي عدوِّكم عليكم.
وقال أبو أيوب الأنصاري: إنها نزلت فينا معشر الأنصار لما أعز الله دينه ونصر رسوله، قلنا: لو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وعلى هذا، معنى الآية: لا تتركوا الجهاد فتهلكوا، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] قال ابن عباس: أحسنوا الظن بالله، فإنه يضاعف الثواب، ويخلف لكم النفقة.
وعلى قول أبي أيوب، معنى وأحسنوا: أي: جاهدوا في سبيل الله، والمجاهد: محسن.
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿١٩٦﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ ﴿١٩٧﴾﴾ [البقرة: ١٩٦-١٩٧] قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال ابن عباس ومجاهد: أتموهما بمناسكهما وحدودهما وسننهما،
[ ١ / ٢٩٤ ]
وتأدية كل ما فيهما.
وقال علي وابن مسعود: إتمامهما: أن تحرم بهما من دويرة أهلك مؤتنفين.
والعمرة واجبة في قول علي، وابن عباس، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال ابن عباس: والله إن العمرة لقرينة الحج في كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّوْسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ كَوُجُوبِ الْحَجِّ، وَهُوَ الْحَجُّ الأَصْغَرُ
٩٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ رُسْتُمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو يَحْيَى الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ:
[ ١ / ٢٩٥ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَرِيضَتَانِ، لا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِمَا بَدَأْت»
٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَاوَرْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: قَالَ: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ وَاجِبَتَانِ»
٩٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُحَمَّدَابَاذِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْعُمْرَتَانِ تُكَفِّرَانِ مَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةَ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ
[ ١ / ٢٩٦ ]
٩٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَتَّابٍ سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»
وقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: حبستم ومنعتم عن إتمام الحج.
وأصل الحصر والإحصار: الحبس، يقال: من حصرك ههنا، ومن أحصرك؟ وكل من أحرم بحج أو عمرة وجب عليه الإتمام، فإن أحصره عدو أو سلطان نحر هديا لإحصاره حيث أحصر، وحل من إحرامه، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال ابن عباس، وقتادة: أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأدناه شاة، فعليه ما تيسر من هذه الأجناس.
والهدي: ما يهدى إلى بيت الله، جمع هدية، هذه لغة أهل الحجاز، وتيم تقول: هدية وهدى.
مثل:
[ ١ / ٢٩٧ ]
مطية ومطى، بالتشديد، قال الفرزدق:
حلفت برب مكة والمصلى وأعناق الهدي مقلدات
وقوله: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: لا تتحللوا من إحرامكم حتى ينحر الهدي، ومحله: حيث يحل ذبحه ونحره.
وهكذا فعل النبي ﷺ وأصحابه حين صدوا عن البيت، نحروا هديهم بالحديبية، والحديبية ليست من الحرم.
وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] المحرم إذا تأذى بهوام رأسه أو بالمرض أبيح له الحلق والمداواة، بشرط الفدية، وهو قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهو صيام ثلاثة أيام، يصوم حيث شاء، أو صدقة وهو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مدان، أو نسك جمع نسيكة وهي الذبيحة، أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدناها شاة، وهذه الفدية على التخيير، أيها شاء فعل كما دل عليه ظاهر الآية.
٩٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَصْفَهَانِيُّ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ:
[ ١ / ٢٩٨ ]
قَعَدْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] قَالَ: حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: " مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ هَذَا، أَمَا تَجِدُ شَاةً؟ فَقُلْتُ: لا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] قَالَ: صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ " فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَلَكُمْ عَامَّةً، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فِي التَّفْسِيرِ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، وَآدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ
وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال ابن عباس: أي: من العدو، أو كان حج ليس فيه عدو، ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو أن يقدم مكة محرما فيعتمر في أشهر الحج، ثم يقيم حلالا بمكة حتى ينشئ منها الحج، فيحج من عامه ذلك، ويكون مستمتعا بمحظورات الإحرام، لأنه حل بالعمرة إلى حرامه بالحج، فإذا فعل ذلك وجب عليه دم وهو قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فإن كان معسرا فعليه صوم عشرة أيام وهو قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: في أشهر الحج، يصوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر، إن شاء متفرقة، وإن شاء متتابعة، وقوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] له أن يصومها بعد الفراغ من الحج أين شاء ومتى شاء، ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] يعني: الثلاثة والسبعة، وهذا ذكرى على طريق التأكيد، كقول الفرزدق:
ثلاث واثنتان فهن خمس
وقوله: ذَلِكَ أي: ذلك الفرض الذي أمرنا به من الهدي والصيام، ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ
[ ١ / ٢٩٩ ]
الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: لمن كان من الغرباء من غير أهل مكة.
قال الفراء: واللام في قوله: لمن معناها: على، وذكر الله تعالى حضور الأهل والمراد به حضور المحرم، ولكن الغالب أن يسكن الرجل حيث أهله ساكنون، وكل من كانت داره على مسافة لا يقصر إليها الصلاة فهو من حاضري المسجد الحرام لأنه يقرب من مكة.
وقوله: واتقوا الله قال ابن عباس: يريد: فيما افترضه عليكم، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦] لمن تهاون بحدوده.
وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] تقدير الآية: أشهر الحج أشهر معلومات، وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
قال ابن عباس: جعلهن الله سبحانه للحج، فلا يصلح لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن أحرم في غير أشهر الحج انعقد إحرامه عمرة.
وسمى الله تعالى شهرين وبعض الثالث أشهرا، لأن العرب توقع لفظ الجمع على الاثنين، كقوله تعالى: أولئك مبرءون يعني: عائشة وصفوان، قال: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] يعني: داود وسليمان، وقال: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وقال الشاعر:
ظهراهما مثل ظهور الترسين
[ ١ / ٣٠٠ ]
وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي: من أوجب على نفسه الحج بالإحرام والتلبية، فلا رفث قال المفسرون: لا جماع.
ولا فسوق يعني: المعاصي كلها، ﴿وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] هو أن يجادل صاحبه ويماريه حتى يغضبه، نهي المحرم عن هذا، وذكرنا وجه انتصاب قوله: فلا رفث عند قوله: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] .
ومن قرأ بالرفع شبه لا بليس كقول الشاعر:
من صد عن نيرانها فأنا ابن قيس لا براح
ولم يختلفوا في نصب ولا جدال وذلك أن معنى الأولين: النهي، كأنه قال: لا ترفثوا ولا تفسقوا.
ومعنى الثالث: الخبر، لأن معناه: لا جدال في أن الحج في ذي الحجة، وهذا قول مجاهد، وأبي عبيدة، قالا: معناه: ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة، إبطالا للنسيء الذي كان يفعله أهل الجاهلية، وأرادوا الفرق بين اللفظين، ليكون مخالفة ما بينهما في اللفظ كمخالفة ما بينهما في المعنى.
٩٨ - حَدَّثَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، إِمْلاءً فِي مَسْجِدِ عَقِيلٍ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ،
[ ١ / ٣٠١ ]
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ فَرَجَعَ كَانَ كَمَنْ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ
وقوله ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] وفي هذا حث على فعل الخير، وإخبار أن الله تعالى ليس بغافل عن فعلهم، فهو مجازيهم بذلك.
قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]
٩٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]
[ ١ / ٣٠٢ ]
قال المفسرون: نزلت في ناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد، ويقولون: نحن متوكلون.
ثم كانوا يسألون الناس، وربما ظلموهم وغصبوهم، فأمرهم الله أن يتزودوا فقال: وتزودوا.
قال سعيد بن جبير: يعني: الكعك والسويق، ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] يعني: ما تكفون به وجوهكم عن سؤال، وأنفسكم عن الظلم، فهذا نوع تقوى.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴿١٩٨﴾ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٩٩﴾﴾ [البقرة: ١٩٨-١٩٩] قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] قال أبو أمامة التيمي: سألت ابن عمر فقلت: إنا قوم نكري في هذا الوجه، وإن قوما يزعمون أنه لا حج لنا.
قال: ألستم تلبون، ألستم تطوفون، ألستم ألستم؟ قلت: بلى.
قال: إن رجلا سأل النبي ﷺ عما سألت عنه، فلم يدر ما يرد عليه حتى نزلت ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] .
وقال ابن عباس: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فلما كان الإسلام كأنهم تأثموا أن
[ ١ / ٣٠٣ ]
يتجروا في الحج، فسألوا رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج، وكذلك كان يقرؤها ابن عباس.
قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] معنى الإفاضة في اللغة: دفع الشيء حتى يتفرق، ومعنى أفضتم: دفعتم بكثرة، يعني دفع بعضكم بعضا، لأن الناس إذا انصرفوا مزدحمين دفع بعضهم بعضا.
وعرفات: اسم لبقعة معروفة، قال عطاء: إن جبريل كان يري إبراهيم المناسك، فيقول: عرفت عرفت.
فسميت عرفات.
وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٨] بالدعاء والتلبية، ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] يعني المزدلفة، سميت مشعرا لأنه معلم للحج، والصلاة، والمقام، والمبيت به، والدعاء عنده من سنن الحج، ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] أي: اذكروه ذكرا مثل هدايته إياكم، أي: يكون جزاء لهدايته.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] وما كنتم من قبل هداه إلا ضالين، وقال سفيان الثوري: من قبله يعني: من قبل القرآن، ذكر الله منته عليهم بالهدى والقرآن.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] ذكرنا معنى الإفاضة.
وقال عامة المفسرين: كانت الحمس لا يخرجون من الحرم إلى عرفات، إنما يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن أهل الله وسكان حرمه، فلا نخرج من الحرم ولسنا كسائر الناس.
فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات كما يقف سائر الناس حتى تكون الإفاضة معهم منها.
والناس في هذه الآية: هم العرب كلها غير الحمس.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وقال قتادة: كانت قريش وكل ابن أخت وحليف لهم لا يفيضون من الناس من عرفات، إنما يفيضون من المغمس، وكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله فلا نخرج من حرمه.
فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس من عرفات.
١٠٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ بُهْلُولٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْكِنَانَةِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ لأُمَّتِهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَأَكْثَرَ الدُّعَاءَ، فَأَجَابَهُ: قَدْ فَعَلْتُ، إِلا ظُلْمَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَأَمَّا ذُنُوبُهُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَقَدْ غَفَرْتُهَا، فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَنْتَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ تُثِيبَ هَذَا الْمَظْلُومَ خَيْرًا مِنْ مَظْلَمَتِهِ، وَتَغْفِرَ لِهَذَا الظَّالِمِ، فَلَمْ يُجِبْهُ تِلْكَ الْعَشِيَّةَ، فَلَمَّا كَانَ غَدَاةُ الْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ عَلَيْهِ الدُّعَاءَ، فَأَجَابَهُ: أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: تَبَسَّمْتَ فِي سَاعَةٍ لَمْ تَكُنْ تَتَبَسَّمُ فِيهَا، فَقَالَ: تَبَسَّمْتُ مِنْ عَدُوِّ اللَّهِ إِبْلِيسَ، إِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ لِي فِي أُمَّتِي أَهْوَى يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَيَحْثُو التُّرَابِ عَلَى رَأْسِهِ "
[ ١ / ٣٠٥ ]
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ﴿٢٠٠﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿٢٠١﴾ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٢٠٢﴾ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٢٠٣﴾﴾ [البقرة: ٢٠٠-٢٠٣] قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أي: أديتم وفرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] قال جماعة من المفسرين: كانت العرب إذا فرغوا من حجهم ذكروا مآثر آبائهم ومفاخرهم، فأمرهم الله ﷿ بذكره، فقال: فاذكروني، فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم، وأحسنت إليكم وإليهم.
وقوله: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] يعني: وأشد، أي: وأبلغ مما تذكرون آباءكم وأتم.
وقال السدي: كانت العرب إذا قضت مناسكها، أي: فرغت من إراقة الدماء، قاموا بمنى، فيقوم الرجل فيقول: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القبة كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيت أبي.
ليس يذكر الله، إنما يذكر أباه ويسأل أن يعطى في الدنيا.
وهو قوله: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٠] قال ابن عباس: هم المشركون، كانوا يسألون المال من الإبل والغنم، وكانوا يقولون: اللهم اسقنا المطر وأعطنا على عدونا الظفر.
ولا يسألون حظا في الآخرة لأنهم
[ ١ / ٣٠٦ ]
كانوا غير مؤمنين بالآخرة، وذلك قوله: ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أي: حظ ونصيب.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ [البقرة: ٢٠١] الآية، هؤلاء المسلمون يسألون الحظ في الدنيا والآخرة، قال عطاء، عن ابن عباس: لما أمر رسول الله ﷺ أبا بكر على الموسم عام الفتح، وبعث عليا بفاتحة ﴿[براءة، كان أول من قال:] رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة: ٢٠١] أبو بكر ﵁، ثم اتبعه علي والناس أجمعون.
قال الحسن: الحسنة في هذه الآية: العلم والعبادة في الدنيا، والجنة في الآخرة.
وقال علي بن أبي طالب: الحسنة في الدنيا: المرأة الصالحة، وفي الآخرة: الجنة.
وروى أبو الدرداء: أن رسول الله ﷺ قال: «من أوتي في الدنيا قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة مؤمنة تعينه على أمر دنياه وآخرته فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقي عذاب النار» .
١٠١ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَادَ رَجُلا قَدْ صَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ: هَلْ دَعَوْتَ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحَانَ اللَّهِ لا طَاقَةَ لَكَ بِعَذَابِ اللَّهِ، ثَلاثًا، هَلا قُلْتَ: اللَّهُمَّ ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]؟، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ عَفَّانَ، عن حَمَّادٍ
١٠٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
[ ١ / ٣٠٧ ]
إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ: اللَّهُمَّ ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]
قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] قال ابن عباس: يريد: ثواب ما عملوا.
وقال الزجاج: أي: دعاؤهم مستجاب، لأن كسبهم، ههنا، الدعاء.
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢]: سريع: فاعل من السرعة: يقال: سرع يسرع سرعا وسرعة فهو سريع.
والحساب: مصدر كالمحاسبة.
قال ابن عباس: يريد أنه لا حساب على هؤلاء، إنما يعطون كتبهم بأيمانهم، فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزتها عنكم، وهذه حسناتكم قد ضعفتها لكم.
وقال ابن الأنباري: معناه: سريع المجازاة للعباد على أعمالهم، وإن كان قد أمهلهم مدة من الدهر، فإن وقت الجزاء عنده قريب.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] يعني: أيام التشريق، أيام منى ورمي الجمار، سماها معدودات لقلتها، كقوله: دراهم معدودة وهي ثلاثة أيام بعد النحر، أولها: يوم القر، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة يستقر فيه بمنى، والثاني: يوم النفر الأول، لأن الناس ينفرون في هذا اليوم من منى، والثالث: هو يوم الثالث عشر، وهو يوم النفر الثاني، وهذه الأيام الثلاثة من يوم النحر كلها أيام النحر وأيام رمي
[ ١ / ٣٠٨ ]
الجمار، وهذه الأيام الأربعة مع يوم عرفة: أيام التكبير أدبار الصلوات، يبتدأ مع الصبح يوم عرفة، ويختم مع العصر يوم الثالث عشر.
والمراد بالذكر في هذه الأيام: التكبير أدبار الصلوات، وعند الجمرات يكبر عند كل حصاة.
١٠٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ السَّمَّاكِ، حَدَّثَنَا أَبُو قِلابَةَ، حَدَّثَنَا نَايِلُ بْنُ نَجِيحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ يُقْبِلُ عَلَى أَصْحَابِهِ فَيَقُولُ: عَلَى مَكَانِكُمْ، وَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَللَّهِ الْحَمْدُ، وَيُكَبِّرُ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ إِلَى صَلاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
وقوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] قال ابن عباس: يقول: من نفر من منى في يومين بعد النحر.
﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فلا حرج، يعني: من تأخر عن النفر إلى اليوم الثالث حتى نفر فيه، ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] في تأخره،
[ ١ / ٣٠٩ ]
وقوله: لمن اتقى أي: طرح المأثم عن المتعجل والمتأخر يكون إذا اتقيا في حجهما تضييع شيء مما حده الله وأمر به، حتى لا يظن أن من تعجل أو تأخر خرج عن الآثام دون أن تبقى.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴿٢٠٤﴾ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴿٢٠٥﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿٢٠٦﴾﴾ [البقرة: ٢٠٤-٢٠٦] قوله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤] نزلت هذه الآية واللتان بعدها في الأخنس بن شريق، وكان حلو الكلام، حلو المنظر، يأتي رسول الله ﷺ فيجالسه ويظهر الإسلام، ويخبره أنه يحبه، وكان يعجب النبي ﷺ كلامه.
قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] كان يقول للنبي ﷺ: والله إني بك مؤمن ولك محب.
يحلف بالله ويشهده على أنه مضمر ما يقول، وهو كاذب في ذلك، ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] الألد: الشديد الخصومة، يقال: لددت، فأنت تلد لددا ولدادة.
والخصام: مصدر كالمخاصمة.
قال ابن عباس: يريد أنه يدع الحق ويخاصم في الباطل.
قوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ [البقرة: ٢٠٥] أي: أعرض وأدبر، ﴿سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] وذلك أنه انصرف من بدر ببني زهرة راجعا إلى مكة، وكان بينه وبين ثقيف خصومة، فبيتهم ليلا، وأهلك مواشيهم، وأحرق زرعهم، قال السدي: مر بزرع للمسلمين وحمر، فأحرق الزرع وعقر الحمر.
وقال الضحاك، ومجاهد: تولى بمعنى: تملك ووليَ وصار واليا، ومعناه: إذا ولي سلطانا جار.
[ ١ / ٣١٠ ]
وأراد بالحرث: الزرع والنبات، وبالنسل: نسل الدواب، على ما روي أنه أهلك المواشي وأحرق الزرع.
﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] قال الكلبي، عن ابن عباس: لا يرضى بالفساد والعمل بالمعاصي.
وذكر في تفسير الفساد ههنا: الخراب، وقطع الدراهم، وشق الثياب، لا على وجه المصلحة.
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٦] وذلك أن رسول الله ﷺ دعاه إلى إجابة الله في ظاهره وباطنه، فدعاه الأنفة والكبر إلى الإثم والظلم، وهو قوله: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] معنى العزة ههنا: المنعة والقوة.
قال قتادة: إذا قيل له: مهلا مهلا.
ازداد إقداما على المعصية.
والمعنى: حملته العزة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم، فحسبه جهنم كافيه الجحيم جزاء له وعذابا، يقال: حسبك كذا.
أي: كفاك.
وحسبنا الله: أي: كافينا الله، قال امرؤ القيس:
وحسبك من غنى شبع وري
أي: يكفيك الشبع والري.
ولبئس المهاد جهنم، على معنى: بئس الموضع وبئس المقر، والمهاد: جمع المهد، وهو الموضع المهيأ للنوم.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٠٧] الآية، قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجرا نحو
[ ١ / ٣١١ ]
النبي ﷺ فأتبعه نفر من قريش من المشركين، فنزل عن راحلته، ونثر ما في كنانته، وأخذ قوسه ثم قال: يا معشر قريش، إني من أرماكم رجلا، وايم الله، لا تصلون إلي حتى أرمي ما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم.
فقالوا: دلنا على بيتك ومالك بمكة ونخلي عنك، وعاهدوه إن دلهم أن يدعوه ففعل، فلما قدم على النبي ﷺ، قال: «أبا يحيى، ربح البيع، ربح البيع أبا يحيى» .
وأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] والشرى: من الأضداد، يقال: شرى، إذا باع.
وشرى: إذا اشترى، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أي: باعوه.
ومعنى بيع النفس ههنا: بذلها لأوامر الله وما يرضاه.
ونصب ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] على المفعول له، أي: لابتغاء مرضات الله ثم نزع اللام منه، والمرضاة: الرضا، يقال: رضي رضا ومرضاة.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٢٠٨﴾ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٠٩﴾ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴿٢١٠﴾﴾ [البقرة: ٢٠٨-٢١٠] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] قال المفسرون: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي ﷺ قاموا بشرائعه وشرائع موسى، فعظموا السبت، وكرهوا لحم الإبل وألبانها بعدما أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: إنا نقوى على هذا وعلى هذا.
فقالوا للنبي ﷺ: إن
[ ١ / ٣١٢ ]
التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها في صلاتنا.
فأنزل الله هذه الآية.
والسلم بكسر السين: الإسلام، وهو اسم جعل بمنزلة المصدر، كالعطاء من أعطيت، والنبات من أنبت، والفتح لغة، ويجوز أن يكون بالفتح والكسر: الصلح، والمراد بالصلح: الإسلام، لأن الإسلام صلح، ألا ترى أن القتال من أهله موضوع، وأنهم أهل اعتقاد واحد ويد واحدة في نصرة بعضهم لبعض؟ فسمي الإسلام صلحا لما ذكرنا.
وقوله: كافة الكافة: اسم للجملة الجامعة لأنها تمنع من الشذوذ والتفرق، والمعنى: ادخلوا في شرائع الإسلام جملة مانعة من شريعة لم تدخلوا فيها.
والكافة في اللغة: الحاجزة المانعة، يقال: كففت فلانا عن السوء فكف يكف كفا.
سواء لفظ اللازم والمجاوز، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ٢٠٨] آثاره ونزعاته فيما زين لكم من تحريم السبت ولحم الجمل، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨] ظاهر العداوة، أخرج أباكم من الجنة وقال: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢] .
وقوله: فإن زللتم يقال: زلت قدمه تزل زللا وزلا وزليلا، إذا دحضت.
ومعنى زللتم: تنحيتم عن القصد والشرائع في تحريم السبت ولحوم الإبل، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٠٩] يعني القرآن ومواعظه، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] في انتقامه، لا تعجزونه، حكيم فيما شرع لكم من دينه.
قوله: هل ينظرون الآية، هل ههنا: استفهام يراد به النفي والإنكار، كما يقال: هل يفعل هذا إلا مائق؟ ! أي: ما يفعل، وينظرون بمعنى: ينتظرون، يقال: نظرته، وانتظرته.
ومنه قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، وقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]، والمعنى: ما ينتظر التاركون الدخول في السلم والمتبعون خطوات الشيطان إلا العذاب يوم القيامة؟ ! يريد: أنه لا ثواب، لهم فلا ينتظرون إلا العذاب، وهو قوله: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] أي: يأتيهم عذاب الله، أو أمر الله، فحذف المضاف، ومثل هذا قوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] أي: عذاب الله.
[ ١ / ٣١٣ ]
وقوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] الظلل: جمع ظلة مثل: حلة وحلل، وهي ما يستظل به من الشمس، ويسمى السحاب ظلة لأنه يستظل بها، ومنه قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩] أراد: غيما تحته سموم، والمعنى: أن العذاب يأتي فيها ويكون أهول، وقوله: والملائكة يعني: الذين وكلوا بتعذيبهم، وقضي الأمر أي: فرغ لهم مما يوعدون به بأن قدر ذلك عليهم وأعد لهم، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠] أي: في الجزاء من الثواب والعقاب، وذلك أن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم، ثم إليه يصيرون، فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء، وهذا كقوله: ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] وقرئ ترجع الأمور بضم التاء وفتح الجيم، أي: ترد إليه الأمور.
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ٢١١] قوله: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] معنى السؤال ههنا: تبكيت للمسئول عنه وتقريع له، لا تعرف منه، كما يقال: سله كم أنعمت عليه فكفر نعمتي؟ كذلك هؤلاء، أنعم الله عليهم نعما، فلق البحر لهم، وأنجاهم من عدوهم، وأنزل عليهم المن والسلوى فكفروا بهذه النعم حين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ ولم يبينوا نعته، ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾ [البقرة: ٢١١] التبديل: تصيير الشيء على غير ما كان عليه، يريد: من يجعلها نقمة بالكفران وترك الشكر لها، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ٢١١] يعني: لمن فعل ذلك، والعقاب: عذاب يعقب الجرم.
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] قوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢] فهي همهم وطلبتهم ونيتهم، فهم لا يريدون غيرها، كقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩]، وإنما قيل: زين على التذكير لأن الحياة مصدر، فذهب إلى تذكير المصدر كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهذا قول الفراء، وقال الزجاج: تأنيث الحياة ليس بحقيقي، لأن معنى الحياة والبقاء والعيش واحد.
[ ١ / ٣١٤ ]
قوله: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٢] أي: يسخرون من فقراء المؤمنين ويعيرونهم بالفقر، ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [البقرة: ٢١٢] الشرك، وهم هؤلاء الفقراء، ﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢] لأنهم في الجنة وهي عالية، والكافرين في النار وهي هاوية، ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] قال ابن عباس: يريد: أن أموال قريظة والنضير تصير إليهم بغير حساب ولا قتال، بأسهل شيء وأيسره.
وقال مقاتل: يرزق من يشاء حين بسط للكافرين وقتر على المؤمنين، بغير حساب يعني: ليس فوقه من يحاسبه، فهو الملك يعطي من يشاء بغير حساب، وهذا معنى قول الحسن، لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] لا يسأل عما يفعل.
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٢١٣﴾ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴿٢١٤﴾﴾ [البقرة: ٢١٣-٢١٤] قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] قال ابن عباس: يعني: على عهد إبراهيم كفارا كلهم.
وقال الحسن، وعطاء: كان الناس بعد وفاة آدم إلى مبعث نوح، أمة واحدة على ملة واحدة وهي الكفر، كانوا
[ ١ / ٣١٥ ]
كفارا كلهم أمثال البهائم، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] نوحا وإبراهيم وغيرهما من النبيين، ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٢١٣] يعني الكتب، والكتاب: اسم جنس أريد به الجمع، بالحق يريد: بالعدل والصدق، ليحكم أي: الكتاب، بين الناس بما فيه من البيان، ﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] من الأحكام، ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] الكناية راجعة إلى الكتاب، والمراد بالكتاب المختلف فيه: التوراة.
قوله: ﴿إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ [البقرة: ٢١٣] يعني: اليهود، واختلافهم في التوراة: تبديل بعضهم وتحريفهم، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢١٣] الدلالات الواضحات في شأن محمد ﷺ وصحة نبوته، بغيا بينهم حسدا منهم وطلبا للرياسة، ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] أي: إلى ما اختلفوا فيه، من الحق والمعنى: لمعرفة ما اختلفوا فيه، يقال: هديته إلى الشيء، وللشيء.
قال ابن زيد: اختلفوا في القبلة، فصلت اليهود إلى بيت المقدس، وصلت النصارى إلى المشرق، فهدانا الله للكعبة، واختلفوا في الصيام، وهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في يوم الجمعة، فأخذت اليهود السبت، والنصارى الأحد فهدانا الله له.
واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديا.
وقالت النصارى: كان نصرانيا.
فهدانا الله تعالى للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى فجعلته اليهودية لفرية، وجعلته النصارى ربا، فهدانا الله ﷿ من ذلك.
١٠٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَسْرُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] قَالَ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى»
[ ١ / ٣١٦ ]
وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] أي: بعلمه وإرادته فيهم، قال ابن عباس: يريد: كان في قضائي وقدري.
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية، قال عطاء، عن ابن عباس: لما دخل رسول الله ﷺ المدينة اشتد الضر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿ تطييبا لقلوبهم: أم حسبتم.
معناه: بل أحسبتم؟ ﴿أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] أي: ولم يأتكم، وما صلة، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٢١٤] أي: شبه الذين، خلوا مضوا، من قبلكم من النبيين والمؤمنين، وفي الكلام حذف تقديره: مثل محنة الذين، أو مثل مصيبة الذين من قبلكم، والمثل والمثل: واحد.
ثم ذكر ما أصابهم فقال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] قال عطاء: يريد: الفقر الشديد، والضراء المرض والجوع، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤]: حركوا بأنواع البلايا والرزايا، ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] إلى أن يقول الرسول، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]؟ أي: بلغ منهم الجهد إلى أن استبطئوا النصر، فقال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] أي: أنا ناصر أوليائي لا محالة، ونصري قريب منهم.
وقرئ حتى يقولُ الرسول رفعا، كما تقول: سرت حتى أدخلها.
بمعنى: سرت فأدخلها، بمنزلة: سرت فدخلتها، وحتى ههنا مما لا يعمل في الفعل شيئا، لأنها تلي الجمل، تقول: سرت حتى إني كال، وكقول الفرزدق:
فيا عجبا حتى كليب تسبني
[ ١ / ٣١٧ ]
فعملها في الجمل يكون في معناها، لا في لفظها، وعلى هذا وجه الآية.
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥] قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥] قال الكلبي، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عمرو بن الجموح الأنصاري، وكان شيخا كبيرا، وعنده مال عظيم فقال: ماذا ننفق من أموالنا، وأين نضعها؟ فنزلت هذه الآية.
وقوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥] إلى قوله: وما تفعلوا قال ابن الأنباري: إن عمرو بن الجموح سأل رسول الله ﷺ عن الصدقة، أين يخص بها عند موته؟ فأنزل الله هذه الآية؟ فلما نزلت آية المواريث نسخت من هذه الآية التصدق على الوالدين.
ويقال: إن الإنفاق في هذه الآية لا يراد به الصدقة عند الموت، إنما يراد به النفع في الدنيا، والإيثار بما يتقرب به الإنسان إلى الله تعالى، فأخبر الله تعالى أن من قصد ذلك ينبغي له أن يبر بذلك المذكورين في هذه الآية.
وعلى هذا: الآية محكمة لم ينسخ منها شيء، وهذا معنى قول مقاتل بن حيان، وقال كثير من أهل التفسير: هذا كان قبل فرض الزكاة، فلما فرضت الزكاة بالآية التي في البراءة.
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥] أي أنه يحصيه ويجازي عليه.
[ ١ / ٣١٨ ]
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴿٢١٦﴾ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢١٧﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢١٨﴾﴾ [البقرة: ٢١٦-٢١٨] قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] قال عطاء: يعني بهذا أصحابَ رسول الله ﷺ خاصة، لأن القتال مع النبي ﷺ كان فريضة، وما كان يجوز القعود عنه إذا خرج لجهاد عدو.
والإجماع اليوم على أنه من فروض الكفاية.
وقوله: وهو أي: القتال، كره لكم قال الفراء: الكره: المشقة، قمت على كره، أي: على مشقة، والكره بفتح الكاف: الإجبار، يقال: أقامني على كره، إذا أكرهك عليه.
ولهذا المعنى لم يقرأ، ههنا، كره بالفتح كما قرئ في سائر المواضع بالضم والفتح، لأن المشقة ههنا أليق من الإجبار، وهذا الكره من حيث المشقة الداخلة على النفس وعلى المال من المئونة، لا أنهم كانوا يكرهون فرض الله.
وقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] لأن في الغزو إحدى الحسنيين، إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة، ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢١٦] يعني: التعود على الغزو، ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر.
وقال ابن عباس: كنت ردف النبي ﷺ، فقال: «يابن عباس، ارض عن الله بما قدر، وإن كان خلاف هواك، إنه لمثبت في كتاب الله ﷿» .
فقلت: يا رسول الله، أين وقد قرأت القرآن؟ فقال " ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
[ ١ / ٣١٩ ]
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] أي: يعلم ما فيه مصالحكم ومنافعكم، فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم.
قوله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية:
١٠٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، قُلْتُ: حَدَّثَكُمْ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرَوَيْهِ الْهَرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ الْجَرْكَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ الأَسَدِيَّ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى هَبَطُوا نَخْلَةً، فَوَجَدُوا بِهَا عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فِي عِيرِ تِجَارَةٍ لِقُرَيْشٍ، فِي يَوْمٍ بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَاخْتَصَمَ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: غُرَّةُ هَذِهِ مِنْ عَدُوٍّ وَغُنْمٍ رُزِقْتُمُوهُ، وَلا نَدْرِي أَمِنَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ هَذَا الْيَوْمُ أَمْ لا؟ وَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: لا نُسَلِّمُ هَذَا الْيَوْمَ إِلا مِنَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَلا نَرَى أَنْ تَسْتَحِلُّوهُ لِطَمَعٍ أَشْفَيْتُمْ عَلَيْهِ، فَغَلَبَ عَلَى الأَمْرِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا، فَشَدَّوْا عَلَى ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَقَتَلُوهُ وَغَنِمُوا عِيرَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَكَانَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، فَرَكِبَ وَفْدٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: أَيَحِلُّ الْقِتَالُ فِي شَهْرِ الْحَرَامِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
[ ١ / ٣٢٠ ]
فَحَدَّثَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: أَنَّ الْقِتَالَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَأَنَّ الَّذِي يَسْتَحِلُّونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، مِنْ صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ حِينَ يَسْجِنُونَهُمْ وَيُعَذِّبُونَهُمْ وَيَحْبِسُونَهُمْ أَنْ يُهَاجِرُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَصَدِّ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالصَّلاةِ فِيهِ، وَإِخْرَاجِهِمْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْهُ، وَهُوَ سُكَّانُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِتْنَتُهُمْ إِيَّاهُمْ عَنِ الدِّينِ.
فَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَلَ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ، وَحَرَّمَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، كَمَا كَانَ يُحَرِّمُهُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]
فقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] يعني: أهل الشرك يسألون عن ذلك على جهة العيب للمسلمين، باستحلالهم القتال في الشهر الحرام.
وقوله: قتال فيه تقديره: عن قتال فيه، وكذا هو في قراءة ابن مسعود.
قل لهم يا محمد، قتال في الشهر الحرام، كبير أي: عظيم في الإثم، وتم الكلام ههنا، ثم قال: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] يعني: صد المشركين رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت عام الحديبية، وكفر به أي: بالله، والمسجد الحرام ينخفض بالعطف على سبيل الله تقديره: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وإخراج أهله أهل المسجد، منه أكبر أعظم وزرا، ﴿عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ﴾ [البقرة: ٢١٧] الشرك والكفر، ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧] يعني: قتل ابن الحضرمي.
ولما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش، صاحب هذه السرية، إلى مؤمني مكة: إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام، فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج الرسول من مكة، ومنع المؤمنين عن البيت.
[ ١ / ٣٢١ ]
وقوله: ولا يزالون يعني المشركين، يقاتلونكم أيها المؤمنون، ﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] الإسلام، إلى الكفر إن استطاعوا، ثم ذكر حكم من يرجع عن الإسلام إلى الكفر فقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] يعني: يبقى على الردة إلى أن يموت، ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] أي: بطلت، يقال: حبط عمله، يحبط حبطا وحبوطا، وأحبطه الله إحباطا.
والمسلم إذا ارتد ومات على الردة حبط عمله الذي عمله في الإسلام، وبقي في النار خالدا، وهو قوله ﷿: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
قال الزهري: ولما فرج الله على أهل تلك السرية بهذه الآية ما كانوا فيه من غم بقتالهم في الشهر الحرام، طمعوا فيما عند الله من ثوابه.
فقالوا: يا نبي الله، أنطمع أن تكون هذه الغزوة نعطى فيها أجر المجاهدين في سبيل الله؟ فأنزل الله تعالى فيهم قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٨] بمحمد والقرآن، ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ [البقرة: ٢١٨] فارقوا عشائرهم وأوطانهم، وجاهدوا المشركين، أي: حملوا أنفسهم على الجهد والمشقة في قتالهم، ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] أي أنهم بما فعلوا على رجاء رحمة الله، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] غفر لعبد الله بن جحش وأصحابه ما لم يعملوا ورحمهم.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية، نزلت في جماعة من الصحابة، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال.
فنزلت هذه الآية.
والخمر إنما سميت خمرا لأنها تخامر العقل، أي: تخالطه، يقال: خامره الداء، إذا خالطه.
قال كثير:
[ ١ / ٣٢٢ ]
هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت
وهي كل شراب مسكر مغط للعقل، سواء كان عصيرا أو نقيعا، مطبوخا كان أو نيا.
والميسر: القمار، والياسر واليسر: المقامر، وتجمع اليسر: أيسارا.
وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] أراد: الإثم بسببهما، من المخاصمة والمشاتمة، وقول الفحش والزور، وزوال العقل، والمنع من الصلاة، والقمار يورث العداوة، بأن يصير مال الإنسان إلى غيره بغير جزاء يأخذ عليه.
وقراءة العامة كبير بالياء، لأن الذنب يوصف بالكبر والعظم، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [الشورى: ٣٧]، ﴿كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] كذلك ههنا ينبغي أن يكون بالباء، ألا ترى أن شرب الخمر والميسر من الكبيرة؟ وقرأ حمزة، والكسائي بالثاء، لأنه قد جاء فيها ما يقوي وصف الإثم فيهما بالكثرة دون الكبر، وهو قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٩١] فذكر عددا من الذنوب فيهما.
ولأن النبي ﷺ لعن عشرة في سبب الخمر فدل على كثرة الإثم فيهما.
[ ١ / ٣٢٣ ]
قوله: ومنافع للناس منفعة الخمر: ما كانوا يصيبونه من المال في بيعها والتجارة فيها، واللذة عند شربها، والتقوي بها.
ومنفعة الميسر: ما يصاب من القمار، ويرتفق به الفقراء.
وليست هذه الآية المحرمة للخمر، إنما المحرمة التي في المائدة.
قال قتادة: في هذه الآية ذمها ولم يحرمها، وهي يومئذ حلال.
وقال ابن عباس: كل شيء فيه قمار فهو ميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز، والكعاب.
وقوله: وإثمهما أي: الإثم الحاصل، ﴿أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، لأن نفعهما في الدنيا، وما يحصل من الإثم بسببهما يضر بالآخرة.
وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] نزلت في سؤال عمرو بن الجموح لما نزل قوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥] في سؤاله، أعاد السؤال وسأل عن مقدار ما ينفق، فنزل قوله: قل العفو قال ابن عباس: ما فضل من المال والعيال.
وهو قول السدي، وقتادة، وعطاء.
وأصل العفو في اللغة: الزيادة، قال الله تعالى: حتى عفوا أي: زادوا على ما كانوا عليه من العدد.
وقال أهل التفسير: أمروا أن ينفقوا الفضل، وكان أهل المكاسب يأخذ الرجل من كسبه ما يكفيه في عامه، وينفق باقيه، إلى أن فرضت الزكاة، فنسخت آية الزكاة المفروضة هذه الآية، وكل صدقة أمروا بها قبل نزول الزكاة.
[ ١ / ٣٢٤ ]
واختلف القراء في رفع العفو ونصبه، فمن نصب جعل ماذا اسما واحدا في موضع نصب، وجواب هذا العفو بالنصب، كما تقول في جواب ما أنفقت درهما، أي: أنفقت درهما، ومن رفع جعل ذا بعد ما بمنزلة الذي، ورد العفو عليه فرفع، كأنه قال: ما الذي ينفقون؟ فقال: العفو.
أي: الذي ينفقون العفو، فيضمر المبتدأ الذي كان خبرا في سؤال السائل، كما تقول في جواب ما الذي أنفقته؟ مال زيد، أي: الذي أنفقته مال زيد.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [البقرة: ٢١٩] أشار إلى ما بين في الإنفاق، كأنه قال: مثل الذي بينه لكم في الإنفاق يبين لكم الآيات، لتتفكروا في أمر الدنيا والآخرة فتعرفوا فضل الآخرة على الدنيا.
قال المفسرون: لعلكم تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها، فتزهدوا فيها وفي إقبال الآخرة وبقائها، فترغبوا فيها.
قال قتادة: من تفكر في الدنيا والآخرة عرف ذلك فضل إحداهما على الأخرى، عرف أن الدنيا دار بلاء، ثم دار فناء، وعرف أن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء.
﴿فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٢٠﴾ وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٢٢١﴾﴾ [البقرة: ٢٢٠-٢٢١] وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠] قال ابن عباس: لما أنزل الله تعالى قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] انطلق من كان عنده مال ليتيم فعزل طعامه عن طعامه،
[ ١ / ٣٢٥ ]
وشرابه عن شرابه، وجعل يفضل الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، واشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] يعني: الإصلاح لأموالهم من غير أجرة ولا أخذ عون منهم خير وأعظم أجرا، ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] أي: تشاركوهم في أموالهم وتخالطوها بأموالكم فتصيبوا من أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم.
قال الضحاك: مخالطتهم: ركوب الدابة، وخدمة الخادم، وشرب اللبن، هذا إذا قام على مال اليتيم.
وقوله: فإخوانكم أي: فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب بعضهم من مال بعض.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ﴾ [البقرة: ٢٢٠] أي: لأموالهم، من المصلح لها، فاتقوا الله في مال اليتامى ولا تجعلوا مخالطتكم إياهم ذريعة إلى إفساد أموالهم وأكلها بغير حق.
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] معنى الإعنات: الحمل على المشقة التي لا تطاق، يقال: أعنت فلان فلانا.
أي: أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه.
قال ابن عباس: لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا.
وقال آخرون: ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم، وأثمكم في مخالطتهم، ومعناه: التذكير بالنعمة في التوسعة.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] في ملكه، حكيم فيما أمركم به.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] نزلت في مرثد الغنوي، كانت له خليلة مشركة في الجاهلية يقال لها: عناق.
فلما أسلم قالت له: تزوج بي.
فسأل رسول الله ﷺ وقال: أيحل لي أن أتزوجها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وحرم نكاح المشركات.
[ ١ / ٣٢٦ ]
ثم استثنى الحرائر الكتابيات بالآية في المائدة، وهي قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] .
وقوله: ﴿وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] الأمة: المملوكة.
قال السدي: كانت لعبد الله بن رواحة أمة سوداء، فغضب عليها ولطمها، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك، فقال له: «وما هي يا عبد الله؟» فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله.
فقال: «هذه مؤمنة» .
قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق نبيا لأعتقنها ولأتزوجن بها.
ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وعرضوا عليه حرة مشركة، فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] يعني: المشركة بمالها وجمالها.
وقوله: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] لا يجوز تزويج المسلمة من المشرك بحال، وقوله: أولئك يعني المشركين، ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١] أي: إلى الأعمال الموجبة للنار.
﴿وَاللَّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ [البقرة: ٢٢١] يقول: إلى التوبة والتوحيد والعمل الموجب لهما.
﴿بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١] أي: بأمره، يعني أنه بأوامره يدعوكم.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴿٢٢٢﴾ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٢٣﴾﴾ [البقرة: ٢٢٢-٢٢٣] قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قال أنس بن مالك: إن اليهود كانت إذا حاضت منهم امرأة أخرجوها من البيت، فلم يؤاكلوها ولم يشاربوها، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله هذه الآية.
والمحيض: الحيض، يقال: حاضت المرأة تحيض حيضا ومحاضا ومحيضا.
[ ١ / ٣٢٧ ]
قوله: ﴿هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] قال عطاء، وقتادة، والسدي: أي: قذر.
وقال مجاهد والكلبي: دم.
والأذى: ما يغم ويكره من كل شيء، ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي: تنحوا عنهن ودعوا مجامعتهن إذا حضن، ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] لا تجامعوهن، يقال: قرب الرجل امرأته، إذا جامعها قربانا.
وقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]: أي: يتطهرن، ومعناه: يغتسلن بالماء بعد النقاء من الدم، فأدغمت التاء في الطاء، ومن قرأ يطهرن بالتخفيف فهو من طهرت المرأة تطهر طهرا وطهارة، ومعناه: حتى يفعلن الطهارة التي هي الغسل.
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] اغتسلن، ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بتجنبه في الحيض، وهو الفرج، قاله مجاهد، وإبراهيم، وقتادة، وعكرمة، وقال ابن عباس، في رواية الوالبي يقول: طئوهن في الفرج، ولا تعدوه إلى غيره، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء من الأحداث والنجاسات.
قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]:
١٠٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْجَوْزِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ:
[ ١ / ٣٢٨ ]
أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: مَن أَتَى امْرَأَتَهُ وَهِيَ مُدْبِرَةٌ جَاءَ وَلَدُهَا أَحْوَلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] الآيَةَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي نُعْيَمٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ
ومعنى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أي: مزرع ومنبت للولد، قال أهل المعاني: معناه: ذوات حرث لكم، فيهن تحرثون الولد، فخاف المضاف.
وقال الأزهري: حرث الرجل: امرأته.
وأنشد المبرد:
إذا أكل الجراد حروث قوم فحرثي همه أكل الجراد
وقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أي: ائتوا مواضع حرثكم كيف شئتم مقبلة ومدبرة، بعد أن يكون في صمام واحد.
قال ابن عباس في هذه الآية: ائتها كيف شئت في الفرج.
﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: العمل لله بما يحب ويرضى.
وقال مقاتل: يقول: قدموا طاعة الله وأحسنوا عبادته.
واتقوا الله فيما حد لكم من الجماع، وأمر الحيض، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] راجعون إليه، والمعنى: ملاقو جزائه، إن ثوابا وإن عقابا، وبشر المؤمنين الذين خافوا وحذروا معصيته.
﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٢٤﴾
[ ١ / ٣٢٩ ]
لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴿٢٢٥﴾ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢٢٦﴾ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٢٧﴾﴾ [البقرة: ٢٢٤-٢٢٧] قوله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] قال الكلبي: نزلت في عبد الله بن رواحة، ينهاه عن قطيعة ختنه على أخته بشير بن النعمان، حلف أن لا يكلمه، ولا يدخل بيته وبيت خصم له، وجعل يقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، فلا يحل لي.
فأنزل الله هذه الآية.
والعرضة: المانع من الشيء، وتقول العرب: هو له دونه عرضة، إذا كان يمنعه من الوصول إليه.
قال الحسن، وطاوس، وقتادة: ولا تجعلوا اليمين بالله علة مانعة من البر والتقوى، من حيث تتعمدون اليمين لتعتلوا بها.
والأيمان: جمع يمين، وهو القسم.
وقوله: أن تبروا قال الزجاج: تقديره: لا تعترضوا باليمين بالله في أن تبروا، فسقط في، ووصل الفعل إليه، وقال أبو عبيدة: معناه: أن لا تبروا، فحذفت لا، كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، وكقوله: ﴿رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]، والمعنى: لئلا تضلوا، ولئلا تميد بكم.
وقال أبو العباس: تقديره: لدفع أن تبروا، فحذف المضاف.
ومعنى أن تبروا: أن تصنعوا الخير وتصلوا الرحم وتأمروا بالمعروف، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤] يسمع أيمانكم، ويعلم ما تقصدون بها كقوله: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] اللغو: الكلام الذي لا فائدة فيه ولا يعتد به، يقال: لغا يلغو لغوا.
قال ابن الأنباري: اللغو: ما يطرح من الكلام استغناءً عنه، ولا يُفتقَر إليه.
وقال الزجاج: وكل ما لا خير فيه مما يؤثم فيه، أو يكون غير محتاج إليه من الكلام، فهو لغو ولغا.
[ ١ / ٣٣٠ ]
قال مجاهد، وعكرمة، والشعبي: لغو اليمين: ما يسبق به اللسان من غير عقد ولا قصد، ويكون كالصلة من الكلام، مثل قول القائل: لا والله، وبلى والله، وكلا والله.
ونحو هذا، ولا كفارة فيه ولا إثم، هذا قول عائشة ﵂.
وقال ابن عباس، في رواية الوالبي: لغو اليمين: أن يحلف الإنسان يرى أنه صادق فيه، ثم يتبين له خلاف ذلك، فهو خطأ منه غير عمد، ولا كفارة عليه فيه ولا إثم.
وهو قول الحسن والنخعي والزهري وقتادة والربيع والسدي.
وقال في رواية وسيم: اللغو: اليمين في حالة الغضب والضجر، من غير عقد ولا عزم، وهو قول علي ﵁ وطاوس.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] أي: عزمتم وقصدتم، لأن كسب القلب: العقد والنية، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥] معنى الحليم في صفة الله: الذي لا يعجل بالعقوبة، بل يؤخر عقوبة الكافرين والعصاة، والحلم في كلام العرب معناه: الأناة والسكون.
قوله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآية يقال: آلى يولي إيلاء، إذا حلف.
ويقال لليمين: الألية.
قال ابن عباس: هو أن يحلف بالله لا ينكح امرأته، فحكمه ما ذكره الله تعالى، وهو قوله: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] والتربص: التلبث والانتظار، فإن جامع قبل مضي أربعة أشهر لزمته الكفارة، والنكاح ثابت، وإن لم يجامع حتى انقضت أربعة أشهر، فإن عفت المرأة ولم تطلب حقها من الجماع فلا شيء، ولا يقع به طلاق، وإن طلبت
[ ١ / ٣٣١ ]
حقها وقف الحاكم زوجها، فإما أن يطلق وإما أن يطأ، فإن أباهما جميعا طلق الحاكم عليه بالقهر والجبر، وهو قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] أي: رجعوا، يعني: بالجماع.
﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] أي: طلقوا بعد مضي أربعة أشهر، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] يسمع ما قاله المطلق، عليم بما في قلبه.
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الآية، يعني: المطلقات المدخول بهن البالغات غير الحوامل، لأن في الآية بيان عدتهن، ومعنى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]: ينتظرن انقضاء ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لا يتزوجن، لفظه خبر ومعناه: الأمر.
والقروء: جمع قرء، وجمعه القليل: أقرؤ، وأقراء، والكثير: قروء، وهذا الحرف من الأضداد، يقال للحيض: قرء.
وللأطهار: قروء.
وأقرأت المرأة في الأمرين جميعا.
والمراد بالتي في الآية: الأطهار، في قول عائشة ﵂، وزيد بن ثابت، وابن عمر، ومالك، والشافعي، وأهل المدينة، قال ابن شهاب: ما رأيت أحدا من أهل بلدنا إلا يقول: الأقراء: الأطهار.
إلا سعيد بن المسيب.
وأكثر المفسرين: على أنها الحيض، وهو قول فقهاء الكوفة.
قوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قال ابن عباس وقتادة ومقاتل:
[ ١ / ٣٣٢ ]
يعني: الحبل والولد، ومعنى الآية: لا يحل لهن أن يكتمن الحمل ليطلن حق الزوج من الرجعة.
قال ابن عباس: وذلك أن المرأة السوء تكتم الحمل شوقا منها إلى الزوج، وتستبطئ العدة لأن عدة ذات الحمل أن تضع حملها، فيجب عليهن إظهار ما يخلق الله في أرحامهن من الولد، إذ لا مرجع إلى غيرهن فيه.
وقد أغلظ الله القول عليهن حيث قال: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
وقوله: وبعولتهن هي جمع بعل، يعني: الزوج، ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: إلى النكاح والزوجية، يعني: أحق بمراجعتهن، ﴿فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: في الأجل الذي أمرن أن يتربصن فيه، ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] لا إضرارا، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان إذا أراد الإضرار بامرأته طلقها واحدة، وتركها حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها، ثم راجعها يضارها بذلك، فجعل الله الزوج أحق بالرجعة على وجه الإصلاح لا على وجه الإضرار.
وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: للنساء على الرجال مثل الذي للرجال على النساء من الحق بالمعروف، أي: بما أمر الله به من حق الرجل على المرأة.
١٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا وَكيِعٌ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي: لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
وقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر وأنفق عليها من المال.
وقال مجاهد: بالجهاد والميراث.
وقال الزجاج: المعنى: أن المرأة تنال من اللذة كما ينال الرجل، وله الفضل بنفقته وقيامه عليها.
[ ١ / ٣٣٣ ]
١٠٨ - أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ النَّرْسِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمٍ، أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَيِّمٌ، فَأَخْبِرْنِي مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ؟ فَإِنِ اسْتَطَعْتُ ذَلِكَ تَزَوَّجْتُ، وَإِلا جَلَسْتُ أَيِّمًا، فَقَالَ: " مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ: إِنْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرٍ لا تَمْنَعُهُ نَفْسَهَا، وَمِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ: أَنْ لا تَصُومَ تَطَوُّعًا إِلا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ جَاعَتْ وَعَطِشَتْ وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا، وَمِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ: أَلا تُخْرِجَ مِنْ بَيْتِهِ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِهِ فَإِنْ فَعَلَتْ كَانَ الأَجْرُ لِغَيْرِهَا وَالإِصْرُ عَلَيْهَا، وَمِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ: أَنْ لا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا إِلا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ لَعَنَتْهَا مَلائِكَةُ السَّمَاءِ وَمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ "
١٠٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ الْبِلالِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
[ ١ / ٣٣٤ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا لأَحَدٍ أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ، لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ عَلَيْهَا»
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: أنه يأمر كما أراد ويمتحن كما أحب، ولا يكون هذا إلا عن حكمة بالغة.
﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٢٢٩﴾ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٢٣٠﴾﴾ [البقرة: ٢٢٩-٢٣٠] قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قال عروة بن الزبير، وغيره: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فأنزل الله ﷿: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فحصر الطلاق وجعل حده ثلاثة، فذكر في هذه الآية طلقتين، وذكر الثالثة في الآية الأخرى وهي قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والآية مختصرة، لأن المعنى: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان.
وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] الإمساك: خلاف الإطلاق وهو مرتفع لأنه خبر ابتداء محذوف، على تقدير: فالواجب إذا راجعها بعد الطلقتين إمساك بمعروف، أي: بما يعرف شرعا من إقامة الحق في إمساك المرأة.
وقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قال عطاء والسدي والضحاك: هو ترك المعتدة حتى تبين بانقضاء العدة.
قال ابن عباس: إذا طلق امرأته طلقتين فليتق الله في التطليقة الثالثة.
فإما أن يمسكها بمعروف ويحسن صحبتها، أو
[ ١ / ٣٣٥ ]
يسرحها بإحسان ولا يظلمها من حقها شيئا، وهو قوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] لا يجوز للزوج أن يأخذ من امرأته شيئا مما أعطاها من المهر إلا في الخلع، وهو قوله: ﴿إِلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي: يعلما ويوقنا.
والخوف يكون بمعنى العلم، وذلك أن في الخوف طرفا من العلم، لأنك تخاف ما تعلم، وما لا تعلم لا تخافه، كما أن الظن لما كان فيه طرف من العلم جاز أن يكون علما.
ومعنى الآية: أن المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها بغضا له، وخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها، حل له أن يأخذ الفدية منها إذا دعت إلى ذلك.
وقرأ حمزة إلا أن يُخافا بضم الياء، لأنه بني للمفعول بهما وهما الزوجان، والمعنى: إلا أن يعلما أنهما لا يقيمان حدود الله.
فإن خفتم أيها الولاة والحكام، أي: علمتم وغلب على ظنكم أن الزوجين لا يقيمان حدود الله في حسن العشرة وجميل الصحبة، ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] المرأة نفسها من الزوج، أي: لا جناح على الرجل فيما يأخذ من المرأة، ولا عليها فيما تفتدي به للخلع.
قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] يريد: ما حده من شرائع الدين، ﴿فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي: لا تتجاوزوها إلى غيرها، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أنفسهم بترك ما أمر الله به.
وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] يعني الزوج المطلق ثنتين، ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] المطلقة، من بعد أي: من بعد التطليقة الثالثة، ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أي: غير المطلق.
والنكاح: لفظ يتناول العقد والوطء جميعا، فلا تحل للأول ما لم يصبها الثاني.
وقد ثبتت السنة بهذا عن رسول الله ﷺ:
١١٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلاقِي،
[ ١ / ٣٣٦ ]
فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ: تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ " وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَنَادَى: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلا تَسْمَعُ مَا تَجْهَرُ بِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ "؟
وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] يعني: الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة، ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] على المرأة ولا على الزوج الأول، ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] إلى ما كانا عليه من النكاح بعقد جديد، إن ظنا أي: علما وأيقنا، ﴿أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أي: ما بين الله من حق أحدهما على الآخر، ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠] خص العالمين بالذكر، لأنهم الذين ينتفعون ببيان الآيات.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٢٣١﴾ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴿٢٣٢﴾﴾ [البقرة: ٢٣١-٢٣٢] وقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١] قاربن انقضاء العدة، والبلوغ ههنا: بلوغ مقاربة، كما تقول: قد بلغت البلد، إذا قربت منه.
والأجل: آخر المدة، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] أي: راجعوهن بما يتعارفه الناس بينهم مما تقبله النفوس ولا تنكره العقول.
[ ١ / ٣٣٧ ]
قال ابن جرير: أي بإشهاد على الرجعة وعقد لها، لا بالوطء كما يجوز عند أبي حنيفة.
﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، ويكن أملك بأنفسهن، ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ [البقرة: ٢٣١] لا تراجعوهن مضارة وأنتم لا حاجة بكم إليهن، وكانوا يفعلون ذلك إضرارا بالمرأة.
لتعتدوا أي: عليهن بتطويل العدة، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣١] الاعتداء، ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١] أي: ضرها وأثم فيما بينه وبين الله، ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] قال أبو الدرداء: كان الرجل في الجاهلية يقول: إنما طلقت وأنا لاعب.
فيرجع فيها، وينكح فيقول مثل ذلك، ويعتق فيقول مثل ذلك فيها، فأنزل الله هذه الآية، فقرأها رسول الله ﷺ وقال: «من طلق أو حرر أو نكح أو أنكح، فزعم أنه لاعب فهو جد» .
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣١] قال عطاء: بالإسلام.
﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ٢٣١] يعني القرآن، والحكمة يعني مواعظ القرآن، يعظكم به يدعوكم به إلى دينه، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١] أي: أنه يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فعلمه بما أتيا وعملا، لأنه لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد.
قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] أي: انقضت عدتهن، وبلوغ الأجل ههنا: انقضاء العدة، لا بلوغ المقاربة.
قوله: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] العضل: المنع: يقال: عضل فلان أمته، إذا منعها من التزوج.
فهو يعضلها ويعضلها، أنشد الأخفش:
وإن قصائدي لك فاصطنعى كرائم قد عضلن عن النكاح
[ ١ / ٣٣٨ ]
نزلت الآية في أخت معقل بن يسار، وذلك ما:
١١١ - أَخْبَرَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الآيَةِ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، قَالَ: " كُنْتُ زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ وَأَفْرَشْتُكَ ثُمَّ طَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لا وَاللَّهِ لا تَعُودُ إِلَيْهَا أَبَدًا، قَالَ: وَكَانَ رَجُلا لا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَذِهِ الآيَةَ، فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَزَوَّجْتُهَا إِيَّاهُ ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَفْصٍ
وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] يريد: الذين كانوا أزواجا لهن، ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] يعني: بعقد حلال، ومهر جائز.
[ ١ / ٣٣٩ ]
ونظم الآية: أن ينكحن أزواجهن بالمعروف إذا تراضوا بينهم.
وفي الآية ما يقطع به على صحة قول من قال: لا نكاح إلا بولي.
لإجماع المفسرين أن الخطاب للأولياء، لو صح نكاح بدون ولي لم يتصور عضل، ولم يكن لنهي الله عن العضل معنى.
وقوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] ذلك: إشارة إلى ما سبق، أي: أمر الله الذي تلي عليكم من ترك العضل يوعظ به، ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] خص المؤمنين لأنهم أهل الانتفاع به، ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٢] خير لكم وأفضل، وأطهر لقلوبكم من الريبة، وذلك أنهما إن كان في نفس كل واحد منهما علاقة حب يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحل الله.
والله تعالى، يعلم ما لكم فيه من الصلاح في العاجل والآجل، ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢] أي: وأنتم غير عالمين إلا بما أعلمكم الله.
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٢٣٣﴾ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٢٣٤﴾ وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴿٢٣٥﴾﴾ [البقرة: ٢٣٣-٢٣٥] وقوله: والوالدات يعني الأمهات، ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] لفظه لفظ الخبر ومعناه: الأمر، كما تقول: حسبك درهم.
أي: اكتف به، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، يريد: إنهن أحق بالإرضاع من غيرهن إذا أردن ذلك، ولو وجب عليهن الإرضاع ما وجب لهن الأجرة، وقد أوجب الله لهن الأجرة في ﴿[الطلاق.
[ ١ / ٣٤٠ ]
وقوله:] حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣] أي: سنتين، وذكر الكمال لرفع التوهم من أنه على مثل قولهم: أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين.
وإنما أقام حولا وبعض الآخر، ويقولون: اليوم يومان مذ لم أره.
وإنما يعنون يوما وبعض آخر.
وهذا تحديد لقطع التنازع بين الزوجين إذا اشتجرا في مدة الرضاع، فجعل الحولين ميقاتا لهما يرجعان إليه عند الاختلاف، وليس هذا تحديد إيجاب.
وقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] يقال: رضع المولود يرضع رضاعة ورضاعا.
والمعنى: أن هذا التقدير والبيان لمريدي إتمام الرضاعة من الأب والأم، وليس فيما دون ذلك وقت محدود، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] يعني الأب، ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الكسوة: اللباس، يقال: كسوت فلانا أكسوه كسوة، إذا ألبسته ثوبا.
قال المفسرون: وعلى الزوج رزق المرأة المطلقة وكسوتها إذا أرضعت الولد.
بالمعروف أي: بما تعرفون أنه عدل على قدر الإمكان، ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: لا تلزم، إلا وسعها ما يسعها فتطيقه.
وقوله: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] الاختيار فتح الراء من تضار وموضعه: جزم على النهي، والأصل: لا تضارر، فأدغمت الراء الأولى في الثانية، وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين، وهذا الاختيار في التضعيف: إذا كان قبله فتح أو ألف، تقول في الأمر: عض يا رجل، وضار زيدا يا رجل.
والمعنى: لا ينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه وألفها الصبي، ولا تلقيه هي إلى أبيه بعدما عرفها، تضاره بذلك.
[ ١ / ٣٤١ ]
وقيل: معناه: لا تضار والدة فتكره على إرضاع الصبي إذا قبل من غيرها وكرهت هي رضاعه، لأن ذلك ليس بواجب عليها.
﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فيكلف أن يعطي الأم إذا لم يرتضع الولد منها أكثر مما يجب لها عليه.
والقولان: على مذهب الفعل المبني للمفعول نهيا.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو لا تضار برفع الراء على الخبر، منسوقا على قوله: لا تكلف أتبع ما قبله ليكون أحسن في تشابه اللفظ، وهو خبر بمعنى الأمر والمعنى: ما ذكرنا.
قوله ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] هذا منسوق على قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] المعنى: على وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله مال ورثه مثل الذي كان على أبيه في حياته.
وأراد ب الوارث: من كان عصبتَه كائنا من كان من الرجال في قول عمر بن الخطاب والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان.
وقال آخرون: أراد ب الوارث: الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى، عليه أجر رضاعه من ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبرت أمه على رضاعه، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو قول مالك والشافعي.
وقوله: فإن أرادا يعني: الوالدان، فصالا فطاما للولد، ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] يعني: قبل الحولين، وتشاور معنى التشاور: استخراج الرأي، وكذلك المشورة والمشورة، ومنه يقال: شرت العسل، إذا استخرجته.
والمعنى: أنهما إن تشاورا وتراضيا على الفطام قبل الحولين فلا بأس إذا كان الولد قويا.
[ ١ / ٣٤٢ ]
وقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: لأولادكم، وحذفت اللام اكتفاء بدلالة الاسترضاع، لأنه لا يكون إلا للأولاد، والمعنى: وإن أردتم أن تسترضعوا لأولادكم مراضع غير الوالدة، ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فلا إثم عليكم، ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قال مجاهد والسدي: إذا سلمتم إلى الأم أجرتها بمقدار ما أرضعت.
وقرأ ابن كثير ما أتيتم بقصر الألف، ومعناه: ما فعلتم، يقال: أتيت جميلا.
أي: فعلته، قال زهير:
وما يك من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل
يعني: فعلوه وقصدوه.
ويكون التسليم على هذه القراءة بمعنى الطاعة والانقياد، لا بمعنى تسليم الأجرة، والمعنى: إذا سلمتم للاسترضاع عن تراض واتفاق.
وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: إذا سلمت أمه ورضي أبوه، لعل له غنى يشتري له مرضعا.
ثم أوصى بالتقوى فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: فلا يترك جزاء شيء من أعمالكم، لأنه بصير بها.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: يموتون ويقبضون، ومعنى التوفي: أخذ الشيء وافيا، يقال: توفى الشيء واستوفاه.
﴿وَيَذَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] يتركون، ولا يستعمل منه الماضي ولا المصدر ومثله، أيضا، يدع في رفض مصدره وماضيه.
وقوله: أزواجا أي: نساء، ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: ينتظرن ويحبسن أنفسهن عن التزوج، ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ومعنى الآية: بيان عدة المتوفى عنها زوجها، وأنها تعتد من حين وفاة الزوج أربعة أشهر وعشرا، وذكرت العشر بلفظ التأنيث، والمراد بها: الأيام، تغليبا لليالي على الأيام، وذلك أن ابتداء الشهر يكون بالليل،
[ ١ / ٣٤٣ ]
قال ابن السكيت: يقولون: صمنا خمسا من الشهر.
فيغلبون الليالي على الأيام، لأن ليلة كل يوم قبله.
وهذه الآية ناسخة لقوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] .
١١٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَعْقِلِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسِيُّ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ: " أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَاشْتَكَتْ عَيْنَهَا حَتَّى خُشِيَ عَلَيْهَا فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ: أَنَكْتَحِلُ؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلاسِهَا فِي بَيْتِهَا حَوْلا كَامِلا، فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ، ثُمَّ خَرَجَتْ، أَفَلا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا "؟، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ
[ ١ / ٣٤٤ ]
١١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الشَّعِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَشْرَسَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ الزَّيَّاتُ، عَنْ بَحْرِ بْنِ كُنَيْزٍ السَّقَّاءِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ إِلا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَى الزَّوْجِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»
وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] يخاطب الأولياء، لأن الرجال قوامون على النساء، فذكر أنهن إذا انقضت عدتهن لا جناح على الأولياء في تخلية سبيلهن، فيما فعلن ليفعلن، ﴿فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] ما يرون من تزوج الأكفاء بإذن الأولياء، وهذا تفسير المعروف، لأن التي تزوج نفسها سماها النبي ﷺ زانية.
قوله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] التعريض: ضد التصريح، وهو أن تضمن الكلام دلالة على ما تريد.
والخطبة: التماس النكاح، يقال: خطب فلان فلانة، إذا أراد أن يتزوجها.
[ ١ / ٣٤٥ ]
قال المفسرون: معنى التعريض بالخطبة: أن يقول لها، وهي في عدة الوفاة: إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنك لنافقة، وإن من عزمي أن أتزوج، وإني فيك لراغب.
وما أشبه هذا الكلام.
قوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي: أسررتم وأضمرتم من خطبتهن.
قال مجاهد: هو إسرار العزم على النكاح دون إظهار.
وقال السدي: هو أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء.
ومعنى الاكتنان: الإخفاء والستر، يقال: أكننت الشيء وكنتته، إذا سترته.
لغتان.
وقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٥] يعني الخطبة، ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] قال الشعبي والسدي: لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره.
وقال الحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، وعطية: السر: هو الزنا، وكان الرجل يدخل على المرأة للريبة وهو يعرض بالنكاح، ويقول لها: دعيني، فإذا وفيت عدتك أظهرت نكاحك.
فنهى الله عن ذلك.
وقوله: ﴿إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥] يعني: التعريض بالخطبة كما ذكرناه.
قوله: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي: لا تصححوا عقد النكاح، يعني: لا تتزوجوا المعتدة، ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي: حتى تنقضي عدتها.
والكتاب: هو القرآن.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] مطلع على ضمائركم، ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] فخافوه، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥] .
[ ١ / ٣٤٦ ]
﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴿٢٣٦﴾ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٢٣٧﴾﴾ [البقرة: ٢٣٦-٢٣٧] وقوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] الآية، قال الزجاج: أعلم الله تعالى في هذه الآية أن عقد التزويج بغير مهر جائز، وأنه لا إثم على من طلق من تزوج بها بغير مهر، كما أنه لا إثم على من طلق من تزوج بها بمهر.
قال ابن عباس في رواية الوالبي في قوله: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] قال: المس: النكاح، والفريضة: الصداق، ومعنى ﴿تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]: توجبوا لهن صداقا.
وأو ههنا بمعنى الواو كقوله: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، وقال عطاء بن يسار، عن ابن عباس في الرجل يطلق امرأته قبل أن يدخل بها ولم يفرض لها، قال: ليس لها إلا المتاع، وهو قوله: ومتعوهن أي: أعطوهن ما يتمتعن به.
والمطلقة قبل الجماع وقبل تسمية المهر: مستحقة للمتعة بالإجماع من العلماء، ولا مهر لها.
وقوله: على الموسع وهو الذي في سعة من غناه، يقال: أوسع الرجل، إذا كثر ماله واتسعت حاله.
قدره أي: قدر إمكانه وطاقته، ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وهو المقل الفقير، يقال: أقتر الرجل، إذا افتقر.
قدره وقرئ بتحريك الدال، وهما لغتان، يقال: هذا قدر وهذا وقدره، واحمل قدر ما تطيق، وقدر ما تطيق.
[ ١ / ٣٤٧ ]
والمتعة غير مقدرة، وهي كما قال الله تعالى: على الغني قدر إمكانه وعلى الفقير قد طاقته.
قال ابن عباس والزهري والشعبي والربيع: أعلاها خادم وأوسطها ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار، ودون ذلك وقاية، أو شيء من الورق، وهذا مذهب الشافعي ﵀، قال: أعلاها، على الموسع، خادم، وأوسطها: ثوب، وأقلها: أقل ما له ثمن، قال: وحسن ثلاثون درهما.
وقوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي: متعوهن متاعا بما تعرفون أنه القصد وقدر الإمكان، وقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي: حق ذلك عليهم حقا، بمعنى: وجب.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآية، المرأة إذا طلقت بعد تسمية المهر وقبل الدخول فالواجب لها نصف المهر، لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] قال ابن عباس في هذه الآية: لها نصف صداقها، ليس لها أكثر من ذلك.
وقال ابن مسعود: لها نصف الصداق ما لم يجامعها، وإن جلس بين رجليها.
وقوله: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يعني: النساء يتركن ذلك النصف الواجب لهن فلا يطالبن الأزواج به.
وقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يعني الزوج، في قول علي، ومجاهد، والضحاك، والحسن، ومقاتل بن حيان، وابن سيرين، وشريح، وابن عباس في رواية عمار بن أبي عمار.
وعفو الزوج: أن يعطيها الصداق كاملا.
[ ١ / ٣٤٨ ]
ولما ذكر الله تعالى عفو المرأة عن النصف الواجب ذكر عفو الزوج عن النصف الساقط، فيستحسن لها أن تعفو ولا تطالبه بشيء، وللرجل أن يعفو ويوفي لها المهر كاملا.
١١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، قَالَ: طَلَّقَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَعْطَاهَا الصَّدَاقَ كَامِلا، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِالْعَفْوِ مِنْهَا
وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] هذا خطاب للرجال والنساء جميعا، ومعناه: وعفو بعضكم عن بعض أدعى إلى اتقاء معاصي الله، لأن هذا العفو ندب، فإذا انتدب إليه علم أنه لما كان فرضا كان أشد استعمالا.
وقوله: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] قال ابن عباس: لا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض، وهذا حث من الله تعالى للزوج والمرأة على الفضل والإحسان، وأمر لهما جميعا أن يستبقا إلى العفو.
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴿٢٣٨﴾ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴿٢٣٩﴾﴾ [البقرة: ٢٣٨-٢٣٩] قوله ﷿: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] قال مسروق: الحفاظ عليها: الحفاظ على وقتها، والسهو عنها: ترك وقتها.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الخشاب، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أخبرنا محمد بن إسحاق
[ ١ / ٣٤٩ ]
الثقفي، حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن مالك بن الحارث، عن مسروق، قال: لا يحافظ إنسان على الصلوات الخمس فيكتب بعدهن من الغافلين، وفي تركهن الهلكة.
١١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ.
أَخْبَرَنَا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُسْلِمٍ الْهَجَرِيُّ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ طُهُورَهُ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ فَيُصَلِّي فِيهِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، أَوْ رَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً، حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنُقَارِبُ بَيْنَ الْخُطَا، وَإِنَّ صَلاةَ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلاةٍ وَحْدَهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً
قوله: ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] اختلفوا فيها، فقال معاذ وابن عباس وابن عمر وعلي وطاوس وعكرمة ومجاهد: هي صلاة الفجر.
وهو اختيار مالك والشافعي، لأنها وسطت فكانت بين الليل والنهار، تصلى في سواد من الليل وبياض من النهار، وهي أكثر صلاة تفوت الناس، ولأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار.
[ ١ / ٣٥٠ ]
وقال زيد بن ثابت وأسامة بن زيد وأبو سعيد الخدري وعائشة: إنها الظهر لأنها وسط النهار.
وقال ابن مسعود وأبو هريرة والنخعي وقتادة والحسن والضحاك والكلبي ومقاتل: إنها العصر.
وروي ذلك مرفوعا، ولأنها بين صلاتي نهار وصلاتي ليل.
وقال قبيصة بن ذؤيب: إنها المغرب، لأنها وسط في الطول والقصر من بين الصلوات.
أخبرنا أبو بكر التميمي، أخبرنا أبو محمد بن حيان الحافظ، حدثنا أبو يحيى الرازي، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا جعفر بن عون، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه: أن سائلا سأل الربيع بن خيثم عن الصلاة الوسطى، أي الصلاة هي؟ فقال له الربيع: أكنت محافظا عليها لو علمتها؟ قال: وما يمنعني يا أبا يزيد وقد أمر الله بالمحافظة عليها وحث عليها؟ قال الربيع: قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فإنك إن تفعل تصبها، إنما هي واحدة منهن.
[ ١ / ٣٥١ ]
وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] قال الزجاج: القنوت: العبادة والدعاء لله في حال القيام، ويجوز أن يقع في سائر الطاعة، لأنه إن لم يكن قياما بالرجلين فهو قيام بالشيء بالنية.
قال ابن عباس والحسن وقتادة والشعبي: قانتين: مطيعين.
وقال مقاتل والكلبي: ولكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين، فقوموا أنتم لله في صلاتكم مطيعين.
وروى أبو سعيد الخدري، عن النبي ﷺ: أنه قال: «كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو طاعة» .
وقال مجاهد: من طول القنوت: الخشوع والركود، وغض البصر وخفض الجناح من رهبة الله.
قال: وكانت العلماء إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يشذ بصره إلى شيء أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه بشيء من الدنيا، إلا ناسيا، ما دام في صلاته.
قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٩] يعني: عدوا أو سبعا وما الأغلب من شأنه الهلاك، ﴿فَرِجَالا﴾ [البقرة: ٢٣٩] جمع راجل، مثل: تاجر وتجار، وصاحب وصحاب، ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] جمع راكب، مثل: فارس وفرسان.
ومعنى الآية: فإن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين للصلاة حقها، فصلوا مشاة على أرجلكم، وركبانا على ظهور دوابكم، وهذا في حال المسايفة والمطاردة.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣٩] فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها، ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩] يريد: كما افترض عليكم في مواقيتها.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٤٠﴾ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴿٢٤١﴾ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٢٤٢﴾﴾ [البقرة: ٢٤٠-٢٤٢] قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] قال المفسرون: كان في ابتداء الإسلام إذا مات الرجل لم يكن لامرأته في الميراث شيء إلا السكنى والنفقة سنة ما لم تخرج من بيت زوجها، وكان المتوفى يوصي بذلك لها، فإن خرجت من بيت زوجها لم يكن لها نفقة، وكان الحول واجبا عليها في الصبر عن التزوج، ثم نسخت هذه الآية بالربع والثمن، وتقدير لمدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر.
واختلفوا في رفع الوصية، ونصبها، فمن رفع فعلى تقدير: فعليهم وصية، يضمر خبر المبتدأ، ومن نصب فعلى تقدير: فيوصوا وصية.
وقوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] أي: متعوهن متاعا بالإنفاق عليهن إلى الحول من غير إخراج لها من بيت الزوج، ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ [البقرة: ٢٤٠] من قبل أنفسهن قبل الحول، ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] يا أولياء الميت، ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] يعني: التشوف للنكاح، والتصنع للأزواج.
[ ١ / ٣٥٣ ]
قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] قال أبو العالية: في هذه الآية لكل مطلقة متعة.
وقال ابن زيد: لما نزل قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] إلى قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل.
فأنزل الله تعالى: وللمطلقات إلى قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] يعني المتقين الشرك، فبين أن لكل مطلقة متاعا.
وقد ذكرنا الكلام في المتعة عند قوله: ومتعوهن.
وقوله ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٢] أي: مثل البيان الذي تقدم فيما ذكر من الأحكام يبين الله آياته.
قال عطاء: يريد: يفسر لكم فرائضه لتعملوا بها حتى تفقهوا، وهو قوله: لعلكم تعقلون أي: يثبت لكم صفة العقلاء باستعمال ما بينا لكم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴿٢٤٣﴾ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٤٤﴾ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢٤٥﴾﴾ [البقرة: ٢٤٣-٢٤٥] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] أي: ألم تعلم؟ ألم ينته علمك إلى هؤلاء؟ ومعنى الرؤية ههنا: رؤية القلب، وهو بمعنى العلم.
قال ابن عباس، في رواية سعيد بن جبير: يعني قوما خرجوا فرارا من الطاعون، وقالوا: نأتي أرضا ليس بها
[ ١ / ٣٥٤ ]
موت.
فخرجوا حتى إذا كانوا بموضع كذا، قال لهم الله: موتوا.
فماتوا، فمر بهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم، فهو هذه الآية ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] .
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] تفضل على هؤلاء بأن أحياهم بعد موتهم، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣] إنعام الله عليهم بفضله.
قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤] قال ابن عباس في رواية عطاء: يحرض المؤمنين على القتال، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] لما يقوله المتعلل، عليم بما يضمره.
قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] القرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال: أقرض فلان فلانا، إذا أعطاه ما يتجازاه منه.
والاسم منه: القرض، وهو ما أعطيته لتكافأ عليه.
شبه الله تعالى عمل المؤمنين لله على ما يرجون من ثوابه بالقرض، لأنهم إنما يعطون ما ينفقون ابتغاء ما وعدهم الله من جزيل الثواب.
وقوله: قرضا حسنا قال عطاء: يعني: حلالا.
وقال الواقدي: طيبة به نفسه.
وقوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قرئ بالتشديد والتخفيف، والرفع والنصب، أما التشديد والتخفيف: فهما لغتان.
ومعنى التضعيف والإضعاف والمضاعفة واحد، وهو الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر.
والرفع: بالنسق على يقرض، أو الاستئناف، وأما النصب: فعلى جواب الاستفهام بالفاء، لأن المعنى: أيكون قرض فيضاعفه؟
[ ١ / ٣٥٥ ]
وقال الحسن والسدي: هذا التضعيف لا يعلمه إلا الله، وهو مثل قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] .
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] يعني: يمسك الرزق عمن يشاء ويضيق عليه، ويوسع على من يشاء.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿٢٤٦﴾ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٤٧﴾﴾ [البقرة: ٢٤٦-٢٤٧] قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦] الملأ: الأشراف من الناس، وهو اسم للجماعة كالقوم والرهط، ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ [البقرة: ٢٤٦] وهو أشمويل، وذلك أن الأحداث كثرت في بني إسرائيل، وعظمت فيهم الخطايا، وغلب عليهم عدد لهم فسبوا كثيرا من ذراريهم، فسألوا نبيهم ملكا يجتمع به أمرهم، وتستقيم به حالهم في جهاد عدوهم، وهو قوله: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] فقال لهم ذلك النبي: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سبيل الله؟ يقول: لعلكم أن تجبنوا عن القتال.
وقرأ نافع عسيتم بكسر السين، وهي لغة، يقال: عسي.
بكسر السين،
[ ١ / ٣٥٦ ]
فقال الملأ لذلك النبي: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] أي شيء لنا في ترك القتال؟ ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦] أي: بالسبي والقهر على نواحينا، والمعنى: أنهم أجابوا نبيهم بأن قالوا: إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا يظهر علينا عدونا، فأما إذ بلغ الأمر هذا فلا بد من الجهاد.
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢٤٦] فرض عليهم الجهاد، تولوا أعرضوا عن القيام به، ﴿إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦] وهم الذين عبروا النهر، ويأتي ذكرهم بعد هذا، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٦] يعني المشركين والمنافقين.
قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧] أي: قد أجابكم إلى ما سألتم من بعث الملك يقاتل وتقاتلون معه، ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٢٤٧] أنكروا ملكه وقالوا: كيف يكون ملكنا؟ ! ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٧] لأنا من سبط الملوك، ولم يكن طالوت من سبط النبوة ولا من سبط المملكة.
﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] أي: ليس بذي مال كثير فيمتلك به، قال ذلك النبي، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧] اختصه بالملك، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] قال ابن عباس: كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجمله وأتمه.
والبسطة: الزيادة في كل شيء، قال الكلب: زاده بسطة في العلم بالحرب، والجسم بالطول، وكان يفوق الناس برأسه ومنكبيه، وإنما سمي طالوت لطوله.
﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٤٧] يريد: أن الملك ليس بالوراثة، وإنما هو بإيتاء الله تعالى واختياره، والله واسع أي: واسع الرزق والفضل، والرحمة وسعت رحمته كل شيء، وهذا كما يقال: فلان كبير عظيم.
يراد: أنه كبير القدر، كذلك هو واسع، بمعنى أنه واسع الفضل.
ثم إنهم سألوا نبيهم آية على تمليك طالوت: ﴿
[ ١ / ٣٥٧ ]
وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٢٤٨﴾ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿٢٤٩﴾﴾ [البقرة: ٢٤٨-٢٤٩] ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨] وكان ذلك تابوتا أنزله الله على آدم فيه صور الأنبياء، فتوارثه أولاد آدم، وكان في بني إسرائيل يستفتحون به على عدوهم، فغلبتهم العمالقة عليه، فرد الله ذلك التابوت على طالوت، فلما رأوه عنده علموا أن ذلك أمارة ملكه عليهم.
وقوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨] أي: طمأنينة، وفي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا، قال الزجاج: أي: فيه ما تسكنون إليه إذا أتاكم.
وقال الحسن: جعل الله لهم في التابوت سكينة تطمئن قلوبهم إليه.
وقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] قال المفسرون: هي لوحان من التوراة، ورضاض الألواح التي تكسرت لما ألقى موسى الألواح، قفيز من المن الذي كان ينزل عليهم، ونعلا موسى وعصاه، وعمامة هارون وعصاه.
وأراد بآل موسى وآل هارون: موسى وهارون، والعرب تقول: آل فلان.
يريد: نفسه، وأنشد أبو عبيدة:
ولا تبك ميتا بعد ميت أجنه علي وعباس وآل أبي بكر
[ ١ / ٣٥٨ ]
يريد: أبا بكر نفسه.
وقوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨] قال المفسرون: كانت الملائكة تحمل تابوت بني إسرائيل فوق العسكر وهم يقاتلون العدو، فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصر.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨] أي: في رجوع التابوت إليكم علامة أن الله قد ملك طالوت عليكم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] مصدقين بتمليكه عليكم.
قوله: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي: سار بهم وقطعهم عن موضعهم، ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وهو نهر بين الأردن وفلسطين، وإنما وقع الابتلاء ليتميز الكاذب من الصادق، والمحقق من المقصر، ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي: من أهل ديني وطاعتي، ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] وطعم كل شيء: ذوقه، يقال: طعمت الماء أطعمه.
بمعنى: ذقته، وأنشد أبو العباس العرجي:
فإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
أراد: لم أذق، والنقاخ: الماء العذب.
قوله: ﴿إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] الاغتراف: الأخذ من الشيء باليد أو بآلة، والمغرفة: الآلة التي يغرف بها، والمغرفة: المرة الواحدة، وهي مصدره، والغرفة، بالضم: الشيء المغترف والماء المغروف.
وقوله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] قال المفسرون: قال لهم طالوت: من شرب من النهر وأكثر فقد عصى الله وخالف أمره، وتعرض لعقابه، ومن اغترف غرفة أقنعته.
فهجموا على النهر بعد عطش شديد أضر بهم فوقع
[ ١ / ٣٥٩ ]
أكثرهم في النهر، وأكثروا الشرب، وأطاع قومٌ قليلٌ عددُهم لم يزيدوا على الاغتراف، فأما من اغترف قوي قلبه، وصح إيمانه، وعبر النهر سالما، وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه ودوابه، والذين شربوا وخالفوا أمر الله اسودت شفاههم، وغلبهم العطش، لم يردوا وبقوا على شط النهر، وجبنوا عن لقاء العدو، ولم يشهدوا الفتح.
وتلك الغرفة لم تكن ملء الكف، ولكن المراد بالغرفة: أن يغترف مرة واحدة بقربة أو جرة، وما أشبه ذلك، تكفيه وتكفي دابته.
وهؤلاء القليل الذين لزموا الاغتراف، كانوا ثلاث مائة وبضعة عشر رجلا، لأن النبي ﷺ قال لأصحابه يوم بدر: «أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر، وما جاز معه إلا مؤمن» .
قال البراء بن عازب: وكنا يومئذ ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا.
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] جاوز النهر طالوت، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] قال ابن عباس والسدي: يعني هؤلاء الذين شربوا وخالفوا أمر الله ﷿، وكانوا أهل شك ونفاق، وانصرفوا عن طالوت، ولم يشهدوا قتال جالوت.
﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] يستيقنون ويعلمون، ﴿أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] راجعون إليه، يعني القليل الذين اغترفوا، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] جماعة، قليلة في العدد، ﴿غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩] عددهم، ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] بإرادته ذلك، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] على قتال أعدائه بالنصرة والمعونة.
يعني: أن النصر مع الصبر.
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٢٥٠﴾ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ
[ ١ / ٣٦٠ ]
وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٢٥١﴾ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٢٥٢﴾﴾ [البقرة: ٢٥٠-٢٥٢] قوله: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] أي: خرجوا لقتال جالوت، ﴿وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠] الإفراغ: الصب، يقال: أفرغت الإناء، إذا صببت ما فيه.
والمعنى: اصبب علينا الصبر أتمَّ صبٍّ وأبلغَه، وثبت أقدامنا بتقوية قلوبنا، وانصرنا وأحسن معونتنا، ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] يريدون: جالوت وجنوده.
قوله: فهزموهم هذه الآية تتصل بما قبلها بتقدير محذوف، كأنه قيل: فأنزل الله صبرا ونصرا فهزموهم.
أي: كسروهم، ومعنى الهزم في اللغة: الكسر، يقال: هزمت العظم القصبة هزما، إذا كسرته.
﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥١] وكان عبر النهر مع طالوت، رمى جالوت بحجر من مقلاعه فوقع بين عينيه فخرج من قفاه، فخر قتيلا، ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥١] جمع له بين الملك والنبوة، قال ابن عباس: يعني: بعد طالوت.
﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١] يعني: صنعة الدروع، والتقدير في السرد، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] قال ابن عباس ومجاهد: ولولا دفع الله بجنود المسلمين وسراياهم ومرابطهم لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المؤمنين، وخربوا البلاد والمساجد.
وقال سائر المفسرين: لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لفسدت الأرض بمن فيها.
يدل على هذا ما
١١٦ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ،
[ ١ / ٣٦١ ]
حَدَّثَنَا أَبُو حُمَيْدٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بِالْمُسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مِائَةِ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الْبَلاءَ» ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عُمَرَ: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]
قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] حيث لم يهلكهم ولم يؤاخذهم عاجلا بعقوبة جناياتهم.
قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٢] أي: هذه الآيات التي أنبأتك بها آيات الله، أي: علاماته التي تدل على توحيده، نتلوها عليك نقرأها عليك على لسان جبريل، بالحق أي: بالصدق، ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢] أي: أنت من هؤلاء الذين قصصت آياتهم، لأنك قد أعطيت مثل ما أعطوا وزيادة.
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
[ ١ / ٣٦٢ ]
الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴿٢٥٣﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٢٥٤﴾﴾ [البقرة: ٢٥٣-٢٥٤] قوله: تلك الرسل يعني جماعتهم، ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] أي: أنهم لا يسوى بينهم في الفضيلة وإن استووا في القيام بالرسالة.
وروى أبو سعيد الخدري، عن النبي ﷺ، قال: «لا تخيروا بين الأنبياء» .
وفي هذا نهي عن الخوض في تفضيل بعض الأنبياء على بعض، فنستفيد من الآية معرفة أنهم متفاوتون في الفضيلة، وننتهي عن الكلام في ذلك لنهيه ﷺ.
وقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] يعني موسى، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] قال مجاهد: أرسل الله محمدا إلى الناس كافة.
وقال الزجاج: ليس شيء من الآيات التي أعطاها الأنبياء إلا وقد أعطى محمدا ﵇ وأكثر.
وقال الربيع بن خيثم: لا نفضل على نبينا أحدا ولا نفضل على خليل الله أحدا.
وقوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣] تقدم فيما سبق تفسير هذا، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٥٣] يعني: من بعد الرسل، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] يعني: من بعد ما وضحت لهم البراهين، ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ثبت على إيمانه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣] كالنصارى بعد المسيح، اختلفوا فصاروا فرقا ثم تحاربوا، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] كرر المشيئة باقتتالهم تأكيدا للأمر، وتكذيبا لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم لم يَجْرِ به قضاءٌ من الله تعالى ولا قدر، ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فيوفق من يشاء فضلا، ويخذل من يشاء عدلا.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] قال الحسن: أراد الزكاة المفروضة.
وقال أبو
[ ١ / ٣٦٣ ]
إسحاق: أي: أنفقوا في الجهاد وليعن بعضكم بعضا.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٥٤] يعني يوم القيامة، يريد: لا يؤخذ في ذلك اليوم بدل ولا فداء، فذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة وأخذ البدل، ولا خلة والخلة: مصدر الخليل، والخلة تنقطع يوم القيامة بين الأخلاء إلا المتقين، كقوله: ﴿الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقوله: ولا شفاعة إنما نفى الشفاعة عاما، لأنه أراد الكافرين، بأن هذه الأشياء لا تنفعهم، ألا ترى أنه قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]؟ أي: هم الذين وضعوا أمر الله غير موضعه.
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]:
١١٧ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرِجَانِيُّ.
أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ السُّكَّرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
[ ١ / ٣٦٤ ]
سَعِيدِ بْنِ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: " أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، حَتَّى أَعَادَهَا ثَلاثًا، ثُمَّ قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قَالَ: فَضَرَبَ عَلَى صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ
١١٨ - أَخْبَرَنَا مَسْعُودُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُعَاذٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُوَيْهِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُوسَى الْغُنْجَارُ، عَنِ ابْنِ كَيْسَانَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ خَرَجَ، يَعْنِي: عُمَرَ، ذَاتَ يَوْمٍ، وَالنَّاسُ سِمَاطَانِ،
[ ١ / ٣٦٥ ]
فَقَالَ: يَأَيُّهَا النَّاسُ أَيُّكُمْ يُخْبِرُنِي بِأَعْظَمِ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمُ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَكَانَ قَدْ جَاءَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: هَهُنَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَدَنَا مِنْهُ، قَالَ: هَلْ أَنْتَ مُخْبِرِي بِأَعْظَمِ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَعْظَمَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إِلَى آخِرِهَا
١١٩ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ، أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَفَّالُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رُزَيْقٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ خَرَقَتْ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فَلَمْ يَلْتَئِمْ خَرْقُهَا حَتَّى يَنْظُرَ اللَّهُ إِلَى قَائِلِهَا فَيَغْفِرَ لَهُ، ثُمَّ يَبْعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَيَكْتُبَ حَسَنَاتِهِ وَيَمْحُوَ سَيِّئَاتِهِ إِلَى الْغَدِ مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ»
وقوله: الله رفع بالابتداء، وما بعده خبره، ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] نفي إله سواه توكيد وتحقيق لإلهيته، لأن قولك: لا كريم إلا زيد.
أبلغ من قولك: زيد كريم.
[ ١ / ٣٦٦ ]
والحي: من له الحياة، وهي صفة تخالف الموت، وذا الجمادية، ومعنى الحي في صفة الله: الدائم البقاء، والقيوم: مبالغة من القائم، قال مجاهد: القيوم: القائم على كل شيء، وتأويله: أنه قائم بتدبير أمر الخلق في إنشائهم وأرزاقهم.
وقال الضحاك: القيوم: الدائم الوجود.
وقال أبو عبيدة: الذي لا يزول الاستقامة وصفٌ بالوجود حيث لا يجوز عليه التغير بوجه من الوجوه.
وقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] السنة: ثقل النعاس، وهو مصدر، يقال: وسن يوسن سنة ووسنا.
والنوم: الغشية الثقيلة التي تهجم على القلب فتقطعه عن معرفة الأمور.
وقال الفضل: السنة في الرأس والنوم في القلب.
والمعنى: أنه لا يغفل عن تدبير الخلق والعلم بالأشياء.
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] استفهام معناه: الإنكار والنفي أي: لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه وأمره، وذلك أن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم، فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة عنده لأحد إلا بإذنه، يعني: شفاعة النبي ﷺ وشفاعة بعض المؤمنين لبعض.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال مجاهد وعطاء والسدي: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] من أمر الدنيا، وما خلفهم من أمر الآخرة.
وقال الضحاك والكلبي: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها، وما خلفهم الدنيا، لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم.
وقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال الليث: يقال لكل من أحرز شيئا أو بلغ علمه أقصاه: قد أحاط به.
[ ١ / ٣٦٧ ]
من علمه أي: من معلومه، والمفعول يسمى بالمصدر.
وقوله: ﴿إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] إلا بما أنبأ به الأنبياء، ليكون دليلا على ثبوت نبوتهم، قال ابن عباس: يريد: ما أطلعتهم على علمه.
وقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يقال: وسع فلان الشيء يسعه سعة، إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به.
ويقال: لا يسعك هذا.
أي: لا تطيقه ولا تحتمله.
وأما الكرسي فقال ابن عباس في رواية عطاء والسدي: إنه الكرسي بعينه وهو لؤلؤ، وما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس.
والمعنى: إن كرسيه مشتمل بعظمه على السموات والأرض.
قال أبو إسحاق الزجاج: وهذا القول بين، لأن الذي نعرفه من الكرسي في اللغة هو الشيء الذي يعتمد عليه ويجلس عليه، وهذا يدل على أن الكرسي عظيم، عليه السموات والأرضون.
وقال بعضهم: كرسيه: سلطانه وملكه، ويكنى عن الملك بالكرسي.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: وسع علمه السموات والأرض.
وقال أبو إسحاق الزجاج: الله أعلم بحقيقة الكرسي، إلا أن جملته أنه أمر عظيم من أمره.
وقوله: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي: لا يثقله ولا يجهده، يقال: آده يئوده أودا، إذا أثقله.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يقال: علا يعلو علوا فهو عالٍ وعليٌّ.
مثل: عالم وعليم، وسامع وسميع، فالله تعالى علي بالاقتدار ونفوذ السلطان، وعلي عن الأشباه والأمثال، يقال: علا فلان عن هذا، إذا كان أرفع محلا عن
[ ١ / ٣٦٨ ]
الوصف به.
فمعنى العلو في وصف الله تعالى: اقتداره وقهره واستحقاقه صفات المدح.
والعظيم معناه: أنه عظيم الشأن، لا يعجزه شيء ولا نهاية لمقدوره ومعلومه.
﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٥٦﴾ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٥٧﴾﴾ [البقرة: ٢٥٦-٢٥٧] قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم: معنى الآية: لا إكراه في الدين بعد إسلام العرب، وذلك أن العرب كانت أمة أمية، لم يكن لهم دين ولا كتاب، فلم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأكرهوا على الإسلام، ولم تقبل منهم الجزية، فلما أسلموا ولم يبق منهم أحد إلا دخل في الإسلام طوعا أو كرها أنزل الله هذه الآية، فلا يكره على الإسلام أهل الكتاب، فإذا أقروا بالجزية تركوا.
وقوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] أي: ظهر الإيمان من الكفر، والهدى من الضلالة، بكثرة الحجج والآيات الدالة.
والرشد: إصابة الحق، ويراد ههنا: الإيمان، من الغي يقال: غوى يغوي غيا وغواية، إذا سلك خلاف طريق الرشد.
قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] قال جميع أهل اللغة: الطاغوت: كل ما عبد من دون الله، يكون واحدا وجمعا، ومؤنثا ومذكرا، وهو في الأصل مصدر نحو الرغبوت والرهبوت.
قال ابن عباس والمفسرون: الطاغوت: الشيطان.
وقيل: الأصنام.
وقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] استمسك بالشيء: إذا تمسك به، والعروة: جمعها عرى، وهي نحو عروة الدلو الكوز، والوثقى: تأنيث الأوثق.
[ ١ / ٣٦٩ ]
قال عطاء، عن ابن عباس: العروة الوثقى: شهادة أن لا إله إلا الله وأن ما جاء به محمد ﷺ حق وصدق.
وقال مجاهد: هي الإيمان.
وقوله: ﴿لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦] الفصم: كسر الشيء من غير إبانة، يقال: فصمته فانفصم.
قال ابن عباس: لا انقطاع لها دون رضا الله ودخول الجنة.
والله سميع لدعائك يا محمد بإسلام أهل الكتاب، عليم بحرصك واجتهادك.
قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] أي: معينهم وناصرهم ومتولي أمورهم، والذي يقرب منهم بالعون والنصرة.
وقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أي: من الكفر والضلال إلى الإيمان والهداية، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] يعني: رؤساء الضلالة، مثل كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] يعني اليهود، وكانوا مؤمنين بمحمد ﷺ قبل أن يبعث، لما يجدونه في كتابهم، فلما بعث جحدوه وكفروا به.
وروى مجاهد، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: كان قوم آمنوا بعيسى وقوم كفروا به، فلما بعث الله محمدا آمن به الذين كفروا بعيسى، وكفر به الذين آمنوا بعيسى، فقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] من كفر بعيسى إلى إيمان بمحمد ﷺ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] قال: من إيمان بعيسى إلى كفر بمحمد ﷺ.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
[ ١ / ٣٧٠ ]
قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي: هل انتهت رؤيتك يا محمد إلى من هذه صفته؟ وفي هذا تعجيب للمخاطب، وحاج: جادل وخاصم، وهو نمروذ بن كنعان.
وقوله: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي: لأن آتاه الله، يريد: بطر الملك حمله على محاجة إبراهيم.
قال ابن عباس: إن إبراهيم دخل بلدة نمروذ ليمتار، فأرسل إليه نمروذ، وقال: من ربك؟ ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] نمروذ: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أقتل من شئت، وأستحيي من شئت.
فسمى ترك القتل إحياءً، وعارضه في الحجة بالعبارة دون فعل حياة أو موت على سبيل الاختراع.
وقرأ نافع أنا بإثبات ألف بعد النون، وذلك إنما يجوز في الوقف دون الوصل، ولكنه أجرى الوصل مجرى الوقف، وأثبت الألف كما أنشد الكسائي:
أنا سيف العشيرة فاعرفوني حميد قد تذريت السناما
فاحتج إبراهيم بحجة مسكتة، لا يمكنه أن يقول: أنا أفعل ذلك.
وهو قوله: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي: تحير، أو سكت وانقطعت حجته، يقال: بهت الرجل فهو مبهوت، إذا تحير.
قال عروة:
فما هو إلا أن رآها فجاءة فأبهت حتى ما أكاد أجيب
[ ١ / ٣٧١ ]
﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] لا يجعل جزاءهم على ظلمهم أن يهديهم.
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] قال أكثر المفسرين: هو عزير، والقرية هي إيليا، وهي بيت المقدس، أتى عليها عزير بعد أن خربها بخت نصر البابلي.
وقوله: وهي خاوية أي: ساقطة متهدمة، يقال: خوى الحائط، إذا تهدم.
وهو أن ينقلع من أصله، ومنه قوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] أي: منقلعة من أصولها.
وقوله: على عروشها أي: على سقوفها، وذلك أن الحيطان كانت قائمة وقد تهدمت سقوفها، ثم انقلعت الحيطان فتساقطت على السقوف.
وقوله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي: أنى يعمرها بعد خرابها؟ استبعد أن يفعل الله ذلك، على معنى
[ ١ / ٣٧٢ ]
أنه لا يفعله، فأحب الله تعالى أن يريه آية في نفسه وفي إحياء القرية، ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] وذلك أنه نام فنزع الله منه الروح مائة عام، وكان معه حمار وتين وعصير، فأمات الله حماره أيضا، فلما مضت مائة سنة أحيا الله تعالى منه عينيه، وسائر جسده ميت، ثم أحيا جسده وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره، فإذا عظامه بيض تلوح، فسمع صوتا من السماء: أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تكتسي لحما وجلدا.
فكان كذلك، ثم قام بإذن الله ونهق، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي: كم أقمت ومكثت ههنا؟ ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار، وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل أن تغيب الشمس، فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٩] وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] بمعنى: بل بعض يوم، ﴿قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩] يعني التين، وشرابك يعني العصير، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] لم يتغير ولم ينتن بعد مائة سنة، والتسنه: التغير.
وقال: قرأ لم يتسن بغير هاء، أخذه من التسني، وهو التغير أيضا بمر السنين عليه.
قال ابن عباس: نظر إلى التين فإذا هو كما اجتناه، ونظر إلى العصير فإذا هو كهيئته لم يتغير.
وقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩] أراه الله علامة مكثه مائة سنة ببلى عظام حماره.
قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩] قال المفسرون: جعله الله آية للناس بأن بعثه شابا أسود الرأس واللحية، وبنو بنيه شيب.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ [البقرة: ٢٥٩] يعني: عظام حمارك، كيف ننشرها أي: نحييها، يقال: أنشر الله الميت.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]، وقرأ حمزة والكسائي ننشزها بالزاي، من الإنشاز وهو الرفع.
يقال: أنشزته فنشز.
أي: رفعته فارتفع، ويقال لما ارتفع من الأرض: نشز.
ومعنى الآية: كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أمكانها من الجسد ونركب بعضها على بعض.
وقوله: ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي: قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه غيبا.
وقرأ حمزة قال اعلم مجزوما موصولا على لفظ الأمر، كأنه أمر نفسه بذلك.
ويجوز أن يكون الله تعالى قال له: اعلم أن الله على كل شيء قدير.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] قال أكثر المفسرين: رأى إبراهيم جيفة بساحل البحر تتناولها السباع والطير ودواب البحر، ففكر كيف يجتمع ما قد تفرق من تلك الجيفة، وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] فقال الله ﷿: أولم تؤمن وهذه الألف للإيجاب والتقرير، يعني: أولست قد آمنت؟ ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] برؤية ما أحب وأشتهي مشاهدته،
[ ١ / ٣٧٤ ]
قال الحسن: كان إبراهيم موقنا بأن الله ﷿ يحيي الموتى، ولكن لا يكون الخبر عند ابن آدم كالمعاينة.
وقال سعيد بن جبير: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]: لأزداد إيمانا.
قال الله تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] قال ابن عباس: أخذ طاوسا ونسرا وديكا وغرابا.
﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] قال أكثر أهل اللغة والتفسير: وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد: قطعهن.
يقال: صار الشيء يصوره صورا، إذا قطعه.
وقرأ حمزة بكسر الصاد، قال الأخفش: يقال: صاره يصيره، إذا قطعه.
وتقدير الآية: خذ إليك أربعة من الطير فصرهن.
﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠] قال المفسرون: أمره الله تعالى أن يذبح تلك الطيور وينتف ريشها ويقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها بعضها ببعض، ثم يجزئهن أربعة أجزاء على أربعة أجبل، ففعل
[ ١ / ٣٧٥ ]
ذلك إبراهيم، وأمسك رءوسهن عنده، ثم دعاهن: تعالين بإذن الله.
فجعلت أجزاء الطيور يطير بعضها إلى بعض، ثم أتينه سعيا على أرجلهن، وتلقى كل طائر رأسه، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] لا يمتنع عليه ما يريد، حكيم فيما يدبر ويفعل.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٦١﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٢٦٢﴾﴾ [البقرة: ٢٦١-٢٦٢] قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١] الآية، هذا حث على الإنفاق في الجهاد، ووعد من الله تعالى لمن أنفق في سبيله أن الواحد يضاعف له بسبعمائة، وهو قوله: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]:
١٢٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي رُشَيْدٍ الْعَدْلُ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الدُّورِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ، عَنْ عِيسَى بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " رَبِّ زِدْ أُمَّتِي، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]
[ ١ / ٣٧٦ ]
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] أي: من أهل النفقة في طاعة الله، والله واسع جواد لا ينقصه ما يتفضل به، عليم بمن ينفق.
قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢] المن: الاعتداء بالصنيعة وذكرها.
قال المفسرون: المن المذكور في هذه الآية: هو أن يقول: قد أحسنت إلى فلان ونعشته، وجبرت حاله وأغنيته.
يمن بما فعل.
والأذى: هو أن يذكر إحسانه لمن لا يحب الذي أحسن إليه وقوفه عليه، وما أشبه ذلك من القول الذي يؤذيه.
قال قتادة: علم الله أن ناسا يمنون بعطائهم، فكره ذلك وتقدم فيه فمن فقال: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴿٢٦٣﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿٢٦٤﴾﴾ [البقرة: ٢٦٣-٢٦٤] قول معروف أي: كلام حسن، ورد على السائل جميل، وقال عطاء: عدة حسنة.
ومغفرة أي: تجاوز عن السائل إذا استطال عليه عند رده، ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣] أي: من وتعيير للسائل بالسؤال، والله غني عن صدقة العباد، حليم إذ لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي: ثواب صدقاتكم، بالمن هو أن يمن بما أعطى، وقال الكلبي: بالمن على الله في صدقته.
﴿وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] لصاحبها، ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي: كإبطال الذي ينفق، ماله وهو المنافق، أنفق ماله من غير إيمان ولا احتساب، رئاء الناس يرائي الناس بصدقته، ولا
[ ١ / ٣٧٧ ]
يرجو ثوابا لها.
والرئاء: فعال من المراءاة، كما يقال: قتال ومقاتلة، والهمزة فيه عين الفعل، فمثله أي: مثل هذا المنافق المرائي، ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤] وهو الحجر الأملس، ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤] وهو المطر الشديد، يقال: وبلت السماء تبل وبلا.
﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] وهو الأملس اليابس، يقال: حجر صلد، وجبين صلد، إذا كان براقا أملس.
وهذا مثل ضربه الله لعمل المرائي وعمل المان المؤذي، يري الناس في الظاهر أن له عملا، كما يرى التراب على هذا الحجر، فإذا كان يوم القيامة بطل عمله، لأنه لم يكن لله، كما أذهب المطر ما كان على الحجر من التراب، فلا يقدر أحد على ذلك التراب الذي أزاله المطر عن الحجر، وهو قوله: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي: على ثواب شيء، مما كسبوا أي: لا يؤجرون على ما أنفقوا ولا يجدون ثواب ما عملوا، ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي: لا يجعل جزاءهم على كفرهم أن يهديهم.
ثم ضرب مثلا لمن ينفق، يريد ما عند الله ولا يمن ولا يؤذي، فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٢٦٥﴾ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴿٢٦٦﴾﴾ [البقرة: ٢٦٥-٢٦٦] ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥] طلبا لرضا الله، ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥] قال
[ ١ / ٣٧٨ ]
السدي وابن زيد: يقينا.
وقال الشعبي والكلبي: يعني: تصديقا من أنفسهم.
قال الزجاج: ينفقونها مقرين بأنها مما يثيب الله عليها.
﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] وهي ما ارتفع من الأرض.
وقرئ بفتح الراء، وهما لغتان.
﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥] وهو المطر الشديد، ﴿فَآتَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٥] أدت وأعطت، أكلها ما يؤكل منها، ومنه قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] والضم والتخفيف لغتان، قال المفسرون: أكلها: ثمرها.
وقوله: ضعفين قال ابن عباس: حملت في سنة من الريع ما تحمل غيرها في سنتين.
وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥] أي: وأصابها طل، وهو المطر اللين الصغير القطر.
يقال: طلت السماء تطل طلا فهي طلة، وطلت الأرض فهي مطلولة.
والمعنى: فأصابها طل، فتلك حالها في إيتاء الثمر وتضاعفه، لا ينقص بالطل عن مقداره بالوابل، يقول: كما أن هذه الجنة تثمر في كل حين، ولا تخيب صاحبها، قل المطر أو كثر، كذلك يضعف الله صدقة المؤمن المخلص، قلت نفقته أو كثرت.
قال قتادة: هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن، يقول: ليس لخيره خلف كما ليس لخير الجنة خلف علي أي حال، إن أصابها وابل وإن أصابها طل.
[ ١ / ٣٧٩ ]
قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٦] الآية، قال مجاهد: هذا مثل للمفرط في طاعة الله تعالى المشتغل بملاذ الدنيا، يحصل في الآخرة على الحسرة العظمى.
وقال ابن عباس: هذا مثل للذي يختم عمله بفساد وكان يعمل عملا صالحا، فمثله كمثل رجل كانت له جنة ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ [البقرة: ٢٦٦] فضعف عن الكسب، وله أطفال صغار لا ينفعونه، وهو قوله: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦] وهي ريح ترتفع وتستدير نحو السماء كأنها عمود، ﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦] جنته، أحوج ما كان إليها عند كبر سنه وضعف الحيلة، وكثرة العيال، وطفولة الولد، فبقي هو وأولاده عجزة متحيرين، لا يقدرون على حيلة، كذلك يبطل الله عمل المنافق والمرائي حين لا توبة لهما، ولا إقالة من ذنوبهما.
١٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا وَجَدْتُ أَحَدًا يَشْفِينِي مِنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ خَلْفَهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنِّي لأَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْئًا، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ، لِمَ تُحَقِّرَ نَفْسَكَ؟ تَحَوَّلْ هَهُنَا، فَقَامَ فَأَجْلَسَهُ، فَقَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ عُمْرُهُ كُلُّهُ للَّهِ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، حَتَّى إِذَا كَانَ أَحْوَجَ مَا يَكُونُ إِلَى أَنْ يَخْتِمَ عَمَلَهُ بِخَيْرٍ، حِينَ فَنِيَ عُمْرُهُ، وَاقْتَرَبَ أَجَلُهُ، عَمِلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، وَعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَخَتَمَ بِهِ عَمَلَهُ، فَأَفْسَدَ ذَلِكَ عَمَلَهُ كُلَّهُ، كَمَا لَوْ كَانَ لأَحَدِكُمْ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، فَأَتَتْهَا نَارٌ فَأَحْرَقَتْهَا، فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِهَذَا
[ ١ / ٣٨٠ ]
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿٢٦٧﴾ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٦٨﴾ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ﴿٢٦٩﴾﴾ [البقرة: ٢٦٧-٢٦٩] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] قال مجاهد: يعني التجارة، والمعنى: أنفقوا، أي: أدوا الزكاة.
ما كسبتم بالتجارة والصناعة من الذهب والفضة، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] يعني: الحبوب مما تجب فيه الزكاة، ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] التيمم: القصد والتعمد، يقال: أممته وتيممته ويممته.
أي: قصدته.
قال المفسرون: كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] يقول: لا تقصدوا إلى الرديء من أموالكم فتنفقونه في سبيل الله.
وقراءة العامة: ولا تيمموا مخففة التاء، وعلى حذف إحدى التاءين، لأن الأصل: لا تتيمموا، وقرأ ابن كثير: مشددة التاء على الإدغام.
وقوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: يأخذ ذلك الرديء الخبيث لو كان لكم على إنسان حق، ﴿إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] والإغماض في اللغة: غض البصر وإطباق جفن على جفن، ثم صار عبارة عن التسامح والتساهل في البيع وغيره.
يقول: أنتم لا تأخذونه إلا بتساهل، فكيف تعطونه في الصدقة؟
[ ١ / ٣٨١ ]
وفي هذا بيان أن الفقراء شركاء رب المال في ماله، فإذا كان ماله جيدا فهم شركاؤه في الجيد، والشريك لا يأخذ الرديء من الجيد إلا بالتساهل.
١٢٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ نَصْرٍ الْحَذَّاءُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحِميِد بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ أَبِي عُرَيْبٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَنَحْنُ فِي الْمَسِجِد، وَبِيَدِهِ عَصًا، وَقَدْ عَلَّقَ رَجُلٌ مِنَّا قِنْوَ حَشَفٍ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَطْعَنُ الْقِنْوَ بِالْعَصَا، وَيَقُولُ: " لَوْ أَنَّ صَاحِبَ هَذَا، أَوْ قَالَ: رَبَّ هَذَا، تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَطْيَبَ مِنْ هَذَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ هَذَا يَأْكُلُ الْحَشَفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
[ ١ / ٣٨٢ ]
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: عن صدقات الناس، حميد على إحسانه وإنعامه.
قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] أي: يخوفكم بالفقر على إنفاق المال والتصدق به.
يقول: أمسك مالك فإنك إن تصدقت افتقرت.
﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] أي: البخل ومنع الزكاة.
والله يعدكم أي: يجازيكم على صدقاتكم، مغفرة منه لذنوبكم، وفضلا وهو أن يخلف عليكم ما أنفقتم، والله واسع الفضل لمن أنفق، عليم بمن ينفق ومن لا ينفق.
قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال ابن عباس والمفسرون: يعني القرآن والفهم فيه.
وقال الحسن: يعني الورع في دين الله.
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال مجاهد: ليست بالنبوة، ولكنه القرآن والعلم والفقه.
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] أي: ما يتعظ إلا ذوو العقول.
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴿٢٧٠﴾ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٢٧١﴾﴾ [البقرة: ٢٧٠-٢٧١] قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] يعني: ما أديتم من زكاة مفروضة، ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] يعني: تطوعتم بصدقة، والنذر: ما يلتزمه الإنسان لله بإيجابه على نفسه، وكل ما نوى الإنسان أن يتطوع به فهو نذر.
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] أي: يجازي به، فدل بذكر العلم على تحقيق الجزاء، وعادت الكناية في قوله: يعلمه إلى ما في قوله: وما أنفقتم لأنها اسم.
[ ١ / ٣٨٣ ]
وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] وعيد لمن أنفق في غير الوجه الذي يجوز له، من رياء أو معصية أو من مال مغصوب مأخوذ من غير وجهه.
والأنصار: جمع نصير، بمعنى ناصر، يعني: لا أحد ينصرهم من عذاب الله.
قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] قال ابن عباس: نزلت لما سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ قوله: فنعما هي أي: فنعم شيئا ابداؤها، وقراءة العامة فنعما بفتح النون وكسر العين، لأن أصل نعيم: نعم، كما قال طرفة:
نعم الساعون في الأمر المبر
وقرأ نافع فنعما بكسر النون والعين، أتبع العين النون في الكسر حذارا من الجمع بين ساكنين.
وقرأ أبو عمرو بكسر النون وجزم العين، واختاره أبو عبيد وقال: هي لغة النبي ﷺ في قوله لعمرو بن العاص: «
[ ١ / ٣٨٤ ]
نعما بالمال الصالح للرجل الصالح» .
هكذا روي الحديث بسكون العين.
وجمهور المفسرين على أن المراد بالصدقات في هذه الآية: التطوع، لا الفرض، لأن الفرض إظهاره أفضل من كتمانه، والتطوع كتمانه أفضل، وهو قوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] قال ابن عباس في رواية الوالبي: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال: بسبعين ضعفا.
وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها.
وقال قتادة: كلٌّ مقبول إذا كانت النية صالحة، وصدقة السر أفضل، وقوله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] التكفير معناه: التغطية والستر، يقال: كفر عن يمينه.
أي: ستر ذنب الحنث بما بذل من الصدقة.
والكفارة: الساترة لما حصل من الذنب.
وقرئ ونكفر بالجزم، عطفا على قوله: من سيئاتكم من ههنا: صلة للكلام، يريد: جميع سيئاتكم.
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴿٢٧٢﴾ لِلْفُقَرَاءِ
[ ١ / ٣٨٥ ]
الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴿٢٧٣﴾﴾ [البقرة: ٢٧٢-٢٧٣] قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]:
١٢٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَرْثِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَصَدَّقُوا إِلا عَلَى أَهْلِ دِينِكُمْ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَصَدَّقُوا عَلَى أَهْلِ الأَدْيَانِ»
وبهذا الإسناد، عن سهل، حدثنا ابن نمير، عن الحجاج، عن سالم المكي، عن ابن الحنفية، قال: كان المسلمون يكرهون أن يتصدقوا على فقراء المشركين حتى نزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] فأمروا أن يتصدقوا عليهم.
[ ١ / ٣٨٦ ]
قال المفسرون: نزلت هذه الآية حين جاءت قتيلة أم أسماء بنت أبي بكر ﵁ إليها تسألها، وكذلك جدتها، وهما مشركتان، فقالت: لا أعطيكما حتى أستأمر رسول الله ﷺ، فإنكما لستما على ديني.
فاستأمرته في ذلك فأنزل الله هذه الآية، فأمرها رسول الله ﷺ أن تتصدق عليهما.
وهذا في صدقة التطوع، أباح الله أن يتصدق على الملي والذمي، فأما الفرض فلا يجوز أن يتصدق به إلا على المسلمين.
ومعنى الآية: ليس عليك هدى من خالفك، فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام، حاجة منهم إليها.
وأراد بالهدى ههنا: هدى التوفيق، وخلق الهداية، لأنه كان على رسول الله ﷺ هدى البيان والدعوة لجميع الخلق.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] قال ابن عباس: يريد أولياءه.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٢] من مال، وهو شرط، وجوابه: ﴿فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ظاهر خبر، وتأويله: نهي، أي: ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، كقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، و﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
وفي ذكر الوجه في قوله تعالى: ﴿إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] قولان: أحدهما: أن المراد منه تحقيق الإضافة، لأن ذكر الوجه يرفع الإيهام أنه له ولغيره، وذلك أنك لما ذكرت الوجه، ومعناه: النفس، دل على أنك تصرف الوهم عن الاشتراك إلى تحقيق الاختصاص، فكنت بذلك محققا للإضافة ومزيلا لإيهام الشركة.
[ ١ / ٣٨٧ ]
القول الثاني: أنك إذا قلت: فعلته لوجه زيد.
كان أشرف في الذكر من: فعلته له.
لأن وجه الشيء في الأصل أشرف ما فيه، ثم كثر حتى صار يدل على أشرف الذكر من غير تحقيق وجه، ألا ترى أنك تقول: وجه الدليل، ووجه الرأي، ووجه الأمر.
فلا تريد تحقيق الوجه، وإنما تريد أشرف ما فيه من جهة شدة ظهوره وحسن بيانه؟ قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] يوف لكم جزاؤه، والتوفية: إكمال الشيء، قال ابن عباس: يجازيكم به في الآخرة.
وإنما حسن إليكم مع التوفية، لأنها تضمنت معنى التأدية، ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢] لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا، كقوله: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] يريد: لم تنقص.
كقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] الآية، قال ابن عباس في رواية الكلبي: هم أهل الصفة، صفة مسجد رسول الله ﷺ، وهم نحو من أربع مائة رجل، لم يكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر يأوون إليهم، فجعلوا أنفسهم في المسجد وقالوا: نخرج في كل سرية يبعثها رَسُول اللَّهِ ﷺ في سبيل الله.
فحث الله الناس على الصدقة عليهم، وكان الرجل إذا أكل وعنده فضل أتاهم به إذا أمسى.
واللام في قوله: للفقراء متعلق بمحذوف، وتأويله: هذه الصدقات أو النفقة للفقراء، وقد تقدم ما يدل عليه لأنه سبق ذكر الإنفاق والصدقات.
قال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: عاقل لبيب، إذا تقدم وصف رجل.
والمعنى: الموصوف عاقل لبيب.
وقوله: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] تفسير الإحصار قد تقدم عند قوله: فإن أحصرتم قال قتادة: صبروا أنفسهم في سبيل الله، أي: في طاعته للغزو، فلا يتفرغون إلى طلب المعاش.
وقال سعيد بن المسيب: هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله ﷺ وصاروا زمني، فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله، فعذرهم الله فقال: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] يريد: الجهاد.
[ ١ / ٣٨٨ ]
يقال: ضربت في الأرض ضربا، إذا سرت فيها.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]، وهؤلاء إنما لا يستطيعون الضرب في الأرض لأن الفقر منعهم عن جهاد العدو على قول ابن عباس.
وعلى قول سعيد بن المسيب: الزمانة.
وعلى قول قتادة: لأنهم ألزموا أنفسهم أمر الجهاد، فمنعهم ذلك عن التصرف للمعاش.
وقوله: يحسبهم الجاهل يقال: حسبت الشيء أحسبه وأحسبه.
بالكسر والفتح، وقرئ بالوجهين في القرآن ما كان من مضارع حسب، والفتح أقيس عند أهل اللغة، لأن الماضي إذا كان فعل كان المضارع على يفعل، والكسر شاذ وهو حسن لمجيء السمع به.
وقوله: الجاهل: لم يرد الجهل الذي هو ضد العلم، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الخبرة، يقول: يحسبهم من لم يختبر أمرهم.
﴿أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وهو ترك السؤال، يقال: عف عن الشيء، وتعفف عنه، إذا تركه.
ومنه قول رؤبة:
فعف عن أسرارها بعد العسق
أي: تركها.
وقوله: تعرفهم بسيماهم السيما، والسيماء، والسيمياء: العلامة التي يعرف بها الشيء، قال مجاهد: سيماهم التخشع.
وقال الربيع والسدي: أثر الجهد من الحاجة والفقر.
وقال الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع.
وقال ابن زيد: رثاثة ثيابهم.
[ ١ / ٣٨٩ ]
وقوله: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] الإلحاف: هو الإلحاح في المسألة، قال الزجاج: معنى ألحف: شمل بالمسألة.
واللحاف سمي لحافا لأنه يشمل الإنسان، فالملحف الذي يشمل سؤاله كل أحد، ويشمل وجوه الطلب، هذا هو الأصل، ثم يسمى من سأل مع الاستغناء: ملحفا.
١٢٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا»
قال ابن عباس في قوله: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] يقول: إذا كان عنده غداء لم يسأل عشاء، وإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداء.
وأكثر أهل المعاني الفراء والزجاج وابن الأنباري قالوا: هذا نفي للسؤال أصلا، فهم لا يسألون الناس إلحافا، ولا غيرَ إلحافٍ، لما وصفوا به من التعفف.
قالوا: والمعنى: ليس منهم سؤال فيكون إلحافا، كما قال الأعمش:
لا يغمز الساق من أين ولا وصب ولا يعض على شرسوفه الصفر
معناه: ليس بساقه أين ولا وصب فيغمزها، ليس أن هناك أينا ولا يغمز.
١٢٥ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
[ ١ / ٣٩٠ ]
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيْسَ الطَّوَافُّ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَالأَكْلَةُ وَالأَكْلَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا»
١٢٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ (فَيَبِيعَهَا) فَيَكُفَّ (اللَّهُ) بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ (أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ)»
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ٢٧٤] الآية، قال ابن عباس، في رواية الكلبي، وفي رواية مجاهد عنه: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب ﵁، لم يكن يملك غير أربعة دراهم،
[ ١ / ٣٩١ ]
فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية، فأنزل الله هذه الآية.
١٢٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَالِكٍ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ الْجُرْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤]، قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، فَأَنْفَقَ بِاللَّيْلِ وَاحِدًا، وَبِالنَّهَارِ وَاحِدًا، وَفِي السِّرِّ وَاحِدًا، وَفِي الْعَلانِيَةِ وَاحِدًا
وروى حنش بن عبد الله الصنعاني، عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في الذين يرتبطون الخيل في سبيل الله، ينفقون عليها بالليل والنهار سرا وعلانية.
وروي ذلك مرفوعا:
١٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْخَلِيلُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي مَهْدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عُرَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] فِي أَصْحَابِ الْخَيْلِ ".
[ ١ / ٣٩٢ ]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَخْبِلُ أَحَدًا فِي بَيْتِهِ فَرَسٌ عَتِيقٌ مِنَ الْخَيْلِ»
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٧٥﴾ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴿٢٧٦﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٢٧٧﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٢٧٨﴾ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ﴿٢٧٩﴾ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٨٠﴾ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴿٢٨١﴾﴾ [البقرة: ٢٧٥-٢٨١] قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] يريد: الذين يعاملون به، فنبه بالأكل على ما سواه، كما قال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء: ١٠] .
والربا في اللغة: الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو ربا، وأربى الرجل، إذا عامل في الربا.
ومنه الحديث: «من أجبى فقد أربى» .
أي: عامل بالربا.
هذا معنى الربا في اللغة، وأما في الشرع: فهو اسم للزيادة على أصل المال من غير بيع.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وقوله: لا يقومون يعني: يوم القيامة من قبورهم، ﴿إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٢٧٥] التخبط معناه: الضرب على غير استواء، ويقال للذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: يخبط خبط عشواء.
ومنه قول زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
وتخبطه الشيطان: إذا مسه بخبل أو جنون، يقال: به خبطة من جنون.
وقوله: من المس المس: الجنون، يقال: مس الرجل فهو ممسوس وبه مس وألس.
وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه، ثم سمي الجنون مسا، كما أن الشيطان يتخبطه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة.
قال قتادة: إن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا، وذلك علم لأكله الربا يعرفهم به أهل الوقف.
وقوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي: ذلك الذي نزل بهم بقولهم هذا واستحلالهم إياه، وذلك أن المشركين قالوا: الزيادة على رأس المال بعد محل الدين كالزيادة بالربع في أول البيع.
وكان أحدهم إذا حل له مال على إنسان قال لغريمه: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل.
فكذبهم الله ﷿ فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي: وعظ، قال السدي: يعني القرآن.
فانتهى عن أكل الربا، ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي: ما أكل من الربا، ليس عليه رده.
ومعنى سلف: تقدم ومضى، والسلوف: التقدم.
[ ١ / ٣٩٤ ]
﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي: بعد النهي، إن شاء عصمه حتى يثبت على الانتهاء، وإن شاء خذله حتى يعود، ومن عاد إلى استحلال الربا، ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] قال أبو إسحاق الزجاج: هؤلاء الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا.
ومن اعتقد هذا فهو كافر.
١٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا مَحْفُوظُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: " لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الرِّبَا خَمْسًا: آكِلَهُ، وَمُوكِلَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَكَاتِبَهُ "
قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦] المحق: نقصان الشيء حالا بعد حال، ومنه المحاق في الهلاك، يقال: محقه الله فانمحق وامتحق.
قال المفسرون: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: ينقصه ويذهب بركته، وإن كان كثيرا كما يمحق القمر، وقال ابن
[ ١ / ٣٩٥ ]
عباس في رواية الضحاك: يعني: لا يقبل الله منه صدقة ولا جهدا ولا حجا، ولا صلاة.
ويربي الصدقات أي: يزيد فيها ويبارك عليها، قال عطاء، عن ابن عباس: ويربي الصدقات لصاحبها كما يربي أحدكم فصيله.
١٣٠ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ النَّاجِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقْبَلُ الصَّدَقَاتِ وَلا يَقْبَلُ مِنْهَا إِلا الطَّيِّبَ، وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ، أَوْ فَلُوَّهُ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ»
وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] و﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] .
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: بتحريم الربا لا يصدق الله ورسوله في ذلك، أثيم أي: فاجر بأكله، ومعنى لا يحبه الله: لا يثني عليه، ولا يثيبه، ولا يرضى فعله.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧] تفسير هذه الآية قد تقدم فيما مضى.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]:
[ ١ / ٣٩٦ ]
١٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ صَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلَى أَنَّ لَهُمْ رِبَاهُمْ عَلَى النَّاسِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبًا فَهُوَ مَوْضُوعٌ.
وَكَانَ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ يَأْخُذُونَ الرِّبَا عَلَى بَنِي الْمُغِيرَةِ فَجَاءَ الإِسْلامُ، وَلَهُمْ عَلَيْهِمْ مَالٌ كَثِيرٌ، فَجَاءُوا يَطْلُبُونَ الرِّبَا مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ فَرَفَعَ ذَلِكَ بَنُو الْمُغِيرَةِ، إِلَى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَتَّابًا عَلَى مَكَّةَ، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، فَكَتَبَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عَتَّابٍ فَفَعَلُوا
ومعنى الآية: تحريم ما بقي دينا من الربا، وإيجاب أخذ المال دون الزيادة على جهة الربا.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] معناه: أن من كان مؤمنا فهذا حكمه، كما تقول: إن كنت أخي فأكثر مني.
معناه: أن من كان أخا أكرم أخاه.
قال الزجاج: أعلم الله أن من كان مؤمنا قبل عن الله تعالى أمره، ومن أبى فهو حرب، أي: كافر.
وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٧٩] أي: فإن لم تذروا ما بقي من الربا، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] يقال: أذن بالشيء، إذا علم به.
يأذن أذنا وأذانة، قال أبو عبيدة: يقال: آذنته بالشيء فأذن به.
أي: علم.
والمعنى: فإن لم تضعوا الربا الذي قد أمر الله بوضعه عن الناس فاعلموا بحرب من الله ورسوله، وهي القتل في الدنيا والنار في الآخرة، أي: فأيقنوا أنكم تستحقون القتل والعقوبة بمخالفة أمر الله ورسوله.
[ ١ / ٣٩٧ ]
وقرأ حمزة وعاصم، في بعض الروايات فآذنوا ممدودا، أي: فاعلموا، من قوله: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، والمعنى: فأعْلِمُوا مَن لم ينتهِ عن ذلك بحربٍ، وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم لا محالة.
قال سعيد بن جبير: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب.
وقوله وإن تبتم أي: عن الربا، ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وإنما شرط التوبة لأنهم إن لم يتوبوا كفروا برد حكم الله، وصار مالهم فيئا للمسلمين، فلا يكون لهم رءوس أموالهم.
وقوله: لا تظلمون أي: بطلب الزيادة، ولا تظلمون بالنقصان عن رأس المال.
قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قال الإخوة المربون، يعني ثقيفا: بل نتوب إلى الله ﷿، فإنه لا يدان لنا بحرب الله ورسوله.
فرضوا برأس المال، وسلموا لأمر الله ﷿، فشكا بنو المغيرة العسرة وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات.
فأبوا أن يؤخروا، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وكان ههنا بمعنى: وقع وحدث، أي: إن وقع غريم ذو عسرة، والعسرة: اسم من الإعسار، وهو تعذر الموجود من المال.
وقوله: فنظرة النظرة: اسم من الإنظار، وهو الإمهال، يقال: بعته بنظرة وبإنظار.
والمعنى: فالذي تعاملونه به نظرة، أي: تأخير، إلى ميسرة وهي مفعلة من اليسر الذي هو ضد العسر، وهو تيسر الموجود من المال، يقال: ميسرة وميسرة وميسور.
ومهما علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه وملازمته ومطالبته بما له عليه، ووجب عليه الإنظار إلى وقت يساره.
[ ١ / ٣٩٨ ]
١٣٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَ أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّجَّاجُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنَا الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْيُسْرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ»
١٣٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا أُعْسِرَ الْمُعْسِرُ، قَالَ لِفَتَاهُ: تَجَاوَزْ عَنْهُ فَلَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، وَعَنِ ابْنِ وَهْبٍ
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أعلم الله تعالى أن الصدقة برأس المال على المعسر خير وأفضل من انتظار يسره.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] انتصب يوما على المفعول به، لا على الظرف، لأنه ليس المعنى: اتقوا في هذا اليوم، ولكن المعنى: تأهبوا للقاء هذا اليوم بما تقدمون من العمل الصالح، ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨١] أي: جزاء ما كسبت من الأعمال، قال ابن عباس: يريد ثواب عملها خيرا بخير وشرا بشر.
[ ١ / ٣٩٩ ]
﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] يريد: وهم لا ينقصون لا أهل الثواب ولا أهل العقاب، قال: وهذه الآية لجميع الخلق البر والفاجر.
١٣٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَيَّانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] قال ابن جريح: وعاش رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال.
وقال سعيد بن جبير ومقاتل: سبع ليال.
قال ابن عباس: قال جبريل للنبي ﷺ: ضعها على رأس ثمانين ومائتين من ﴿[البقرة.
] يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٢٨٢﴾ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ
[ ١ / ٤٠٠ ]
بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿٢٨٣﴾﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢-٢٨٣] قوله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال ابن عباس: لما حرم الله تعالى الربا أباح السلم بهذه الآية.
والتداين: تفاعل، من الدين، ومعناه: تبايعتم بدين، والأجل معناه: الوقت المضروب لانقضاء الأمر، وأصله من التأخير، يقال: أجل الشيء يأجل أجولا، إذا تأخر.
والآجل: نقيض العاجل.
قال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه.
ثم قرأ ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
أمر الله تعالى في الحقوق المؤجلة بالكتابة والإشهاد، وهو قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] حفظا منه للأموال، وذلك أن الذي عليه الدين إذا كانت عليه الشهود والبينة قل تحدثه نفسه بالطمع في إذهابه، وهذا أمر ندب وإباحة، فإن كتب فحسن، وإن لم يكتب فلا بأس.
١٣٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوَب، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّهُ هَمٌّ بِاللَّيْلِ وَمَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ»
١٣٦ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حبَّانَ بْنِ
[ ١ / ٤٠١ ]
الأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ، فَقَالَ: «هَهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلانٍ إِنَّ صَاحِبَكُمْ مَحْبُوسٌ بِبَابِ الْجَنَّةِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ»
١٣٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ، أَخْبَرَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، أَخْبَرَنَا عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى الدِّينِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي
قوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي: ليكتب كتاب الدين بين المستدين والمدين كاتب بالعدل،
[ ١ / ٤٠٢ ]
أي: بالحق والإنصاف، لا يكتب لصاحب الدين فضلا على الذي عليه، ولا ينقصه من حقه، ولا يقدم الأجل ولا يؤخره، ولا يكتب شيئا يبطل به حقا لأحدهما هذا هو العدل.
قوله: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي: لا يمتنع، يقال: أبى فلان الشيء يأباه، إذا امتنع عنه.
قال مجاهد والربيع: واجب على الكاتب أن يكتب إذا أمر، لأن الله تعالى أمره أن لا يأبى.
وقال الضحاك: كانت هذه عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
وقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي: لا يأب أن يكتب كما أمره الله ﷿ من العدل.
وقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الإملال والإملاء: لغتان، قال الفراء: أمللت: لغة الحجاز وبني أسد، وأمليت: لغة بني تميم وقيس، نزل القرآن باللغتين، قال الله تعالى في اللغة الثانية: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥] .
ومعنى الآية: أن الذي عليه الدين يملي، لأنه المشهود عليه، فيقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه.
وقوله: ﴿وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] البخس: النقصان، يقال: بخسه حقه.
أي: نقصه، أمر من عليه الحق أن يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص شيئا.
وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال مجاهد: جاهلا بالإملاء.
وقال الضحاك والسدي: طفلا صغيرا.
أو ضعيفا قال السدي وابن زيد: يعني: عاجزا أحمق.
﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لخرس أو عي أو جهل بما له وعليه، ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي: ولي السفيه والعاجز والطفل، يعني: قيمه أو وارثه، أو من يقوم مقامه في حقه، بالعدل بالصدق والحق والإنصاف.
[ ١ / ٤٠٣ ]
وقوله: واستشهدوا أي: أشهدوا، ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] من أهل ملتكم من الأحرار البالغين دون الصبيان والعبيد، ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال الأخفش والفراء: فليكن رجل وامرأتان.
والإجماع: أن شهادة النساء جائزة في الأموال.
وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال ابن عباس: يريد: من أهل الفضل والدين.
وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] أصل الضلالة في اللغة: الغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن، إذا غاب.
ومعنى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]: أي تغيب عن حفظها، أو يغيب حفظها عنها، يعني إحدى المرأتين، ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] هذا من التذكير بعد النسيان، تقول لها: هل تذكرين يوم شهدنا في موضع كذا، وبحضرتنا فلان أو فلانة؟ حتى تذكر الشهادة.
والتقدير: فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي احتملتاها.
ومن قرأ ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ [البقرة: ٢٨٢] من الإذكار، فهو بهذا المعنى أيضا، يقال: أذكره الشيء وذكره.
مثل: فرحه وأفرحه، وهو كثير.
وقرأ حمزة إن تضل بكسر الألف، فتذكر بالرفع، وجعل إن للجزاء وتضل في موضع جزم، وحركت بالفتح لالتقاء الساكنين كقوله: من يرتد، والفاء في قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ [البقرة: ٢٨٢] جواب الجزاء، كقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] .
[ ١ / ٤٠٤ ]
قوله: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] هذا في تحمل الشهادة، وكل من دعي ليتحمل الشهادة وجب عليه ترك الإباء في قول قتادة والربيع.
وقال الشعبي: هذا إذا لم يوجد غيره، فيتعين عليه الإجابة، فإن وجد غيره ممن يتحمل الشهادة فهو مخير.
وقال آخرون: هذا في إقامة الشهادة.
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: إذا استودعته ثم احتجت إلى شهادته فلا ينبغي له أن يتخلف عنك حتى يأتي معك إلى الحاكم فيؤديها.
وهذا قول مجاهد والسدي وسعيد بن جبير وعكرمة.
وقوله: ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] السآمة: الملال والضجر، يقال: سئمت الشيء أسأمة سأما وسآمة.
يقول: لا يمنعكم الضجر والملالة أن تكتبوا ما شهدتم عليه من الحق، صغر أو كبر، قل أو كثر.
﴿ذَلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي: الكتاب، أقسط أعدل، عند الله لأن الله أمر به، واتباع أمره أعدل من تركه، ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي: أبلغ في الاستقامة، لأن الكتاب يذكر الشهود، فتكون شهادتهم أقوم من لو شهدوا على ظن ومخيلة.
قوله: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي: أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل.
وقوله: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي: إلا أن تقع تجارة حاضرة، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فلا جناح في ترك الإشهاد والكتابة فيه، لأن ما يخاف في النساء والتأجيل يؤمن في البيع يدا بيد.
وقرأ عاصم ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ [البقرة: ٢٨٢] بالنصب، على تقدير: إلا أن تكون التجارةُ تجارةً حاضرةً، فأضمر الاسم لدلالة الخبر عليه، ومثله ما أنشد الفراء:
[ ١ / ٤٠٥ ]
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا
أي: إذا كان اليوم يوما.
وقوله ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ذكرنا أن هذا أمر ندب، وليس بواجب.
وقوله: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] نهى الله الكاتب والشهيد عن المضارة، وهو أن يزيد الكاتب، أو ينقص منه، أو يحرف، وأن يشهد الشاهد بما لا يستشهد عليه، أو يمتنع عن إقامة الشهادة، وهذا قول طاوس والحسن وقتادة وابن زيد، وعلى هذا أصله: يضارر.
قال ابن عباس: هو أن يمتنع الكاتب أن يكتب، والشاهد أن يشهد.
وقال عكرمة: هو أن يدعى الكاتب والشاهد وهما مشغولان.
وقيل: هو أن يدعى الكاتب ليكتب الباطل، ويدعى الشاهد ليشهد الزور.
فعلى هذه الأقوال أصله: لا يضارر.
وإن تفعلوا يعني ما ذكر الله من المضارة، ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أخبر الله تعالى أن مضارة الكاتب والشاهد فسق، أي: خروج عما أمر الله تعالى به.
قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] أمر الله تعالى عند عدم الكاتب في حال السفر بأخذ الرهون، ليكون وثيقة بالأموال، وهو قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] أي: فالوثيقة رهان، وهو جمع رهن، مثل: كلب وكلاب، وكعب وكعاب.
[ ١ / ٤٠٦ ]
وقرأ أبو عمرو فرهن مقبوضة وهو أيضا جمع رهن، مثل سقف وسقف، وأنشد أبو عمرو حجة لقراءته قول قعنب:
بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلقت عندها من قبلك الرهن
والقبض شرط في صحة الرهن، حتى لو رهنه شيئا ولم يقبضه، لم يحكم بصحته.
قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] أي: لم يخف خيانته وجحوده الحق، فلم يشهد عليه، ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] اؤتمن: افتعل، من الأمانة، يقال: أمنته وائتمنته فهو مأمون ومؤتمن.
أمر الله تعالى المؤتمن بأداء الأمانة وتقوى الله فيما أمن فيه من الحق، وهو قوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] .
قوله: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] نهي لمن كانت عنده شهادة أن يكتمها ويمتنع من إقامتها، ثم أوعد على ذلك فقال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] قال ابن عباس: يريد: قد أثم قلبه وفجر.
قال المفسرون: ذكر الله تعالى على كتمان الشهادة نوعا من الوعيد لم يذكره في سائر الكبائر، وهو إثم القلب.
ويقال: إثم القلب سبب مسخه، والله تعالى إذا مسخ قلبا جعله منافقا وطبع عليه، نعوذ بالله من ذلك.
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قوله ﷿: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ملكا، وهو مالك أعيانه يملك تصريفه وتدبيره، ﴿
[ ١ / ٤٠٧ ]
وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قال ابن عباس، في رواية سعيد بن جبير وعطاء: هذه الآية منسوخة، وذلك أنها لما نزلت جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس إلى النبي ﷺ وقالوا: كلفنا من العمل ما لا نطيق، إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه، وأن له الدنيا.
فقال النبي ﷺ: " فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا.
قولوا: سمعنا وأطعنا ".
فقالوا: سمعنا وأطعنا.
واشتد ذلك عليهم ومكثوا حولا، فأنزل الله تعالى الفرج والرحمة بقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فنسخت هذه الآية ما قبلها، فقال النبي ﷺ: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا به» .
وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة والقرظي وابن سيرين والكلبي وقتادة.
وقوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قرئ رفعا وجزما، فمن جزم فبالعطف على ما قبله، على معنى جواب الشرط، وهو قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ومن رفع فتقديره: فهو يغفر لمن يشاء، ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] أي: الأمر إليه في المغفرة والعذاب.
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿٢٨٥﴾ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ
[ ١ / ٤٠٨ ]
عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٢٨٦﴾﴾ [البقرة: ٢٨٥-٢٨٦] قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] قال الزجاج: لما ذكر الله ﷿ في هذه ال ﴿[فرض الصلاة والزكاة والطلاق والإيلاء والجهاد، ختم السورة بذكر تصديق نبيه ﷺ والمؤمنين بجميع ذلك، وهو قوله:] كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٥] وقرأ حمزة وكتابه على التوحيد، أراد اسم الجنس، كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، يراد به الجمع وإن أفرد.
وقوله: لا نفرق أي: يقولون: لا نفرق.
﴿بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ومعناه: لا نفعل كما فعل أهل الكتاب، حيث آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، بل نجمع بين الرسل كلهم في الإيمان بهم.
﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] أي: سمعنا قوله، وأطعنا أمره، ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] أي: اغفر غفرانك، ويستغنى بالمصدر عن الفعل في الدعاء، نحو سقيا ورعيا، وإليك المصير هذا إقرار منهم بالبعث.
قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الوسع: اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عنه، وهذه الآية نسخت قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآية.
والمعنى: لا يكلفها إلا يسرها لا عسرها، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] من العمل بالطاعة، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] من العمل بالإثم، والكسب والاكتساب بمعنى واحد، ﴿
[ ١ / ٤٠٩ ]
رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الحسن: معناه: قولوا ربنا.
على التعليم للدعاء.
ومعنى ﴿لا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] لا تعاقبنا، إن نسينا أي: تركنا شيئا من اللازم لنا، ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال أبو عبيدة: يقال: أخطأ وخطئ لغتان.
ومعنى أخطأنا ههنا: أثمنا وتعمدنا الإثم، ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: عهدا وميثاقا لا نطيقه ولا نستطيع القيام به، ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: على اليهود، فلم يقوموا به، وهذا قول قتادة ومجاهد والسدي.
قوله: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: من العذاب، كأنهم سألوا الله أن لا يعذبهم بالنار، فإنه لا طاقة لأحد مع عذاب الله تعالى، ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: تجاوز عنا، واغفر لنا أي: استر ذنوبنا، وارحمنا أي: تلطف بنا، أنت مولانا أي: ناصرنا والذي يلي علينا أمورنا، ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] في إقامة الحجة عليهم وفي غلبتنا إياهم، حتى يظهر ديننا على الدين كله كما وعدتنا.
١٣٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مَحْبُوبٌ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَكُلَّمَا قَالَهَا جِبْرِيلُ قَالَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: " رَبَّ الْعَالَمِينَ: قَدْ فَعَلْتُ "
[ ١ / ٤١٠ ]