مدنية وآياتها تسع وعشرون ومائة
٣٩٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزّمجَارِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، نا أَبِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا عَوْفٌ، عَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَهِدْتُمْ إِلَى الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي وَإِلَى بَرَاءَةٍ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَوَضَعْتُمُوهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَالِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، وَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ يَدْعُو بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ عِنْدَهُ، يَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذا، وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا أُنْزِلَ بِالْمَدِينَةِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا، وَقُبِضَ فِيهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، وَظَنَنَّا أَنَّهَا مِنْهَا فَمِنْ ثَمَّ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَوَضَعْتُهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَالِ
٣٩٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ الْجُمَحِيُّ، نا أَبُو الْوَلِيدِ، نا شُعْبَةُ، نا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، يَقُولُ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١﴾ فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ﴿٢﴾ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣﴾ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿٤﴾ فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ
[ ٢ / ٤٧٥ ]
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٥﴾ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ﴿٦﴾﴾ [التوبة: ١-٦] قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١] الآية: قال المفسرون: أخذت العرب تنقض عهودا بينها وبين رسول الله ﷺ، فأمره الله أن ينقض عهودهم.
قال الزجاج: أي: قد برئ الله ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء بها إذ نكثوا.
والخطاب في: عاهدتم لأصحاب رسول الله ﷺ، والمتولي للعقد رسول الله ﷺ لكنهم أدخلوا في الخطاب، لأنهم راضون بفعله.
وقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] يقال: ساح يسيح سياحة وسيوحا.
قال الزجاج: معناه: اذهبوا فيها وأقبلوا وأدبروا.
وقال المفسرون: هذا تأجيل من الله للمشركين أربعة أشهر، فمن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطه إلى الأربعة، ومن كانت مدته أقل من أربعة رفعه إلى الأربعة.
قال الزهري: الأربعة أشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم لأن هذه الآية نزلت في شوال.
قال ابن عباس في رواية الوالبي: حد الله للذين عاهدوا رسول الله ﷺ أربعة أشهر يسيحون في الأرض حيث ما شاءوا، وأحل من ليس له عهد عند انسلاخ الأشهر الحرم، فإذا انسلخ الأشهر الحرم أمره أن يضع السيف فيهم حتى يدخلوا في الإسلام.
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: ٢] قال ابن عباس: حيثما كنتم وحيثما توجهتم لا يعجز الله عن نقمته فيكم.
وقال الزجاج: أي: وإن أجلتم هذه الأربعة الأشهر فلن تفوتوا الله.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢] بالقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة، والإخزاء: الإذلال بما فيه من الفضيحة والعار، قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] الأذان: الإعلام وهو اسم من الإيذان، يقال: آذن إيذانا، وأذانا.
وقوله: إلى الناس أي: للناس، يقال: هذا إعلام لك، وإليك.
وأراد بالناس: المؤمن والمشرك والكافر لأن الكل داخلون في هذا الإعلام، قوله: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] اختلفوا فيه: فقال عمر، وسعيد بن المسيب، وابن الزبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد: إنه يوم عرفة.
ونحو هذا روى المسور بن مخرمة، عن النبي ﷺ مرفوعا.
٣٩٦ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا
[ ٢ / ٤٧٦ ]
مُحَمَّدُ بْنُ حَيُّوَيْهِ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، قَالا: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْعَيْشِيُّ، نا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، نا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وقال ابن عباس في رواية عطاء: يوم الحج الأكبر يوم النحر.
وهو قول الشعبي، والنخعي، والسدي، وسعيد بن جبير، ورواية ابن أبي أوفى، عن النبي ﷺ.
٣٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى الطَّلْحِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ شَاهِينَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَاضِي حَلَبَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الأَضْحَى: «هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ»
ومعنى الحج الأكبر: الحج بجميع أعماله، والحج الأصغر العمرة، وقال قوم: يوم الحج الأكبر حين الحج أيامه كلها، كما يقال: يوم الجمل، ويوم صفين، ويوم بعاث لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياما كثيرة.
وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣] أي: من عهد المشركين فحذف المضاف، ورسوله
[ ٢ / ٤٧٧ ]
رفع بالابتداء، وخبره مضمر على معنى: ورسوله أيضا برئ، قال المفسرون: لما فتح الله مكة سنة ثمان من الهجرة، وخرج رسول الله ﷺ إلى تبوك، وأرجف المنافقون الأراجيف، جعل المشركون ينقضون عهودهم، فأمر الله رسوله ﷺ بإلقاء عهودهم إليهم، فلما كانت سنة تسع بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرا على الموسم، ليقيم للناس الحج، وبعث معه بأربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم، فلما سار دعا رسول الله ﷺ عليا فقال: اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن بذلك في الناس إذا اجتمعوا.
فخرج علي على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة، فرجع أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء؟ قال: لا ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار، وأنك صاحبي على الحوض؟ قال: بلى يا رسول الله.
فسار أبو بكر أميرا على الحج وعلي ليؤذن ب براءة.
وذكر الزجاج: السبب في تولية علي تلاوة براءة قال: إن العرب جرت عادتها في عقد عهودها ونقضها أن يتولى ذلك عن القبيلة رجل منها، وكان جائزا أن يقول العرب إذا تلا عليها نقض العهد من الرسول مَن هو مِن غير رهطه: هذا خلاف ما نعرف فينا في نقض العهود.
فأزاح النبي ﷺ العلة في ذلك، وشرح عمرو بن بحر الجاحظ هذه القصة فقال: إن النبي ﷺ بعث أبا بكر أميرا على الحجاج وولاه الموسم، وبعث عليا يقرأ على الناس آيات من سورة براءة وكان أبو بكر الإمام، وعلي المؤتم به، وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع، وكان أبو بكر الرافع الموسم ولم يكن لعلي أن يرفع حتى يرفع أبو بكر، وأما قوله ﷺ: لا يبلغ عني إلا رجل مني فإن هذا ليس بتفضيل منه لعلي على غيره، ولكن عامل العرب على مثل ما كان بعضهم يتعارفه من بعض كعادتهم في عقد الحلف وحل العقد، كان لا يتولى ذاك إلا السيد منهم أو رجل من رهطه دينا، كأخ أو عم، فلذلك قال النبي ﷺ هذا القول.
ويدل على هذا ما لجملة الحديث الصحيح الذي
٣٩٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، نا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي الْمُؤَذِّنِينَ، بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى، أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِ بَرَاءَةٍ وَأَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ
وقوله: فإن تبتم رجع إلى خطاب المشركين، يريد: فإن رجعتم عن الشرك إلى توحيد الله، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٩] من الإقامة على الشرك وإن توليتم عن الإيمان، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ
[ ٢ / ٤٧٨ ]
غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣] لا تعجزونه عن تعذيبكم ولا تفوتون بأنفسكم من أن يحل بكم عذابه في الدنيا، ثم أوعدهم بعذاب الآخرة فقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣] .
قوله: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤] قال المفسرون: استثنى الله طائفة وهم بنو ضمرة، حي من كنانة، أمر النبي ﷺ بإتمام عهودهم، وكان قد بقى لهم من مدة عهدهم تسعة أشهر، وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ﴾ [التوبة: ٤] أي: من شروط العهد، ﴿شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ [التوبة: ٤] لم يعاونوا عليكم عدوا، ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] أي: إلى انقضاء مدتهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] يحب من اتقاه بطاعته واجتناب معاصيه.
قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] أي: مضى وذهب، وذهابها بانسلاخ المحرم، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] أي: في الحل والحرم، وخذوهم بالأسر، واحصروهم قال ابن عباس: يريد: إن تحصنوا فاحصروهم، والحصر ههنا المنع عن الخروج من محيط، ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] أي: على كل طريق يأخذون فيه، والمرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، فإن تابوا من الشرك، وأقاموا الصلاة المفروضة، وآتوا الزكاة من الأموال العين والمواشي والثمار، فخلوا سبيلهم حتى يذهبوا حيث شاءوا، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ [التوبة: ٥] لمن تاب وآمن، رحيم به، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٦] الذين أمرتك بقتلهم استجارك طلب منك الأمان والجوار، فأجره من القتل، ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] القرآن وما أمر به ونهى عنه، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] الموضع الذي يأمن فيه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦] أي: الأمر ذلك، وهو أن يعرفوا ويجاروا لجهلهم، فربما يعرفون فيسلمون، ثم قال على وجه الإنكار: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿٧﴾ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٨﴾ اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٩﴾ لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴿١٠﴾ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿١١﴾ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴿١٢﴾﴾ [التوبة: ٧-١٢] ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٧] أي: لا يكون لهم عهد وهم يغدرون وينقضون، ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ٧] وهم بنو ضمرة الذين ذكرنا، ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ [التوبة: ٧] في وفاء العهد فاستقيموا لهم على الوفاء بإتمام أجلهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] من اتقى الله في أداء فرائضه والوفاء بعهده لمن عاهده.
قوله: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ٨] أي: كيف يكون للمشركين عهد وحالهم أنهم إن يظهروا عليكم: يقدروا عليكم، ويظفروا بكم، ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٨] لا يحفظوا فيكم، إلًّا قرابة، ولا ذمة عهدا، يرضونكم بأفواههم يقولون كلاما حلوا، وتأبى قلوبهم الوفاء بما يقولون، وأكثرهم فاسقون كاذبون ناقضون للعهد.
﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [التوبة: ٩] استبدلوا بالقرآن متاع الدنيا، ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [التوبة: ٩] فأعرضوا عن طاعته، ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩] من اشترائهم الكفر بالإيمان، ثم ذمهم بترك المراقبة للعهد والذمة للمؤمنين بقوله: ﴿
[ ٢ / ٤٧٩ ]
لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ١٠] المجاوزون للحلال إلى الحرام بنقض العهد، فإن تابوا من الشرك، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ١١] قال ابن مسعود: أمرتم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فمن لم يزك فلا صلاة له.
وقال ابن زيد: رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه، أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة.
وقال المفسرون: المآخاة بين المسلمين موقوفة على فعل الصلاة والزكاة مع الشهادة، لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] أي: فهم إخوانكم في الدين، ونفصل الآيات نبينها، لقوم يعلمون أنها من عند الله.
قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] جمع يمين بمعنى القسم، يعني مشركي قريش، يقول: إن نقضوا عهودهم، يقال: نكث العهد إذا نقضه، ونكث يمينه إذا خالف موجبها، وقوله: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢] أي: عابوا دينكم، قال الزجاج: وهذه الآية توجب قتل الذمي إذا طعن في الإسلام لأن العهد معقود عليه ألا يطعن فإن طعن فقد نكث.
وقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] يعني رءوس قريش وقادتهم وهم: أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، والأصل في أيِمَّة: أَأْمِمَة لأنها جمع إمام مثل: مثال وأمثلة، ولكن لما اجتمعت الميمان أدغمت الأولى في الثانية، وألقيت حركتها على الهمزة فصارت أئمة، فأبدل من الهمزة المك ﴿[ياء، كراهة لاجتماع الهمزتين، وهذا هو الاختيار عند جميع النحويين، ومن قرأ بهمزتين راعى الأصل وليس بالوجه، وقوله:] إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ١٢] قال الفراء: لا عهود لهم، والمعنى: لا إيمان لهم صادقة لأنه قد أثبت لهم الأيمان في قوله: نكثوا إيمانهم، فالمنفي غير المثبت، ومن قرأ بالكسر، فقال الفراء: يريد أنهم كفرة لا إسلام لهم، قال: وقد يكون المعنى لا تؤمنوهم فيكون مصدر قولك: أمّنتُه إيمانا.
وهذا هو الوجه، لأن المشرك
[ ٢ / ٤٨٠ ]
لا يقر على دينه فلا يؤمن كما يؤمن أهل الذمة، فالإيمان ههنا يراد به الذي هو ضد التخويف، فإن جعلته الذي هو ضد الكفر كان تكريرا، لأن قوله: أئمة الكفر يدل على أنه لا إيمان لهم، وقوله: لعلهم ينتهون قال ابن عباس: كي ينتهوا عن الشرك بالله، ثم حض المؤمنين على قتالهم، فقال: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٣﴾ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴿١٤﴾ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١٥﴾ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٦﴾ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴿١٧﴾ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴿١٨﴾﴾ [التوبة: ١٣-١٨] ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣] وهذا يدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار ليكون ذلك زجرا لغيرهم عن النكث، وأراد بنكث اليمين ههنا أنهم نقضوا عهد الصلح بالحديبية، وأعانوا بني بكر على خزاعة، وهم كانوا حلفاء رسول الله ﷺ ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣] يعني: حين اجتمعوا في دار الندوة للمكر به ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣] يعني بالقتال يوم بدر، وذلك أنهم قالوا حين سلم العير: لا ننصرف حتى نستأصل محمدا ومن معه، وقال جماعة من المفسرين: أراد أنهم قاتلوا حلفاءك خزاعة، فبدأوا بنقض العهد، وقوله: أتخشونهم أي: أتخافون أن ينالكم من قتالهم مكروه فتتركون قتالهم، ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: ١٣] فمكروه عذاب الله أحق أن يخشى في ترك قتالهم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣] مصدقين بعقاب الله وثوابه، ثم وعدهم النصر بقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤] أي: بقتلهم بسيوفكم ورماحكم، ويخزهم يذلهم بالقهر والأسر ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] قال ابن عباس، والسدي، ومجاهد: يعني: بني خزاعة، وذلك أن قريشا أعانت بني بكر عليهم حتى نكأوا فيهم، فشفى الله صدورهم من بني بكر بالنبي والمؤمنين، وذلك أن الصريخ أتى رسول الله ﷺ بالمدينة وأنشده:
إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وبيتونا بالحطيم هجدا وقتلونا ركعا وسجدا
فانصر هداك الله نصرا أعتدا وادع عباد الله يأتوا مددا
[ ٢ / ٤٨١ ]
فقال رسول الله ﷺ: «لا نصرت إن لم أنصركم» .
وغضب لهم، وخرج إلى مكة، ونصر الله رسوله ﷺ، وشفى صدور خزاعة، وهو قوله: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٥] يعني كربها ووجدها بمعونة قريش بكرا عليهم، ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ١٥] يعني من المشركين كأبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، تاب الله عليهم وهداهم للإسلام، والله عليم بنيات المؤمنين، حكيم فيما قضى، ثم رجع إلى خطاب المنافقين، فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ١٦] أي: العلم الذي يجازي عليه وهو العلم بالشيء بعد وجوده، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦] قال الفراء: الوليجة: البطانة من المشركين يتخذونهم فيفشون إليهم أسرارهم، ووليجة الرجل من يختص بدَخْلَة أمره دون الناس، الواحد والجمع فيه سواء، قال ابن عباس: ولم يتخذوا أولياء من المشركين.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] الآية: لما أسر العباس يوم بدر عيره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم، فقال: إنا لنعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج، فرد الله ذلك عليه بهذه الآية، ومعنى ما كان لهم ذلك أنه أوجب على المسلمين منعهم من ذلك، وأكثر المفسرين: حملوا العمارة ههنا على دخول المسجد الحرام والقعود فيه، قال الحسن: ما كان للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام.
وذهب آخرون إلى العمارة المعروفة من بناء المسجد ورمه عند الخراب، وهذا أيضا محذور على الكافر، يمنع منه حتى لو أوصى به لم تقبل وصيته، وقرأ أبو عمرو: مسجد الله على التوحيد، لقوله: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩] وقال الفراء: ربما ذهبت العرب بالواحد إلى الجمع وبالجمع إلى الواحد، وقوله: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] قال ابن عباس: شهادتهم على أنفسهم
[ ٢ / ٤٨٢ ]
بالكفر سجودهم لأصنامهم.
﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [التوبة: ١٧] لأنها لغير الله، وقال الزجاج: كفرهم أذهب ثواب أعمالهم.
ثم ذكر أهل عمارة المسجد فقال ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨] الآية.
٣٩٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا أَبُو عُتْبَةَ أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ، نا بَقِيَّةُ، نا ابْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] "
٤٠٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي رُشَيْدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُفِيدُ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّقَطِيُّ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ»
٤٠١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ التَّاجِرُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَرْبِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَلْمَانُ بْنُ جَابِرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْعَلاءِ الْقُشَيْرِيُّ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسَّانٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " الْمَسَاجِدُ سُوقٌ مِنْ أَسْوَاقِ الآخِرَةِ فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَ ضَيْفًا لِلَّهِ، فَجَزَاؤُهُ الْمَغْفِرَةُ وَتَحِيَّتُهُ الْكَرَامَةُ، عَلَيْكُمْ بِالإِرْتَاعِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الإِرْتَاعُ؟، قَالَ: الدُّعَاءُ وَالرَّغْبَةُ إِلَى اللَّهِ "
٤٠٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، نا أَبِي، نا عَبْدُ
[ ٢ / ٤٨٣ ]
الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَدٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ
٤٠٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ الدَّقَّاقُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، نا سُلَيْمَانُ الشُّرَحْبِيلِيُّ، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، نا كَثِيرٌ الْمُؤَذِّنُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَلَوْ قَدْرَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَذِهِ الْمَسَاجِدُ الَّتِي بِطُرُقِ مَكَّةَ؟ قَالَ: وَتِلْكَ "
قال أهل المعاني في هذه الآية: من كان بهذه الصفة التي ذكرها من الإيمان بالله وإقامة الصلاة وما بعدها كان من أهل عمارة المسجد، وليس المعنى أن من عمرها كان بهذه الصفة، غير أنه قلّ من يعمرها إلا وقد جمع هذه الصفات، وقوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨] أي: لم يخف في باب الدين إلا الله، ولم يترك أمرا لله لخشية غيره، ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] أي: فأولئك من المهتدون، وعسى من الله واجبة، والمهتدون: المتمسكون بطاعة الله التي تؤدي إلى الجنة.
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٩﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿٢٠﴾ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ﴿٢١﴾ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٢٢﴾﴾ [التوبة: ١٩-٢٢]
[ ٢ / ٤٨٤ ]
قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ [التوبة: ١٩] الآية:
٤٠٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ شَرِيكٍ الإِسْفَرَائِينِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، نا أَبُو تَوْبَةَ، نا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَلَّا أَعْمَلَ عَمَلا بَعْدَ الإِسْلامِ إِلَّا أَنْ أَسْقِيَ الْحَاجَّ، وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَلَّا أَعْمَلَ عَمَلا بَعْدَ الإِسْلامِ إِلَّا أَنْ أُعَمِّرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَقَالَ آخَرُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُ لَكُمْ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩] الآيَةَ إِلَى آخِرِهَا.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيِّ، عَنْ أَبِي تَوْبَةَ
وقال ابن عباس في رواية الوالبي: قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله هذه الآية.
والسقاية مصدر كالسقي وسقاية الحاج سقيهم الشراب.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
قال الحسن: وكان نبيذ ذبيب يسقون الحاج في الموسم، وقوله: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩] قال ابن عباس: يريد تدبيره وتخليقه، ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] أي: كإيمان من آمن بالله، يقول الله منكرا عليهم: أسويتم بين سقي الحاج وعمارة المسجد، وبين إيمان المؤمنين بالله، ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] في الثواب، قال ابن عباس: أخبر أن عمارتهم المسجد وقيامهم على السقاية لا ينفعهم مع الشرك بالله، وأن الإيمان بالله والجهاد مع نبيه خير مما هم عليه.
﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩] سماهم الله ظالمين بشركهم، ثم نعت المهاجرين فقال: الذين آمنوا إلى قوله: ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٠] أي: من الذين افتخروا بعمارة البيت، وسقي الحاج، ومن كل أحد، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠] الذين ظفروا بأمنيتهم من الخير، ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ [التوبة: ٢١] قال الزجاج: يعلمهم في الدنيا ما لهم في الآخرة من الرحمة والرضوان، والجنات التي ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] النعيم نقيض البؤس، وهو لين العيش، والمقيم: الدائم لا يزول.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٢٣﴾ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٤﴾﴾ [التوبة: ٢٣-٢٤] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [التوبة: ٢٣] الآية: قال ابن عباس: كان قبل فتح مكة من آمن ولم يهاجر لم يقبل الله إيمانه حتى يهجر أقاربه الكفار.
والمعنى: لا تتخذوهم أصدقاء تؤثرون المقام بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام، إن استحبوا أي: اختاروا، وكان الكفر أحب إليهم من الإيمان، ثم أوعدهم على ذلك فقال ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] قال ابن عباس: مشركون مثلهم.
فلما نزلت هذه الآية قال: يا نبي الله إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين نقطع أبناءنا وعشيرتنا وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا، فأنزل الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] الآية، وقوله: وعشيرتكم عشيرة الرجل: أهله الأدنون، وقرئ: وعشيراتكم وهو رديء، قال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع من عشيرة عشيرات إنما يجمعونها عشائر، وقوله: وأموال اقترفتموها أي: كسبتموها، والاقتراف الكسب ومنه قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ [الشورى: ٢٣]، يقول: إن كانت هذه
[ ٢ / ٤٨٦ ]
الأشياء أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربصوا قال ابن عباس: فتربصوا بما تحبون فليس لكم عند الله ثواب في إيمانكم.
وقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] الأكثرون قالوا: يعني فتح مكة.
يقول: بأن كنتم تؤثرون المقام في دوركم وأهليكم، وتتركون الهجرة فأقيموا غير مثابين، حتى يفتح الله مكة فيسقط فرض الهجرة، والأمر بالتربص أمر تهديد، قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴿٢٥﴾ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴿٢٦﴾ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢٧﴾﴾ [التوبة: ٢٥-٢٧] ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: ٢٥] أي: في أمكنة ومقامات، يخاطب النبي ﷺ والمؤمنين، ويوم حنين أي: وفي يوم حنين، وهو واد بين مكة والطائف، قاتل عليه نبي الله ﷺ هوازن، وثقيفا بعد فتح مكة، ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥] قال قتادة: كانوا اثني عشر ألفا.
وقال مقاتل: كانوا أحد عشر ألفا وخمس مائة، وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف.
وقال عطاء، عن ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ من مكة إلى حنين في ستة عشر ألفا وكان معه رجل من الأنصار يقال له: سلمة بن سلامة بن وقش، فعجب لكثرة الناس فقال: لن نغلب اليوم من قلة.
فساء رسول الله ﷺ كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل.
فذلك قوله: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥] لم تنفعكم كثرتكم ولم تدفع عنكم شيئا، ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ٢٥] أي: برحبها وسعتها ضاقت عليكم، فلم تجدوا فيها موضع يصلح لفراركم، وهو قوله: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] قال الزجاج: أعلم الله أنهم ليس بكثرتهم يغلبون، إنما يغلبون بنصر الله إياهم، ووكلوا ذلك اليوم إلى كثرتهم فانهزموا، ثم تداركهم الله بنصره حتى ظفروا، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٢٦] يعني: الأمنة والطمأنينة.
٤٠٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أنا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، نا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ: وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَارَةَ وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ، وَلَكِنْ عَجِلَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَرَشَقَتْهُمْ هَوَازِنُ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِرَأْسِ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
[ ٢ / ٤٨٧ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ
قال الزجاج: أنزل الله عليهم السكينة، حتى عادوا وظفروا وأراهم في ذلك اليوم من آياته ما زادهم يقينا في الدين، وهو قوله: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٢٦] قال ابن عباس: يعني: الملائكة.
وقال سعيد بن جبير: أمد الله نبيه ﵇ بخمسة آلاف من الملائكة.
وقال سعيد بن المسيب: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، فتلقانا رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا.
فرجعنا، وركبوا أكتافنا.
وذلك قوله: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٢٦] بالقتل والأسر وسبي الأولاد، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴿٢٦﴾ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ٢٦-٢٧] من عباده فيهديهم إلى الإسلام ولا يؤاخذه بما سلف منه، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٧] بمن آمن، قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] قال الليث: النجس: القذر من الناس ومن كل شيء، يقال: رجل نجس، وقوم أنجاس.
ولغة أخرى رجل نجس، وقوم نجس، ورجلان نجس، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] قال ابن عباس: يريد لا يغتسلون من الجنابة، ولا يتوضئون لله تعالى، ولا يصلون لله.
﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] أي: لا يدخلوا الحرم بعد سنة تسع، أمر المسلمون بمنع المشركين من الحج ودخول الحرم، ولما منعوا من دخول الحرم، قال المسلمون: إنهم كانوا يأتون بالميرة ويتبايعون، فالآن تنقطع المتاجر ويضيق العيش.
فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] قال ابن عباس: يتفضل عليكم بما هو أوسع وأكثر.
قال مقاتل: ثم أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش، وحملوا الطعام إلى مكة وكفاهم الله ما كانوا يتخوفون، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] قال ابن عباس: عليم بما يصلحكم، حكيم فيما حكم من المشركين.
قوله: ﴿
[ ٢ / ٤٨٨ ]
قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومعنى لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، أي: كإيمان الموحدين لأنهم لا يؤمنون بالقرآن ومحمد ﷺ، ولا يقرون بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون، فإذا كان ذلك فإيمانهم غير إيمان من يقر بالحشر، وإعادة الأرواح، وحشر الأجساد.
﴿وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢٩] من الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر، قال قتادة: الحق هو الله ودينه الإسلام.
وقال أبو عبيدة: لا يطيعون طاعة أهل الإسلام والدين الطاعة.
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩] يعني: أهل الكتابين، ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] وهي ما يعطيه المعاهد على عهده، عن يد قال ابن عباس: هو أنهم يعطونها بأيديهم يمشون بها كارهين ولا يجيئون بها ركبانا، ولا يرسلون بها، وهو قوله: وهم صاغرون أي: ذليلون مقهورون يجرون إلى الموضع الذي تقبض منهم فيه بالعنف حتى يؤدوها من يدهم.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٣٠﴾ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٣١﴾ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿٣٢﴾ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿٣٣﴾﴾ [التوبة: ٣٠-٣٣] قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] قال ابن عباس في رواية العوفي: إن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق، فنسخها الله من صدورهم ورفع التابوت عنهم، فدعا اللهَ عزيرٌ وابتهل إليه أن يرد الذي نسخ من صدورهم، فنزل نور من السماء فدخل جوفه فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة، فنادى في قومه، قد رد الله إلي التوراة.
وطفق يعلمهم، فقالوا: والله ما أوتي عزير إلا لأنه ابن الله.
واختلف القراء في عزير فقرئ بالتنوين، وبغيره،
[ ٢ / ٤٨٩ ]
قال الزجاج: الوجه إثبات التنوين لأن ابن خبر، وإنما يحذف التنوين في الصفة نحو قولك: جاءني زيد بن عمرو.
فيحذف التنوين لالتقاء الساكنين، فإذا كان خبرا فالتنوين، وقد يجوز حذفه على ضعف لالتقاء الساكنين.
وقد قرئت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾﴾ [الإخلاص: ١-٢] بحذف التنوين لسكونه وسكون اللام، وقوله: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] هذا كقولهم: إن الله ثالث ثلاثة، ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] أي: ليس فيه برهان ولا بيان إنما هو قول بالفم لا معنى تحته، يضاهون قول الذين كفروا من قبل: المضاهاة المشابهة، وقرأ عاصم بالهمز وهو لغة، يقال: ضاهيت وضاهأت، قال مجاهد: يضاهون قول المشركين حين قالوا: اللات والعزى ومناة بنات الله تعالى.
وقال الحسن: شبه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم الكافرة، وقال قتادة، والسدي: ضاهت النصارى قول اليهود من قبل فقالت النصاري: المسيح ابن الله.
كما قالت اليهود: عزير ابن الله.
وقوله: قاتلهم الله قال المفسرون: معناه لعنهم الله.
قال ابن الأنباري: المقاتلة أصلها من القتل، فإذا أخبر عن الله بها كانت بمعنى اللعنة، لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك، وقوله: أنى يؤفكون الإفك: الصرف، يقال: أفك الرجل عن الخير أي: قلب وصرف، يقول: كيف يصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل حتى يجعلوا لله الولد؟ وفي هذا تعجيب للنبي ﷺ من تركهم الحق وإتيانهم الباطل.
قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] الأحبار الفقهاء والعلماء، واحدها حبر وحبر، والرهبان جمع راهب، وهو متمسك النصارى، وقال ابن عباس: فقهاؤهم وعبادهم.
وقال الضحاك: علماؤهم وقرّاؤهم.
٤٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْوَصْفِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى بْنِ مُجَاشِعٍ،
[ ٢ / ٤٩٠ ]
نا مَسْرُوقُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ، نا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ غُطَيْفِ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: " يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ، قَالَ: فَطَرَحْتُهُ، ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ بَرَاءَةً فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، قَالَ: أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ "
وهذا بيان أن مخالف أمر الله في التحليل والتحريم كالمشرك في عبادة الله لأن استحلال ما حرم الله كفر بالإجماع.
وقوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١] قال ابن عباس: اتخذوه ربا.
وما أمروا في التوراة والإنجيل، ﴿إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١]، وهو الذي ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] تنزيها له عن شركهم.
قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٢] قال ابن عباس: يخمدوا دين الله بتكذيبهم، يعني أنهم يكذبون به، ويعرضون عنه يريدون إبطاله بذلك.
﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] إلا أن يظهر دينه، أي: لا يفعل إلا ذلك، ولو كرهوا ذلك، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٣٣] محمدا ﷺ، بالهدى أي: بالقرآن، ودين الحق الحنيفية وهي الإسلام، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] ليعليه على جميع الأديان، وذلك عند نزول عيسى ﵇، وقال أهل المعاني: أي: بالحجة والغلبة.
وحجة هذا الدين أقوى الحجج، والغلبة لهذا الدين على سائر الأديان.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣٤﴾ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴿٣٥﴾﴾ [التوبة: ٣٤-٣٥] قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ [التوبة: ٣٤] قال السدي: أما الأحبار فمن اليهود، وأما الرهبان فمن النصارى، وقوله: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤] يعني: ما كانوا يأخذونه من الرشى
[ ٢ / ٤٩١ ]
في الحكم وما كانوا يصيبونه من المأكل من سفلتهم، ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] ويصرفون الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] أكثر المفسرين على أنه مستأنف نازل في هذه الأمة، وقال قوم: إنا لفينا وفيهم.
ومعنى الكنز في كلام العرب الجمع، وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز، والمراد بهذا الكنز جميع المال الذي لا تؤدى زكاته، قوله تعالى: ﴿وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] قال ابن عباس: لا يؤدون زكاتها، وما أدي زكاته فليس بكنز.
قال ابن عمر: كل مال تؤدى زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونا، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن لم يكن مدفونا.
والكناية في: ولا ينفقونها تعود إلى الفضة وترك الذهب لأنه داخل في الفضة فاكتفي بذكر أحدهما عن صاحبه، وقال ابن الأنباري: لأن الفضة أقرب إلى العائد وأعم وأغلب.
وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] أي: اجعل الوعيد لهم بالعذاب موضع البشرى والنعيم.
٤٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " مَنْ تَرَكَ كَنْزًا مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يَتْبَعُهُ وَيَقُولُ: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ الَّذِي تَرَكْتَهُ بَعْدَكَ فَلا يَزَالُ يَتْبَعُهُ حَتَّى يُلْقِمَهُ يَدَهُ فَيَقْضَمُهَا، ثُمَّ يُتْبِعَهُ سَائِرَ جَسَدِهِ "
وقوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٣٥] يقال: أحميت الحديدة في النار إحماء، حتى حميت حميا.
وذلك إذا أوقدت عليها، وقال ابن عباس: يحمى عليها، أي: على الكنوز، لأن المراد بالذهب والفضة الكنوز.
﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] قال المفسرون: من كان له مال في الدنيا لم يؤد زكاته أحمى على دراهمه ودنانيره في نار
[ ٢ / ٤٩٢ ]
جهنم، وكويت بها هذه المواضع، لا يوضع دينار مكان دينار ولا درهم مكان درهم، ولكن يوسع جلده فيوضع بكل دينار ودرهم كية على جلده.
وكان أبو ذر، ﵁ يقول: بشر الكانزين بكي في الجباه، وبكي في الجنوب، وبكي في الظهور حتى يلتقي الحر في أجوافهم.
ولهذا المعنى الذي أشار إليه أبو ذر خصت هذه المواضع بالكي لأن داخلها جوفا بخلاف اليد والرجل، وكان أبو بكر الوراق يقول: خصت هذه المواضع لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جبهته وزوى ما بين عينيه، وطوى عنه كشحه وولاه ظهره.
٤٠٨ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، نا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ لَهُ مَالٌ لا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلَّا جُمِعَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَفَائِحُ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَبِينُهُ وَجَنْبَاهُ وَظَهْرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ بَزِيغٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ
قوله: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] أي: يقال لهم: هذا الذي تكون به هو ما جمعتم لأنفسكم، وبخلتم به عن حق الله، ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] أي: ذوقوا عذاب ما كنتم تكنزون.
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿٣٦﴾ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ
[ ٢ / ٤٩٣ ]
الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿٣٧﴾﴾ [التوبة: ٣٦-٣٧] قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] الآية: قال الزجاج: أعلم الله تعالى أن عدة شهور المسلمين التي تعبدوا بأن يجعلوها لسنتهم اثنى عشر شهرا على منازل القمر واستهلال الأهلة.
وقوله: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦] يعني: اللوح المحفوظ، قال ابن عباس: في الإمام الذي عند الله كتبه يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.
ومعنى الحرم: أنه يعظم انتهاك المحارم فيها بأشد مما يعظم في غيرها، وقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦] ومعنى الدين ههنا الحساب، ومنه يقال: الكيس من دان نفسه.
أي: حاسبها، والقيم معناه: المستقيم.
قال المفسرون: ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدد المستوي، وقوله: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] قال ابن عباس: يريد: تحفظوا على أنفسكم فيها واجتنبوا الخطايا، فإن الحسنات فيها تضاعف والسيئات فيها تضاعف.
وقال قتادة: الظلم في الأشهر الحرم أعظم وزرا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما.
وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] قال ابن عباس: جميعا، يريد قاتلوهم كلهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال كما أنهم يستحلون قتال جميعكم، وهو قوله: ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] قال الزجاج: كافة نصب على الحال، وهو مصدر على فاعله كما قالوا: العافية، والعاقبة.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦] قال: تأويله: أنه ضامن لهم النصر، قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] النسيء في الشهور تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة، وهو مصدر بمعنى الإنساء كالنذير بمعنى الإنذار، والنكير بمعنى الإنكار، والإنساء: التأخير وكانت العرب تحرم الشهور الأربعة، وذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم وإسماعيل وهم كانوا أصحاب حروب وغارات، وربما كان يشق عليهم أن ينكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه، ويستحلون المحرم إلى صفر فيحرمونه، ويستحلون المحرم فيمكثون بذلك زمانا ثم يردون التحريم إلى المحرم، ولا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب للموسم، فينادي
[ ٢ / ٤٩٤ ]
مناد: أن افعلوا ذلك لحرب أو لحاجة، قال ابن عباس: ومعنى زيادة الكفر: أنهم أحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله.
قوله: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٣٧] هذه قراءة العامة، وقراءة أهل الكوفة يُضَلُّ بضم الياء وفتح الضاد، والمعنى: أن كبراءهم يضلونهم بحملهم على التأخير، وروي عن أبي عمرو يضِل به الذين كفروا أي: يضلون بذلك تابعهم والآخذين بذلك، وقوله: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: ٣٧] قال ابن عباس: إذا قاتلوا فيه أحلوه وحرموا مكانه صفرا، وإذا لم يقاتلوا فيه حرموه، ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وهو أنه لم يحلوا شهرا من الحرم إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال، ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرم لئلا تكون الحرم أكثر من الأربعة كما حرم الله، فتكون موافقة للعدد.
فتلك المواطأة وهي الموافقة، يقال: واطأت فلانا على كذا إذا وافقته، وقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٧] قال ابن عباس: يريد زين لهم الشيطان هذا.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ ﴿٣٨﴾ إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٣٩﴾ إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٤٠﴾ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾﴾ [التوبة: ٣٨-٤١] وقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٨] هذه الآية حث لمن تثاقل عن غزوة تبوك، وذلك كان في زمان عسرة من الناس، وجدب في البلاد وشدة من الحر، فشق على الناس الخروج إلى القتال، فأنزل الله هذه الآية، وحرض المسلمين على ذلك، وقوله: ما لكم استفهام معناه التوبيخ، وقوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ
[ ٢ / ٤٩٥ ]
اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] إذا قيل لكم اخرجوا إلى قتال العدو تثاقلتم إلى الإقامة بأرضكم وأحببتم المقام بها، يقال: نفر القوم ينفرون نفرا ونفيرا.
إذا خرجوا إلى مكان لأمر أوجب الخروج، وقوله: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] قال ابن عباس: يريد قدمتم الدنيا على الجنة.
﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٣٨] قال: يريد الدنيا كلها، ﴿فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] .
٤٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ طَاهِرٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أنا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُسْتَوْرِدَ أَخَا بَنِي فِهْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ فَيَنْظُرُ بِمَا يَرْجِعُ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى
ثم توعدهم على ترك الخروج فقال: إلا تنفروا قال مقاتل: إلا تخرجوا مع نبيكم إلى الجهاد.
﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] قال الزجاج: هذا وعيد شديد في التخلف عن الجهاد.
قال المفسرون: هذه الآية خاصة فيمن استنفره رسول الله ﷺ فلم ينفر، وقوله: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩] هذا استعتاب من الله تعالى لأولئك القوم، ووعيد لهم أنهم إن تركوا الغزو من رسول الله ﷺ أتى الله بقوم آخرين ينصر بهم رسوله، وهو قوله: ﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٣٩] لأنه لا يخذله إن تثاقلتم، ثم أعلمهم أنهم إن تركوا نصره فلن يضره ذلك شيئا كما لم يضره قلة ناصريه حين كان بمكة، وهم به الكفار فتولى الله نصره وهو قوله: ﴿إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠] أي: أعانه الله على أعدائه، ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٤٠] حين قصدوا إهلاكه كما ذكرنا في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقوله: ثاني اثنين قال الزجاج: هو نصب على الحال، المعنى: فقد نصره الله أحد اثنين، أي: نصره منفردا إلا من أبي بكر.
وهذا معنى قول الشعبي: عاتب الله ﷿ أهل الأرض جميعا في هذه الآية غير أبي بكر.
وقال المفسرون: ثاني اثنين
[ ٢ / ٤٩٦ ]
هو وأبو بكر.
﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] الغار ثقب في الجبل عظيم، قال قتادة: هو غار في جبل مكة يقال له ثور.
وقال مجاهد: مكثا في الغار ثلاثا.
٤١٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْعَوْفِيُّ، نا هَمَّامٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الْغَارِ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ حِبَّانَ، عَنْ هَمَّامٍ
٤١١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا عَمْرُو بْنُ زِيَادٍ، نا غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَرْقَسَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: «هَلْ قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا؟ قُلْ حَتَّى أَسْمَعَ» قَالَ: قُلْتُ:
وَثَانِي اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ الْمُنِيفِ وَقَدْ طَافَ الْعَدُوُّ بِهِ إِذْ صَاعد الْجَبَلا
وَكَانَ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ عَلِمُوا مِنَ الْخَلائِقِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ بَدَلا
فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠] يعني: يقول النبي ﷺ لأبي بكر: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] .
[ ٢ / ٤٩٧ ]
٤١٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، نا يُونُسُ، نا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَالَ: أَيُّكُمْ يَقْرَأُ سُورَةَ التَّوْبَةِ؟ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، فَلَمَّا بَلَغَ ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] بَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: أَنَا وَاللَّهِ صَاحِبُهُ
٤١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرِجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِرُ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ الأَزْرَقِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ نُبَيْطٍ يَعْنِي ابْنَ شَرِيطٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَقَالَ عُمَرُ وَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ: سَيْفَانِ فِي غِمْدٍ لا يَصْطَلِحَانِ، ثُمَّ قَالَ: مَنِ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الثَّلاثُ؟ ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] مَنْ هُمَا؟ ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠] مَنْ صَاحِبُهُ ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] مَعَ مَنْ؟ قَالَ: فَبَسَطَ يَدَ أَبِي بَكْرٍ وَضَرَبَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: بَايِعُوا، فَبَايَعَ النَّاسُ أَحْسَنَ بَيْعَةٍ
قال المفسرون: قال أبو بكر لما خاف الطلب: يا رسول الله إن قتلت فأنا رجل واحد وإن قتلت هلكت الأمة.
فكان حزن أبي بكر شفقة على رسول الله ﷺ، وخوفا أن يطلع عليه، فقال رسول الله ﷺ: «لا تحزن إن الله معنا» .
قال الزجاج: لما أصبح المشركون اجتازوا بالغار، فبكى أبو بكر، فقال رسول الله ﷺ: «ما يبكيك؟» قال: أخاف أن تقتل فلا يعبد الله بعد اليوم.
فقال رسول الله ﷺ: " لا تحزن إن الله معنا، إن الله يمنعهم منا وينصرنا.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
قال: هكذا يا رسول الله؟ قال: نعم ".
فرقأ دمع أبي بكر وسكن.
روى جابر، أن رسول الله ﷺ قال: " لو كنت متخذا خليلا لأتخذت أبا بكر خليلا، ولكن قولوا كما قال الله: صاحبي "، وقال الحسين بن فضل: من أنكر أن يكون عمر أو عثمان أو أحد من الصحابة كان صاحب رسول الله ﷺ، فهو كذاب مبتدع، ومن أنكر أن يكون أبو بكر صاحب رسول الله ﷺ كان كافرا لأنه رد نص القرآن ".
وقوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠] قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: على أبي بكر: فأما النبي ﷺ فكانت السكينة عليه قبل ذلك، وقوله: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٤٠] قال ابن عباس: وقواه بالملائكة يدعون الله له.
والهاء عائدة على النبي ﷺ، وقال الزجاج: أيده بملائكة يصرفون وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه.
وقال مجاهد، والكلبي: قواه وأعانه بالملائكة يوم بدر، أخبر الله أنه صرف عنه كيد أعدائه وهو في الغار، ثم أظهر نصره بالملائكة يوم بدر، وقوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٤٠] يعني كلمة الشرك، السفلى لأنها سفلت فبطلت، وكلمة الله وهي لا إله إلا الله، كلمة التوحيد هي العليا لأنها علت وظهرت يوم بدر.
وهذا قول أكثر المفسرين، وقال ابن كيسان: كلمة الذين كفروا: ما قدر بينهم في الكيد به ليقتلوه، فلم ينالوا أملهم، وكلمة الله: وعد الله أنه ناصره.
وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والله عزيز في انتقامه من أهل الكفر، حكيم في تدبيره.
وقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: ٤١] قال أكثر المفسرين: شبابا وكهولا، وروى عطاء، عن ابن عباس: رجالا وركبانا.
وروى عنه أيضا: خفافا قال: أهل الميسرة من المال، وثقالا أهل العسرة.
وهو اختيار الزجاج قال: موسرين ومعسرين.
وعلى العكس من هذا، قال أبو صالح: خفافا من المال أي: فقراء، وثقالا منه أي: أغنياء، واختاره الفراء فقال: الخفاف ذوو العسرة وقلة العيال، والثقال ذوو العيال والميسرة.
وقال أهل المعاني: هذا عام في كل أحد لأنه ما من أحد إلا وهو ممن تخف عليه الحركة، أو تثقل، فهو ممن أمر في هذه الآية بالنفير.
وقال عطاء الخرساني عن ابن عباس: نسخت هذه الآية
[ ٢ / ٤٩٩ ]
بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] .
وقال السدي: لما نزلت اشتد شأنها على الناس، فنسخها الله وأنزل: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١] الآية، قوله: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] هذا يدل على أن الموسر يجب عليه الجهاد بالمال إذا عجز عن الجهاد بالبدن لزمانة أو علة، فوجوب الجهاد بالمال كوجوبه بالبدن على الكفاية، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٤١] أي: من التثاقل إلى الأرض إذا استنفرتم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] ما لكم من الجزاء والثواب.
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿٤٢﴾ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴿٤٣﴾ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴿٤٤﴾ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴿٤٥﴾ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴿٤٦﴾ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿٤٧﴾ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ﴿٤٨﴾﴾ [التوبة: ٤٢-٤٨] قوله: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ [التوبة: ٤٢] نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، والمعنى: لو كان ما دعوا إليه عرضا قريبا غنيمة قريبة، وَسَفَرًا قَاصِدًا قريبا هينا، لاتَّبَعُوكَ طمعا في المال، ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة: ٤٢] المسافة، وقال الكلبي: يعني السفر إلى الشام.
والشقة السفر البعيد لأنه يشق على الإنسان، وَسَيَحْلِفُونَ بِالله يعني المنافقين إذا رجعتم إليهم: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢] لو قدرنا وكان لنا سعة في المال، يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بالكذب والنفاق، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢] لأنهم كانوا يستطيعون الخروج وكانوا مياسير، ذوي زاد وسلاح وعدة، قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، قال عمرو بن ميمون الأودي: اثنان فعلهما النبي ﷺ لم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه الفداء من الأسارى، فعاتبه الله كما تسمعون.
قال سفيان بن عيينة: انظر إلى هذا اللطف: بدأه بالعفو قبل أن يعيره بالذنب.
قال قتادة: ثم أنزل بعده نسخ هذه الآية: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] .
وقوله: ﴿
[ ٢ / ٥٠٠ ]
لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] أي: في التخلف عنك، قال ابن عباس: وذلك أن رسول الله ﷺ لم يكن يعرف يومئذ المنافقين.
قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [التوبة: ٤٣] الآية، أي: حتى تعرف من له العذر في التخلف، ومن لا عذر له، فيكون إذنك لمن أذنت له على عذر.
قوله: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٤٤] الآية.
قال ابن عباس: هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوه في القعود عن الجهاد.
وقال الزجاج: أعلم الله نبيه أن علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان، وإلا فالاستئذان من الإمام في القعود عن الجهاد غير مذموم.
والمعنى: في أن يجاهدوا، حذف في.
إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ أي: في القعود عن الجهاد، ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٤٥] قال ابن عباس: شكوا في دينهم.
﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] في شكهم يتمادون، ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ [التوبة: ٤٦] يعني: هؤلاء المنافقين لو أرادوا أن يخرجوا معك، ﴿لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦] من الزاد والماء والظهر، لأن سفرهم بعيد، فترْكهم العدة دليل على إرادتهم التخلف، والمعنى: أنهم كانوا مياسير قادرين على أخذ العدة لو أرادوا الخروج، ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] انطلاقهم وخروجهم معك، يقال: بعثته لأمر كذا فانبعث.
أي: نفذ فيه، وقوله: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] التثبيط: ردك الإنسان عن الشيء يفعله، قال ابن عباس: فخذلهم وكسلهم عن الخروج.
﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦] قال مقاتل: وحيا إلى قلوبهم، يعني: أن الله ألهمهم أسباب الخذلان وأوحى إلى قلوبهم أن اقعدوا مع القاعدين، ويجوز أن يكون بعضهم قال ذلك لبعض.
ثم أعلم الله لم كره خروجهم فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] أي: فيما بينكم، يعني معكم، ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا﴾ [التوبة: ٤٧] الخبال: الفساد والشر في كل شيء، قال ابن عباس: يريد عجزا وجبنا، أي: أنهم كانوا يجبنونكم عن لقاء العدو بتهويل الأمر عليكم، وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ أي: لأسرعوا في الدخول بينكم بالتضريب والإفساد بالنميمة، والإيضاع: الإسراع، وخلال الشيء وسطه، وقوله: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ أي: يطلبون لكم العنت، قال الضحاك: يخوفونكم بالعدو ويخبرونكم أنكم مهزومون، وأن عدوكم سيظهر عليكم، ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧] قال ابن عباس: يريد المنافقين، ثم ذكر قبيح ما فعلوا قبل هذا فقال: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ٤٨] طلبوا لك العنت والشر من قبل تبوك وهو أن اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا
[ ٢ / ٥٠١ ]
على طريق النبي ﷺ ليفتكوا به فسلمه الله منهم.
وقال جماعة من المفسرين: طلبوا صد أصحابك عن الدين، وردهم إلى الكفر، وتخذيل الناس عنك قبل هذا.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ [التوبة: ٤٨]، واجتهدوا في الحيلة عليك، والكيد بك وأداروا الأمور ليردوا أمرك، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ [التوبة: ٤٨] حتى أخزاهم الله بإظهار الحق وإعزاز الدين على رغم منهم وكره، وهو قوله: ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨] .
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿٤٩﴾ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴿٥٠﴾ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿٥١﴾ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴿٥٢﴾﴾ [التوبة: ٤٩-٥٢] قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ [التوبة: ٤٩] نزلت في الجد بن قيس المنافق، قال رسول الله ﷺ: " هل لك في جهاد بني الأصفر؟ يعني الروم، تتخذ منهم سراري ووصفاء.
فقال: ائذن لي في القعود عنك، ولا تفتني بذكر النساء فقد علم قومي أني مغرم بهن، وأني أخشى أن لا أصبر عنهن.
قال ابن عباس: اعتل جد بن قيس بقوله: ولا تفتني.
ولم يكن له علة إلا النفاق.
قال الله ﷿: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩] أي: في الشرك والإثم وقعوا بنفاقهم، وخلافهم أمر رسول الله ﷺ، قال ابن كيسان: أراد اعتلالهم بالباطل هو الفتنة لأنه الشرك والكفر.
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩] قال يمان: وهي محدقة بمن كفر بالله جامعة لهم.
وقوله: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ [التوبة: ٥٠] نصر وغنيمة، تَسُؤْهُمْ، وتحزنهم، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ [التوبة: ٥٠] من القتل والهزيمة، ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ٥٠] أي: قد عملنا بالحزم حين تخلفنا، فسلمنا مما وقعوا فيها، وَيَتَوَلَّوْا يعرضوا عن الإيمان، وَهُمْ فَرِحُونَ معجبون بما فعلوا.
قوله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا﴾ [التوبة: ٥١] قل لهم يا محمد لن يصيبنا خير وشر وشدة ورخاء ﴿إِلا
[ ٢ / ٥٠٢ ]
مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] قضى الله لنا، وكتب في اللوح المحفوظ، هُوَ مَوْلانَا ناصرنا والذي يتولى حياطتنا، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١] وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم على الرضا بتدبيره.
٤١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عُتْبَةَ، سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ حَلْبَسٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لا يَبْلُغُ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ»
قوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ [التوبة: ٥٢] أي: قل للمنافقين هل تنتظرون أن يقع بنا، ﴿إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] إما الغنيمة والفتح، أو الشهادة والمغفرة.
٤١٥ - وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، أنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لا يَخْرُجُ إِلَّا إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِرَسُولِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ»
وقوله: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ [التوبة: ٥٢] قال ابن عباس: ننتظر بكم، ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [التوبة: ٥٢] بقارعة من السماء كما أصاب الأمم الخالية، أَوْ بِأَيْدِينَا يأذن لنا ربنا في قتلكم فنقتلكم، ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] فانتظروا مواعيد الشيطان إنا منتظرون مواعيد الله من إظهار دينه، قال الزجاج: يقول: أنتم تربصون بنا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم إحدى الشرين.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴿٥٣﴾ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلا
[ ٢ / ٥٠٣ ]
وَهُمْ كَارِهُونَ ﴿٥٤﴾ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿٥٥﴾ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴿٥٦﴾ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴿٥٧﴾﴾ قوله: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣] نزلت في جد بن قيس حين قال للنبي ﷺ ائذن لي بالقعود وهذا مالي أعينك به.
قال الزجاج، والفراء: وهذا لفظ أمر، ومعناه معنى الشرط والجزاء، أي: إن أنفقتم طائعين أو كارهين لن يتقبل منكم.
قال ابن عباس: يريد أنه لا يتقبل من أعدائه صدقاتهم ونفقاتهم.
﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣] عاصين لله، على غير طريقة الإسلام.
وقوله: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ: ويقبل بالياء لأن النفقة بمعنى الإنفاق فيكون كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، التقدير: وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم بالله، وهذا يدل على أن الكافر لا يقبل منه عمل، ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] جمع كسلان مثل سكران وسكارى، وذلك أنهم لا يرجون لها ثوابا وإن تركوها لم يخافون عليها عقابا، ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤] لأنهم يعدون الإنفاق مغرما.
قوله: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] يعني بالإعجاب السرور بما يتعجب منه، يقول: لا تستحسن ما أنعمنا عليهم من الأموال والأولاد فإن العبد إذا كان مستدرجا كثر ماله وولده.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥] الكناية تعود إلى الأموال دون الأولاد، والمعنى: ليعذبهم بها، بأخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله، والمصايب فيها، والتعب في جمعها، والوجل في حفظها، ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] قال الزجاج: وتخرج أنفسهم وهم على الكفر.
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] يحلفون بالله أنهم مؤمنون كما أنتم مؤمنون، ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] لأنهم يبطنون الكفر، ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦] يخافون أن يظهر ما هم عليه، ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ [التوبة: ٥٧] مكانا يتحصن فيه، قال ابن عباس: مهربا.
أَوْ مَغَارَاتٍ وهو المكان الذي تغور فيه أن تستتر، من قولهم: غار الماء في الأرض.
قال ابن عباس: يعني سراديب.
أَوْ مُدَّخَلا أصله: مدتخل، فأبدلت التاء دالا وأدغم فيه الأول، قال قتادة: سربا.
وقال الحسن: وجها يدخلونه.
لَوَلَّوْا إِلَيْهِ لرجعوا إليه وأدبروا إليه، وَهُمْ يَجْمَحُونَ مثل ما يجمح الفرس، والمعنى: أن هؤلاء المنافقين لا بصيرة لهم في الدين ولا احتساب، وإنما هم
[ ٢ / ٥٠٤ ]
كالمسخرين، حتى ولو وجدوا أحد هذه الأشياء لأسرعوا إليه طلبا للفرار.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴿٥٨﴾ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ﴿٥٩﴾ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٦٠﴾﴾ [التوبة: ٥٨-٦٠] قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] يقال: لمزت الرجل ألمزه وألمزه.
إذا عبته، وكذلك هَمَزْتُهُ، والهمزة واللمزة الذي يغتاب الناس ويغضّهم، أي: يعيبك في أمر الصدقات وتفريقها، ويطعن عليك فيها، يعني: المنافقين كانوا يقولون: لا يعطيها محمد إلا من أحب.
٤١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ قَسْمًا، إِذْ جَاءَهُ ابْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ وَهُوَ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ، فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟» فَنَزَلَتْ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] الآيَةَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مَعْمَرٍ
قال الضحاك: كان رسول الله ﷺ يقسم بينهم ما آتاه الله من قليل المال وكثيره، فكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله عليه، وأما المنافقون فإن أعطوا كثيرا فرحوا، وإن أعطوا قليلا سخطوا، وذلك قوله: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ [التوبة: ٥٨] الآية.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩] أي: قنعوا بما قسم لهم رسول الله، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩] ما نحتاج إليه، ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] في الزيادة، لكان خيرا لهم وأعود عليهم.
وهذا جواب لو، وهو محذوف في اللفظ.
ثم بين لمن الصدقات فقال: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ يعني صدقات الأموال، لِلْفُقَرَاءِ
[ ٢ / ٥٠٥ ]
وَالْمَسَاكِينِ قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن زيد: الفقير المتعفف الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل.
وقال الأصمعي: الفقير الذي له ما يأكل، والمسكين الذي لا شيء له.
وقال الشافعي، ﵁: الفقراء: الزمني الضعاف الذين لا حرفة لهم، وأهل الحرف الضعيفة الذين لا تقع حرفتهم من حاجتهم موقعا، والمساكين: السؤّال ممن لهم حرفة، فالفقير أشدهما حالا.
وهذا قول قتادة، قال: الفقير الزمن المحتاج، والمسكين الصحيح المحتاج، والفقير والمسكين الذي يجوز دفع الزكاة إليه: هو من لا يفي دخله بخرجه.
قوله: وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا يعني: السعاة، وهؤلاء يعطون من الصدقات بقدر أجور أمثالهم، وقوله: وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ هم قوم من أشراف العرب استألفهم رسول الله ﷺ ليردوا عنه قومهم، ويعينوه على عدوه، منهم: عباس بن مرداس، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كان يعطيهم سهما من الزكاة، وقد أغنى الله المسلمين عن ذلك، قوله: وَفِي الرِّقَابِ يعني: وفي فك الرقاب قال ابن عباس: يريد: المكاتبين.
وسهم الرقاب موضوع في المكاتبين ليعتقوا به، وقوله: وَالْغَارِمِينَ وهم الذين لزمهم الديون في غير معصية ولا إسراف، ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] يعني: الغزاة والمرابطين، ويجوز أن يعطى الغازي من الزكاة وإن كان غنيا إذا طلب، وقوله: وَابْنِ السَّبِيلِ يعني المسافر المنقطع يأخذ من الصدقات وإن كان غنيا في بلده، قوله: فَرِيضَةً مِنَ الله يعني: أن الله افترض هذا على الأغنياء في أموالهم لهؤلاء وَالله عَلِيمٌ بخلقه، حَكِيمٌ فيما حكم فيهم.
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٦١﴾ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٦٢﴾ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ﴿٦٣﴾ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ ﴿٦٤﴾ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴿٦٥﴾ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴿٦٦﴾﴾ [التوبة: ٦١-٦٦] وقوله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١] الآية: نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون رسول الله ﷺ ويبلغون حديثه إلى المنافقين، ويقولون: نقول ما شئنا ثم نأتيه ونحلف ما قلنا فيصدقنا، لأنه أذن.
فأنزل الله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١] يعني من المنافقين من يؤذيه بنقل حديثه وعيبته، ﴿وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١] يسمع من كل أحد ما
[ ٢ / ٥٠٦ ]
يقوله، قال الحسن: قالوا: ما هذا الرجل إلا أذن من شاء صرفه كيف شاء، ليست له عزيمة، فقال الله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦١] أي: مستمع خير وصلاح، لا مستمع شر وفساد، وروى البرجمي: أذنٌ خير لكم بالتنوين على وصف الأذن بخير، ومعناه: أن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم، وقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] أي: يسمع ما ينزله الله، فيصدقه، ويصدق المؤمنين فيما يخبرونه، أي: إنما يصدق المؤمنين لا المنافقين.
قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٦١] أي: وهو رحمة الله لأنه كان سبب إيمان المؤمنين، وقرأ حمزة: ورحمة بالجر عطفا على خير كأنه أذن خير ورحمة، أي: مستمع رحمة، ثم أوعد هؤلاء المنافقين فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١] .
قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] أي: يحلف هؤلاء المنافقون فيما يبلغكم عنهم من أذى الرسول ﷺ والطعن عليه أنهم ما قالوا ذلك، قال الزجاج: حلفوا أنهم ما قالوا ما حكي عنهم، ليرضوا المؤمنين بيمينهم.
﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢] أي: إن كانوا على ما قالوا من الإيمان كان ترك عيبة النبي ﷺ والطعن عليه أولى ليكونوا مؤمنين بقبول قوله وترك عيبه، ثم أوعدهم بقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٦٣] قال ابن عباس: من يخالف الله ورسوله بتكذيب نبيه، والإظهار باللسان خلاف ما في القلب.
والمحادة كالمجانبة والمخالفة، والمعنى: ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن من عادى الله ورسوله استحق العذاب؟ وهو قوله: ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣] الآية.
قوله تعالى: يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ الآية: قال مجاهد: كان المنافقون يعيبون رسول الله ﷺ فيما بينهم، ويقولون: عسى الله ألا يفشي علينا سرنا، فأنزل الله هذه الآية.
ومعنى يحذر المنافقون الإخبار عنهم بما كانوا يخافون من هتكهم وفضيحتهم، وهو قوله: ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٦٤] أي: على المؤمنين ﴿سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٤] بما في قلوب المنافقين من الحسد لرسول الله ﷺ، والعداوة للمؤمنين، وقوله: قُلِ اسْتَهْزِئُوا أمر وعيد، ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ [التوبة: ٦٤] مظهر مَا تَحْذَرُونَ ظهوره، ثم فعل ذلك بأن ألهم النبي ﷺ معرفتهم فقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] .
قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ﴾ [التوبة: ٦٥] الآية: قال الكلبي، ومقاتل: كان رسول الله ﷺ راجعا من غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر يسيرون فجعل رجلان منهم يستهزئان بالقرآن، ورسول الله ﷺ، والثالث يضحك، فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ﴾ [التوبة: ٦٥] أي: في الباطل من الكلام كما يخوض الركب نقطع به الطريق، وَنَلْعَبُ، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] .
٤١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَوْزَقِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا أَبُو جَعْفَر بْن مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْحُلْوَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ الْخَيَّاطُ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ دَاوُدَ الْمِخْرَاقِيُّ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَسِيرُ قُدَّامَ النَّبِيِّ ﷺ، وَالْحِجَارَةُ تَنْكِيهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: " ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥]
[ ٢ / ٥٠٧ ]
قوله: لا تَعْتَذِرُوا أي: لا تأتون بعذر مما قلتم، ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] قال الزجاج: قد ظهر كفركم بعد إظهاركم الإيمان.
﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] يعني الذي ضحك، قال محمد بن إسحاق: الذي عفا عنه رجل واحد يقال له مخشي بن حمير الأشجعي، أنكر عليهم بعض ما سمع، وجعل يسير مجانبا لهم، فلما نزلت هذه الآية برئ من النفاق.
ويجوز أن يسمى الواحد طائفة كما يسمى الواحد باسم الجماعة، وقوله: نُعَذِّبْ طَائِفَةً يعني: الهازئين، ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٦] بالاستهزاء.
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٦٧﴾ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴿٦٨﴾ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٦٩﴾ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٧٠﴾﴾ [التوبة: ٦٧-٧٠] وقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] قال ابن عباس: أي: على دين بعض.
والمعنى: بعضهم مضاف إلى بعض بالاجتماع على النفاق، وأن أمرهم واحد، يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ بالكفر بمحمد ﷺ، ﴿
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧] عن اتباع رسول الله ﷺ والإيمان به، وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ عن النفقة في سبيل الله تعالى، نَسُوا الله: تركوا ما أمرهم الله به من طاعته، فَنَسِيَهُمْ فتركهم من كل خير، وخذلهم في الشك، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] الخارجون عن أمر الله وطاعته، ثم ذكر ما وعدهم في الآخرة فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ [التوبة: ٦٨] الآية ظاهرة إلى قوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] رجع من الخبر عنهم إلى مخاطبتهم، وشبههم في العدول عن أمر الله، والاشتغال بالدنيا، بمن قبلهم، والمعنى: أنتم كالذين من قبلكم، يعني الأمم الخالية، ثم وصفهم بقوله: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩] يقول: رضوا بنصيبهم في الدنيا من أنصابهم في الآخرة، وفعلتم أيضا مثل ما فعلوه، وهو قوله: فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كما فعلوا هم وَخُضْتُمْ في الطعن على الدين وتكذيب نبيكم كما خاضوا هم في الطعن على أنبيائهم، ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٦٩] لأنها لم تقبل منهم، وفي الآخِرَةِ لأنهم لا يثابون عليها، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩] بفوت المثوبة والمصير إلى العقوبة، ثم خوفهم الله بإهلاك من كان قبلهم من الأمم فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٠] من الأمم، قال الزجاج: ألم يأتهم خبر الذين أهلكوا في الدنيا بذنوبهم فيتعظوا، ثم ذكرهم إلى قوله: وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ قال ابن عباس: يريد: نمروذ بن كنعان.
وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ يعني: قوم شعيب أهلكوا بعذاب يوم الظلة، ومدين اسم بلدهم، وَالْمُؤْتَفِكَاتِ يعني قرى قوم لوط، جمع مؤتفكة، وهي المنقلبة، وتلك القرى انقلبت فصار أعلاها أسفلها، يقال: أفكه فائتفك.
أي: قلبه فانقلب، أتت هؤلاء الأمم، رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ: فكذبوا بها ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٠] قال ابن عباس: ليهلكهم حتى يبعث إليهم نبيا لينذرهم.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠] قال الزجاج: أخبر الله أن تعذيبهم كان باستحقاقهم.
قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٧١﴾ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٧٢﴾﴾ [التوبة: ٧١-٧٢] ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] قال ابن عباس: في الرحمة والمحبة.
والمعنى: بعضهم يوالي بعضا، فهم يد واحدة في النصرة، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ بكلمة: لا إله إلا الله، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] عن الشرك بالله، ثم ذكر سائر أوصافهم فقال وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ إلى آخر الآية.
قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [التوبة: ٧٢]، إلى قوله: وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً قال ابن عباس: يريد: قصور الزبرجد والدر والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمس مائة عام.
٤١٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْوَاعِظُ الصَّابُونِيُّ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى الْفَقِيهُ، أنا أَبُو حَامِدٍ
[ ٢ / ٥٠٩ ]
مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَضْرَمِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، نا قُرَّةُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالا: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] قال: «قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ فِي ذَلِكَ الْقَصْرِ سَبْعُونَ دَارًا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، فِي كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَرِيرٌ، عَلَى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِرَاشًا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ زَوْجَةٌ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مَائِدَةً، عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وَصِيفَةً، وَيُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي كُلِّ غَدَاةٍ مَا يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَجْمَعَ»
وقوله: جنات عدن يقال: عدن بالمكان يعدن عدونا.
إذا أقام به، ومعنى جنات عدن: جنات إقامة، قال عطاء، عن ابن عباس: هي قصبة في الجنة، وسقفها عرش الرحمن.
وقال الضحاك: هي مدينة الجنة، وفيها الرسل، والأنبياء، والشهداء، وأئمة الهدى، والناس حولهم، والجنات حولها.
وقال مقاتل، والكلبي: عدن أعلى درجة في الجنة، وفيها عين التسنيم، والجنان حولها محدقة بها، وهي مغطاة من يوم خلقها الله تعالى، حتى ينزلها أهل الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، وفيها قصور الدر والياقوت والذهب.
٤١٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا جَنَّاتُ عَدْنٍ؟ قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ لَهُ خَمْسَةُ آلافِ بَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، لا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ وَهَنِيئًا لِصَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَأَشَارَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ صِدِّيقٍ، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، أَوْ شَهِيدٌ، وَأَنَّى لِعُمَرَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنْ هَذَا قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَسُوقَ إِلَيَّ الشَّهَادَةَ
[ ٢ / ٥١٠ ]
وقوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] قال ابن عباس: أكبر مما يوصف.
وقال الزجاج: أكبر مما هم فيه من النعيم.
وإنما صار الرضوان أكبر من الثواب لأنه لا يوجد شيء من الثواب إلا بالرضوان إذ هو الموجب له، وقال الحسن: لأن ما يصل إلى قلب المؤمن من السرور برضوان الله أكبر من جميع ذلك.
٤٢٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، نا أَمِينُ بْنُ بِسْطَامٍ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا أَدْخَلَ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةَ الْجَنَّةَ قَالَ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ هَذَا؟ قَالُوا: أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: رِضْوَانِي
٤٢١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاسَرْجَسَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا لَنَا لا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: لأَعْطِيَنَّكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلا أَسْخَطُ بَعْدَهُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا ".
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ كِلاهُمَا، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ
[ ٢ / ٥١١ ]
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٧٣﴾ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴿٧٤﴾﴾ [التوبة: ٧٣-٧٤] قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] قال ابن عباس: أمره الله بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان.
وقال ابن مسعود: يجاهد بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.
وقوله: وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ قال ابن عباس: يريد: شدة الانتهار، والنظر بالبغضة والمقت.
وقال ابن مسعود: هو أن يكفهر في وجوههم.
قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] لما بلغ النبي ﷺ أن المنافقين يسيئون فيه القول، ويطعنون فيه وفي القرآن، أنكر عليهم، فحلفوا: ما قالوا، فكذبهم الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٧٤] يعني سبهم الرسولَ ﷺ، وطعنهم في الدين، وقوله: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] يعني: أنهم قالوا في غزوة تبوك: إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبيّ تاجه يباهي به رسول الله ﷺ، فلم ينالوا ما هموا به، وقال الكلبي، والضحاك: هموا أن يفتكوا بالنبي ﷺ ليلا في مسيره في غزوة تبوك، فاعلمه الله ذلك، فأمر من نحاهم عن طريقه، وقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٧٤] قال ابن عباس: يريد: مما كانوا غنموا حتى صارت لهم العقد والأموال، وكانوا قبل قدوم النبي ﷺ في ضنك من عيشهم، لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم عليهم رسول الله ﷺ استغنوا بالغنائم، وذكرنا معنى: نقم، عند قوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ [المائدة: ٥٩]، وقوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤] قال الكلبي: لما نزلت هذه الآية قام الجلاس بن سويد وكان ممن طعن على النبي ﷺ، فقال: أسمع الله قد عرض عليّ التوبة، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه مما قلته، فقبل رسول الله ﷺ توبته.
وَإِنْ يَتَوَلَّوْا: يعرضوا عن الإيمان، قال ابن عباس: كما تولى عبد الله بن أبيّ.
﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٧٤] بالقتل وَفي الآخِرَةِ: بالنار ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤] لا يتولاهم أحد من الأنصار، قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٧٥﴾ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿٧٦﴾ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿٧٧﴾ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿٧٨﴾﴾ [التوبة: ٧٥-٧٨] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥] الآية:
[ ٢ / ٥١٢ ]
٤٢٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أنا أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الْجَوْنِيُّ، نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، نا مُعَانُ بْنُ رِفَاعَةَ السَّلامِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، أَنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حَاطِبٍ الأَنْصَارِيَّ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالا، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ، ثُمَّ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِثْلَ نَبِيِّ اللَّهِ؟ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ شِئْتَ أَنْ تَسِيلَ مَعِي الْجِبَالُ ذَهَبًا وَفِضَّةً لَسَالَتْ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ دَعَوْتَ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالا لأُوتِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مَالا فَاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودَ فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ فَتَنَحَّى عَنْهَا، فَنَزَلَ وَادِيًا مِنْ أَوْدِيَتِهَا حَتَّى جَعَلَ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي جَمَاعَةٍ وَيَتْرُكُ مَا سِوَاهُمَا، ثُمَّ نَمَتْ وَكَثُرَتْ حَتَّى تَرَكَ الصَّلَوَاتِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ تَنْمُو كَمَا يَنْمُو الدُّودُ حَتَّى تَرَكَ الْجُمُعَةَ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ ثَعْلَبَةُ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اتَّخَذَ غَنَمًا وَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ وَأَخْبَرُوهُ بِخَبَرِهِ، فَقَالَ: يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ ثَلاثًا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] الآيَةَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَرَائِضَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ عَلَى الصَّدَقَةِ رَجُلا مِنْ جُهَيْنَةَ وَرَجُلا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَكَتَبَ لَهُمَا كَيْفَ يَأْخُذَانِ الصَّدَقَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ لَهُمَا: مُرَّا بِثَعْلَبَةَ وَبِفُلانٍ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ فَخُذَا صَدَقَاتِهِمَا، فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا ثَعْلَبَةَ فَسَأَلاهُ الصَّدَقَةَ وَأَقْرَآهُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ إِلَّا جِزْيَةٌ مَا هَذِهِ إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ، مَا أَدْرِي مَا هَذَا انْطَلِقَا حَتَّى تَفْرُغَا، ثُمَّ تَعُودَانِ إِلَيَّ، فَانْطَلَقَا وَأَخْبَرَا السُّلَمِيَّ فَنَظَرَ إِلَى خِيَارِ أَسْنَانِ إِبِلِهِ فَعَزَلَهَا لِلصَّدَقَةِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُمْ بِهَا، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالا: مَا يَجِبُ هَذَا عَلَيْكَ وَمَا نُرِيدُ أَنْ نَأْخُذَ هَذَا مِنْكَ، قَالَ: بَلْ خُذُوهُ فَإِنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ فَأَخَذُوهَا مِنْهُ، فَلَمَّا فَرَغَا مَرَّا بِثَعْلَبَةَ، فَقَالَ: أَرُونِي كِتَابَكُمَا أَنْظُرُ فِيهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا إِلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ انْطَلِقَا حَتَّى أُرَى رَأْيٌ فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا رَآهُمَا، قَالَ: يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ، قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمَا، وَدَعَا لِلْمُسْلِمِينَ بِالْبَرَكَةِ، وَأَخْبَرُوهُ بِالَّذِي صَنَعَ السُّلَمِيُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ إِلَى قَوْلِهِ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَقَارِبِ ثَعْلَبَةَ فَسَمِعَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى ثَعْلَبَةَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ كَذَا وَكَذَا، فَخَرَجَ ثَعْلَبَةُ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ صَدَقَتَهُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ صَدَقَتَكَ، فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا عَمَلُكَ وَقَدْ أَمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي، فَلَمَّا أَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ "، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ ﵁ حِينَ اسْتُخْلِفَ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ مَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَوْضِعِي فِي الأَنْصَارِ فَاقْبَلْ صَدَقَتِي، فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَقْبَلُهَا؟ فَقُبِضَ أَبُو بَكْرٍ وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْبَلْ صَدَقَتِي، فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا مِنْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلا أَبُو بَكْرٍ، فَأَنَا أَقْبَلُهَا مِنْكَ؟ وَلَمْ يَقْبَلْهَا، وَقُبِضَ عُمَرُ ثُمَّ وَلِيَ عُثْمَانُ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلا أَبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ وَأَنَا أَقْبَلُهَا مِنْكَ؟ فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ عُثْمَانُ، وَهَلَكَ ثَعْلَبَةُ فِي خِلافَةِ عُثْمَانَ
[ ٢ / ٥١٣ ]
قوله: ومنهم أي: من المنافقين، ﴿مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥] أي قال: على عهد الله، ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] مالا لنصدقن لنعطين الصدقة، ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥] لنعملن ما يعمل أهل الصلاح في أموالهم من صلة الرحم والنفقة في الخير، ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٦] ما طلبوه من المال بَخِلُوا بِهِ ولم يفوا بما عاهدوا، وهو قوله: وَهُمْ مُعْرِضُونَ أي: عن عهدهم مع الله بالصدقة والإنفاق، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٧] صير عاقبة أمرهم النفاق، يقال: أعقبت فلانا ندامة.
أي: صيرت عاقبة أمره ذلك، وقال مجاهد: أعقبهم الله ذلك بحرمان التوبة كما حرم إبليس.
وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] دليل على أنه مات منافقا، بإخلافه وعد الله، وكذبه في عهده، وهو قوله: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧]، ثم ذكر أنه مطلع على سرائرهم فقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] الآية.
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٧٩﴾ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٨٠﴾﴾ [التوبة: ٧٩-٨٠] قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ [التوبة: ٧٩] الآية: قال قتادة: أقبل عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله يتقرب به إلى الله، فقال: يا نبي الله، هذا نصف مالي قد آتيتك به، وتركت نصفه لعيالي.
فدعا الله له أن يبارك له فيما أمسك وفيما أعطى، فلمزه المنافقون، وقالوا: ما أعطى هذا إلا رياء وسمعة.
وأقبل رجل من المسلمين يقال له: الحبحاب أبو عقيل، فقال: يا رسول الله، بت أجر بالجرير على صاعين من تمر، فأما صاع فأمسكته لأهلي وأما صاع فهو ذا.
فلمزه المنافقون وقالوا: إن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل.
فأنزل الله: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ أي: يعيبون ويغتابون، المطوعين الذين يعطون ما ليس بواجب عليهم تطوعا، ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] يعني: أبا عقيل، والجهد الطاقة، قال الليث: الجهد شيء قليل يعيش به المُقِلُّ، وقوله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] أي: جازاهم جزاء سخريتهم حيث صاروا إلى النار.
[ ٢ / ٥١٤ ]
٤٢٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا حَوْثَرَةُ بْنُ أَشْرَسَ، حَدَّثَنِي سُوَيْدٌ أَبُو حَاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلا قَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّلاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جَهْدُ الْمُقِلِّ، قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمَانًا؟ قَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا "
قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآية، قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ: «إن الله قد خيرني في الاستغفار للمنافقين، وسأزيد على السبعين لعل الله أن يغفر لهم» .
فأنزل الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] الآية، وذكر السبعين حصر لهذا العدد، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: «والله لأزيدنهم على السبعين؟» .
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴿٨١﴾ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٨٢﴾ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ﴿٨٣﴾ وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٨٤﴾ وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿٨٥﴾﴾ [التوبة: ٨١-٨٥] قوله: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ يعني المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فالمخلف المتروك خلف من مضى، وقوله: بِمَقْعَدِهِمْ أي: بقعودهم، والمقعد ههنا مصدر بمعنى القعود، خلاف رسول الله ﷺ، قال الزجاج، وقطرب، والمؤرج: مخالفة لرسول الله ﷺ إذ سار، وأقاموا.
وقال أبو عبيدة، والأخفش: خِلافَ رسول
[ ٢ / ٥١٥ ]
الله ﷺ أي: بعده.
﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١] مع محمد ﷺ إلى تبوك، ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١] يعلمون أن مصيرهم إليها، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا في الدنيا لأن الدنيا تفنى وتنقطع، وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا في النار بكاء لا انقطاع له، قال الحسن: هذا وعيد من الله لهم.
وقال ابن عباس: إن أهل النفاق ليبكون في النار عمر الدنيا، فلا يرقأ لهم دمع، حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت.
وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢] أي: في الدنيا من النفاق والتكذيب، ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣] قال ابن عباس: إن ردك الله إلى المدينة.
﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣] يعني المنافقين الذين تخلفوا بغير عذر، فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ معك إلى الغزو، ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] إلى غزاة، ﴿وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] من أهل الكتاب، ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ﴾ [التوبة: ٨٣] عني، أَوَّلَ مَرَّةٍ حين لم تخرجوا إلى تبوك، ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣] قال الحسن، والضحاك، وقتادة: يعني: النساء والصبيان، وهم الذين يخلفون الذاهبين إلى السفر، يقال: خلفه يخلفه.
إذا قام بعده.
قوله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]
٤٢٤ - أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، نا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَخُو ابْنِ اللَّيْثِ، نا السَّكُونِيُّ، نا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ " قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] الآيَةَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ كِلاهُمَا، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ
قال الزجاج: إنما أجاز رسول الله ﷺ الصلاة عليه لأن ظاهره كان الإسلام، فأعلمه الله أنه إذا علم منه النفاق فلا صلاة عليه.
وقوله: ﴿وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] كان رسول الله ﷺ إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له، فنهى عن ذلك في حق المنافقين لأنهم كفرة، وهو قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] الآية.
﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ [التوبة: ٨٥] تقدم تفسيره في هذه ال ﴿[.
[ ٢ / ٥١٦ ]
] وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴿٨٦﴾ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ﴿٨٧﴾ لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٨٨﴾ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٨٩﴾﴾ [سورة التوبة: ٨٦-٨٩] قوله: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٨٦] أي: بأن آمنوا، ومعناه بالإيمان بالله والجهاد مع رسوله، اسْتَأْذَنَكَ في التخلف عنك، ﴿أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٦] يعني أهل الغنى والسعة في المال، يعني: الذين لا عذر لهم في التخلف، ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴿٨٦﴾ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٦-٨٧] قال المفسرون: يعني النساء اللاتي يخلفن في البيوت فلا يبرحن.
﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٨٧] قال ابن عباس: بالنفاق كقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، ﴿فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧] لا يعلمون أمر الله، ثم أثنى على الرسول ﷺ والمؤمنين الذين جاهدوا معه بقوله: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التوبة: ٨٨]، إلى قوله: ﴿لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ [التوبة: ٨٨] قال الأخفش، وأبو عبيدة، والمبرد: الخيرات جمع خيرة، وهن الجواري الفاضلات الحسان.
وذكر في الآية الثانية ما وعدهم، فقال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [التوبة: ٨٩] الآية.
﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٠] وقوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ [التوبة: ٩٠] قال الفراء، والزجاج، وابن الأنباري: أراد: المعتذرون، فأدغمت التاء في الذال.
قال محمد بن إسحاق: هم أعراب من بني غفار اعتذروا فلم يعذرهم الله.
وقال أبو عمرو بن العلاء: كلا الفريقين كان مسيئا: جاء قوم فعذروا، وجنح آخرون فقعدوا.
يرد أن قوما تكلفوا عذرا بالباطل، فهم الذين عناهم الله بقوله: وجاء المعذرون، وتخلف آخرون من غير تكلف عذر وإظهار علة، جرأة على الله ورسوله، وهو قوله: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٩٠] يعني: لم يصدقوا في إيمانهم، وهم المنافقون ثم أوعدهم بقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٩٠] الآية.
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٩١﴾ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ
[ ٢ / ٥١٧ ]
قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴿٩٢﴾﴾ [التوبة: ٩١-٩٢] قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ [التوبة: ٩١] يعني الزمني والمشايخ والعجزة، ﴿وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١] جمع مريض، ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١] يعني المقلين، ﴿حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١] ضيق في القعود عن الغزو، ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] إذا أخلصوا إيمانهم وأعمالهم من الغش والنفاق، ولم يغتنموا عذرهم بل يتمنون أن لم يكن لهم عذر، فيتمكنوا من الجهاد، وهم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] أي: طريق بالعقوبة لأنه قد سد بإحسانه طريق العذاب على نفسه، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩١] لمن كان محسنا.
قوله: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢] هؤلاء نفر من قبائل شتى سألوا رسول الله ﷺ أن يحملهم على الخفاف والنعال ليغزوا، وقال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على الدواب، فقال النبي ﷺ: «لا أجد ما أحملكم عليه» .
لأن الشقة بعيدة والرجل يحتاج إلى بعيرين بعير يركبه، وبعير يحمل ماءه وزاده، فانصرفوا وهم يبكون، وهو قوله: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] أي: جرت أعينهم عن امتلاء من حزن في قلوبهم لعدم النفقة.
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٩١﴾ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴿٩٢﴾﴾ [التوبة: ٩١-٩٢] قوله: إِنَّمَا السَّبِيلُ بالعقوبة، ﴿عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ [التوبة: ٩٣] في التخلف، وَهُمْ أَغْنِيَاءُ موسرون، وباقي الآية فسرناه آنفا، قوله: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ بالأباطيل، ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٤] من غزوة تبوك، ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤] لن نصدقكم، ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤] أخبرنا الله بسرائركم وما تخفي صدوركم، ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤] فيما تستأنفون من النفاق تبتم أم أقمتم عليه، ثُمَّ تُرَدُّونَ للجزاء، ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [التوبة: ٩٤] إلى من يعلم ما غاب عنا من ضمائركم، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩٤] فيخبركم بما كنتم تكتمون من النفاق.
قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ [التوبة: ٩٥] رجعتم، إِلَيْهِمْ أي: أنهم ما قدروا على الخروج لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ لتصفحوا عنهم، وتتركوا لومهم، فقال الله تعالى: فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ اتركوا كلامهم وسلامهم، إِنَّهُمْ رِجْسٌ إن عملهم قبيح من عمل الشيطان، يَحْلِفُونَ لَكُمْ يعني المنافقين، لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ وذلك أن عبد الله بن أبيّ حلف ألا يتخلف عن رسول الله ﷺ، وطلب أن يرضى عنه، وحلف
[ ٢ / ٥١٨ ]
ابن أبي سرح لعمر بن الخطاب، وطلب أن يرضى عنه، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٦] بحلفهم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] قال ابن عباس: يريد الذين ألسنتهم مخالفة لما في قلوبهم.
﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٩٧﴾ وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٩٨﴾ وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٩٩﴾﴾ [التوبة: ٩٧-٩٩] قوله: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: ٩٧] قال ابن عباس: نزلت في أعاريب أسد، وغطفان، وأعراب من حول المدينة.
أخبر الله أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر أهل المدينة لأنهم أقسى وأجفى من أهل الحضر، وَأَجْدَرُ وأولى، ﴿أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] يعني: الحلال والحرام والفرائض، وَالله عَلِيمٌ بما في قلوب خلقه، حَكِيمٌ فيما يفرض من فرائضه.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾ [التوبة: ٩٨] في الجهاد، مَغْرَمًا لأنه لا يرجو له ثوابا، ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] ينتظر أن تنقلب الأمور عليكم بموت أو قتل، ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] يدور عليهم البلاء والحزن فلا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوءهم، والسوء بالفتح: الرداءة والفساد، وبالضم: الضرر والمكروه، وَالله سَمِيعٌ لقولهم، عَلِيمٌ بنياتهم.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩] قال ابن عباس: يعني: من أسلم من أعراب أسد، وجهينة، وغفار.
﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٩٩] يتقرب بإنفاقه إلى الله، وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ يعني: دعاءه بالخير والبركة، قال عطاء: يرغبون في دعاء النبي ﷺ، ﴿أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٩] قال ابن عباس: يريد: نور لهم ومكرمة عند الله.
يعني صلوات الرسول، والقربة: ما يدني من رحمة الله، وقرأ نافع بضم الراء وهو الأصل، ثم خفف كالكتب والرسل، ولا يجوز أن يكون الأصل التخفيف، ثم يثقل، ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [التوبة: ٩٩] في جنته، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ [التوبة: ٩٩] لذنوبهم، ﴿رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩] بأوليائه وأهل طاعته.
﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] قال أبو موسى، وسعيد بن المسيب، وقتادة، وابن
[ ٢ / ٥١٩ ]
سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين.
وقال عطاء: هم الذين شهدوا بدرا.
وقال الشعبي: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان.
وقد فسرت الآية على أن المراد بها جميع الصحابة الذين أدركوا رسول الله ﷺ، وحصل لهم السبق بإدراكه وصحبته.
وذلك ما
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد التميمي، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، نا الوليد بن أبان، نا الفضل بن حماد، نا عبد الله بن صالح، حدثني خالد بن حميد، عن أبي صخر حميد بن زياد، قال: قلت لمحمد بن كعب القرظي يوما: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله ﷺ فيما كان من رأيهم؟ وإنما أريد الفتن.
فقال: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي ﷺ، وأوجب لهم الجنة في كتابه، محسنهم، ومسيئهم.
قلت: في أي موضع أوجب لهم الجنة في كتابه؟ فقال: سبحان الله، ألا تقرأ قوله تعالى: والسابقون الأولون إلى آخر الآية، فأوجب الله لجميع أصحاب النبي ﷺ الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطا لم يشترطه عليهم.
قلت: وما اشترط عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان، يقول: يقتدون بأعمالهم الحسنة ولا يقتدون بهم في غير ذلك.
قال أبو صخر: فوالله لكأني لم اقرأها قط، وما عرفت تفسيرها حتى قرأ علي محمد بن كعب.
٤٢٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ، نا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَن الأَشَجِّ، عَنْ وَكِيعٍ
٤٢٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، نا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، نا شُعَيْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، نا وَائِلُ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ يَزِيدَ الْبَهِيِّ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «
[ ٢ / ٥٢٠ ]
اللَّهُمَّ إِنَّكَ بَارَكْتَ لأُمَّتِي فِي صَحَابَتِي فَلا تَسْلِبْهُمُ الْبَرَكَةَ، وَبَارَكْتَ لأَصْحَابِي فِي أَبِي بَكْرٍ فَلا تَسْلِبْهُ الْبَرَكَةَ، وَاجْمَعْهُمْ عَلَيْهِ وَلا تَنْشُرْ أَمْرَهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُؤْثِرُ أَمْرَكَ عَلَى أَمْرِهِ، اللَّهُمَّ وَأَعِزَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَصَبِّرْ عُثْمَانَ، وَوَفِّقْ عَلِيًّا، وَاغْفِرْ لِطَلْحَةَ، وَثَبِّتِ الزُّبَيْرَ، وَسَلِّمْ سَعْدًا، وَوَفِّقْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَأَلْحِقْ بِي السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ»
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] قال ابن عباس: والذين اتبعوهم على دينهم من أهل الإيمان إلى أن تقوم الساعة.
وقال عطاء: يريد: يذكرون المهاجرين والأنصار بالجنة والرحمة والدعاء لهم، ويذكرون محاسنهم.
﴿﵃﴾ [التوبة: ١٠٠] أعمالهم، وَرَضُوا ثواب الله، قال الزجاج: رضي أفعالهم، ورضوا بما جازاهم به.
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: ١٠١] يعني مزينة، وجهينة، وأسلم، وغفارا، ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٠١] من الأوس والخزرج منافقون، ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] يقال: مرد يمرد مردا فهو مارد ومريد.
إذا أعتى وطغى، وقال الفراء: يريد: مرنوا عليه.
وقال محمد بن إسحاق: لجوا فيه، وأبوا غيره.
وقال ابن زيد: أقاموا عليه، ولم يتوبوا.
لا تَعْلَمُهُمْ أنت يا محمد، ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] قال السدي، والكلبي: أول العذاب أنه أخرجهم من المسجد، وذلك أن رسول الله ﷺ قام خطيبا يوم الجمعة، فقال: «يا فلان، أخرج فإنك منافق» .
فأخرج من المسجد ناسا وفضحهم، والعذاب الثاني: عذاب القبر.
وقال مجاهد: بالقتل والسبي وعذاب القبر.
وروى خصيف عنه قال: عذبوا بالجزع مرتين.
﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] قال: عذاب جهنم.
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٠٢﴾ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١٠٣﴾ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿١٠٤﴾ وَقُلِ اعْمَلُوا
[ ٢ / ٥٢١ ]
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿١٠٥﴾﴾ [التوبة: ١٠٢-١٠٥] قوله: وَآخَرُونَ أي: ومن أهل المدينة آخرون اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ أقروا بها عن معرفة، نزلت في قوم من المؤمنين كانوا تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، ثم ندموا على ذلك وتذمموا، وقوله: ﴿خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] يعني: غزوهم مع النبي ﷺ وتقاعدهم عن غزوة تبوك، عَسَى الله واجب من الله، ﴿أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] قال أبو عثمان النهدي: ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه الآية.
٤٢٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، أنا أَبُو الْهَيْثَمِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، نا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا عَوْفٌ، نا أَبُو رَجَاءٍ، نا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فَابْتَعَثَانِي فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ وَلَبِنٍ فِضَّةٍ فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالَ لَهُمْ: اذْهَبُوا فَقِعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا، فَذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالا لِي: إِنَّ هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَهَذَا مَنْزِلُكَ، وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ "
قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] قال المفسرون: لما عذر رسول الله ﷺ هؤلاء، قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفَتْنا عنك فتصدق بها عنا، وطهرنا، واستغفر لنا.
فقال رسول الله ﷺ: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا» .
فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأخذ رسول الله ﷺ ثلث أموالهم.
قال الحسن: هذه الصدقة هي كفارة الذنوب التي أصابوها، وليست بالزكاة المفروضة.
وقال عكرمة: هي صدقة الفرض.
وقوله: تُطَهِّرُهُمْ قال ابن عباس: تطهرهم من الذنوب.
وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ترفعهم بهذه الصدقة، من منازل المنافقين إلى منازل المخلصين، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي: أدع لهم، ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] إن دعواتك مما تسكن نفوسهم إليه، وقال الكلبي: طمأنينة لهم أن الله قد قبل منهم، وَالله سَمِيعٌ لقولهم، عَلِيمٌ بندامتهم.
٤٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ مَطَر، أنا أَبُو خَلِيفَةَ الْجُمَحِيُّ، نا الْحَوْضِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كَانَ أَبِي مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلانٍ» فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحَوْضِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ وَكِيع كِلاهُمَا، عَنْ شُعْبَة
[ ٢ / ٥٢٢ ]
ولما نزلت توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم؟ فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] يقبلها، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤] يرجع إلى من رجع إليه بالرحمة والمغفرة.
٤٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ، أنا الرَّبِيعُ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ عَبْدٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا طَيِّبًا، إِلَّا كَأَنَّمَا يَضَعُهَا فِي يَدِ الرَّحْمَنِ، فَيُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهَا كَمِثْلِ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ» ثُمَّ قَرَأَ ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]
قوله: وَقُلِ اعْمَلُوا قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: يا معشر عبادي المحسن والمسيء، ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] يريد: إن الله يطلع المؤمنين على ما في قلوب إخوانهم من الخير والشر، إن كان خيرا أوقع في قلوبهم لهم المحبة، وإن كان شرا أوقع في قلوبهم لهم البغضة، وقد قال رسول الله ﷺ: «لو أن رجلا عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان» .
وقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] قال ابن عباس، ﵁: يقفكم على أعمالكم فيثيب المحسن ويعاقب المسيء.
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦] قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] نزلت في كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، كانوا مياسير تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك من غير عذر، ثم لم يبالغوا في الاعتذار كما فعل غيرهم، فوقف رسول الله ﷺ أمرهم، ونهى الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم حتى نزل قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] الآية، وسنذكر قصتهم هناك، ومعنى ﴿مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] مؤخرون ليقضي الله فيهم ما هو قاض، وهو قوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] قال الزجاج: إما لأحد الشيئين، والله ﷿ عالم بما يصير إليه أمرهم إلا أنه خاطب العباد بما يعلمون.
والمعنى: ليكن أمرهم عندكم على الخوف والرجاء، فقال ناس: إنهم هلكوا إذ لم ينزل لهم عذر.
وقال آخرون: عسى الله أن يغفر لهم.
قوله: وَالله عَلِيمٌ أي: بما يئول إليه حالهم، حَكِيمٌ فيما يفعله بهم.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١٠٧﴾ لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴿١٠٨﴾ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٠٩﴾ لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿١١٠﴾﴾ [التوبة: ١٠٧-١١٠] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التوبة: ١٠٧] قال المفسرون: هؤلاء كانوا اثني عشر رجلا من المنافقين بنوا مسجدا يضارون به مسجد قباء، منهم: وديعة بن ثابت، وخزام بن خالد، وجارية بن عامر، ونبتل بن الحارث، وزيد بن جارية، وعثمان بن حنيف، وجارية بن عامر مجمع بن جارية، وبجاد بن عثمان، والضرار: محاولة الضر، قال الزجاج: وانتصب ضرارا لأنه مفعول له، والمعنى: اتخذوه للضرار.
قال ابن عباس: ضرارا للمؤمنين، وكفرا بالنبي ﷺ وبما جاء به.
وذلك أنهم اتخذوا ذلك المسجد ليكفروا فيه بالطعن على النبي ﷺ والإسلام، ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧] يفرقون به جماعتهم لأنهم كانوا يصلون جميعا في مسجد قباء، فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم، فيؤدي ذلك إلى الافتراق واختلاف الكلمة، وقوله: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ١٠٧] يعني: أبا عامر الراهب، وكان قد خرج إلى الشام ليأتي بجند من عند قيصر ليحارب رسول الله ﷺ، وأرسل إلى المنافقين أن ابنوا لي مسجدا، فبنوا هذا المسجد وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد، قال الزجاج: والإرصاد: الانتظار.
وقوله: مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل بناء مسجد الضرار، ﴿وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧] يحلف المنافقون ما أردنا ببنيانه إلا الفعلة الحسنى وهي الرفق بالمسلمين، والتوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز عن السير إلى مسجد رسول الله ﷺ، وذلك أنهم قالوا: إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية.
﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] فيما قالوا وحلفوا، ولما فرغوا من بناء المسجد قالوا للنبي ﷺ: نحب أن تأتينا وتصلي لنا فيه، فدعا رسول الله ﷺ بقميصه ليأتيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] قال ابن عباس: لا تصل فيه أبدا.
ثم بين أي المسجدين أحق بالقيام فيه، فقال: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة: ١٠٨] بني على الطاعة وبناه المتقون، ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] وهو مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة في قول ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدري، وروي ذلك عن النبي ﷺ، وقال ابن عباس في رواية الوالبي: هو مسجد قباء، وهو قول قتادة، وسعيد بن
[ ٢ / ٥٢٤ ]
المسيب، وقوله: فِيهِ رِجَالٌ يعني من الأنصار، ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] قال جميع المفسرين: يعني: غسل الأدبار بالماء.
٤٣٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنِي عُتْبَةُ ابْنُ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ خَيْرًا فِي الطُّهُورِ، فَمَا طُهُورُكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَتَوَضَّأُ وَنَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ؟ قَالُوا: لا غَيْرَ أَنَّ أَحَدَنَا إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ، وَقَالَ: هُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ "
قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] أي: من الشرك والأنجاس والأقذار والنفاق، وقوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] البنيان: مصدر يراد به المبنى ههنا، والتأسيس إحكام أسس البناء وهو أصله، وقرأ نافع: أُسس بضم الألف بنيانُه رفعا، وهذا في المعنى الأول لأنه إذا أسس بنيانه، فتولى ذلك غيره بأمره كان كبنائه، والمعنى: المؤسس بنيانه متقيا يخاف الله ويرجو ثوابه ورضوانه خَيْرٌ؟ أم المؤسس بنيانه غير متق؟ وهو قوله: ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] وشفا الشيء حرفه، والجرف ما يجرفه السيل من الأودية، وهو جانبها الذي ينحفر بالماء أصله فيبقى واهيا، وهار مقلوب من هاير، يقال: هار الجرف يهور.
إذا انشق من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه فهو هاير، ثم يقلب فيقال: هار، قال الزجاج: المعنى: أن من أسس بنيانه على التقوى خير ممن أسس بنيانه على الكفر.
يعني: أن بناء هذا المسجد الذي بني ضرارا كبناء على حرف جهنم يتهور بأهله فيها، وهو قوله: فَانْهَارَ بِهِ أي: بالباني ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ١٠٩] قال ابن عباس: يريد: صيرهم النفاق إلى النار.
وقوله: ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١١٠] قال الضحاك: يقول: لا يزالون في شك منه إلى الموت.
والمعنى: أنهم لا يزالون شاكين مترددين في الحيرة يحسبون أنهم كانوا في بنائه محسنين إلى الممات، وهو قوله: ﴿إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠] أي: حتى تقطع
[ ٢ / ٥٢٥ ]
وتفتت قلوبهم بالموت، وقرأ حمزة: تقطع بفتح التاء بمعنى تتقطع، وهذا يدل على أنهم يموتون على النفاق، فإذا ماتوا عرفوا بالموت ما كانوا تركوه من الإيمان وأخذوا به من الكفر.
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١١١﴾ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١١٢﴾﴾ [التوبة: ١١١-١١٢] قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الآية: قال القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله ﷺ ليلة العقبة بمكة، وهم سبعون نفسا، قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت.
قال: " أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، ولنفسي أن تمنعوني ما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم.
قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة.
قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل.
فنزلت هذه الآية، ومعنى هذا: أن المؤمن إذا قاتل في سبيل الله حتى يقتل فتذهب روحه، أو أنفق ماله في سبيل الله، أخذ من الله في الآخرة الجنة جزاء لما فعل، فجعل هذا اشتراء، هذا معنى قوله: ﴿اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] قال ابن عباس: يريد: بالجنة.
قال الحسن: اسعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن.
وقال قتادة: ثامنهم فأغلى ثمنهم.
وقوله: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ قال ابن عباس: يقتلون أعدائي ويقتلون في طاعتي.
وقرأ حمزة: فَيُقْتُلُونَ وَيَقْتَلُونَ وهذا كالذي تقدم لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم، وقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْءَانِ﴾ [التوبة: ١١١] يعني: أن الله وعدهم هذا الوعد، وبين ذلك في هذه الكتب التي أنزلها، ثم قال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] أي: لا أحد أوفى بما وعد من الله، ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] فافرحوا بهذا البيع أيها المؤمنون وهو أنكم إذا بذلتم أنفسكم وأموالكم في الجهاد أخذتم من الله الجنة ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١] .
قوله: التَّائِبُونَ قال الفراء: استؤنفت بالرفع لتمام الآية قبلها وانقطاع الكلام فحسن الاستئناف.
وقال الزجاج: الذي عندي أن قوله: التائبون رفع بالابتداء وخبره مضمر، المعنى: التائبون إلى آخر الآية لهم الجنة
[ ٢ / ٥٢٦ ]
أيضا، أي: من لم يجاهد غير معاند ولا قاصد لترك الجهاد فله الجنة أيضا.
وهذا الذي قاله الزجاج حسن: لأنه وعد لجميع المؤمنين بالجنة خاصا للمجاهدين الموصوفين بهذه الصفات، قال ابن عباس: التائبون: الراجعون عن الشرك.
وقال قتادة: التائبون من الشرك ثم لم ينافقوا في الإسلام.
الْعَابِدُونَ الذين يرون عبادة الله تعالى واجبة عليهم، الْحَامِدُونَ الله على كل حال، السَّائِحُونَ قال عامة المفسرين: الصائمون، قال الوالبي، عن ابن عباس: كل ما ذكر في القرآن من السياحة فهو الصيام.
وقال النبي ﷺ: «سياحة أمتي الصيام» .
قال الحسن: هذا صوم الفرض.
الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ قال ابن عباس: الذين يصلون لله بنية صادقة.
الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ بالإسلام وفرائض الله وحدوده، ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] عن ترك حدود الله وفرائضه، ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢] قال الزجاج: القائمون بأمر الله.
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴿١١٣﴾ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴿١١٤﴾ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١١٥﴾ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴿١١٦﴾﴾ [التوبة: ١١٣-١١٦] قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التوبة: ١١٣] الآية:
٤٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرَوَيْهِ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ: " أَيْ عَمِّ قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَالا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى
[ ٢ / ٥٢٧ ]
قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَسْتَغْفِرَنَّ عَنْكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ كِلاهُمَا، عَنِ الزُّهْرِيِّ
٤٣٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الصَّيْدَلانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، نا ابْنُ وَهْبٍ، نا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأَجْدَعِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ فِي الْمَقَابِرِ وَخَرَجْنَا مَعَهُ، فَأَمَرَنَا فَجَلَسْنَا ثُمَّ تَخَطَّى الْقُبُورَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَبْرٍ مِنْهَا فَنَاجَاهُ طَوِيلا، ثُمَّ ارْتَفَعَ نَحِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَاكِيًا، فَبَكَيْنَا لِبُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ إِنَّهُ أَقْبَلَ إِلَيْنَا فَتَلَقَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الَّذِي أَبْكَاكَ؟ فَقَدْ أَبْكَانَا وَأَفْزَعَنَا فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْنَا فَقَالَ: " أَفْزَعَكُمْ بُكَائِي؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ الْقَبْرَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي أُنَاجِي فِيهِ قَبْرُ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَتِهَا فَأَذِنَ لِي، وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي الاسْتِغْفَارِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي فِيهِ وَنَزَلَ عَلَيَّ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] حَتَّى خَتَمَ الآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا فَأَخَذَنِي مَا أَخَذَ الْوَلَدُ لِلْوَالِدَةِ مِنَ الرِّقَّةِ فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي "
ومعنى قوله: ﴿بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] من بعد ما بان لهم أنهم ماتوا كافرين، ثم أعلم الله تعالى كيف كان استغفار إبراهيم لأبيه فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] قال عطاء عن ابن عباس: كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم أن يؤمن بالله، ويخلع الأنداد، فلما مات على الكفر تبين لإبراهيم عداوة أبيه لله فترك الدعاء له.
وعلى هذا القول الكناية في إياه تعود إلى إبراهيم، والواعد أبوه، ويجوز أن يعود إلى أب إبراهيم، ويكون الواعد إبراهيم، وذلك أنه وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه، وأن ينقل الله أباه باستغفاره له من الكفر إلى الإسلام، فلما مات مشركا، ويئس من مراجعته الحق، تبرأ منه وقطع الاستغفار له، والدليل على صحة هذا قراءة الحسن: وعدها أباه بالباء وهذا الوعد من إبراهيم ظاهر في قوله تعالى: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧]، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ﴾ [التوبة: ١١٤] قال ابن عباس: الأواه: الدعاء الكثير الدعاء والبكاء.
قال الفراء: هو الذي يتأوه من الذنوب، يقال: تأوه الرجل تأوها، وأوه تأويها إذا قال آه.
للتوجع.
ومنه قول المثقب العبدي:
[ ٢ / ٥٢٨ ]
إذا ما قمتُ أَرْحَلُها بليل تأوه آهة الرجل الحزين
وقوله: حَلِيمٌ قال ابن عباس: لم يعاقب أحدا إلا في الله، ولم يقتص من أحد إلا لله.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ [التوبة: ١١٥] أي: ما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهدى حتى يبين لهم ما يتقون، فلا يتقونه، وذلك أنه لما حرم الاستغفار للمشركين على المؤمنين، بين أنه لم يكن الله ليأخذهم به قبل أن يبين تحريمه، فإذا لم يحرموه عند ذلك يستحقون الإضلال، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿١١٧﴾ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿١١٨﴾﴾ [التوبة: ١١٧-١١٨] ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] يعني: من إذنه للمنافقين في التخلف، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣]، وقوله: وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ يعني من هم منهم بالتخلف عن النبي ﷺ، الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ساروا معه إلى تبوك، ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] يعني: عسرة الظَّهْر وعسرة الماء وعسرة الزاد، كان العشرة يخرجون على بعير يتعقبونه وربما مص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها بينهم، وكانوا يعصرون الفرث ويشربونه من العطش، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧] يميل بعضهم إلى التخلف والعصيان، قال الكلبي: هَمَّ ناس من المسلمين بالتخلف ثم لحقوه.
وقال الزجاج: من بعد ما كادوا ينصرفون عن غزوتهم للشدة، ليس أنه زائغ عن الإيمان.
وقرأ حمزة يزيغ بالياء، قال الفراء: الفعل المسند إلى المؤنث إذا تقدم عليه جاز تذكيره وتأنيثه، فذكر يزيغ كما ذكر كاد لتشابه الفعلين، وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٧] كرر ذكر التوبة لأنه ليس في ابتداء الآية ذكر ذنبهم، فقدم الله تعالى ذكر التوبة فضلا منه، ثم ذكر ذنبهم، ثم أعاد ذكر التوبة.
وقوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] قال ابن عباس، ومجاهد: خلفوا عن التوبة عليهم.
وهؤلاء هم المعنيون بقوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] .
٤٣٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] قَالَ: هُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ
[ ٢ / ٥٢٩ ]
وأما قصة توبة الله على هؤلاء فهي ما
٤٣٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْعَرُوضِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُؤَمَّلِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى، نا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ الْبَيْهَقِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نا يَعْقُوبُ، نا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ يُوسُفَ السَّقَطِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي ذَرٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، نا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، نا صَالِحُ بْنُ أَبِي الأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وأَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، نا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، نا إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ، أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: " لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ إِلَّا بَدْرًا، وَلَمْ يُعَاتِبِ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ، وَإِنَّمَا خَرَجَ يُرِيدُ الْعِيرَ فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ مُغِيثِينَ لِعِيرِهِمْ فَالْتَقَوْا عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا أُحِبُّ أَنِّي كُنْتُ شَهِدْتُهَا مَكَانَ بَيْعَتِي لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حَيْثُ تَوَاثَقْنَا عَلَى
[ ٢ / ٥٣٠ ]
الإِسْلامِ ثُمَّ لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدُ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا وَآذَنَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ وَذَلِكَ حِينَ طَابَ الظِّلالُ وَطَابَتِ الثِّمَارُ، وَقَلَّ مَا أَرَادَ غَزْوًا، إِلَّا وَارَى خَبَرَهَا وَيَقُولُ: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنْ يَتَأَهَّبَ النَّاسُ أُهْبَتَهُمْ، وَأَنَا أَيْسَرُ مَا كُنْتُ قَدْ جَمَعْتُ رَاحِلَتَيْنِ، وَأَنَا أَقْدَرُ شَيْءٍ فِي نَفْسِي عَلَى الْجِهَادِ وَخِفَّةِ الْحَاذ ِ، وَأَنَا فِي ذَلِكَ أَصْغُو إِلَى الظِّلالِ وَطِيبِ الثِّمَارِ فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَامَ النَّبِيُّ ﷺ غَادِيًا بِالْغَدَاةِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَأَصْبَحَ غَادِيًا، قُلْتُ: أَنْطَلِقُ غَدًا إِلَى السُّوقِ فَأَشْتَرِي جِهَازِي ثَمَّ أَلْحَقُ بِهِمْ فَانْطَلَقْتُ إِلَى السُّوقِ مِنَ الْغَدِ فَعَسُرَ عَلَيَّ بَعْضُ شَأْنِي، فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: أَرْجِعُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَلْحَقُ بِهِمْ فَعَسُرَ عَلَيَّ بَعْضُ شَأْنِي أَيْضًا فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ، حَتَّى الْتَبَسَ بِي الذَّنْبُ وَتَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ وَأَطُوفُ بِالْمَدِينَةِ فَيُحْزِنُنِي أَنَّنِي لا أَرَى أَحَدًا إِلَّا رَجُلا مَغْمُوضًا عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ وَكَأَنَّ لَيْسَ أَحَدٌ تَخَلَّفَ إِلَّا رَأَى أَنَّ ذَلِكَ سَيُغْفَرُ لَهُ، وَكَانَ النَّاسُ كَثِيرًا لا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانٌ وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِضْعًا وَثَمَانِينَ رَجُلا، وَلَمْ يَذْكُرْنِي النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ فَلَمَّا بَلَغَ تَبُوكَ قَالَ: مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟ قَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي: خَلَّفَهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ بُرْدَاهُ وَالَّنَظَرُ فِي عِطْفَيْهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ وَاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ هُمْ بِرَجُلٍ يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ، فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ وَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ جَعَلْتُ أَتَذَكَّرُ بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي حَتَّى إِذَا قِيلَ: هَذَا النَّبِيُّ ﷺ مُصَبِّحُكُمْ بِالْغَدَاةِ زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ وَعَرَفْتُ أَنِّي لا أَنْجُو إِلَّا بِالصِّدْقِ وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ ضُحًى فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ إِذَا جَاءَ مِنْ سَفَرٍ فَعَلَ ذَلِكَ، دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ، فَجَعَلَ يَأْتِيهِ مَنْ تَخَلَّفَ فَيَحْلِفُونَ لَهُ وَيَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ فَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، وَيَقْبَلُ عَلانِيَتَهُمْ وَيَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ ﷾، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فَلَمَّا رَآنِي تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، فَجِئْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: أَلَمْ تَكُنِ ابْتَعْتَ ظَهْرًا؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَمَا خَلَّفَكَ؟ قُلْتُ: وَاللَّهِ لَوْ بَيْنَ يَدَيَّ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرَكَ جَلَسْتُ لَخَرَجْتُ مِنْ سَخَطِهِ عَلَيَّ بِعُذْرٍ لَقَدْ أُوتِيتُ جَدَلا وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَنِّي إِنْ أُخْبِرْكَ الْيَوْمَ بِقَوْلٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ وَهُوَ حَقٌّ فَإِنِّي أَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، وَإِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثًا تَرْضَى عَنِّي فِيهِ وَهُوَ كَذِبٌ، أَوْشَكَ اللَّهُ أَنْ يُطْلِعَكَ عَلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَيْسَرُ وَلا أَخَفُّ حَاذًا مِنِّي حَيْثُ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَكُمُ الْحَدِيثَ قُمْ عَنِّي حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ فَقُمْتُ فَثَارَ عَلَى أَثَرِي نَاسٌ مِنْ قَوْمِي يُؤَنِّبُونَنِي فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا فَهَلَّا اعْتَذَرْتَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِعُذْرٍ يَرْضَى عَنْكَ فِيهِ؟ وَكَانَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَيَأْتِي مِنْ وَرَاءِ ذَنْبِكَ، وَلَمْ تُقِفْ نَفْسَكَ مَوْقِفًا لا تَدْرِي مَاذَا يَقْضِي لَكَ فِيهِ فَلَمْ يَزَالُوا يُؤَنِّبُونِي، حَتَّى هَمَمْتُ أَنْ أَرْجِعَ، فَأُكَذِّبَ نَفْسِي فَقُلْتُ: هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ غَيْرِي؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَهُ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، فَذَكَرُوا رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدُوا بَدْرًا لِي فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَقُلْتُ: لا وَاللَّهِ لا أَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي هَذَا أَبَدًا وَلا أُكَذِّبُ نَفْسِي، قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلامِنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلامِ أَحَدٍ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنَا فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلامَنَا، وَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الأَمْرُ وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَأَكُونُ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ فَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلا يُصَلِّي عَلَيَّ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَخْرُجُ إِلَى السُّوقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَتَنَكَّرَ لَنَا النَّاسُ حَتَّى مَا هُمْ بِالَّذِي نَعْرِفُ، وَتَنَكَّرَتْ لَنَا الْحِيطَانُ حَتَّى مَا هِيَ بِالْحِيطَانِ الَّتِي نَعْرِفُ، وَتَنَكَّرَتْ لَنَا الأَرْضُ حَتَّى مَا هِيَ بِالأَرْضِ الَّتِي نَعْرِفُ، وَكُنْتُ أَقْوَى أَصْحَابِي فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ وَآتِي الْمَسْجِدَ فَأَدْخُلُ وَآتِي النَّبِيَّ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَأَقُولُ: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِالسَّلامِ؟ فَإِذَا قُمْتُ أُصَلِّي إِلَى سَارِيَةٍ نَظَرَ إِلَيَّ بِمُؤَخَّرِ عَيْنَيْهِ فَإِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ أَعْرَضَ عَنِّي وَاسْتَكَانَ صَاحِبَايَ فَجَعَلا يَبْكِيَانِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يُطْلِعَانِ رُءُوسَهُمَا.
قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا أَطُوفُ بِالسُّوقِ إِذَا بِرَجُلٍ نَصْرَانِيٍّ جَاءَ بِطَعَامٍ لَهُ يَبِيعُهُ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ
[ ٢ / ٥٣١ ]
مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ فَأَتَانِي بِصَحِيفَةٍ مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ فَإِذَا فِيهَا: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَأَقْصَاكَ وَلَسْتَ بِدَارِ مَضْيَعَةٍ وَلا هَوَانٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ: هَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَلاءِ وَالشَّرِّ فَسَجَرْتُ التَّنُّورَ وَأَحْرَقْتُهَا فَلَمَّا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً إِذَا رَسُولٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَتَانِي فَقَالَ: اعْتَزِلِ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا؟ قَالَ: لا وَلَكِنْ لا تَقْرَبَنَّهَا فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَعِيفٌ فَهَلْ تَأْذَنْ لِي أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ، قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ لِشَيْءٍ مَا زَالَ مُكِبًّا يَبْكِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا طَالَ عَلَيَّ الْبَلاءُ اقْتَحَمْتُ عَلَى أَبِي قَتَادَةَ حَائِطَهُ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَبَا قَتَادَةَ أَتَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ عَنِّي حَتَّى قُلْتُ ثَلاثًا.
قَالَ أَبُو قَتَادَةَ فِي الثَّالِثَةِ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَلَمْ أَمْلِكْ نَفْسِي أَنْ بَكَيْتُ ثُمَّ اقْتَحَمْتُ مِنَ الْحَائِطِ خَارِجًا حَتَّى مَضَتْ خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلامِنَا فَصَلَّيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا صَلاةَ الْفَجْرِ ثُمَّ جَلَسْتُ وَأَنَا بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْنَا الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْنَا أَنْفُسُنَا إِذْ سَمِعْتُ نِدَاءً مِنْ ذَرْوَةِ سَلْعٍ أَنْ أَبْشِرْ يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَعَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَاءَ بِالْفَرَجِ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ يَرْكُضُ عَلَى فَرَسٍ يُبَشِّرُنِي فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعُ مِنْ فَرَسِهِ، فَأَعْطَيْتُهُ ثَوْبِي بِشَارَةً وَلَبِسْتُ ثَوْبَيْنِ آخَرَيْنِ، قَالَ: وَكَانَتْ تَوْبَتُنَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُلُثَ اللَّيْلِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تُبَشِّرُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: إِذَنْ يُحَطِّمُكُمُ النَّاسُ وَيَمْنَعُوكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلِ، فَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي تَحْزَنُ لأَمْرِي، فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ يَسْتَنِيرُ كَاسْتِنَارَةِ الْقَمَرِ، وَكَانَ إِذَا سُرَّ بِالأَمْرِ اسْتَنَارَ فَجِئْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ بِخَيْرِ يَوْمٍ أَتَى عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِكَ؟ قَالَ: بَلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِمْ ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] الآيات، وفينا أنزلت أيضا ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَلَّا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ ﷿ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ فَقَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: فَإِنِّي أَمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ قَالَ: فَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ نِعْمَةً بَعْدَ الإِسْلامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ صَدَقْتُهُ أَنَا وَصَاحِبَايَ، وَأَلَّا نَكُونَ كَذَبْنَا فَهَلَكْنَا كَمَا هَلَكُوا، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ لا يَكُونَ اللَّهُ أَبْلَى أَحَدًا فِي الصِّدْقِ مِثْلَ الَّذِي أَبْلانِي، مَا تَعَمَّدْتُ الْكَذِبَةَ بَعْدُ وَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيَ " قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨] قال المفسرون: ضيق الأرض عليهم بأن المؤمنين
[ ٢ / ٥٣٢ ]
منعوا من كلامهم ومعاملاتهم، وأمر أزواجهم باعتزالهم، وكان النبي ﷺ معرضا عنهم.
وقوله: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٨] يعني: ضيق صدورهم بالهم الذي حصل فيها، وَظَنُّوا أيقنوا، ﴿أَنْ لا مَلْجَأَ﴾ [التوبة: ١١٨] لا معتصم مِنَ الله من عذاب الله، إِلا إِلَيْهِ الآية، ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٨] إعادة للتوكيد لأن ذكر التوبة على هؤلاء قد مضى في قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، ومعنى ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] لطف لهم في التوبة ووفقهم لها.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴿١١٩﴾ مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٢٠﴾ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٢١﴾ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴿١٢٢﴾﴾ [التوبة: ١١٩-١٢٢] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] روينا أن هذه الآية نازلة في كعب بن مالك وصاحبيه، وقال الكلبي، ومقاتل: يعني: مؤمني أهل الكتاب يأمرهم بالجهاد وأن يكونوا مع المهاجرين، وسمى الله المهاجرين في هذه السورة صادقين.
وقال نافع: يريد بالصادقين محمدا والأنبياء.
وقال الزجاج: والمعنى: على أنهم أمروا بأن يكونوا مع النبي ﷺ في الشدة والرخاء.
٤٣٥ - أَخْبَرَنَا أَحَمْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ الْوَرَّاقُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: إِنَّ الْكَذِبَ لا يَصْلُحُ مِنْهُ جِدٌّ وَلا هَزْلٌ وَلا أَنْ يَعِدَ أَحَدُكُمْ صَبِيَّهُ شَيْئًا، ثُمَّ لا يُنْجِزَهُ لَهُ اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] فَقَالَ: هَلْ تَرَوْنَ رُخْصَةً فِي الْكَذِبِ؟
[ ٢ / ٥٣٣ ]
وقوله: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ [التوبة: ١٢٠] قال ابن عباس: يعني: مزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار.
﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] ﷺ في غزوة يغزوها، ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] ولا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدعة ورسول الله ﷺ في الحر والمشقة، يقال: رغبت بنفسي عن هذا الأمر.
أي: ترفعت عنه، ذَلِكَ أي: ذلك النهي عن التخلف، ﴿بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] وهو شدة العطش، وَلا نَصَبٌ إعياء وتعب، ﴿وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] مجاعة في طاعة الله، ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة: ١٢٠] ولا يقفون موقفا ولا يضعون قدما في موضع يغضب الكفار، ﴿وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا﴾ [التوبة: ١٢٠] أسرا وقتلا وهزيمة، قليلا ولا كثيرا إلا كان ذلك قربى لهم عند الله، وهو قوله: ﴿إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] قال عطية العوفي: في الآية من الفقه أن من قصد طاعة كان قيامه وقعوده ونصبه ومشيه وحركاته كلها حسنات مكتوبة له وكذلك في المعصية، فما أعظم بركة الطاعة وما أعظم شؤم المعصية.
وقوله: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ [التوبة: ١٢١] قال ابن عباس: تمرة فما فوقها.
وَلا يَقْطَعُونَ ولا يجاوزون وَادِيًا في مسيرهم مقبلين ولا مدبرين، ﴿إِلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢١] آثارهم وخطاهم، ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ﴾ [التوبة: ١٢١] أي: بأحسن ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢١] .
قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] قال المفسرون: لما عيب من تخلف عن غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله ﷺ ولا عن سرية أبدا.
فلما أمر رسول الله ﷺ بالسراية إلى العدو نفر المسلمون جميعا إلى الغزو، ونزل رسول الله ﷺ بالمدينة وحده، فأنزل الله هذه الآية، وهذا نفي معناه: النهي لهم عن الخروج إلى العدو جميعا.
وقوله: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] أي: فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة، ويبقى مع النبي ﷺ جماعة ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] يعني: الفرقة القاعدين يتعلمون القرآن والسنن والفرائض والأحكام، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن وتعلمه القاعدون قالوا لهم إذا رجعوا إليهم: إن الله قد أنزل بعدكم على نبيكم قرآنا، وقد تعلمناه فتتعلمه السرايا، فذلك قوله: وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ أي: وليعلموهم بالقرآن ويخوفوهم به ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] فلا يعملون بخلافه.
وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿١٢٣﴾ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿١٢٤﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿١٢٥﴾ أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٢٦﴾ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴿١٢٧﴾﴾ [التوبة: ١٢٣-١٢٧] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] يريد الذين يقربون منكم، قال ابن
[ ٢ / ٥٣٤ ]
عباس: أمروا أن يقاتلوا الأدنى فالأدنى من عدوهم مثل قريظة، والنضير، وخيبر، وفدك.
﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] قال ابن عباس: شجاعة.
وقال مجاهد: شدة.
وقال الحسن: صبرا منكم على الجهاد.
وقال الضحاك: عنفا.
﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٤] من المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] يقوله المنافقون بعضهم لبعض هزوا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] قال ابن عباس: تصديقا ويقينا وقربة من الله.
وذلك إنهم إذا أقروا بال ﴿[عن ثقة ازدادوا تصديقا إلى ما كانوا عليه من التصديق، وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ يفرحون بنزول السورة،] وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [سورة التوبة: ١٢٥] شك ونفاق، ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] كفرا إلى كفرهم لأنهم كلما كفروا ب ﴿[ازداد كفرهم، قوله: أَوَلا يَرَوْنَ من قرأ بالتاء فهو خطاب للمؤمنين، ومن قرأ بالياء فهو تقريع للمنافقين بالإعراض عن التوبة، وقوله:] أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ [سورة التوبة: ١٢٦] الآية، أي: يمتحنون بالأمراض والأوجاع وهي روائد الموت، ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦] من النفاق ولا يتعظون بذلك المرض، وقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٧] الآية: قال ابن عباس: كان إذا أنزلت ﴿[فيها عيب المنافقين خطبهم رسول الله ﷺ، فعرض بهم في خطبته، شق ذلك عليهم فنظر بعضهم إلى بعض يريدون الهروب من عند رسول الله ﷺ، يقولون: هل يراكم من أحد من المؤمنين إن قمتم؟ فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد، وذلك قوله: ثُمَّ انْصَرَفُوا، قال الحسن: ثم انصرفوا على عدم التكذيب بمحمد ﷺ وما جاء به.
وقال الزجاج: وجائز أن يكونوا ينصرفون عن المكان الذي استمعوا فيه.
] صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ١٢٧] عن كل خير ورشد وهدى، ذلك ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧] عن الله دينه، قال الزجاج: أي: أضلهم الله مجازاة على فعلهم، وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿١٢٨﴾ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿١٢٩﴾﴾ [التوبة: ١٢٨-١٢٩] ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] قال ابن عباس: يريد محمدا ﷺ، وليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدته وله
[ ٢ / ٥٣٥ ]
فيهم نسب.
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] شديد عليه عنتكم وهو لقاء الشدة والمشقة بدخول النار، والمعنى: شديد عليه ما يلحقكم من الضرر بترك الإيمان، يقال: عنت الرجل يعنت عنتا.
إذا وقع في مشقة، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ على إيمانكم، على أن تؤمنوا، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] قال ابن عباس: سماه الله باسمين من أسمائه.
فَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا عن الإيمان بك، ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] خص العرش بالذكر لأنه الأعظم فيدخل فيه الأصغر.
٤٣٦ - نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُفِيدُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدِيُّ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] قَرَأَ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنِ الأَصَمِّ، عَنْ بَكَّارِ بْنِ قُتَيْبَةَ، عَنِ الْعقَدِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ
[ ٢ / ٥٣٦ ]