مدنية وآياتها ثلاث وأربعون.
٤٨٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْخَفَّافُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبُيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الرَّعْدِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ سَحَابٍ مَضَى، وَكُلِّ سَحَابٍ يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُوفِينَ بِعَهْدِ اللَّهِ»
﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴿٢﴾ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٣﴾ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٤﴾﴾ [الرعد: ١-٤] بسم الله الرحمن الرحيم المر قال ابن عباس: أنا الله أعلم وأرى.
وقال في رواية عطاء: أنا الله الملك الرحمن.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ١] يجوز أن يكون تلك إشارة إلى ما مضى من ذكر الأخبار والقصص التي أنزلت، ويجوز أن يكون تلك بمعنى هذه، ويراد بالكتاب القرآن، وقوله: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ [الرعد: ١] قال الفراء: الذي رفع بالاستئناف، وخبره الحق، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١] قال ابن عباس: يريد أهل مكة.
قال الزجاج: لما ذكر أنهم لا يؤمنون، عرف الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق.
فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد: ٢] وهي الأساطين، جمع عماد، ترونها كذلك مرفوعة بلا عمد، قال مقاتل: هي قائمات بغير عمد.
وقال الضحاك: يعني ليس من دونها دعامة، ولا فوقها علامة.
وهو قول قتادة، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢] ثم أقبل على خلق العرش بالاستيلاء والاقتدار ونفوذ السلطان، وأصل
[ ٣ / ٣ ]
الاستواء التدبير، كما أن أصل القيام الانتصاب، ثم يقال: قائم بالتدبير، والمعنى ثم استوى على العرش بالتدبير للأجسام التي خلقها، وثم تدل على حدوث التدبير، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الرعد: ٢] ذللهما لما يراد منهما ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: ٢] إلى وقت معلوم، وهو فناء الدنيا، يدبر الأمر يصرفه بحكمته، ﴿يُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ [الرعد: ٢] يبين الآيات التي تدل على قدرته على البعث، ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢] قال ابن عباس: لكي توقنوا بالبعث، وتتعلموا أنه لا إله غيري.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ﴾ [الرعد: ٣] قال الفراء: بسطها طولا وعرضا.
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [الرعد: ٣] جبالا ثوابت، قال ابن عباس: أوتدها بالجبال.
﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] لونين: حلوا، وحامضا.
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الرعد: ٣] ذكرناه في ﴿[الأعراف،] إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الرعد: ٣] أعلم الله أن ما ذكر من هذه الأشياء فيه برهان وعلامات لمن تفكر في قدرة الله، ثم زاد، فقال: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: ٤] أي: متدانية متقاربة، ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ [الرعد: ٤] يعني بساتين فيها نخيل وكروم، ومن قرأ وزرع ونخيل بالضم حملها على قوله: وفي الأرض، ولم يحملها على الجنات، وقوله: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤] من صفة النخيل، قال أبو عبيدة: الصنوان جمع صنو، وهو أن يكون الأصل واحدا ثم يتفرع، فيصير نخيلا ثم يحملن.
وهذا قول جميع أهل اللغة والتفسير، قال ابن عباس: صنوان ما كان من نخلتين، أو ثلاث أو أكثر، أصلهن واحد، وغير صنوان: يريد المتفرق الذي لا يجمعه أصل واحد.
٤٨٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، أنا الْوَلِيدُ، وَالْحَوْضِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالُوا:، نا شُعْبَةُ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: الصِّنْوَانُ: النَّخْلَةُ يَكُونُ حَوْلَهَا النَّخْلاتِ، وَغَيْرُ صِنْوَانٍ: النَّخْلُ الْمُتَفَرِّقُ
وروى القواس، عن حفص صنوان بضم الصاد جعله مثل
[ ٣ / ٤ ]
ذوب وذوبان، وربما تعاقب فعلان وفعلان على البناء الواحد نحو حش وحُشَّان وحِشَّان.
وقوله: تسقى بماء واحد أي: تسقى هذه الأشياء الذي ذكرها من القطع المتجاورات، والجنات، والنخيل المختلفة، ومن قرأ ﴿يُسْقَى﴾ [الرعد: ٤] بالياء كان التقدير يسقى ما قصصناه وما ذكرناه.
قال ابن عباس: يريد البئر واحدة، والشرب واحد، والجنس واحد.
﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] يعني اختلاف الطعم الحلو والحامض، يخبر بعجائبه وقدرته في خلقه، قال ابن الأنباري: يعني أن القطع المتجاورة تنبت نباتا مختلفا، منه الحلو والحامض، وشربها واحد، ومكانها مجتمع، وفي هذا أوضح آية على نفاذ قدرة الله، والأكل الثمر الذي يؤكل.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] قال ابن عباس: يريد أهل الإيمان، وهم أهل العقل الذين لم يجعلوا لله ندا.
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٥﴾ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٦﴾ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴿٧﴾ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴿٨﴾﴾ [الرعد: ٥-٨] قوله: وإن تعجب أي: من عبادتهم ما لا يملك نفعا ولا ضرا، بعدما رأوا من قدرة الله تعالى في خلقه الأشياء التي ذكرها، فعجب قولهم الآية، قال الزجاج: إن هذا موضع عجب أيضا، أنهم أنكروا البعث، وقد بين لهم من خلق السموات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل في القدرة.
ثم أخبر أن هؤلاء الذين أنكروا البعث بعد الموت كافرون، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [الرعد: ٥] الأغلال جمل الغل، وهو طوق يقيد به اليد إلى العنق، يقال منه: غل الرجل فهو مغلول.
قوله ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ
[ ٣ / ٥ ]
بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ [الرعد: ٦] يعني مشركي مكة، سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بذلك، فالمراد بالسيئة ههنا العقوبة المهلكة، والحسنة هي العاقبة والرخاء، والله تعالى صرف عمن بعث إليهم محمدا ﷺ عقوبة الاصطلام، وأخر تعذيب مكذبيه إلى يوم القيامة، فذلك التأخير هو الحسنة، وهؤلاء الكفار استعجلوا العذاب قبل إحسان الله معهم بالإنظار، وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ [الرعد: ٦] يقال للعقوبة: مثلة ومثلة.
قال ابن الأنباري: المثلة العقوبة التي تبقي في المعاقب شيئا بتغيير بعض خلقه، من قولهم: مثل فلان بفلان إذا شان خلقه بقطع أنفه وأذنه، أو سمل عينيه، أو بقر بطنه.
قال ابن عباس، وقتادة: المثلات العقوبات، وما مثل الله بالمكذبين قبلهم.
قال الأزهري: يقول: يستعجلونك بالعذاب الذي لم أعاجلهم به، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية، فلم يعتبروا بها، وكان ينبغي أن يردعهم ذلك عن الكفر خوفا أن ينزل بهم مثل الذي نزل بمن كفر قبلهم.
قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] قال ابن عباس: لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وصدقوا، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] للمصرين على الشرك، وتلا مطرف يوما هذه الآية، فقال: لو يعلم الناس قدر رحمة الله ومغفرة الله وعفو الله وتجاوز الله لَقَرَّتْ أعينهم، ولو يعلم الناس قدر عذاب الله، وبأس الله ونكال الله ونقمة الله، ما رَقَأَ لهم دمع، ولا قَرَّتْ أعينهم بشيء.
٤٨٥ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦]؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ وَتَجَاوُزُهُ مَا هَنَأَ أَحَدًا الْعَيْشُ، وَلَوْلا وَعِيدُ اللَّهِ وَعِقَابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أَحَدٍ»
قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٧] قال ابن عباس: يريد مثل الناقة والعصا وما جاء به النبيون.
وقال الزجاج: طلبوا غير الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى.
فقال الله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] تنذرهم بالنار، وليس إليك من الآيات شيء، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] أي: نبي وداع إلى الله يدعوهم بما يعطى من الآيات، لا بما يريدون ويتحكمون، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
وقال سعيد بن جبير، وعطية، والضحاك: الهادي هو الله ﷿.
والمعنى أنت منذر تنذر، والله هادي كل قوم يهدي من شاء.
قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ [الرعد: ٨] يعلم ما في بطن كل حامل من علقة، أو مضغة، أو زائد، أو ناقص، على اختلاف في
[ ٣ / ٦ ]
جميع أحواله، وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد ذكر أم أنثى، واحد أم اثنين أم أكثر.
وقوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨] الغيض النقصان، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: ٤٤] قال أكثر المفسرين: يعلم الوقت الذي تنقصه الأرحام من المدة التي هي تسعة أشهر.
وما تزداد على ذلك، قال الضحاك: الغيض النقصان من الأجل، والزيادة ما يزداد على الأجل، وذلك أن النساء لا يلدن لأجل واحد.
وقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] قال ابن عباس: علم كل شيء فقدره تقديرا مما يكون قبل أن يكون، وكل ما هو كائن إلى يوم القيامة.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴿٩﴾ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴿١٠﴾ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴿١١﴾﴾ [الرعد: ٩-١١] ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الرعد: ٩] علم ما غاب عن جميع خلقه، وما شهده خلقه وعلموه، الكبير بمعنى العظيم، ومعناه يعود إلى كبر قدره واستحقاقه صفات العلو، وهو أكبر من كل كبير، لأن كل كبير يصغر بالإضافة إليه، وقوله المتعال قال الحسن: المتعالي عما يقول المشركون.
وقوله: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾ [الرعد: ١٠] أي: أخفاه وكتمه، ﴿وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] أعلنه وأظهره، قال مجاهد: السر والجهر عنده سواء.
وقوله: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] الظاهر، يقال: سربت الإبل تسرب سروبا، أي: مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت.
قال الزجاج: معنى الآية الجاهر بنطقه، والمضمر في نفسه، والظاهر في الطرقات، والمستخفي في الظلمات عِلْمُ الله فيهم جميعا سواء.
قوله: له معقبات المعقبات: المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه، ويكون بدلا منه، وهم الملائكة الحفظة في قول عامة المفسرين.
قال شمر: هي الكائنات يأتي بعضها بعد ذهاب بعض.
قال الزجاج: المعقبات الملائكة يأتي بعضهم بعقب بعض.
قال الفراء: المعقبات ذكر أن
[ ٣ / ٧ ]
جمع ملائكة معقبة، ثم جمعت معقبة معقبات، والذي يدل على التذكير قوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] .
قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ومجاهد: المعقبات الملائكة الحفظة.
يدل على صحة هذا ما:
٤٨٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَلامٍ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ قَتَادَةُ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسَأْلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: «تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ»، وَمَعْنَى الآيَةِ: لِلَّهِ مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ تَتَعَاقَبُ فِي النُّزُولِ إِلَى الأَرْضِ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الإِنْسَانِ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
وقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] ذكر الفراء في هذا قولين، أحدهما: أنه على التقديم والتأخير، وتقديره: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه.
والثاني: إن هذا على إضمار أن ذلك الحفظ من أمر الله، أي: مما أمر الله به، ونحو هذا قال الزجاج، قال: المعنى حفظهم إياه من أمر الله، أي: مما أمرهم الله به، لا أنهم يقدرون أن يدفعوا أمر الله.
وقال ابن الأنباري: وفي هذا قول آخر وهو: أن من بمعنى الباء، والتأويل: يحفظونه بأمر الله، وهذا قول مجاهد، وعطاء، والحسن، وقتادة، قالوا: يحفظونه بأمر الله.
وقال السدي: يحفظونه من أمر الله إلى أمر الله، مما لم يُقَدِّرِ اللهُ إلى ما قَدَّرَ اللهُ، وقال كعب: لولا أن الله وَكَّلَ بهم ملائكة يَذُبُّونَ عنكم، لتخطفتكم الجن.
٤٨٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا زِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنَامُ إلا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ وُكَلاءَ مِنَ الْمَلائِكَةِ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْهَوَامِّ، فَإِذَا أَرَادُوهُ بِشَيْءٍ، قَالُوا: وَرَاءَكَ وَرَاءَكَ، إلا شَيْئًا قَدْ قَضَى لَهُ أَنْ يُصِيبَهُ.
٤٨٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا
[ ٣ / ٨ ]
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي جُنْدُبٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ بِصِفِّينَ فَأَقْبَلَ عَلِيٌّ، ﵁، مُتَوَكِّئًا عَلَى عَنْزَةٍ لَهُ، بَعْدَ مَا اخْتَلَطَ الظَّلامُ، فَقَالَ سَعِيدٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا تَخَافُ أَنْ يَغْتَالَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَمَعَهُ مِنَ اللَّهِ حَفَظَةٌ مِنْ أَنْ يَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ، أَوْ يَخُرَّ مِنْ جَبَلٍ، أَوْ يُصِيبَهُ حَجَرٌ، أَوْ تُصِيبَهُ دَابَّةٌ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَدَرِ.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] أي: لا يسلب قوما نعمة حتى يعلموا معصية.
قال ابن عباس: يريد العذر فيما بينه وبين خلقه، ويعني بهذا أهل مكة.
﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ [الرعد: ١١] عذابا، ﴿فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١] قال عطاء: يريد لا رادَّ لعذابي، ولا ناقض لحكمي.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١] يلي أمرهم ويمنع العذاب عنهم.
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴿١٢﴾ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴿١٣﴾ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ﴿١٤﴾ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ﴿١٥﴾﴾ [الرعد: ١٢-١٥] قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢] قال قتادة: خوفا للمسافر، وطمعا للمقيم.
قال الزجاج: الخوف للمسافر لما يتأذى به من المطر، والطمع للحاضر لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر الذي هو سبب الخصب.
وينشئ يخلق، ﴿السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢] بالماء.
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: ١٣] قال ابن عباس: سألت اليهود رسول الله ﷺ، فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ فقال: «الرعد ملك من ملائكة الله ﷿، موكل بالسحاب، معه مخاريق، يسوق بها السحاب حيث يشاء الله» .
قالوا: فما الصوت الذي يسمع؟ قال: «زجره بالسحاب إذا زجر حتى ينتهي إلى حيث ما أمر» .
وقال مجاهد: الرعد صوت ملك يسبح.
وكان عبد الله بن الزبير جالسا يحدث أصحابه، فسمع صوت الرعد، فترك الحديث، وقال: سبحان من سبحت له، وقال: إن هذا وعيد لأهل الأرض شديد.
وروى أبو هريرة، عن النبي ﷺ، قال: " إن ربكم ﵎ يقول: لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس
[ ٣ / ٩ ]
بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد ".
وقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣] يعني ويسبح الملائكة من خيفة الله وخشيته، قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله وليس كخوف ابن آدم، لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره، لا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
وقوله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣] قال المفسرون: نزلت في أربد، وعامر بن الطفيل، أتيا النبي ﷺ يخاصمانه ويريدان الفتك به، فقال النبي ﷺ: «اللهم اكفنيهما بما شئت» .
فأرسل الله ﷿ صاعقة على أربد في يوم صائف صاح فأحرقته، وولى عامر هاربا.
وقوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ [الرعد: ١٣] قال ابن عباس: يكذبون بعظمة الله.
﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] قال مجاهد، والسدي: المحال القوة.
أي: شديد القوة.
وقال الزجاج: يقال: ماحلته محالا إذا قاويته حتى يتبين أيكما أشد، والمحل في اللغة الشدة.
قوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] المراد بدعوة الحق ههنا كلمة التوحيد والإخلاص، والمعنى: لله من خلقه الدعوة الحق، وأضيفت الدعوة إلى الحق لاختلاف اللفظين.
٤٨٩ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُصَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ،
[ ٣ / ١٠ ]
قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: اللَّهُ الْحَقُّ، فَمَنْ دَعَاهُ دَعَا الْحَقَّ
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الرعد: ١٤] يعني الأصنام يدعونها المشركون من دون الله، ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ [الرعد: ١٤] قال الزجاج: إلا كما يستجاب للذي يبسط كفيه إلى الماء يدعو الماء إلى فيه، والماء لا يستجيب.
أعلم الله أن دعاءهم الأصنام كدعاء العطشان الماء إلى بلوغ فمه، ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤] وما الماء ببالغ فاه بدعوته إياه، قال الكلبي: كماد يده إلى الماء من مكان بعيد، فلا يبلغه، ولا يبلغ الماء فاه.
وقال عطاء: كالرجل العطشان الجالس على شفير البئر، يمد يده إلى البئر فلا يبلغ قعر البئر، والماء لا يرتفع إلى يده.
قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [الرعد: ١٤] قال ابن عباس: يريد عبادة الكافرين الأصنام.
﴿إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤] بطلان وزوال.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا﴾ [الرعد: ١٥] يعني الملائكة والمؤمنين، وكرها يعني من أُكْرِهَ على السجود من الكافرين والمنافقين، هذا قول المفسرين.
وقال أهل المعاني: سجود الكاره تذلّله وانقياده لما يريده الله منه من عاقبة ومرض، وغنى وفقر، وحياة وموت، فالكافر في حكم الساجد لله من هذا الوجه.
ومعنى السجود في اللغة التذلل والخضوع، وهذا كقوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، وقوله: ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] قال المفسرون: كل شخص مؤمن أو كافر، فإن ظله يسجد لله تعالى.
قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره.
وقال أهل المعاني: سجود الظلال تمايلها من جانب إلى جانب، وانقيادها للتسخير بالطول والقصر.
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿١٦﴾ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ﴿١٧﴾ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿١٨﴾﴾ [الرعد: ١٦-١٨] قوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦] السؤال والجواب جاء من جهة واحدة، لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق السموات والأرض والمخلوقات كلها، كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] فإذا أجاب النبي ﷺ بقوله:
[ ٣ / ١١ ]
الله، لم ينكروا، ويصيروا كأنهم قالوا ذلك، ثم ألزمهم الحجة، فقال: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الرعد: ١٦] قال ابن عباس: توليتم غير رب السماء والأرض أصناما.
لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف لغيرهم؟ ثم ضرب مثلا للذي يعبد الأصنام، وللذي يعبد الله، فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الرعد: ١٦] يعني المشرك والمؤمن، ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦] يعني الشرك والإيمان، وقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦] قال ابن الأنباري: معناه أجعلوا لله شركاء خلقوا مثل ما خلق الله فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم؟ وهذا استفهام إنكار، أي: ليس الأمر على هذا حتى يشتبه الأمر، بل إذا فكروا بعقولهم وجدوا الله هو المنفرد بالخلق، وسائر الشركاء لا يخلقون خلقا يتشابه بخلق الله، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] قال الزجاج: قل ذلك وبينه بما أخبرت به من الدلالة في هذه ال ﴿[مما يدل على أنه خالق كل شيء.
والمعنى: أنه خالق كل شيء مما يصح أن يكن مخلوقا، ألا ترى أنه هو شيء وهو غير مخلوق؟ قوله:] أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [سورة الرعد: ١٧] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد قرآنا، وهو مَثَلٌ ضربه الله تعالى.
﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] أودية جمع واد، وهو كل منفرج بين جبلين، يجتمع إليه ماء المطر فيسيل، والقدر والقدر مبلغ الشيء.
والمعنى: بقدرها من الماء، فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتسع كثر، قال ابن الأنباري: شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر إذ نفع نزول القرآن يعم، كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب، إذ الأودية يستكن فيها الماء كما يستكن الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين، وقوله ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ [الرعد: ١٧] طافيا عاليا فوق الماء، قال ابن عباس: هو الشك والكفر.
ثم ضرب مثلا آخر، فقال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ [الرعد: ١٧] يعني: ما يذاب من الجواهر فيدخل النار ويوقد عليها، ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ [الرعد: ١٧] يعني: الذهب والفضة، أو متاع يعني: الحديد والصفر والنحاس والرصاص، تتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها، وقوله: زبد مثله أي: زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل، كَذَلِكَ كما ذكر من هذه الأشياء، يضرب الله مثل، ﴿الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد: ١٧] والجفاء ما جافاه الوادي، أي: رمى به، قال الفراء: الجفاء الرمي، يقال: جفا الوادي غثاء جفاء إذا رماه، والجفاء بمنزلة الغثاء.
وهذان مثلان ضربهما الله للحق والباطل، يقول: الباطل، وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه، فإن الله سيمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة للحق وأهله، كالزبد الذي يعلو الماء فيلقيه الماء ويضمحل، وكخبث هذه الجواهر يقذفه الكير، وهذا مثل الباطل، وأما الماء الذي ينفع الناس وينبت المرعى فيمكث في الأرض، وكذلك الصفو من الجواهر يبقى خالصا لا شوب فيه، وهو مثل الحق.
قال الزجاج: فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان، كمثل هذا الماء المستنفع به من نبات الأرض وحياة كل شيء، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر،
[ ٣ / ١٢ ]
لأنها كلها تبقى منتفعا بها، ومثل الكافر وكفره، كمثل هذا الزبد الذي يذهب جفاء، وكمثل خبث الحديد، وما يخرجه الناس من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به.
قوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ [الرعد: ١٨] أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه من توحيده وشريعته، الحسنى الجنة، ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ [الرعد: ١٨] إلى قوله: ﴿لافْتَدَوْا بِهِ﴾ [الرعد: ١٨] أي: لجعلوه فداء أنفسهم من العذاب، وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٨] قال المفسرون: هو ألا يقبل منهم حسنة، ولا يتجاوز عن سيئة.
٤٩٠ - أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، أنا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَا فَرْقَدُ، أَتَدْرِي مَا سُوءُ الْحِسَابِ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا.
قَالَ: هُوَ أَنْ يُحَاسَبَ الْرَجُلُ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ، لا يُغْفَرُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ.
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ ﴿١٩﴾ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴿٢٠﴾ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ﴿٢١﴾ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴿٢٢﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴿٢٣﴾ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴿٢٤﴾ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴿٢٥﴾ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ ﴿٢٦﴾﴾ [الرعد: ١٩-٢٦] قوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩] قال ابن عباس: نزلت في حمزة، وأبي جهل.
يعني: أن أبا جهل أعمى القلب، لا يهتدي إلى طريق الرشد، ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ [الرعد: ١٩] يتعظ ويتذكر ما رغب فيه من الجنة، أولو الألباب قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار.
ثم وصفهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ [الرعد: ٢٠] قال: يريد الذين عاهدهم عليه في صلب آدم.
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢١] يعني: الأرحام، وقال ابن عباس: يعني الإيمان بجميع الرسل.
وهو أن يصل بينهم بالإيمان بالجميع، كما أخبر عن المؤمنين في قولهم: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
[ ٣ / ١٣ ]
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [الرعد: ٢٢] أي: على دينهم، وما أمروا به من الطاعة، ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٢٢] طلب تعظيم الله، وقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل.
كما روي أن النبي ﷺ، قال لمعاذ بن جبل: «إذا عملت سيئة فاعمل بجانبها حسنة تمحها» .
وقال ابن كيسان: هو أنهم كلما أذنبوا تابوا، ليدفعوا بالتوبة معرة الذنب.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢] قال ابن عباس: يريد عقابهم الجنة.
أي: تصير الجنة لهم آخر أمرهم، ثم بين ذلك، فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: ومن صدق بما صدقوا به.
وقال مجاهد: ومن آمن منهم، وذلك أن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله من إلحاقهم به في الجنة كرامة له كما قال: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] .
﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] قال ابن عباس: بالتحية من الله، والتحفة، والهدايا.
ويقولون: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أي: سلمكم الله من أهوال القيامة وشرها بصبركم في الدنيا على طاعته، ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] ما أنتم فيه من الكرامة، أي: نعم عقبى الدار التي عملتم فيها ما أعقبكم هذه الكرامة.
قوله ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٥] مفسر إلى آخر الآية فيما سبق.
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] يضيق ويقتر، كقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الرعد: ٢٦] قال ابن عباس: يريد مشركي مكة فرحوا بما نالوا من الدنيا، فطغوا وكذبوا الرسول.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ﴾ [الرعد: ٢٦] أي: بالقياس إليها، إلا متاع أي: قليل ذاهب، كالشيء الذي يتمتع به ثم يفنى.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴿٢٧﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴿٢٨﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴿٢٩﴾ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴿٣٠﴾ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴿٣١﴾ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴿٣٢﴾ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ
[ ٣ / ١٤ ]
شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٣٣﴾ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴿٣٤﴾ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ﴿٣٥﴾﴾ [الرعد: ٢٧-٣٥] قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] نزلت في أهل مكة حين طالبوا رسول الله ﷺ بالآيات، ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٧] قال ابن عباس: يريد عن دينه.
يعني: كما أضلكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها، ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧] رجع إلى الحق، وإنما يرجع إلى الحق من يشاء الله، فكأنه قال: ويهدي إليه من يشاء.
كما قال في آيات: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [يونس: ٢٥] .
قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد: ٢٨] بدل من قوله: من أناب المعنى: يهدي إليه الذين آمنوا، ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨] إذا سمعوا ذكر الله أحبوه، واستأنسوا به، وقال الزجاج: أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين.
بخلاف من وُصِفَ بقوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥] .
وقوله: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] يعني: قلوب المؤمنين، لأن الكافر غير مطمئن القلب.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾ [الرعد: ٢٩] أكثر المفسرين على أن طوبى اسم شجرة في الجنة، وهو قول أبي هريرة، ومغيث بن سمي، وشهر بن حوشب، ومجاهد، ومقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي وعطاء.
وروي ذلك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
٤٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَصْفَهَانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُمَارَةَ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْبَسَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ السَّكُونِيِّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾ [الرعد: ٢٩] فَقَالَ: " أَمَّا طُوبَى، فَشَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَيْسَتْ دَارٌ مِنْ دُورِ الْجَنَّةِ إِلا وَفِيهَا غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا، لَوْ أَنَّ طَائِرًا طَارَ فِي غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا لَقَتَلَهُ الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ فَرْعَهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلا عَمَّرَ أَعْمَارَ الأَوَّلِينَ رَكِبَ حِقَّةً، أَوْ جَذَعَةً، ثُمَّ طَافَ بِسَاقِهَا،
[ ٣ / ١٥ ]
لَقَتَلُه الْهَرَمُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ، لَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا تُظِلُّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وَلَيْسَتْ مِنْهَا وَرَقَةٌ إِلا عَلَيْهَا مَلَكٌ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيُسَبِّحُهُ، وَلَيْسَ مِنْهَا وَرَقَةٌ لَوْ جُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ إِلا طَمَسَتْ ضَوْءَهُمَا، مِنْهَا كِسْوَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَحُلِيُّهُمْ، وَرَقُهَا حُلَلٌ، وَأَغْصَانُهَا حُلِيٌّ، وَوَحْلُهَا الْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ، وَتُرَابُهَا الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ، وَحَصْبَاؤُهَا الدُّرُّ وَالْيَاقُوتَ، وَهِيَ مَجْلِسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمُتَحَدَّثُهُمْ.
٤٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، يَقُولُ اللَّهُ لَهَا: تَفَتَّقِي لِعَبْدِي عَمَّا يَشَاءُ، فَتَفَتَّقُ لَهُ عَنِ: الْخَيْلِ بِسُرُوجِهَا وَلُجُمِهَا، وَعَنِ الإِبِلِ بِرِحَالِهَا وَأَزِمَّتِهَا، وَعَمَّا شَاءَ مِنَ الْكِسْوَةِ ".
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: طوبى اسم الجنة بالحبشة.
هو قول مجاهد في رواية شبل، قال: طوبى اسم الجنة.
وقال أبو عبيدة، والزجاج، وأهل اللغة: طوبى فعلى من الطيب.
قال ابن الأنباري: تأويلها الحال المستطابة لهم.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ﴾ [الرعد: ٣٠] أي: أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك، ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾ [الرعد: ٣٠] قال ابن عباس: في قرون قد مضت من قبلها قرون.
﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٠] يعني القرآن، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] وذلك أن رسول الله ﷺ كان في الحجر يدعو، وأبو جهل يستمع إليه وهو يقول: «يا رحمن» .
فلما سمعه يذكر الرحمن وَلَّى مدبرا إلى المشركين، وقال لهم: إن محمدا كان ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلها آخر يقال له الرحمن.
فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ [الرعد: ٣٠] أي: قل لهم: إن الرحمن الذي أنكرتم معرفته هو إلهي وسيدي، ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [الرعد: ٣٠] .
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا﴾ [الرعد: ٣١] الآية، قالت قريش للنبي ﷺ: إن كنت كما تقول فادع الله يسير عنا هذه الجبال، فإن أرضنا ضيقة، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا حتى نغرس ونزرع، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي.
فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ [الرعد: ٣١] أي: جعلت تسير، ﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ﴾ [الرعد: ٣١] أي: شققت فجعلت أنهارا وعيونا، ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١] أي: أحيوا حتى كلموا، وجواب لو محذوف، قال الفراء: تقديره لكان هذا القرآن، والمعنى: لو أن قرآنا فعل به ما التمسوا لكان هذا القرآن.
وقال الزجاج: جوابه لما آمنوا.
وهو قول ابن عباس، قال: يريد لو قضيت ألا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت، ولا على الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا أحيوا
[ ٣ / ١٦ ]
وتكلموا، ما آمنوا لما سبق عليهم في علمي.
ونظير هذه الآية قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] إلى قوله ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١]، ﴿بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] يقول: دع ذاك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره، فالأمر لله جميعا، ولو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذا لم يشأ لا ينفع تسيير الجبال وما اقترحوا من الآيات، ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] قال ابن عباس: أفلم يعلم.
وقال الكلبي: ييأس يعلم في لغة النخع.
وهذا قول مجاهد، والحسن، وقتادة.
وقوله: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] أي: بما صنعوا من كفرهم وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والحرب والجدب.
وقال مجاهد، وأبو سعيد الخدري: هي السرايا التي كان يبعثها رسول الله ﷺ إليهم.
أو تحل تنزل أنت يا محمد قريبا من دارهم، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣١] يعني فتح مكة، وعده الله أن يفتحها له، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١] ثم عزى رسول الله ﷺ، فقال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: ٣٢] أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [الرعد: ٣٢] قال ابن عباس: يريد كيف رأيت ما صنعت بهم، كذلك أصنع بمشركي قومك.
قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: كذلك أمتنع، يريد نفسه ﵎.
ومعنى القيام ههنا التولي لأمور خلقه، والتدبير للأرزاق والآجال، وإحصاء الأعمال للجزاء، كقوله: قائما بالقسط أي: واليا لذلك، والمعنى ههنا: أفمن هو قائم بالتدبير على كل نفس بجزاء ما كسبت، وتلخيصه: أفمن هو مجاز كل نفس بما كسبت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [الرعد: ٣٣] قال الفراء:
[ ٣ / ١٧ ]
كأنه في المعنى، قال: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم الذين اتخذوهم.
قل سموهم بما يسحقون من الصفات وإضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله، كما يوصف الله بالخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والمعنى يعود إلى أن الصنم لو كان إلها لتصور منه أن يخلق ويرزق، ولحسن حينئذ أن يسمى بالخالق والرزاق.
قوله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد: ٣٣] هذا استفهام منقطع مما قبله، وتأويل الآية: فإن سموهم بصفات الله، قل: أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض، أتخبرون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه؟ على معنى: أنه ليس، ولو كان لعلم، ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] يعني: أم يقولون مجازا من القول وباطلا لا حقيقة له، أي: إنه كلام ظاهر، وليس له في الحقيقة باطن ومعنى، فهو كلام باللسان، بل دع ذكر ما كنا فيه، ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: زين الشيطان لهم الكفر، وذلك أن مكرهم بالرسول ﷺ كفر منهم، ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الرعد: ٣٣] قال ابن عباس: وصدهم الله عن سبيل الهدى.
وضم الصاد قراءة أهل الكوفة، ومن قرأ بفتح الصاد فالمعنى: أنهم صدوا غيرهم عن الإيمان.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣] يهديه إلى الخير والإيمان، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الرعد: ٣٤] يعني الأسقام والقتل والأسر، هي لهم في الدنيا عذاب، وللمؤمن كفارة، ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ [الرعد: ٣٤] أشد وأغلظ، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣٤] من عذاب الله، من واق مانع يمنعهم.
قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥] أي: صفتها، قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل اللغة، ثم قد يصير المعنى صورة الشيء وصفته، يقال: مثلت لك كذا، أي: صورته ووصفه.
أراد الله بقوله: مثل الجنة أي: صورتها وصفتها، ثم ذكرها، فقال: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] قال الحسن: يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا، وظلها لأنه لا يزول، ولا تنسخه الشمس، ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الرعد: ٣٥] أي: عاقبة أمرهم المصير إليها، وعاقبة الكافرين المصير إلى النار.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ ﴿٣٦﴾ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ ﴿٣٧﴾﴾ [الرعد: ٣٦-٣٧] .
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦] قال المفسرون: إن عبد الله بن سلام والذين آمنوا معه من أهل الكتاب، ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن، مع كثرة ذكره في التوراة، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] ففرح بذلك مؤمنو أهل الكتاب، وكفر المشركون بالرحمن، وقالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقوله: ﴿وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: ٣٦] يعني الكفار الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ بالمعاداة، ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: ٣٦] يعني ذكر الرحمن، وهذا
[ ٣ / ١٨ ]
كقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] إلى آخره.
قوله ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الرعد: ٣٧] أي: وكما أنزلنا الكتب على الأنبياء الذين تقدموا، أنزلنا إليك القرآن، ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧] قال ابن عباس: يريد ما حكم من الفرائض في القرآن، ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الرعد: ٣٧] بوحدانية الله تعالى، وذلك أن المشركين دعوه إلى ملة آبائه، فتوعده الله على اتباع أهواءهم بقوله: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧] أي: ما لك من عذاب الله مانع يمنعك.
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴿٣٨﴾ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴿٣٩﴾ وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴿٤٠﴾﴾ [الرعد: ٣٨-٤٠] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الرعد: ٣٨] قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله ﷺ وقالت: ما نرى للرجل همة إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء.
فأنزل الله هذه الآية، يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الرعد: ٣٨] وجعلناهم بشرا لهم أزواج فنكحوهن، وأولاد أنسلوهم، وذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] .
٤٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْوَاعِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، نا حُسَيْنُ بْنُ رَافِعٍ الْعَنْبَرِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ، قَالَتْ: فَلا تَفْعَلْ، أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] فَلا تَتَبَتَّلْ.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣٨] هذا جواب للذين تحكموا عليه في طلب الآيات، والمعنى: أن حال محمد كحال الرسل الذين تقدموا في أنهم كانوا لا يأتون بآية إلا بإذن ربهم، لا على تحكم العباد بأهوائهم، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] لكل أجل قدره الله، ولكل أمر قضاه كتاب أثبت فيه، فلا تكون آية إلا بأجل قد قضاه الله في كتاب، وكذلك كل أمر.
قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] ذهب قوم إلى أن هذا عام في كل شيء، كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وقالوا: إن الله يمحو من الرزق ويزيد فيه، ومن الأجل، ويمحو السعادة والشقاوة، وهو مذهب عمر، وابن مسعود، وأبي وائل، وقتادة، والضحاك، وابن جريج، قالوا: أم الكتاب عند الله يمحو الله ما يشاء منه ويثبت.
ونحو هذا روى أبو الدرداء، عن النبي ﷺ، قال: «إن الله سبحانه في ثلاث ساعات يبقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر
[ ٣ / ١٩ ]
فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء» .
ومعنى أم الكتاب: أصل الكتاب الذي أثبت فيه الكائنات والحادثات.
وروى عكرمة، عن ابن عباس، قال: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء.
وهذه رواية عمران بن حصين، عن النبي ﷺ.
وقال قوم: إن الله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة، والموت والحياة والرزق والأجل.
ويدل على صحة هذا ما:
٤٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الطُّفَيْلِ، يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَهِ، ﷺ، يَقُولُ: " إِذَا مَضَتْ عَلَى النُّطْفَةِ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، يَقُولُ الْمَلَكُ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، ﷿، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ فَيَقُولُ: أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، فَيَقُولُ: عَمَلُهُ وَأَجَلُهُ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ فَلا يُزَادُ فِيهَا وَلا يُنْقَصُ مِنْهَا "، رَوَاهُ مُسْلِم، عَنِ ابْنِ نُصَيْرٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ
وقال سعيد بن جبير، وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه.
وهذا القول اختيار أبي علي الفارسي، قال: هذا والله أعلم فيما يحتمل النسخ والتبديل من الشرائع الموقوفة على المصالح على حسب الأوقات، فأما ما كان من غير ذلك فلا يمحى ولا يبدل.
وقال الكلبي، والضحاك: إن الذي يمحوه الله ويثبته ما تصعد به الحفظة مكتوبا على بني آدم، فيأمر الله أن يثبت ما فيه ثواب وعقاب، ويمحي عنه ما لا ثواب فيه ولا عقاب.
وقوله: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [الرعد: ٤٠] من العذاب، أي نعدهم وأنت حي، أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ [الرعد: ٤٠] أي: فليس عليك إلا أن تبلغ، كفروا أو آمنوا، وعلينا الحساب وعلينا أن نجازيهم.
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٤١﴾ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ﴿٤٢﴾ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴿٤٣﴾﴾ [الرعد: ٤١-٤٣] أولم يروا يعني كفار مكة، ﴿أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ﴾ [الرعد: ٤١] نقصد أرض مكة، ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١] بالفتوح على المسلمين منها، يريد ما دخل في الإسلام من بلاد الشرك، قال الضحاك: أو لم ير أهل مكة أنا نفتح لمحمد ما حوله من
[ ٣ / ٢٠ ]
القرى.
وقال مقاتل: الأرض مكة، ونقصها من أطرافها غلبة المؤمنين عليها.
وهذا قول الحسن.
وقال الزجاج: أعلم الله أن بيان ما وعد المشركون من قهرهم قد ظهر، يقول: ولم يروا أنا فتحنا على المسلمين من الأرض ما قد تبين لهم، فكيف لا يعتبرون؟ ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] قال ابن عباس: لا ناقض لحكمه.
وقال الفراء: لا راد لحكمه.
والمعقب الذي يتبع الشيء فيستدركه، ولا يستدرك أحد على حكم الله، ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١] أي: المجازاة بالخير والشر.
قوله: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الرعد: ٤٢] يعني كفار الأمم الخالية، مكروا بأنبيائهم، ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٤٢] يعني أن مكر الماكرين مخلوق له، فلا يضر إلا بإرادته، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ، وأمان له من مكرهم كأن قيل: قد فعل من قبلهم من الكفار مثل فعلهم، فلا ضرر عليك من مكرهم.
﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٤٢] يريد أن جميع الاكتساب معلوم له، فلا يقع ضرر إلا بإذنه، ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾ [الرعد: ٤٢] قال ابن عباس: يريد أبا جهل.
وقال الزجاج: الكافر ههنا اسم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس.
ومن قرأ الكفار أراد جميع الكفار ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٤٢] لمن الجنة آخر الأمر ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: ٤٣] يعني مشركي مكة، لست مرسلا إلينا بالنبوة، قل لهم، كفى بالله كفى الله، والباء أدخلت للتأكيد، شهيدا شاهدا، بيني وبينكم أي: بما أظهر من الآيات، وأبان من الأدلة على نبوتي، ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] قال الحسن، ومجاهد: هو الله ﷿.
وأختاره الزجاج، فقال: لأن الأشبه أن الله لا يستشهد على خلقه بغيره.
وقال عكرمة، وقتادة: يعني علماء أهل الكتاب، منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري.
قال ابن الأنباري: جعل قول هؤلاء وشهادتهم قاطعة لقول الخصوم، لأنهم العالمون بالكتب القديمة، فقيل: كفى بهؤلاء شهودا عليكم، وهم شاهدون لمحمد ﷺ بالنبوة والصدق.
والله أعلم.
[ ٣ / ٢١ ]