مكية وآياتها ستون.
٧١٧ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا الْمَدَائِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الرُّومِ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، بِعَدَدِ كُلِّ مَلَكٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَأَدْرَكَ مَا ضَيَّعَ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ»
﴿الم ﴿١﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿٢﴾ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿٣﴾ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿٤﴾ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿٥﴾ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴿٦﴾ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴿٧﴾﴾ [الروم: ١-٧] بسم الله الرحمن الرحيم الم ذكرنا تفسيره.
غلبت الروم قال أهل التفسير: غلبت فارس الروم، ففرح بذلك كفار مكة، وقالوا: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب، وافتخروا على المسلمين، وقالوا: نحن أيضا نغلبكم كما غلبت فارس الروم.
وقوله: ﴿فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم: ٣] يريد الجزيرة، وهي أقرب أرض الروم إلى فارس، وقال عكرمة: يعني أذرعات وكسكر، وهما من بلاد الشام، يعني الروم.
﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ [الروم: ٣] من بعد غلبة فارس إياهم، والغلب والغلبة لغتان، سيغلبون فارس.
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقد مر، أخبر الله أن الروم بعد ما غلبوا سيغلبون، ثم التقى الروم وفارس في السنة السابعة من غلبة فارس إياهم، فغلبتهم الروم، فجاء جبريل ﵇ بهزيمة فارس وظهور الروم عليهم، ووافق ذلك يوم بدر.
﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] أي: من قبل أن غلبت الروم ومن بعد ما
[ ٣ / ٤٢٧ ]
غلبت، يعني أن غلبة أحد الفريقين الآخر أيهما كان الغالب أو المغلوب فإن ذلك كان بأمر الله وإرادته، وقضائه وقدرته، ويومئذ يعني: يوم تغلب الروم فارس، ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿٤﴾ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤-٥] الروم على فارس، قال السدي: فرح النبي ﷺ والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم بدر، وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك بنصر الله.
﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الروم: ٥] الغالب، الرحيم بالمؤمنين، قال الزجاج: وهذه من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله، لأنه أنبأ بما سيكون، وهذا لا يعلمه إلا الله ﷿.
٧١٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ لُوَيْنٍ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ دِينَارِ بْنِ مُكْرَمٍ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: الم غُلِبَتِ الرُّومُ خَرَجَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالُوا: هَذَا كَلامُ صَاحِبِكَ، قَالَ: اللَّهُ أَنْزَلَ هَذَا وَكَانَتْ فَارِسُ قَدْ غَلَبَتِ الرُّومَ، فَاتَّخَذُوهُمْ شِبْهَ الْعَبِيدِ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ لا تَغْلِبَ الرُّومُ فَارِسَ؛ لأَنَّهُمْ أَهْلُ جَحْدٍ وَتَكْذِيبٍ بِالْبَعْثِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ؛ لأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَتَصْدِيقٍ بِالْبَعْثِ، فَقَالُوا لأَبِي بَكْرٍ: نُرَاهِنُكَ عَلَى أَنَّ الرُّومَ لا تَغْلِبُ فَارِسَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْبِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلاثِ إِلَى التِّسْعِ، قَالُوا: الْوَسَطُ فِي ذَلِكَ سِتَّةٌ لا أَقَلَّ وَلا أَكْثَرَ، قَالَ: فَوَضَعُوا الرِّهَانَ، وَذَلِكَ قَبْل أَنْ يُحَرَّمَ الرِّهَانُ، فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ، ﵁، إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَقَالُوا: بِئْسَ مَا صَنَعْتَ، أَلا أَقْرَرْتَهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ سِتًّا لَقَالَ، فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ سِتٍّ لَمْ تَظْهَرِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ فَأَخَذُوا الرِّهَانَ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةُ سَبْعٍ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾
قوله: وعد الله أي: وعد الله ذلك وعدا، ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم: ٦] في ظهور الروم على فارس، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ [الروم: ٦] يعني: كفار مكة، لا يعلمون أن الله لا يخلف وعده في إظهار الروم على فارس.
ثم وصف كفار مكة، فقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧] يعني: معايشهم وما يصلحهم، وقال الحسن: يعلمون متى زرعهم، ومتى حصادهم.
وروي عنه أنه قال: بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم بيده، فيخبرك بوزنه، ولا يحسن أن يصلي.
وقال الضحاك: يعلمون بنيات قصورها، وتشقيق أنهارها، وغرس أشجارها.
وقال الزجاج: يعلمون معايش الحياة، لأنهم كانوا يعالجون التجارات، فأعلم الله مقدار ما يعلمون.
﴿وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] حين لم يؤمنوا بها، ولم يعدوا لها.
ثم وعظهم ليعتبروا، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ﴿٨﴾ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا
[ ٣ / ٤٢٨ ]
كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٩﴾ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ﴿١٠﴾﴾ [الروم: ٨-١٠] ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨] في خلق الله إياهم، ولم يكونوا شيئا، فيعلموا ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الروم: ٨] قال الفراء: إلا للخلق، يعني الثواب والعقاب.
وأجل مسمى قال مقاتل: للسموات والأرض أجل تنتهيان إليه، وهو يوم القيامة.
والمعنى: أو لم يتفكروا في خلق الله إياهم ولم يكونوا شيئا، فيعلموا أن خلق السموات والأرض لأمر، وأن لهما أجلا وهو يوم القيامة.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [الروم: ٨] يعني: كفار مكة، بلقاء ربهم بالبعث بعد الموت، لكافرون لا يؤمنون بأنه كائن.
ثم خوفهم، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الروم: ٩] أولم يسافروا في الأرض فينظروا إلى مصارع الأمم قبلهم، ويعلموا أنهم أهلكوا بتكذيبهم فيعتبروا.
ثم وصف تلك الأمم، فقال: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [الروم: ٩] أعطوا من القوة ما لم يعطها هؤلاء، وأثاروا الأرض حرثوها وقلبوها للزراعة والغرس، وعمروها أي: كفار مكة، لأنهم كانوا أطول عمرا، وأكثر عددا، ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم: ٩] بالدلالات والحجج، وأخبروهم بأمر العذاب، ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [الروم: ٩] بتعذيبهم على غير ذنب، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩] بالكفر والتكذيب، ودل هذا على أنهم لم يؤمنوا فأهلكهم الله.
ثم أخبر عن عاقبتهم، فقال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠] في السوأى قولان: أحدهما أنها النار ضد الحسنى وهي الجنة، وهذا قول الفراء، والزجاج، والأكثرين.
قال ابن قتيبة: السوأى جهنم ضد الحسنى وهي الجنة.
وإنما سميت سوءى لأنها يسوء صاحبها، ومعنى أساءوا أشركوا، قاله ابن عباس، ومقاتل.
وفي عاقبة الذين قراءتان: النصب والرفع، فمن نصب جعلها خبر كان ونصبها متقدمة، كما قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] وتقدير الكلام ثم وكان السوء عاقبة الذين أساءوا، ويكون أن في قوله: أن كذبوا مفعولا له، أي لأن كذبوا.
قال الزجاج: المعنى: ثم كان عاقبة الكافرين النار لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم.
القول الثاني في السوأى: أنها مصدر بمنزلة الإساءة، ويكون المعنى: ثم كان التكذيب آخر أمرهم، أي ماتوا على ذلك، فكأن الله تعالى جازاهم على إساءتهم أن طبع على قلوبهم حتى ماتوا على التكذيب والشرك عقابا لهم بذنوبهم.
أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله الأصفهاني، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر الحافظ، نا محمد بن يحيى، نا أحمد بن منصور المروزي، نا
[ ٣ / ٤٢٩ ]
محمد بن عبد الله بن بكير، سمعت ابن عيينة يقول في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ١٠] إن لهذه الذنوب عواقب سوء، لا يزال الرجل يذنب فينكت على قلبه حتى يسوء القلب كله، فيصير كافرا.
﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿١١﴾ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ﴿١٢﴾ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ ﴿١٣﴾ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴿١٤﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴿١٥﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴿١٦﴾﴾ [الروم: ١١-١٦] قوله: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [الروم: ١١] أن يخلقها أولا، ثم يعيده ثم يعيدهم بعد الموت أحياء كما كانوا ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم: ١١] فيجزيهم بأعمالهم، والخلق هم المخلوقون في المعنى، وجاء قوله: ثم يعيده على لفظ الخلق، وقوله: يرجعون على المعنى، ووجه قراءة من قرأ بالتاء أنه صار من الغيبة إلى الخطاب.
قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢] قال الكلبي: ييأس المشركون من كل خير حين عاينوا العذاب.
وقال الفراء: ينقطع كلامهم وحجتهم.
وذكرنا تفسير الإبلاس عند قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] .
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ [الروم: ١٣] أوثانهم التي عبدوها ليشفعوا لهم، ﴿شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الروم: ١٣] يتبرءون منها وتتبرأ منهم.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم: ١٤] تظهر القيامة، ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] قال مقاتل: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار، فلا يجتمعون أبدا.
وقال الحسن: لئن كانوا اجتمعوا في الدنيا ليتفرقن يوم القيامة، هؤلاء في أعلى عليين، وهؤلاء في أسفل سافلين.
وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] ينعمون ويسرون، والحبرة والحبر: السرور، قال ابن عباس، والمفسرون: في رياض الجنة ينعمون.
ثم أخبر عن حال الكافرين بقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] وهي ظاهرة.
ثم ذكر ما يدرك به الجنة، فقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿١٧﴾ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴿١٨﴾ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴿١٩﴾﴾ [الروم: ١٧-١٩] ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] قال المفسرون: فصلوا لله، على تأويل فسبحوا لله.
قال ابن عباس: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس ومواقيتها، حين تمسون المغرب والعشاء، وحين تصبحون الفجر، وعشيا العصر،
[ ٣ / ٤٣٠ ]
وحين تظهرون الظهر.
ومعنى تمسون: تدخلون في وقت المساء، ومثله تصبحون، وتظهرون في الوقتين جميعا، واعترض بين ذكر الأوقات قوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم: ١٨] قال ابن عباس: يحمده أهل السموات وأهل الأرض ويصلون له ويسبحون.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩] مفسر فيما تقدم، ﴿وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ١٩] يجعلها تنبت، وذلك حياتها بعد أن كانت لا تنبت، وكذلك تخرجون من الأرض يوم القيامة، وقرأ حمزة تخرجون بفتح التاء، أضاف الخروج إليهم، كقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ [المعارج: ٤٣] .
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴿٢٠﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢١﴾﴾ [الروم: ٢٠-٢١] قوله: ومن آياته دلائل قدرته، ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم: ٢٠] يعني: آدم أبا البشر، ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ [الروم: ٢٠] من لحم ودم، يعني ذريته، تنتشرون تنبسطون في الأرض.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: ٢١] جعل لكم أزواجا من مثل خلقكم، ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] جعل بين الزوجين المودة والرحمة، فهما يتوادان ويتراحمان، وما من شيء أحب إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [الروم: ٢١] الذي ذكر من صنعه، ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] في عظمة الله وقدرته.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴿٢٢﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴿٢٣﴾﴾ [الروم: ٢٢-٢٣] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٢] على عظمتهما وكثافتهما وكثرة أجزائهما، واختلاف ألسنتكم يعني: اختلاف اللغات من العربية والعجمية، وألوانكم لأن الخلق من بين أسود وأبيض وأحمر، وهم ولد رجل واحد وامرأة واحدة، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] للبر والفاجر، والإنس والجن، وقرأ حفص بكسر اللام، قال الفراء: وهو وجه جيد لأنه قد قال: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥]، و﴿لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] .
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم: ٢٣] التقدير: منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، هذا يعني تصرفكم في طلب المعيشة، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٣] سماع اعتبار وتدبر.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٢٤﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴿٢٥﴾﴾ [الروم: ٢٤-٢٥] ﴿
[ ٣ / ٤٣١ ]
وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ [الروم: ٢٤] للمسافر من الصواعق، وطمعا للحاضر المقيم في المطر.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] قال ابن مسعود: قامتا بغير عمد.
وقال الفراء: يقول أن تدوما قائمتين بأمره، يدعو إسرافيل من صخرة بيت المقدس حين ينفخ في الصور بأمر الله للبعث بعد الموت.
ثم ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] من الأرض.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴿٢٦﴾ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٢٧﴾﴾ [الروم: ٢٦-٢٧] ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٦] عبيدا وملكا، ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] قال الكلبي: هذا خاص لمن كان منهم مطيعا.
وقال ابن عباس: كل له مطيعون في الحياة والبقاء، والموت والبعث وإن عصوا في العبادة.
وهذا مفسر في ﴿[البقرة.
قوله:] وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [سورة الروم: ٢٧] يخلقهم أولا ثم يخلقهم ثانيا للبعث، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] أي: هين عليه الإعادة، وما شيء عليه بعزيز، ويجيء أفعل بمعنى المفاعل، كقول الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول
أي: عزيزة طويلة، وهذا قول الحسن، والربيع، وقتادة، والكلبي.
وقال مقاتل: يقول: البعث أيسر عليه عندكم يا معشر الكفار من الخلق الأول.
قال المبرد: وهو أهون عليه عندكم، لأنكم أقررتم بأنه بدأ الخلق، وإعادة الشيء عند المخلوقين أهون من ابتدائه.
واختار الزجاج هذا القول، فقال: إن الله خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء.
والكناية في قوله: وهو تعود إلى الإعادة، وهو مصدر، فأجري على التذكير ودل عليه الفعل، وهو قوله يعيده والفعل يدل على المصدر.
وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] الصفة العليا، وهي أنه لا إله غيره، وهو العزيز في ملكه، الحكيم في خلقه.
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٢٨﴾ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴿٢٩﴾﴾ [الروم: ٢٨-٢٩] ضرب لكم أيها المشركون، ﴿مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] أي: بَيَّنَ لكم شبها لحالكم ذلكم المثل، فقال: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] من عبيدكم، ﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] من المال والعبيد والأهل، أي: هل يشاركونكم في أموالكم.
وهو قوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨] أي: أنتم وشركاؤكم من
[ ٣ / ٤٣٢ ]
عبيدكم فيما رزقناكم شرع سواء؟ تخافونهم أي: يشاركونكم فيما ترثونه من آبائكم، كخيفتكم أنفسكم كما يخاف الرجل الحر شريكه الحر في المال يكون بينهما أن ينفرد فيه دونه بأمر، فكما يخاف الرجل شريكه في الميراث أن يشاركه، لأنه يحب أن ينفرد به، فهو يخاف شريكه كما أن يرثه عصبته من ذريته، يعني أن هذه الخيفة لا تكون بين المالكين والمملوكين كما بين الأحرار، ومعنى أنفسكم ههنا أمثالكم من الأحرار، كقوله: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]، وكقوله: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] أي: بأمثالهم من المؤمنين، قال صاحب النظم: وهذا مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء، فقال: هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكا له في ماله وولده حتى يكون هو ومملوكه سواء يخاف غيره من شريك لو كان له فيه شركه، فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي فجعلتموهم شركاء لي.
كذلك كما بينا في ضرب المثل من أنفسكم، ﴿نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨] عن الله.
ثم بين لهم أنهم إنما اتبعوا فيما أشركوا به الهوى، فقال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الروم: ٢٩] أشركوا بالله، أهواءهم في الشرك، بغير علم يعلمونه جاءهم من الله، ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم: ٢٩] أي: لا هادي لمن أضله الله، وهذا يدل على أنهم إنما أشركوا بإضلال الله إياهم عن الحق، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم: ٢٩] مانعين من عذاب الله، قاله مقاتل.
ثم أمر النبي ﷺ بتوحيده، فقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴿٣٠﴾ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٣١﴾ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿٣٢﴾﴾ [الروم: ٣٠-٣٢] ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ [الروم: ٣٠] أي: أخلص دينك، وهو قول سعيد بن جبير.
وقال غيره: سدد عملك.
والوجه: ما يتوجه إليه، وعمل الإنسان ودينه ما يتوجه إليه لتسديده وإقامته، حنيفا مائلا إليه مستقيما عليه، لا ترجع عنه إلى غيره، وقوله: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] فطرة الله: الملة، وهي الإسلام والتوحيد الذي خلق الله عليه المؤمنين، هذا قول المفسرين في فطرة الله.
والمراد بالناس ههنا المؤمنون الذين فطرهم الله على الإسلام، لأن المشرك لم يفطر على الإسلام، ولفظ الناس عام، والمراد به الخصوص وانتصابها بالإغراء، وهو قول الزجاج، قال: فطرة الله منصوب بمعنى اتبع فطرة الله.
﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] قال مجاهد، وإبراهيم: لا تبديل لدين الله.
وهي نفي معناه النهي، أي: لا تبدلوا دين الله الذي هو التوحيد بالشرك والكفر، ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] يعني التوحيد، وهو الدين المستقيم، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ [الروم: ٣٠] يعني: كفار مكة، لا يعلمون توحيد الله.
قوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١] قال الزجاج: زعم جميع النحويين أن معنى هذا فأقيموا وجوهكم منيبين، لأن مخاطبة النبي ﷺ يدخل فيها الأمة، والدليل على ذلك قوله: ﴿
[ ٣ / ٤٣٣ ]
يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] فقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ [الروم: ٣٠] معناه: فأقيموا وجوهكم، منيبين إليه راجعين إلى كل ما أمر به مع التقوى، وأداء الفرض، وهو قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الروم: ٣١] .
ثم أخبر أنه لا ينفع ذلك إلا بالإخلاص في التوحيد، فقال: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٣١﴾ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣١-٣٢] تقدم تفسيره في آخر ﴿[الأنعام،] كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة الروم: ٣٢] قال مقاتل: كل أهل ملة بما عندهم من الدين راضون.
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴿٣٣﴾ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣٤﴾ أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ﴿٣٥﴾ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴿٣٦﴾ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٣٧﴾﴾ [الروم: ٣٣-٣٧] قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ﴾ [الروم: ٣٣] يعني: كفار مكة، ضر وقحط وسنة، ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٣] أي: لا يلتجئون في شدائدهم إلى أوثانهم التي يعبدونها مع الله، إنما يرجعون في دعائهم إلى الله وحده، ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [الروم: ٣٣] إذا أعطاهم من عنده المطر، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣] تركوا توحيد ربهم في الرخاء وقد وحدوه في الضر.
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [الروم: ٣٤] ذكرنا تفسيره في آخر ﴿[العنكبوت.
ثم خاطب هؤلاء الذين فعلوا هذا خطاب تهديد بقوله:] فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الروم: ٣٤] حالكم في الآخرة.
﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الروم: ٣٥] على هؤلاء، سلطانا حجة وكتابا من السماء، ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥] يقولون من الشرك، يعني يأمرهم به، وهذا استفهام إنكار، أي ليس الأمر على هذا.
ثم ذكر بطرهم عند النعمة، ويأسهم عند الشدة بقوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ [الروم: ٣٦] يعني: فرح البطر وترك الشكر، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [الروم: ٣٦] شدة وبلاء، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الروم: ٣٦] بما عملوا من السيئات، ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] قنطوا من رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمن، فإنه يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة.
ثم وعظهم، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٣٧] والآية ظاهرة.
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٣٨﴾ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴿٣٩﴾ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٤٠﴾﴾ [الروم: ٣٨-٤٠] قوله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الروم: ٣٨] أي: من الصلة والبر، والمسكين قال مقاتل: حقه أن يتصدق عليه.
وابن السبيل يعني الضيافة، ذلك خير إعطاء الحق خير وأفضل من الإمساك، ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨] يطلبون
[ ٣ / ٤٣٤ ]
بما يعلمون ثواب الله، ثم نعتهم بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ [الروم: ٣٩] قال السدي: الربا في هذا الموضع الهدية يهديها الرجل لأخيه يطلب المكافأة، فإن ذلك لا يراد عند الله، لا يؤجر عليه صاحبه، ولا إثم عليه.
وروى قتادة، عن ابن عباس، قال: هي هبة الرجل، يهب الشيء يريد أن يثاب عليه أفضل منه.
وهذا قول جماعة المفسرين، قال الزجاج: يعني دفع الإنسان الشيء ليعوض ما هو أكثر منه، وذلك ليس بحرام، ولكنه لا ثواب فيه، لأن الذي يهبه يستدعي رد ما هو أكثر منه.
وقرأ ابن كثير أتيتم مقصورا، وهو يئول في المعنى إلى قول من مد، كأنه قيل: وما جئتم من ربا ومجيئهم ذلك على وجه الإعطاء له، كما تقول: أتيت خطأ، وأتيت صوابا، وأتيت قبيحا، إنما هو فعل له وسمي المدفوع على وجه اجتلاب الزيادة ربا لأن غرضه فيه الاستزادة على ما أعطى، فسمي باسم الزيادة.
وقوله: ﴿لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: ٣٩] أي: في اجتلاب أموال الناس واجتذابها، وقرأ نافع لتربوا بالتاء وضمها، أي لتصير ذوي زيادة من أموال الناس بما آتيتم، وهو من الربى، أي صار ذا زيادة، ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] لأنكم قصدتم إلى زيادة العوض ولم تقصدوا البر والقربة.
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة، وإنما تقصدون بها ما عند الله، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] يضاعف لهم الثواب، يعطون الحسنة عشر أمثالها، والمضعف ذو الأضعاف من الحسنات.
ثم ذكر ما أصاب الناس بترك التوحيد، فقال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٤١﴾ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ﴿٤٢﴾﴾ [الروم: ٤١-٤٢] ظهر الفساد يعني: قحط المطر وقلة النبات، في البر حيث لا يجري نهر، وهو البوادي، والبحر وهو كل قرية على ماء، قال ابن عباس: البحر ما كان من المدائن والقرى على شاطئ نهر.
﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١] من المعاصي، يعني كفار مكة، ليذيقهم الله بالجوع في السنين السبع، ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم: ٤١] أي جزاءه، لعلهم يرجعون لكي يرجعوا من الكفر إلى الإيمان، وهذا كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] الآية.
وليس المراد بالبر والبحر في هذه الآية كل بر وبحر في الدنيا، وإنما المراد به حيث ظهر هناك
[ ٣ / ٤٣٥ ]
القحط بدعاء النبي ﷺ.
ثم خوفهم، فقال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الروم: ٤٢] مسافرين، ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم: ٤٢] لتروا مساكنهم ومنازلهم خاوية، وقوله: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٤٢] أي: كانوا مشركين فأهلكوا بكفرهم.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴿٤٣﴾ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴿٤٤﴾ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴿٤٥﴾﴾ [الروم: ٤٣-٤٥] ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ [الروم: ٤٣] قال الزجاج: أجعل جهتك إتباع الدين القيم، وهو الإسلام المستقيم.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤٣] يعني: يوم القيامة، لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم، يومئذ يصدعون يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار.
و﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم: ٤٤] جزاء كفره، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤] يوطئون لأنفسهم منازلهم، يقال: مهدت لنفسي خيرا، أي هيأته ووطأته.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم: ٤٥] قال ابن عباس: ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم.
﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم: ٤٥] لا يثيبهم ولا يثني عليهم.
قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٤٦﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٤٧﴾﴾ [الروم: ٤٦-٤٧] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦] تبشر بالمطر، ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الروم: ٤٦] يعني: الغيث والخصب، ولتجري الفلك في البحر بتلك الرياح، بأمره ولتبتغوا في البحر، من فضله يعني: الرزق بالتجارة وكل هذا بالرياح، ولعلكم تشكرون هذه النعم فتوحدونه.
ثم عزى، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم: ٤٧] بالدلالات الواضحات على صدقهم، ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم: ٤٧] عذبنا الذين كذبوهم وكفروا بآياتنا، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ [الروم: ٤٧] واجبا وجوبا، هو أوجبه على نفسه، نصر المؤمنين إنجاؤهم مع الرسل من عذاب الأمم، وفي هذا تبشير للنبي ﷺ بالظفر في العاقبة والنصر على من كذبه.
ثم أخبر عن صنعه ليعرفوا توحيده، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿٤٨﴾ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ
[ ٣ / ٤٣٦ ]
لَمُبْلِسِينَ ﴿٤٩﴾ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٥٠﴾ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ﴿٥١﴾﴾ [الروم: ٤٨-٥١] ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم: ٤٨] تزعجه من حيث هو، فيبسطه الله، ﴿فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم: ٤٨] إن شاء بسطه مسيرة يوم أو يومين، ويجعله كسفا بعد أن بسطه يجعله قطعا متفرقة، ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [الروم: ٤٨] مفسر في ﴿[النور،] فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ [سورة الروم: ٤٨] بالودق، ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم: ٤٨] يفرحون بنزوله.
وإن كانوا وما كانوا، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ [الروم: ٤٩] المطر، من قبله كرره للتأكيد، لمبلسين آيسين قانطين من المطر.
قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠] بعد إنزال المطر، انظر إلى حسن تأثيره في الأرض، ويقرأ آثار على الجمع، فمن أفرد فلأنه مضاف إلى مفرد، ومن جمع جاز، لأن رحمة الله يجوز أن يراد بها الكثرة، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٨] قال مقاتل: أثر رحمة الله هو النبت، وهو أثر المطر، والمطر رحمة الله ونعمته على خلقه.
وقوله: ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠] أي: كيف يجعلها تنبت بعد أن لم تكن فيها نبت، إن ذلك الذي فعل ما ترون، وهو الله تعالى، لمحيي الموتى في الآخرة، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] البعث والموت.
ثم عاب كافر النعمة والجاهل بأن الله يفعل ما يشاء، فقال: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ [الروم: ٥١] باردة مضرة، والريح إذا أتت بلفظ الإفراد أريد بها العذاب، ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول عند هبوب الريح: «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» .
قوله: فرأوه يعني: النبت والزرع الذي كان من أثر رحمة الله، مصفرا من البرد بعد الخضرة، لظلوا لصاروا، من بعده اصفرار النبت يجحدون ما سلف من النعمة، يعني أنهم يفرحون عند الخصب، ولو أرسلنا عذابا على زرعهم كفروا نعمي، وليس كذا حال المؤمن، لأنه لا يستشعر الخيبة والكفران عند الشدة والمنة.
﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴿٥٢﴾ وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ﴿٥٣﴾﴾ [الروم: ٥٢-٥٣]
[ ٣ / ٤٣٧ ]
قوله: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم: ٥٢] هذه الآية والتي بعدها مفسرتان في ﴿[النحل.
ثم أخبر عن خلق أنفسهم ليتفكر المكذب بالبعث في خلق نفسه، فقال:] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [سورة الروم: ٥٤] قال المفسرون: يعني من نطفة.
والمعنى: خلقكم من ذي ضعف، أي من ماء ذي ضعف، كما قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ومعنى ضعف ذلك الماء أنه قليل، وقرئ بفتح الضاد، قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم، والاختيار الضم لما.
٧١٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، قَالَ: أنا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، قَالَ: أنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: أنا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضُعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضُعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضُعْفًا﴾، قَرَأْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، كَمَا قَرَأْتَهَا فَأَخَذَهَا عَلَيَّ كَمَا أَخَذْتُهَا عَلَيْكَ
وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤] يعني: ضعف الطفولة، قوة الشباب، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ [الروم: ٥٤] يعني: عند الكبر والهرم، وشيبة وهو مصدر كالشيب، ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الروم: ٥٤] أي: من ضعف وقوه شيبة وشباب، وهو العليم بتدبير خلقه القدير على ما يشاء.
قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ﴿٥٥﴾ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴿٥٦﴾ فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴿٥٧﴾﴾ [الروم: ٥٥-٥٧] ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ٥٥] يحلف المشركون، ما لبثوا في القبور، غير ساعة إلا ساعة واحدة، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] يقال: أفك فلان إذا صرف عن الصدق والخير.
قال الكلبي: كذبوا في قولهم غير ساعة كما كذبوا في الدنيا.
وقال مقاتل: يقول: هكذا كانوا يكذبون بالبعث كما كذبوا
[ ٣ / ٤٣٨ ]
أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة.
وقال ابن قتيبة: أي كذبوا في هذا الوقت كما كانوا يكذبون من قبل.
والمعنى: أراد الله تعالى أن بعضهم خلقوا على شيء يتبين لأهل الجمع من المؤمنين أنهم كاذبون في ذلك، ويستدلون بكذبهم هناك على كذبهم في الدنيا، وكان ذلك من قضاء الله وقدره، بدليل قوله: يؤفكون أي يصرفون، يعني: كما صرفوا عن الصدق في خلقهم حين حلفوا كاذبين صرفوا في الدنيا عن الإيمان.
ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم كذبهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] أي: لبثتم في القبور فيما كتب الله لكم من اللبث إلى يوم البعث، وقال الزجاج: في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ.
والمفسرون حملوا هذا على التقديم على تقدير قال الذين أوتوا العلم في كتاب الله وهم الذين يعلمون كتاب الله، وقرأ قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وقوله: ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] أي: اليوم الذي كنتم تنكرونه في الدنيا وتكذبون به، ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٦] وقوعه في الدنيا، فلا ينفعكم العلم به الآن، يدل على هذا المعنى قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: ٥٧] قال ابن عباس: لا يقبل من الذين أشركوا عذر، ولا عتاب، ولا توبة ذلك اليوم، وقرئ لا ينفع بالياء، لأن التأنيث ليس بحقيقي في المعذرة، وقد وقع الفصل بين الفاعل وفعله فقوي التذكير، وقوله: ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧] لا يطلب منهم العتبى والرجوع في الآخرة.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُبْطِلُونَ ﴿٥٨﴾ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴿٥٩﴾ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ﴿٦٠﴾﴾ [الروم: ٥٨-٦٠] ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨] احتجاجا عليهم وتنبيها لهم، ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الروم: ٥٨] مثل العصا واليد، ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ﴾ [الروم: ٥٨] ما أنتم يا محمد وأصحابك، إلا مبطلون أصحاب أباطيل، وهذا إخبار عن عنادهم وتكذيبهم.
ثم ذكر سبب ذلك، فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٩] أي: كالذي طبع على قلوبهم حتى لا يصدقون بآية يختم الله على قلوب الذين لا يعلمون توحيد الله، فكل من لم يعلم توحيد الله فذلك لأجل طبع الله على قلبه.
ثم أمر نبيه بالصبر إلى وقت النصر بقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٦٠] بنصر دينك وإظهارك على عدوك، ﴿حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ [الروم: ٦٠] الذين لا يؤمنون، يقال: استخف فلان فلانا إذا استجهله فحمله على اتباعه في غيه، والمفسرون يقولون: لا يستخفن رأيك وعلمك.
﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] بالبعث والحساب، أي هم ضلال شاكون.
[ ٣ / ٤٣٩ ]