مكية وآياتها اثنتان وثمانون ومائة.
٧٨٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الْمُؤَذِّنُ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ الأَسَدِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ الْيَرْبُوعِيُّ، نا الْمَدَائِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الصَّافَّاتِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، بِعَدَدِ كُلِّ جِنِّيٍّ وَشَيْطَانٍ، وَتَبَاعَدَتْ مِنْهُ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، وَبَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ، وَشَهِدَ لَهُ حَافِظَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةُ أَنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا بِالْمُرْسَلِينَ»
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ﴿١﴾ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ﴿٢﴾ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ﴿٣﴾ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ﴿٤﴾ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ﴿٥﴾﴾ [الصافات: ١-٥] بسم الله الرحمن الرحيم والصافات صفا هذا قسم أقسم الله بالملائكة التي تصف أنفسها في السماء كصفوف الخلق في الدنيا، قال ابن عباس: يريد الملائكة صفوفا صفوفا، لا يعرف كل ملك منهم من إلى جانبه، لم يلتفت منذ خلقه الله ﷿.
فالزاجرات زجرا يعني الملائكة الذين وكلوا بالسحاب، يزجرونه في سوقه وتأليفه، وقال قتادة: يعني زواجر القرآن، وهي كل ما ينهى ويزجر عن القبيح.
فالتاليات ذكرا هم الملائكة، يتلون ذكر الله، وقال الكلبي: هم قراء الكتاب.
﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] جواب القسم، أقسم الله تعالى بهذه الأقسام أنه واحد ليس له شريك.
﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الصافات: ٥] من شيء، ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥] مطالع الشمس.
﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴿٦﴾ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ﴿٧﴾ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ﴿٨﴾ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ﴿٩﴾ إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴿١٠﴾﴾ [الصافات: ٦-١٠] ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الصافات: ٦] يعني: التي تلي الأرض، فهي أدنى السموات إلى الأرض، بزينة الكواكب بحسنها وضوئها، وقرأ حمزة بزينة منونة، وخفض الكواكب، قال الزجاج: الكواكب بدل من الزينة، لأنها هي كما تقول: مررت بأبي عبد الله زيد.
وقرأ عاصم بالتنوين ونصب الكواكب، أعمل الزينة وهي مصدر في الكواكب، والمعنى: بأنا زينا الكواكب فيها حين ألفناها في منازلها، وجعلناها ذات نور.
وحفظا
[ ٣ / ٥٢١ ]
للسماء بالكواكب، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] متمرد يرمون بها فلا تخطئهم.
قوله: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى﴾ [الصافات: ٨] قال الكلبي: لكي لا يسمعوا إلى الكتبة من الملائكة، والملأ الأعلى هم الملائكة، لأنهم في السماء، وقرئ يسمعون بالتشديد، وأصله يتسمعون، فأدغم التاء في السين، ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات: ٨] ويرمون من كل ناحية بالشهب.
دحورا يقال: دحره دحرا ودحورا إذا طرده وأبعده.
والمعنى: يدحرون دحورا فيبعدون عن تلك المجالس التي يسترقون فيها السمع.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] قال مقاتل: يعني دائما إلى النفخة الأولى، فهم يخرجون ويكبلون.
﴿إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] اختلس الكلمة من الكلام الملائكة مسارقة، فأتبعه لحقه وأصابه، شهاب ثاقب نار مضيئة تحرقه، والثاقب: النير المضيء كقوله: ﴿إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] .
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ﴿١١﴾ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴿١٢﴾ وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ﴿١٣﴾ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ﴿١٤﴾ وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿١٥﴾ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿١٦﴾ أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ ﴿١٧﴾ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ﴿١٨﴾ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ﴿١٩﴾﴾ [الصافات: ١١-١٩] قوله: فاستفتهم قال الزجاج: سلهم سؤال تقرير عن ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] أحكم صنعة، ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ [الصافات: ١١] قبلهم من الأمم السالفة، يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم من الأمم، وقد أهلكناهم بالتكذيب، فما الذي يؤمنهم من العذاب.
ثم ذكر خلق الإنسان، فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] لاصق جيد، يقال: لزب يلزب لزوبا إذا لصق.
والمعنى أن هؤلاء الكفار خلقوا مما خلق منه الأولون، فليسوا بأشد خلقا منهم، وهذا إخبار عن التسوية بينهم وبين غيرهم من الأمم في الخلق.
قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] بل معناه: ترك الكلام الأول والأخذ في الكلام الآخر، كأنه قال: دع يا محمد ما مضى، عجبت من كفار مكة حين أوحى إليك القرآن، ولم يؤمنوا به، وهو قوله: ويسخرون لأن سخريتهم بالقرآن وبه من ترك الإيمان، قال قتادة: عجب نبي الله من هذا القرآن حين أنزل عليه وخلال بني آدم.
وذلك أن النبي ﷺ كان يظن أن كل من يسمع منه القرآن يؤمن به، فلما سمع المشركون القرآن فسخروا منه وتركوا الإيمان به عجب من ذلك ﷺ، فقال الله: عجبت يا محمد من نزول الوحي عليك وتركهم الإيمان.
وقرأ ابن مسعود بضم التاء.
٧٨٤ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، نا قُتَيْبَةُ، نا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: بَلْ عَجِبْتُ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: إِن اللَّهَ لا يَعْجَبُ، إِنَّمَا يَعْجَبُ مَنْ لا يَعْلَمُ، قَالَ الأَعْمَشُ: فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: إِنَّ شُرَيْحًا كَانَ مُعْجَبًا بِرَأْيِهِ، إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأَ: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ، وَعَبْدُ اللَّهِ أَعْلَمُ مِنْ
[ ٣ / ٥٢٢ ]
شُرَيْحٍ، وَإِضَافَةِ الْعَجَبِ إِلَى اللَّهِ، تَعَالَى، وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ كَقَوْلِهِ: ﷺ «عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ شَابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» وَ«عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ إِلِّكُمْ وَقُنُوطِكُمْ» وَ«عَجِبَ اللَّهُ الْبَارِحَةَ مِنْ فُلانٍ وَفُلانَةٍ» وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ عَجِبَ مِمَّا يَرْضَى؛ وَمَعْنَاهُ: الاسْتِحْسَانُ وَالْخَبَرُ عَنْ تَمَامِ الرِّضَا، وَعَجِبَ مِمَّا يَكْرَهُ؛ وَمَعْنَاهُ: الإِنْكَارُ وَالذَّمُّ لَهُ، وَتَأْوِيلُ الآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ، تَعَالَى، ذَكَرَ الْكُفَّارَ وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَسُخْطِهِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَسْخَرُونَ وَيَسْتَهْزِئُونَ وَلا يَتَفَكَّرُونَ
قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات: ١٣] أي: إذا وعظوا بالقرآن لا يتعظون به.
﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ [الصافات: ١٤] قال ابن عباس، ومقاتل: يعني انشقاق القمر.
يستسخرون يسخرون ويستهزئون ويقولون: هذا عمل السحرة.
وهو قوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥] جعلوا ما يدل على التوحيد مما يعجزون عنه سحرا.
ثم ذكر إنكارهم البعث بقوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] وقد مضت في مواضع.
وقوله: ﴿أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨] ألف الاستفهام دخلت على حرف العطف، كقوله: ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [الأعراف: ٩٨] .
قال الله تعالى: قل لهم: نعم يبعثون، وأنتم داخرون صاغرون، والدخور أشد الصغار.
ثم ذكر أن بعثهم يقع بزجرة واحدة، فقال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الصافات: ١٩] أي: فإنما قضية البعث صيحة واحدة من إسرافيل، يعني: نفخة البعث.
﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩] إلى البعث الذي كذبوا به.
فلما عاينوا البعث ذكروا قول الرسل في الدنيا إن البعث حق فدعوا بالويل: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿٢٠﴾ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿٢١﴾ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٢٢﴾ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ﴿٢٣﴾ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴿٢٤﴾ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ ﴿٢٥﴾ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ﴿٢٦﴾﴾ [الصافات: ٢٠-٢٦] ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ [الصافات: ٢٠] من العذاب، ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] الحساب الجزاء، نجازى فيه ما عملنا.
فقالت الملائكة: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [الصافات: ٢١] يوم القضاء، ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١] يفصل فيه بين المحسن والمسيء.
ويقال في ذلك اليوم: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الصافات: ٢٢] اجمعوهم من حيث بعثوا إلى الموقف والحساب، والمراد بالذين ظلموا الذين أشركوا من بني آدم، وقوله: وأزواجهم قال الحسن: يعني المشركات، كأنه قال: احشروا المشركين والمشركات.
وقال جماعة المفسرين: أشباههم وأمثالهم، وأتباعهم ونظراءهم وضرباءهم.
وعلى هذا القول يحمل الذين ظلموا على القادة والرؤساء وأزواجهم أتباعهم.
﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٢٢﴾ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات: ٢٢-٢٣] يعني: الأوثان والطواغيت، وقال مقاتل: يعني إبليس وجنده.
واحتج بقوله: ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠] .
﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] دلوهم عليها، أي: اذهبوا بهم إلى الجحيم.
[ ٣ / ٥٢٣ ]
قوله: وقفوهم قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط، لأن السؤال عند الصراط، فقيل: وقفوهم ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] قال ابن عباس: عن أعمالهم في الدنيا وأقاويلهم.
وقال مقاتل: سألتهم خزية جهنم ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨]، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]؟ ويجوز أن يكون هذا السؤال ما ذكر بعد، وهو قوله: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] أي أنهم يسئلون توبيخا لهم، فيقال: ما لكم لا تتناصرون؟ لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا؟ وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر.
فقيل لهم ذلك: ما لكم غير متناصرين؟ قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٦] يقال: استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع، والمعنى: هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة لهم.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٢٧﴾ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ﴿٢٨﴾ قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٢٩﴾ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ ﴿٣٠﴾ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ ﴿٣١﴾ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ﴿٣٢﴾ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴿٣٣﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ﴿٣٤﴾ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٣٥﴾ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴿٣٦﴾ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣٧﴾﴾ [الصافات: ٢٧-٣٧] ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الصافات: ٢٧] يعني: الرؤساء والأتباع، يتساءلون توبيخ وتأنيب، يقول الأتباع للرؤساء: لم غررتمونا؟ ويقولون لهم: لم قبلتم منا؟ وهو قوله: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] أي: من قبل الحق والدين والطاعة، فتضلوننا عنها.
قال الزجاج: كنتم تأتوننا من قبل الدين، فتروننا أن الدين الحق ما تضلوننا به.
واليمين عبارة عن الحق، وهذا كقوله إخبارا عن إبليس: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] فمن أتاه الشيطان من جهة اليمين فقد أتاه من قبل الدين، فليس عليه الحق.
وقال بعض أهل المعاني: إن الرؤساء كانوا قد جعلوا لهؤلاء أن ما بدعوتهم إليه هو الحق، فوقفوا بأيمانهم، فمعنى قوله: تأتوننا عن اليمين، أي: من ناحية الأيمان التي كنتم تحلفونها، فتفتنون بها.
والمفسرون على القول الأول.
فقال لهم الرؤساء: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] لم تكونوا على الحق فنضلكم عنه، أي: إنما الكفر من قبلكم.
﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الصافات: ٣٠] من قدرة وقوة فتقهركم ونكرهكم على متابعتنا، ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ضالين.
﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا﴾ [الصافات: ٣١] فوجب علينا جميعا، ﴿قَوْلُ رَبِّنَا﴾ [الصافات: ٣١] يعني كلمة العذاب، وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨] الآية، ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] العذاب الأليم، قال الزجاج: أي إن المضل والضال في النار.
﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ [الصافات: ٣٢] أضللناكم عن الهدى، ودعوناكم إلى ما كنا عليه، وهو قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] .
يقول الله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] الرؤساء والذين أطاعوهم.
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات: ٣٤] قال ابن عباس: الذين جعلوا لله شركاء.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] يتكبرون عن الهدى وتوحيد
[ ٣ / ٥٢٤ ]
الله.
﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا﴾ [الصافات: ٣٦] أنترك عبادتها، لشاعر مجنون يعنون النبي ﷺ.
فرد الله عليهم بقوله: بل أي: ليس الأمر ما على ما قالوه، جاء محمد، بالحق بالقرآن والتوحيد، وصدق المرسلين الذين كانوا قبله، أي: إنما أتى بما أتى به من قبله من الرسل.
﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ ﴿٣٨﴾ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٣٩﴾ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿٤٠﴾ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ﴿٤١﴾ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ﴿٤٢﴾ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿٤٣﴾ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴿٤٤﴾ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ﴿٤٥﴾ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ﴿٤٦﴾ لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ﴿٤٧﴾ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ ﴿٤٨﴾ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴿٤٩﴾﴾ [الصافات: ٣٨-٤٩] ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ ﴿٣٨﴾ وَمَا تُجْزَوْنَ﴾ [الصافات: ٣٨-٣٩] في الآخرة، ﴿إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩] في الدنيا من الشرك.
ثم استثنى المؤمنين، فقال: ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] يعني الموحدين.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] على مقدار غدوة وعشية، قال قتادة: الرزق المعلوم الجنة.
وقال غيره: هو ما ذكره في قوله: فواكه وهي جمع الفاكهة، وهي الثمار كلها، رطبها ويابسها، وهم مكرمون بثواب الله.
على سرر جمع سرير، متقابلين لا يرى بعضهم قفا بعض.
﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ﴾ [الصافات: ٤٥] وهي الإناء بما فيه، من معين من خمر ظاهر تراه العيون في الأنهار.
بيضاء قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن.
لذة لذيذة، يقال: شراب لذ ولذيذ.
للشاربين الذين يشربونها.
﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] لا تغتال عقولهم فتذهب بها، ولا يصيبهم منها وجع في البطن ولا في الرأس، ويقال للوجع غول لأنه يؤدي إلى الهلاك.
﴿وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] لا يسكرون، يقال: نزف الرجل فهو منزوف ونزيف إذا سكر، ومن كسر الزاي، فقال الزجاج: له معنيان، يقال: أنزف الرجل إذا فنيت خمره، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر، فتحمل هذه القراءة على معنى لا ينفد شرابهم لزيادة الفائدة.
﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الصافات: ٤٨] أي: نساء قصرن طرفهن على أزواجهن فلا تردن غيرهم، والقصر معناه الحبس، عين حسان الأعين.
﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] مصون مستور، قال الحسن، وابن زيد: شبهن ببيض النعام، تكنها بالريش من الريح والغبار، فلونها أبيض في صفرة، وهذا أحسن ألوان النساء، وهو أن تكون المرأة بيضاء مشربة بصفرة.
قال المبرد: والعرب تشبه المرأة الناعمة في بياضها وحسن لونها ببيضة النعامة.
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٥٠﴾ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ﴿٥١﴾ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ﴿٥٢﴾ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ﴿٥٣﴾ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ﴿٥٤﴾ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴿٥٥﴾ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ﴿٥٦﴾ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴿٥٧﴾ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴿٥٨﴾ إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى
[ ٣ / ٥٢٥ ]
وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿٥٩﴾ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٦٠﴾ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴿٦١﴾﴾ [الصافات: ٥٠-٦١] ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الصافات: ٥٠] يعني: أهل الجنة، يتساءلون يسأل هذا ذاك، وذاك هذا عن أحوالهم كانت في الدنيا، يدل على هذا ما ذكر الله عن بعضهم، أنه أخبر عن حال قرينه معه كيف كانت في الدنيا، وهو قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ [الصافات: ٥١] يعني: من أهل الجنة، ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] يعني: أخا له في الدنيا، كان ينكر البعث، وهو قوله: يقول أي: يقول لي: ﴿أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢] بالبعث، ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] مجزيون ومحاسبون؟ وهذا استفهام إنكار، ثم قال المؤمن لإخوانه في الجنة: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] إلى الناس لننظر كيف منزلة أخي، فقال أهل الجنة: إنك أعرف به منا، فاطلع أنت، فطلع فرأى أخاه ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] في وسطها، قال الزجاج: وسواء كل شيء وسطه.
وقال له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] قال مقاتل: والله لقد كدت أن تغويني فأنزل منزلتك.
والإرداء الإهلاك، ومن أغوى إنسانا فقد أهلكه.
﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات: ٥٧] لولا إنعامه علي بالإسلام، ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] معك في النار.
قال الكلبي: ثم يؤتى بالموت فيذبح، فإذا أمن أهل الجنة الموت فرحوا وقالوا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴿٥٨﴾ إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى﴾ [الصافات: ٥٨-٥٩] التي كانت في الدنيا، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] فقيل لهم: لا.
فعند ذلك قالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] قال الله تعالى: لمثل هذا النعيم، يعني ما ذكره من قوله: ﴿لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] إلى قوله: بيض مكنون، فليعمل العاملون وهذا ترغيب في طلب ثواب الله بطاعته.
﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ﴿٦٢﴾ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ﴿٦٣﴾ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ﴿٦٤﴾ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴿٦٥﴾ فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴿٦٦﴾ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ﴿٦٧﴾ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ ﴿٦٨﴾ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ﴿٦٩﴾ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴿٧٠﴾﴾ [الصافات: ٦٢-٧٠] قوله: أذلك الذي ذكره، خير نزلا قال الزجاج: أذلك خير في باب الأنزال التي يتقوت بها، أم نزل أهل النار؟ وهو قوله: ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] وهو ما يكره تناوله، والذي أراد الله هو شيء مر كريه يكره تناوله، وأهل النار يكرهون على تناوله، فهم يتزقمونه على أشد كراهة.
قال قتادة: لما ذكر الله هذه الشجرة بها الظلمة، فقالوا: كيف تكون في النار شجرة والنار تأكلها؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] .
قال الزجاج: خبره لهم افتتنوا بها وكذبوا بكونها.
﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] قال الحسن: أصلها في قعر جهنم، وأعضاؤها ترفع إلى دركاتها.
طلعها ثمرها، ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] لقبحه، والشياطين موصوفة بالقبح وإن كانت لا ترى، والشيء إذا استقبح شبه بها، فيقال: كأنه شيطان.
﴿فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا﴾ [الصافات: ٦٦] أي ثمرها، ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلئ بطونهم.
﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا﴾ [الصافات: ٦٧] لخلطا ومزاجا، من حميم يعني أنهم إذا أكلوا الزقوم شربوا عليها الحميم، وهو الماء الحار، فيشوب الحميم في بطونهم الزقوم، فيصير شوبا.
﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ [الصافات: ٦٨] بعد شرب الحميم وأكل الزقوم، لإلى الجحيم وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه وهو خارج من الجحيم،
[ ٣ / ٥٢٦ ]
كما تورد الإبل الماء، ثم يردون إلى الجحيم، ويدل على صحة ما ذكرنا قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] .
إنهم ألفوا وجدوا، آباءهم ضالين عن الهدى.
﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] يسعون في مثل أعمال آبائهم، قال الكلبي: يعملون مثل عملهم.
وقال ابن عباس، وقتادة: يسرعون.
قال الزجاج: يتبعون آباءهم اتباعا في سرعة كأنهم يزعجون إلى أتباع آبائهم.
يقال: هرع الرجل وأهرع إذا استحث فأسرع.
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ ﴿٧١﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ﴿٧٢﴾ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ ﴿٧٣﴾ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿٧٤﴾﴾ [الصافات: ٧١-٧٤] ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾ [الصافات: ٧١] قبل هؤلاء المشركين، أكثر الأولين من الأمم الخالية.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾ [الصافات: ٧٢] رسلا، منذرين ينذرونهم العذاب على ترك الإيمان.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات: ٧٣] الذين أنذروا بالعذاب.
قال مقاتل: يقول: كأن عاقبتهم العذاب يحذر كفار مكة.
ثم استثنى المؤمنين منهم، فقال: ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٧٤] يعني: الموحدين الذين نجوا من العذاب.
﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴿٧٥﴾ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿٧٦﴾ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴿٧٧﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ﴿٧٨﴾ سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ﴿٧٩﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٨٠﴾ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿٨١﴾ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ ﴿٨٢﴾﴾ [الصافات: ٧٥-٨٢] قوله: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ [الصافات: ٧٥] دعا ربه على قومه فقال: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] .
﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] نحن، يعني: أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه الكافرين.
﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ﴾ [الصافات: ٧٦] الغم، العظيم الذي لحق قومه، وهو الغرق.
﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] وذلك أنه لم يبق من نسل من كان معه في السفينة إلا من ولد نوح، يدل على هذا ما:
٧٨٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزَّيْنِيُّ، نا بُنْدَارٌ، نا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ، نا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قَالَ: سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثُ، فَسَّرَ الذُّرِّيَّةَ الْبَاقِيَةَ بِهَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، فَسَامٌ أَبُو الْعَرَبِ، وَحَامٌ أَبُو الْحَبَشِ، وَيَافِثُ أَبُو الرُّومِ
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] في الذين يجيئون بعده إلى يوم القيامة، قال ابن عباس، ومقاتل: تركنا عليه ثناءا حسنا.
وهو قوله: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] يعني بالسلام الثناء الحسن، قال الزجاج: تركنا عليه الذكر الجميل إلى يوم القيامة.
وذلك الذكر قوله: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩] أي: تركنا عليه في الآخرين أن يصلى عليه إلى يوم القيامة، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في العالمين.
[ ٣ / ٥٢٧ ]
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ﴿٨٣﴾ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿٨٤﴾ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴿٨٥﴾ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ﴿٨٦﴾ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٨٧﴾﴾ [الصافات: ٨٣-٨٧] قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾ [الصافات: ٨٣] أي: من أهل ملة نوح وعلى دينه، ﴿لإِبْرَاهِيمَ ﴿٨٣﴾ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ [الصافات: ٨٣-٨٤] يعني: صدق الله وآمن به، بقلب سليم خالص من الشرك، يعني أنه سلم قلبه من الشرك فلم يشرك بالله.
﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] هذا استفهام توبيخ، كأنه وبخهم على عبادة غير الله.
فقال: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] أي: أتأفكون إفكا، وهو أسوأ الكذب، وتعبدون آلهة سوى الله.
﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧] ما ظنكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره، كأنه قال: ما ظنكم أنه يصنع بكم.
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ﴿٨٨﴾ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴿٨٩﴾ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴿٩٠﴾ فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ ﴿٩١﴾ مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ﴿٩٢﴾ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ﴿٩٣﴾ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴿٩٤﴾ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴿٩٥﴾ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴿٩٦﴾ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ﴿٩٧﴾ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ ﴿٩٨﴾﴾ [الصافات: ٨٨-٩٨] قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨] قال المفسرون: كانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغد يوم يخرجون إليه، فأراد أن يتخلف عنهم فاعتل بالسقم، ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وذلك أنهم كلفوه أن يخرج معهم إلى عيدهم، فنظر في النجوم، يريد أنه مستدل بها على حاله، فلما نظر إليها، ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] أي سأسقم.
قال مقاتل: إني وجع غدا، واعتل بذلك ليخلفوه.
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠] تركوه وذهبوا إلى عيدهم.
﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات: ٩١] مال إليها ميلة في خفية سرا، ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] يعني: الطعام الذي كان بين أيديهم، أتوهم بطعامهم لتبارك فيه آلهتهم كما زعموا، وإنما يقول هذا إبراهيم استهزاء بها، وكذلك قوله: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] .
ثم أقبل عليهم ضربا كما قال الله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] مال عليهم بالضرب، قال المفسرون: يعني بيده اليمنى، يضربهم بها.
وقال السدي: بالقوة والقدرة.
فأقبلوا إليه من عيدهم، يزفون يسرعون من زفيف النعامة، وهو أول عدوها، يقال: جاء يزف زفيف النعامة، أي يسرع.
وقرأ حمزة بضم الياء، أي: يحملون دوابهم وظهورهم على الجدد للإسراع في المشي، وذلك أنهم أخبروا بصنيع إبراهيم بآلهتهم، فأسرعوا إليه ليأخذوه، فلما انتهوا إليه، قال لهم إبراهيم محتجا عليهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] بأيديكم من الأصنام، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] بأيديكم، يعني ما تنحتون، أي: فاعبدوا الله الذي خلقكم وخلق ما تعملون بأيديكم من الأصنام التي تعملونها من الخشب والحديد.
فلما لزمتهم الحجة ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾ [الصافات: ٩٧] قال ابن عباس: بنوا حائطا من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، وملئوه نارا وطرحوه فيها.
وذلك قوله: ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] وهي النار العظيمة.
قال الزجاج: كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم.
﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ [الصافات: ٩٨] شرا، وهو أن يحرقوه بالنار، فجعلناهم الأسفلين لأن إبراهيم علاهم بالحجة حين سلمه الله ورد كيدهم عنه، ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى أهلكهم الله.
[ ٣ / ٥٢٨ ]
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴿٩٩﴾ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٠٠﴾ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ﴿١٠١﴾ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴿١٠٢﴾ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴿١٠٣﴾ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿١٠٤﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٠٥﴾ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ﴿١٠٦﴾ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴿١٠٧﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ﴿١٠٨﴾ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴿١٠٩﴾ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١١٠﴾ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿١١١﴾ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١١٢﴾ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴿١١٣﴾﴾ [الصافات: ٩٩-١١٣] وقال إبراهيم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] قال ابن عباس: مهاجر إلى ربي.
والمعنى: أهجر ديار الكفر وأذهب إلى حيث أمرني الله، كما قال إخبارا عنه أيضا: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]، سيهدين إلى حيث أمرني بالمصير إليه، وهو الشام، قال مقاتل: فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] أي: ولدا صالحا من الصالحين، فاستجاب الله له بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] قال الزجاج: وهذه البشارة تدل على أنه مبشر بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن، ويوصف بالحلم.
قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] قال قتادة: لما مشى معه.
وقال مجاهد، عن ابن عباس: لما شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم.
والمعنى: بلغ أن يتصرف معه ويعينه، قالوا: وكان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة.
وقال الكلبي: يعني العمل لله.
وهو قول الحسن، ومقاتل، وابن زيد، قالوا: هو العبادة والعمل الذي تقوم به الحجة، وهو ما بعد البلوغ.
وقوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متتابعات.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي.
وقال قتادة: رؤيا الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه.
واختلفوا في الذبيح، من هو؟ فالأكثرون على أنه إسحاق، وهو قول علي، وابن مسعود، وكعب، ومقاتل، وعكرمة، والسدي.
٧٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نا شَيْبَانُ، نا مُبَارَكٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ: الَّذِي أُمِرَ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِهِ هُوَ إِسْحَاقُ، ﵉، وَهَؤُلاءِ قَالُوا: كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ بِالشَّامِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ الْحِيرِيَّ الزَّاهِدَ، سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مِقْسَمٍ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الزَّجَّاجَ، يَقُولُ: اللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّهُمَا الذَّبِيحُ، وَسِيَاقُ هَذِهِ الآيَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِسْحَاقُ؛ لأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ وَلا خِلافَ أَنَّ هَذَا إِسْحَاقُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ فَعَطَفَ بِقَضِيَّةِ الذَّبْحِ عَلَى ذِكْرِ إِسْحَاقَ
وقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] أي: من الرأي فيما ألقيت إليك، وما الذي تذهب إليه، هل تستسلم له وتنقاد؟ أو تأتي غير ذلك؟ وقرأ حمزة ترى بضم التاء وكسر الراء، ومعناه: ما تشير.
قال الفراء: ماذا تريني من
[ ٣ / ٥٢٩ ]
صبرك أو جزعك.
﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] قال ابن عباس: ما أوحي إليك من ذبحي.
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] على بلائه.
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: استسلما لأمر الله وأطاعا، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] صرعه على أحد جبينيه، قال ابن عباس: أضجعه على جبينه على الأرض، وللوجه جبينان والجبهة بينهما.
قال السدي: ضرب الله على عنقه صحيفة نحاس فجعل إبراهيم ينحر ولا يقطع.
ونودي من الجبل: يا إبراهيم، فهو قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿١٠٤﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤-١٠٥] لأن الله قد عرف منهما الصدق، حيث قصد إبراهيم الذبح بما أمكنه، وطاوع الابن بالتمكين من الذبح، ففعل كل واحد منهما ما أمكنه وإن لم يتحقق الذبح، وكان قد رأى في النوم معالجة الذبح ولم ير إراقة الدم، ففعل في اليقظة ما رأى في النوم، لذلك قيل له: قد صدقت الرؤيا، وتم الكلام، ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٥] هذا ابتداء إخبار من الله تعالى وليس يتصل بما قبله من الكلام الذي يؤدي به إبراهيم، والمعنى: إنا كما ذكرنا من العفو عن ذبح ولده نجزي من أحسن في طاعتنا.
قال مقاتل: جزاه الله تعالى بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] الاختبار الظاهر، حيث اختبر بذبح بكره ووحيده، وقال مقاتل: البلاء ههنا النعمة، وهو أن فدى ابنه بالكبش.
وهو قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] بكبش، عظيم.
٧٨٧ - أَخْبَرَنَا الْمُؤَمَّلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارِ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَاقِدِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنِ ابْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ مَوْلًى لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَأَلْتُ خَوَّاتَ بْنَ جُبَيْرٍ: ذَبِيحُ اللَّهِ أَيُّهُمَا كَانَ؟ فَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ، لَمَّا بَلَغَ إِسْمَاعِيلُ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ رَأَى إِبْرَاهِيمُ فِي النَّوْمِ فِي مَنْزِلِهِ بِالشَّامِ أَنَّهُ يَذْبَحُ إِسْمَاعِيلَ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ الْبُرَاقَ حَتَّى جَاءَهُ، فَوَجَدَهُ عِنْدَ أُمِّهِ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَمَضَى بِهِ إِلَى حَيْثُ أُمِرَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَنْحَرِ الْبُدْنِ الْيَوْمَ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَذْبَحَكَ.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَأَطِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ فِي طَاعَةِ رَبِّكَ كُلَّ خَيْرٍ.
ثُمَّ قَالَ إِسْمَاعِيلُ: هَلْ عَلِمَتْ أُمِّي بِذَلِكَ؟ قَالَ: لا.
قَالَ: أَصَبْتَ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَحْزَنَ، وَلَكِنْ إِذَا قَرَّبْتَ السِّكِّينَ مِنْ حَلْقِي فَأَعْرِضْ عَنِّي، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ تَصْبِرَ وَلا تَرَانِي.
فَفَعَلَ إِبْرَاهِيمُ، فَجَعَلَ يَحُزُّ فِي حَلْقِهِ فَإِذَا هُوَ يَحُزُّ فِي نُحَاسٍ مَا تَحِيكُ فِيهِ الشَّفْرَةُ، فَشَحَذَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا بِالْحَجَرِ، كُلُّ ذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ هَذَا الأَمْرَ مِنَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا هُوَ بِوَعْلٍ وَاقِفٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: قُمْ يَا بُنَيَّ فَقَدْ نَزَلَ فِدَاؤُكَ، فَذَبَحَهُ هُنَاكَ.
ومعنى الآية: جعلنا الذبح فداء له وخلصناه به من الذبح.
والذبح: ما ذبح، قال أكثر المفسرون: أنزل عليه كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا.
وقال الحسن: ما فدي إلا بتيس من الأروى، قد أهبط عليه من ثبير، فذبحه
[ ٣ / ٥٣٠ ]
إبراهيم فداء عن ابنه.
وما بعد هذا معنى ظاهر إلى قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] من جعل الذبيح إسماعيل قال: بشر الله إبراهيم بولد نبي بعد هذه القصة جزاءا لطاعته، ومن جعل الذبيح إسحاق قال: بشر إبراهيم بنبوة إسحاق، وأثيب إسحاق بصبره بالنبوة، وهذا قول عكرمة عن ابن عباس.
وقوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] يعني كثرة ولدهما وذريتهما، وهم الأسباط كلهم، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] أي: مؤمن محسن بإيمانه، وكافر ظلم نفسه بكفره.
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ﴿١١٤﴾ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿١١٥﴾ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ﴿١١٦﴾ وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ ﴿١١٧﴾ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿١١٨﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ ﴿١١٩﴾ سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ﴿١٢٠﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٢١﴾ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٢٢﴾﴾ [الصافات: ١١٤-١٢٢] ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات: ١١٤] أنعمنا عليهما بالنبوة ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] الذي كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم وما كان يصيبهم من جهته من البلاء.
﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٢٣﴾ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ ﴿١٢٤﴾ أَتَدْعُونَ بَعْلا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ﴿١٢٥﴾ وَاللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ ﴿١٢٦﴾ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴿١٢٧﴾ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿١٢٨﴾ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ﴿١٢٩﴾ سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ﴿١٣٠﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣١﴾ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٣٢﴾﴾ [الصافات: ١٢٣-١٣٢] قوله: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣] إلياس نبي من أنبياء بني إسرائيل، وقصته مشهورة مع قومه، وقرأ ابن عامر وإن الياس بغير همز، جعل الهمزة التي تصحب اللام للتعريف، كقوله: واليسع والوجه قراءة العامة، لأن الهمزة تابعة في هذا الاسم وليست للتعريف، يقوي ذلك قوله: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] فهذا يدل على أن الهمزة ثابتة في إلياس.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٤] ألا تخافون الله فتعبدونه وتوحدونه.
﴿أَتَدْعُونَ بَعْلا﴾ [الصافات: ١٢٥] قال عطاء: يعني صنما كان لهم يعبدونه، وكان من ذهب.
والمفسرون يقولون: ربا.
وهو بلغة اليمن، يقولون للسيد والرب: البعل.
وتذرون عبادة، أحسن الخالقين.
﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦] .
قرئ بالرفع على الاستئناف لتمام الكلام الأول، والمعنى: إنه خالقكم وخالق من كان قبلكم ورازقكم، فهو الذي تحق له العبادة.
وقرئ بالنصب على صفة أحسن الخالقين.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] النار، ﴿إِلا عِبَادَ اللَّهِ
[ ٣ / ٥٣١ ]
الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٨] الذين لم يكذبوه، فإنهم لا يحضرون النار.
قوله: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] قال ابن عباس: يريد إلياس ومن آمن معه، قال الفراء: يذهب بالياسين إلى أن يجعله جمعا فيجعل أصحابه داخلين في اسمه، كما تقول في القوم رئيسهم المهلب، قال: قد جاءكم المهالبة، فتكون بمنزلة الأشعرين، والأعجمين بالتخفيف.
قال أبو علي الفارسي: تقديره الياسين إلا أن اليائين للنسبة حذفتا كما حذفا في الأشعرين والأعجمين.
وقرأ نافع على آل ياسين وحجته إنها في المصحف مفصولة من ياسين، وذلك دليل على أنه آل، وهذه القراءة بعيدة، قال الفراء، وأبو عبيدة: الوجه قراءة العامة، لأنه لم يقل في شيء من ال ﴿[على آل فلان، وآل فلان، إنما جاء بالاسم، كذلك إلياسين لأنه إنما هو بمعنى إلياس، أو بمعنى إلياس وأتباعه.
وذكر الكلبي في تفسيره: سلام على آل ياسين يقول: سلام على آل محمد، وهذا بعيد، لأن ما قبله من الكلام وما بعده لا يدل عليه.
] وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٣٣﴾ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ﴿١٣٤﴾ إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ﴿١٣٥﴾ ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ ﴿١٣٦﴾ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ﴿١٣٧﴾ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴿١٣٨﴾﴾ [سورة الصافات: ١٣٣-١٣٨] ثم ذكر لوطا، فقال: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٣٣﴾ إِذْ نَجَّيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٣٣-١٣٤] إذ لا يتعلق بما قبله لأنه لم يرسل إذ نجي، ولكنه يتعلق بمحذوف، كأنه قيل: واذكر يا محمد إذ نجيناه.
وما بعد هذا مفسر فيما تقدم إلى قوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] أي: تمرون في ذهابكم ومجيئكم إلى الشام على قراهم ومنازلهم وآثارهم، مصبحين أي: نهارا، وبالليل وعشيا، أفلا تعقلون فتعتبرون بهم.
﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٣٩﴾ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿١٤٠﴾ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ﴿١٤١﴾ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴿١٤٢﴾ فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ﴿١٤٣﴾ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٤٤﴾ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴿١٤٥﴾ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ﴿١٤٦﴾ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴿١٤٧﴾ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴿١٤٨﴾﴾ [الصافات: ١٣٩-١٤٨] ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٣٩﴾ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿١٤٠﴾﴾ [الصافات: ١٣٩-١٤٠] قال المفسرون: كان يونس ﵇ قد وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمنشور عنهم، فقصد البحر وركب السفينة، وكان بذهابه إلى الفلك كالفار من مولاه، فوصف بالإباق، فساهم فقارع، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] المغلوبين والمقروعين، وذلك أن السفينة
[ ٣ / ٥٣٢ ]
احتبست فوقفت، فقال الملاحون: ههنا عبد آبق من سيده، وهذا رسم السفينة، إذا كان فيها عبد آبق لا تجري، فأقرعوا فوقعت القرعة على يونس.
فقال: أنا الآبق، وزج نفسه في الماء.
قال سعيد بن جبير: لما استهموا جاء حوت إلى السفينة فاغرا فاه ينتظر أمر ربه، حتى إذا ألقى نفسه في الماء أخذه الحوت.
فذلك قوله: فالتقمه الحوت يقال: لقمت اللقمة والتقمتها إذا ابتلعتها، وهو مليم مستحق اللوم، لأنه أتى ما يلام عليه حين خرج إلى السفينة قبل أن يأمره الله، فاستحق بذلك اللوم والتأديب.
﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ﴾ [الصافات: ١٤٣] قبل أن التقمه الحوت، من المسبحين المصلين، وكان كثير الصلاة والذكر.
﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] لصار له بطن الحوت قبرا إلى يوم القيامة.
قال سعيد بن حبير: شكر الله قد يمسه.
وقال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، فإن يونس كان عبدا صالحا ذاكرا لله، فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] الآيتين، وإن فرعون كان عبدا طاغيا ناسيا ذكر الله فلما، أدركه الغرق قال: آمنت بالذي ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] قال الله تعالى: ﴿ءَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: ٩١] قال ابن جريج والسدي: لبث يونس ﵇ في بطن الحوت أربعين يوما.
وقال الضحاك: عشرين يوما.
وقال عطاء: سبعة أيام.
وقال مقاتل: ثلاثة أيام.
وقال الشعبي: التقمه الحوت ضحى، ولفظه عشية.
فذلك قوله: فنبذناه بالعراء يعني: المكان الخالي من الشجر والبناء، قال مقاتل: بالبراز.
وقال الكلبي: يعني وجه الأرض.
وهو سقيم: قد بلي لحمه مثل الصبي المولود.
قال ابن مسعود: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش.
﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] كل شجرة لا تقوم على ساق إنما تمتد على وجه الأرض فهو يقطين، مثل الدباء والحنظل والبطيخ قال مقاتل: يعني القرع، وهو قول الجميع، قالوا: كان يستظل بظلها من الشمس، وقيض الله له أروية من الوحش تروح عليه بكرة وعشيا، فكان يشرب من لبنها حتى اشتد لحمه ونبت شعره، ثم أرسله الله بعد ذلك.
وهو قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ﴾ [الصافات: ١٤٧] قال قتادة: أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل قبل أن يصيبه ما أصابه.
وقوله: أو يزيدون أو بمعنى الواو، كقوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦] المعنى: ويزيدون على مائة ألف، قال الفراء: أو ههنا بمعنى بل، وهو قول مقاتل، والكلبي.
وقال الزجاج: أو ههنا على أصله، ومعناه أو يزيدون في تقديركم إذا رآهم الرائي قال هؤلاء مائة ألف أو يزيدون، فالشك إنما دخل في حكاية قول المخلوقين.
قال مقاتل، والكلبي: كانوا يزيدون على عشرين ألفا.
وقال الحسن: بضعة وثلاثين ألفا.
وقال سعيد بن جبير: سبعين ألفا.
فآمنوا يعني الذين أرسل إليهم يونس، فمتعناهم في الدنيا، إلى حين إلى منتهى آجالهم.
[ ٣ / ٥٣٣ ]
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ﴿١٤٩﴾ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ﴿١٥٠﴾ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ﴿١٥١﴾ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١٥٢﴾ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ﴿١٥٣﴾ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿١٥٤﴾ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٥﴾ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ﴿١٥٦﴾ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٥٧﴾ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴿١٥٨﴾ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٥٩﴾ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿١٦٠﴾﴾ [الصافات: ١٤٩-١٦٠] قوله: فاستفتهم قال ابن عباس: فسل أهل مكة سؤال توبيخ.
﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] وذلك أن قريشا وقبائل من العرب قالوا: الملائكة بنات الله، وهذا كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى ﴿٢١﴾ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ﴿٢٢﴾﴾ [النجم: ٢١-٢٢] .
﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا﴾ [الصافات: ١٥٠] معناه: بل أخلقنا الملائكة إناثا؟ وهم شاهدون حاضرون خلقنا إياهم، أي: كيف جعلوهم إناثا ولم يشهدوا خلقهم.
ثم أخبر عن كذبهم، فقال: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ﴿١٥١﴾ وَلَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥١-١٥٢] حين زعموا أن الملائكة بنات الله، وإنهم لكاذبون في قولهم.
﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] قراءة العامة بفتح الهمزة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ، وقرأ نافع بغير استفهام على وجه الخبر كأنه قال: أصطفى البنات في زعمكم وفيما تقولون.
وقال الفراء: أراد الاستفهام وحذف حرف الاستفهام كقوله: أذهبتم طيباتكم.
ثم وبخهم، فقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] لله بالبنات ولأنفسكم بالبنين؟ أفلا تذكرون أفلا تتعظون فتنتهون عن هذا القول.
﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٥٦] حجة بينة على ما تقولون.
﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات: ١٥٧] الذي فيه الحجة، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥٧] في قولكم.
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] قال قتادة: قالوا صاهر الجن والملائكة من الجن.
وقال الكلبي: قالوا لعنهم الله: تزوج من الجن فخرج منها الملائكة.
وقال مجاهد: لما قالت قريش الملائكة بنات الله، قال لهم أبو بكر الصديق ﵁: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات الجن.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] أي: علموا أن هؤلاء الكفار الذين قالوا هذا القول يحضرون في النار ويعذبون على ما قالوا.
ثم نزه نفسه عما قالوا من الكذب، فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٥٩﴾ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿١٦٠﴾﴾ [الصافات: ١٥٩-١٦٠] يعني: الموحدين الذين استخلصهم الله لتوحيده وعبادته، وهذا استثناء من المحضرين، يقول: علموا أنهم محضرون النار إلا من أخلص العبادة له ووحده.
ثم خاطب كفار مكة بقوله: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴿١٦١﴾ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ﴿١٦٢﴾ إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ﴿١٦٣﴾ وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ﴿١٦٤﴾ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ﴿١٦٥﴾ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ﴿١٦٦﴾ وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ ﴿١٦٧﴾ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ ﴿١٦٨﴾ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿١٦٩﴾ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿١٧٠﴾﴾ [الصافات: ١٦١-١٧٠] ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] قال ابن عباس: فإنكم وآلهتكم التي تعبدون من دون الله.
﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الصافات: ١٦٢] على ما تعبدون، بفاتنين بمضلين، يقال: فتنت الرجل وافتتنته.
ويقال: فتنته على الشيء وبالشيء.
كما يقال: أضله على الشيء وأضله به.
وقال مقاتل: يقول ما أنتم بمضلين أحدا بآلهتكم إلا من قدر الله له أن
[ ٣ / ٥٣٤ ]
يصلى الجحيم.
وهو قوله: ﴿إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] يعني أن قضاءه سبق في قوم بالشقاوة وأنهم يصلون النار، فهم الذين يضلون في الدنيا ويعبدون الأصنام.
ثم قال جبريل للنبي ﷺ: وما منا يا معاشر الملائكة، ﴿إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] في السموات يعبد الله فيه، قال الزجاج: هذا قول الملائكة وفيه مضمر.
المعنى: وما منا ملك إلا له مقام معلوم.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] قال قتادة: هم الملائكة صفوا أقدامهم.
وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] المصلون لله المنزهون الله عن السوء، يخبر جبريل النبي ﵉ أنهم يعبدون الله بالصلاة والتسبيح وأنهم ليسوا بمعبودين ولا بنات الله كما زعمت الكفار.
ثم عاد الكلام إلى الإخبار عن المشركين، فقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ ﴿١٦٧﴾ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ ﴿١٦٨﴾﴾ [الصافات: ١٦٧-١٦٨] أي: كتابا من كتب الأولين، وذلك أنهم قالوا: لو جاءنا ذكر كما جاء غيرنا من الأولين.
﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩] وهذا كقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] .
قال تعالى: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ [الصافات: ١٧٠] المعنى: نجاهم ما طلبوا به، فسوف يعلمون عاقبة كفرهم، وهذا تهديد لهم.
ثم ذكر العاقبة للأنبياء بالنصر وإن كذبهم قومهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿١٧١﴾ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ﴿١٧٢﴾ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴿١٧٣﴾ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ﴿١٧٤﴾ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴿١٧٥﴾ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴿١٧٦﴾ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ ﴿١٧٧﴾ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ﴿١٧٨﴾ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴿١٧٩﴾﴾ [الصافات: ١٧١-١٧٩] ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] أي: تقدم الوعد بأن الله ينصرهم بالحجة والظفر بعدوهم، قال مقاتل: عنى بالكلمة قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] فهذه الكلمة التي سبقت.
﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] حزب الله لهم الغلبة بالحجة والنصرة في العاقبة، لأنهم ينجون من عذاب الدنيا والآخرة.
فتول عنهم أعرض عنهم، حتى حين قال مجاهد، والسدي: حتى نأمرك بالقتال.
وأبصرهم إذا نزل بهم العذاب، فسوف يبصرون ذلك.
فقالوا متى هذا العذاب، فأنزل ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴿١٧٦﴾ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ [الصافات: ١٧٦-١٧٧] قال مقاتل: بحضرتهم.
وقال الفراء: العرب تكتفي بالساحة، والعقوة من القوم يقولون: نزل بك العذاب وبساحتك.
والساحة: متسع الدار.
﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧] بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب، وذلك أنهم يصبحون في العذاب معذبين.
ثم كرر ما سبق تأكيدا لوعد العذاب، فقال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ﴿١٧٨﴾ وَأَبْصِرْ﴾ [الصافات: ١٧٨-١٧٩] العذاب إذا نزل بهم، فسوف يبصرون تهديد لهم.
ثم نزه نفسه عن بهتهم ووصفهم بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٨٠﴾ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴿١٨١﴾ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٨٢﴾﴾ [الصافات: ١٨٠-١٨٢] ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠] العزة: الغلبة والقوة، عما يصفون من اتخاذ البنات والنساء.
﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] الذين بلغوا عن الله التوحيد والشرائع.
﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] على هلاك المشركين ونصرة الأنبياء والأولياء.
٧٨٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، نا هُشَيْمٌ، عَنْ
[ ٣ / ٥٣٥ ]
هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، غَيْرَ مَرَّةٍ وَلأَمْرٍ تَبَيَّنَ يَقُولُ " فِي آخِرِ صَلَوَاتِهِ، أَوْ حِينَ يَنْصَرِفُ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ. . . .﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ "
٧٨٩ - وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، نا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحُلْوَانِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، نا وَكِيعٌ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِي صَفِيَّةَ، عَنِ الأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁، قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الأَوْفَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلْيَكُنْ آخِرُ كَلامِهِ فِي مَجْلِسِهِ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٨٠﴾ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴿١٨١﴾ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٨٢﴾﴾
[ ٣ / ٥٣٦ ]