مكية وآياتها تسع وستون.
٧٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْخَفَّافُ، مُجَاوِرُ الْجَامِعِ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْعَنْكَبُوتِ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، بِعَدَدِ كُلِّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ»
﴿الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿٣﴾ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿٤﴾﴾ [العنكبوت: ١-٤] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾﴾ [العنكبوت: ١-٢] قال الشعبي: أنزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب نبي الله ﷺ أنه لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا، فخرجوا إلى المدينة، فاتبعهم المشركون فآذوهم، فنزلت فيهم هذه الآية.
قال ابن عباس: يريد بالناس الذين آمنوا بمكة: سلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر وغيرهم.
قال الزجاج: المعنى: أحسبوا أن يقنع منهم بأن يقولوا إنا مؤمنون فقط ولا يمتحنون بما يبين به حقيقة إيمانهم.
وهو قوله: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] قال السدي، ومجاهد، وقتادة: لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم بالقتل والتعذيب والضرب.
ثم أخبر عن فتنة من قبل هذه الأمة من المؤمنين، فقال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣] قال ابن عباس: منهم إبراهيم خليل الرحمن، وقوم كانوا معه، ومن بعده
[ ٣ / ٤١٢ ]
نشروا بالمناشير على دين الله فلم يرجعوا عنه.
وقال غيره: يعني بني إسرائيل، ابتلوا بفرعون، فكان يسومهم سوء العذاب.
وقوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت: ٣] في إيمانهم، وليعلمن الكاذبين في إيمانهم، فيشكوا عند البلاء.
ثم أوعد كفار العرب، فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [العنكبوت: ٤] يعني الشرك، قال ابن عباس: يريد الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، والأسود، والعاصي بن هشام وغيرهم.
أن يسبقونا يفوقونا ويعجزونا، ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤] بئس ما حكموا لأنفسهم حين ظنوا ذلك.
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٥﴾ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴿٦﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٧﴾﴾ [العنكبوت: ٥-٧] قوله: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥] من كان يخشى البعث ويخاف الحساب والرجاء، بمعنى الخوف كثير، قال سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله.
واختار الزجاج، فقال: معناه من كان يرجو ثواب لقاء الله.
أي: ثواب المصير إليه، والرجاء على هذا القول معناه الأمل.
﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] أي: الأجل المضروب للبعث يأتي.
قال مقاتل: يعني يوم القيامة لآت.
والمعنى: فليعمل لذلك اليوم، كقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] روى مكحول، أن النبي ﷺ قال لما نزلت هذه الآية: " يا علي، ويا فاطمة، إن الله قد أنزل ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] ".
وإن حقيقة رجاء لقاء الله أن يستعد الإنسان لأجل الله إذا كان آتيا باتباع طاعته واجتناب معصيته، وهو يعلم أن الله يسمع ما يقول، ويعلم ما يعمل، ولذلك قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] .
قوله: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦] قال مقاتل: يقول: من يعمل الخير فإنما يعمل لنفسه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] عن أعمالهم وعبادتهم.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٧] لنبطلنها حتى تصير بمنزلة ما لم يعمل، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٧] أي: بأحسن أعمالهم وهو الطاعة، ولا يجزيهم بمساوئ أعمالهم.
قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ﴿٩﴾﴾ [العنكبوت: ٨-٩] .
﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] أي: برا وعطفا عليهما، قال الزجاج: معناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما
[ ٣ / ٤١٣ ]
يحسن.
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [العنكبوت: ٨] أي: لتشرك بي شريكا لا تعلمه لي، ﴿فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨] .
٧٠٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْفَهَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حِبَّانَ، أنا أَبُو يَعْلَى، نا أَحْمَدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ رَاشِدٍ الضَّبِّيُّ، نا مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ، نا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، قَالَ: كُنْتُ رَجُلا بَرًّا بِأُمِّي، فَلَمَّا أَسْلَمْتُ قَالَتْ: يَا سَعْدُ، مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي قَدْ أَحْدَثْتَ؟ لَتَدَعَنَّ دِينَكَ هَذَا، أَوْ لا آكُلُ وَلا أَشْرَبُ حَتَّى أَمُوتَ فَتُعَيَّرَ بِي، فَيُقَالَ: يَا قَاتِلَ أُمِّهِ، قُلْتُ: لا تَفْعَلِي يَا أُمَّهْ، إِنِّي لا أَدَعُ دِينِي هَذَا لِشَيْءٍ، قَالَ: فَمَكَثَتْ يَوْمًا لا تَأْكُلُ وَلَيْلَةً، فَأَصْبَحَتْ قَدْ جَهِدَتْ، ثُمَّ مَكَثَتْ يَوْمًا آخَرَ وَلَيْلَةً لا تَأْكُلُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ؛ قُلْتُ: تَعْلَمِينَ، وَاللَّهِ يَا أُمَّهْ، لَوْ كَانَتْ لَكَ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا مَا تَرَكْتُ دِينِي هَذَا لِشَيْءٍ فَكُلِي وَإِنْ شِئْتِ فَلا تَأْكُلِي، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ مِنِّي أَكَلَتْ، فَأَنْزَلَ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةَ
﴿وإن جاهداك﴾ ثم أوعد بالمصير إليه، فقال: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨] أي: أخبركم بمآل أعمالكم وسيئها لأجازيكم عليها.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٩] أي: في زمرة الأنبياء والأولياء.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴿١٠﴾ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴿١١﴾﴾ [العنكبوت: ١٠-١١] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] قال مجاهد: نزلت في أناس يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة في أنفسهم وأموالهم افتتنوا، فجعلوا ذلك كعذاب الله في الآخرة.
وهو قوله: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ [العنكبوت: ١٠] ما يصيبهم من عذابهم، كعذاب الله أي: جزع من أذى الناس ولم يصبر عليه، فأطاع الناس كما يطيع الله من خاف من عذابه، وهذا قول السدي، وابن زيد، قالا: هو المنافق إذا أوذي في الله رجع عن الدين فكفر.
قال الزجاج: وينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذى في الله.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: نزلت في المؤمنين الذين أخرجهم المشركون إلى بدر فارتدوا، وهم الذين نزلت فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧] .
﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [العنكبوت: ١٠] يعني: دولة للمؤمنين ونصر لأولياء الله، ليقولن يعني: المنافقين للمؤمنين، ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٠] على عدوكم، فكذبهم الله قال: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠] من الإيمان والنفاق وغير ذلك، أي: لا يخفى عليه كذبهم فيما قالوا: إنا كنا معكم على عدوكم.
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: ١١] قال مقاتل، والكلبي: وليرين الله الذين صدقوا عند البلاء فثبتوا على الإسلام.
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١] بالشك عند البلاء وترك الإيمان.
قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١٢﴾ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿١٣﴾﴾ [العنكبوت: ١٢-١٣] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: ١٢] اتبعوا سبيلنا، قال مجاهد: هذا من قول كفار مكة لمن آمن منهم، قالوا لهم: لا نبعث نحن ولا أنتم، فاتبعونا، فإن كان عليكم شيء فهو علينا.
ونحو هذا قال الكلبي، ومقاتل: إن أبا سفيان قال لمن آمن من قريش: اتبعوا ديننا ملة آبائنا ونحن الكفلاء بكل تبعة من الله تصيبكم.
فذلك قوله: ولنحمل خطاياكم وهو جزم على الأمر، كأنهم أمروا أنفسهم بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ
[ ٣ / ٤١٤ ]
مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢] فيما ضمنوا من حمل خطاياهم.
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] يعني: أوزارهم التي عملوها، ﴿وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] أوزارا مع أوزارهم، لقولهم للمؤمنين اتبعوا سبيلنا، وهذا كقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] ونحو هذا، ما روي أن النبي ﷺ، قال: «أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع، فعليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا» .
﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [العنكبوت: ١٣] سؤال توبيخ وتقريع، ﴿عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣] قال ابن عباس: يقولون على الله الكذب.
وقال مقاتل: يعني قولهم: نحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله.
ثم عزى نبيه بما ابتلي به النبيون من قبله من قومهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴿١٤﴾ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿١٥﴾﴾ [العنكبوت: ١٤-١٥] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٤] أقام فيهم يدعوهم إلى الله، ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]
٧٠٩ - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الصُّوفِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا هُدْبَةُ، أنا حَمَّادُ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: بُعِثَ نُوحٌ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، عَاشَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا يَدْعُوهُمْ، وَعَاشَ بَعْدَ الطُّوفَانِ سِتِّينَ سَنَةً حَتَّى كَثُرَ النَّاسُ وَفَشَوْا
وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ [العنكبوت: ١٤] قال مقاتل: يعني الماء طفا فوق كل شيء فغرقوا.
وهم ظالمون قال ابن عباس: مشركون.
فأنجيناه يعني: نوحا من الغرق، وأصحاب السفينة الذين كانوا معه فيها، ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٥] تركنا السفينة عبرة لمن بعدهم من الناس، إن عصوا رسولهم فعلنا بهم مثل ذلك.
[ ٣ / ٤١٥ ]
﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١٦﴾ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿١٧﴾ وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ﴿١٨﴾﴾ [العنكبوت: ١٦-١٨] وإبراهيم عطفا على نوح، والمعنى: وأرسلنا إبراهيم، ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٦] أطيعوا الله وخافوه، ذلكم يعني: عبادة الله، خير لكم من عبادة الأوثان، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦] ولكنكم لا تعلمون.
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت: ١٧] قال ابن عباس: يريد الأصنام التي تتخذ من الحجارة والخشب.
وتخلقون إفكا قال السدي: تقولون كذبا.
يعني زعمهم أنها آلهة، ثم ذكر عجز الآلهة عن رزق عابديها، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ [العنكبوت: ١٧] لا يقدرون أن يرزقوكم، ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧] فاطلبوا الرزق مني، فأنا القادر على ذلك، وما بعدها هذا ظاهر إلى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴿١٩﴾ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٠﴾ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ﴿٢١﴾ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴿٢٢﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٣﴾﴾ [العنكبوت: ١٩-٢٣] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ [العنكبوت: ١٩] يعني: كفار مكة، ومن قرأ بالتاء فهو خطاب لهم، ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ١٩] كيف يخلقهم الله ابتداء من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة إلى تمام الخلق، ثم يعيده في الآخرة عند البعث، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩] قال ابن عباس: يريد الخلق الأول والخلق الآخر.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] أي: ابحثوا وانظروا، هل تجدون خالقا غير الله، فإذا علموا أنه لا خالق ابتداء إلا الله لزمتهم الحجة في الإعادة، وهو قوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] أي: ثم الله الذي خلقها وبدأ خلقها ينشئها نشأة ثانية، وقرأ أبو عمرو بالمد، قال الفراء: وهو مثل الرأفة والرافة، والكأبة والكآبة، كل نواب.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٢٠] من البدء والإعادة، قدير.
قوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢] قال
[ ٣ / ٤١٦ ]
قطرب: معناه ولا في السماء لو كنتم فيها، كقولك: ما يفوتني فلان ههنا ولا بالبصرة لو صار إليها.
وهذا معنى قول مقاتل: وما أنتم يا كفار مكة بسابقي الله، فتفوتونه في الأرض كنتم أو في السماء كنتم، أينما تكونوا حتى يجزيكم بأعمالكم السيئة.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [العنكبوت: ٢٢] يمنعكم مني، ولا نصير ينصركم من عذابي.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾ [العنكبوت: ٢٣] بالقرآن والبعث بعد الموت، ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣] يعني من جنتي.
ثم عاد الكلام إلى قصة إبراهيم، وهو قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٢٤﴾ وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴿٢٥﴾﴾ [العنكبوت: ٢٤-٢٥] ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: ٢٤] يعني: حين دعاهم إلى الله ونهاهم عن عبادة الأصنام، ﴿إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤] وفي هذا تسفيه لهم حين أجابوا من احتج عليهم بأن يقتل أو يحرق، ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ [العنكبوت: ٢٤] قال مقاتل: فقذفوه في النار فأنجاه الله من ذلك.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [العنكبوت: ٢٤] أي: إن في إنجاء الله إبراهيم من النار حتى لم تحرقه، ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤] بتوحيد الله وقدرته.
وقال إبراهيم لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥] قال الزجاج: ترفع مودة على إضمار هي، كأنه قال: تلك مودة بينكم، أي ألفتكم واجتماعكم على الأصنام مودة بينكم.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقرأ عاصم مودة بالرفع والتنوين، بينكم نصبا، وهذه القراءة كالأولى، إلا أنه لم يضف المودة ونصب بينكم على الظرف.
وقرأ حمزة مودة نصبا من غير تنوين بينكم خفضا جعل ما مع أن كافة، ولم يجعلها بمعنى الذي، ونصب مودة على أنه مفعول له، أي أتخذتم الأوثان للمودة، ثم أضافها إلى بينكم كما أضاف من وقع وقرأ نافع وابن عامر مودة بالنصب والتنوين بينكم بالنصب، وهذه القراءة كقراءة حمزة في المعنى، إلا أنه لم يضف المودة.
قال المفسرون: يقول أنكم جعلتم الأوثان تتحابون على عبادتها وتتواصلون عليها في الحياة الدنيا، ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥] يتبرأ القادة من الأتباع ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] يلعن الأتباع القادة، لأنهم زينوا لهم الكفر ومأواكم ومصيركم جميعا، ﴿النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] مانعين منها.
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٢٦﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٢٧﴾﴾ [العنكبوت: ٢٦-٢٧] ﴿
[ ٣ / ٤١٧ ]
فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] صدق بإبراهيم لوط، وهو ابن أخيه، وقال إبراهيم: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] هاجر من كوثا، وهو سواد العراق، إلى الشام، وهجر قومه المشركين.
والمعنى: إلى حيث أمرني.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] من بعد إسماعيل، ويعقوب من إسحاق، ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] وذلك أن الله لم يبعث نبيا من بعد إبراهيم إلا من صلبه، ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧] يعني الثناء الحسن، فكل أهل الأديان يحبونه ويتولونه، وقال السدي: هو أنه أري مكانه في الجنة، ثم أعلم أن له مع ما أعطي في الدنيا الدرجات العلى بقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] قال ابن عباس: مثل آدم ونوح، أي أنه في درجتهما.
وقد قال الله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥] .
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿٢٨﴾ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٢٩﴾ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ﴿٣٠﴾﴾ [العنكبوت: ٢٨-٣٠] وما بعد هذا مفسر إلى قوله: وتقطعون السبيل وذلك أنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين، فلما فعلوا ذلك ترك الناس الممر بهم.
قال الفراء: كانوا يعترضون الناس من الطرق لعملهم الخبيث.
﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] النادي والندي والمنتدى: مجلس القوم ومتحدثهم، قال ابن عباس، ومجاهد: هو إتيانهم الرجال، واستمكنت تلك الفاحشة فيهم حتى فعل بعضهم ببعض في المجالس.
وقال القاسم بن محمد: هو أنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم.
٧١٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذَ الْعَدْلُ، أنا حَمْدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، أنا جَدِّي، نا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نا زُرَيْعٌ، نا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قُلْتُ: مَا الْمُنْكَرُ الَّذِي كَانُوا يَأْتُونَ؟ قَالَ: كَانُوا يَخْذِفُونَ أَهْلَ الطَّرِيقِ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي (صَحِيحِهِ)، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ حَاتِمٍ
قال الزجاج: وفي هذا إعلام أنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس على المناكير، وأن لا يجتمعوا على الهزء والمناهي، ولما أنكر لوط على قومه ما كانوا يأتونه من القبائح قالوا له استهزاء: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] أن العذاب نازل بنا.
وعند
[ ٣ / ٤١٨ ]
ذلك قال لوط: رب انصرني أي: بتحقيق قولي في العذاب، ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٠] العاصين بإتيان الرجال، فاستجاب الله دعاءه، فبعث جبريل ومعه الملائكة لتعذيب قومه، وهو قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ﴿٣١﴾ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴿٣٢﴾ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴿٣٣﴾ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿٣٤﴾ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٣٥﴾ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٣٦﴾ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٣٧﴾﴾ [العنكبوت: ٣١-٣٧] ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [العنكبوت: ٣١] أي: بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] يعنون: قرية لوط، ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] يعني مشركين، وما بعد هذا مفسر في ﴿[هود إلى قوله:] إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [سورة العنكبوت: ٣٣] يعني بناته، قال المبرد: الكاف في منجوك مخفوضة، ولم يجز عطف الظاهر على الضمير المخفوض، فحمل الثاني على المعنى، وصار التقدير وننجي أهلك، ومنجون أهلك.
قوله: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٣٤] قال مقاتل: يعني الخسف والحصب.
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٤] جزاء لفسقهم.
﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾ [العنكبوت: ٣٥] يعني: آثار منازلهم الخربة، وقال قتادة: هي الحجارة التي أبقاها الله فأدركها أوائل هذه الأمة.
وقال مجاهد: هي الماء الأسود على وجه الأرض.
وما بعد هذا مفسر إلى قوله: ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦] قال مقاتل: واخشوا البعث الذي فيه جزاء الأعمال.
وقوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴿٣٨﴾ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ﴿٣٩﴾ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٤٠﴾﴾ [العنكبوت: ٣٨-٤٠] ﴿
[ ٣ / ٤١٩ ]
وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] قال مقاتل، والزجاج: وأهلكنا عادا وثمود.
﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨] ظهر لكم يا أهل مكة من منازلهم بالحجر والحجاز واليمن آية في هلاكهم، وقوله: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] يقال: استبصر في أمره إذا كان ذا بصيرة.
قال قتادة، والكلبي: إنهم كانوا مستبصرين في دينهم وضلالتهم، معجبين بما يحسبون أنهم على هدى، ويرون أن أمرهم حق.
والمعنى أنهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين فيما كانوا عليه من الضلالة.
قوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] أي: عاقبنا بتكذيبه الرسل، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠] يعني: قوم لوط، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ [العنكبوت: ٤٠] يعني ثمودا، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] يعني: قارون وأصحابه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠] يعني: قوم نوح وفرعون، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٠] ليعذبهم على غير ذنب.
ثم ضرب لهم مثلا، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٤٢﴾ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ ﴿٤٣﴾﴾ [العنكبوت: ٤١-٤٣] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت: ٤١] يعني: الأصنام يتخذونها أولياء، يرجون ضرها ونفعها، ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١] وبيتها لا يغني عنها في حر ولا قر ولا مطر، كذلك آلهتهم لا ترزقهم شيئا، ولا تملك لهم ضرا ولا نفعا، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١] لا بيت أضعف منه فيما يتخذه الهوام، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] أن اتخاذهم الأولياء كاتخاذ العنكبوت بيتا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢] أي: إنه عالم بما عبدتموه من دونه، لا يخفى على الله ذلك، فهو يجازيكم على كفركم.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٤٢﴾ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ﴾ [العنكبوت: ٤٢-٤٣] يعني: أمثال القرآن، وهي التي شبه بها أحوال كفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم المتقدمة.
نضربها للناس قال مقاتل: نبينها لكفار مكة.
﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] وما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله.
٧١١ - حَدَّثَنَا الأُسْتَاذُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَطَّانُ، نا الْحَارِثُ، نا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، نا عَبَّادٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ، ﷺ: " تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ قَالَ: الْعَالِمُ: الَّذِي عَقَلَ عَنِ اللَّهِ، فَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ، وَاجْتَنَبَ سَخَطَهُ "
[ ٣ / ٤٢٠ ]
﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٤٤﴾ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴿٤٥﴾﴾ [العنكبوت: ٤٤-٤٥] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤] أي: للحق وإظهار الحق، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٤] في خلقها، ﴿لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤] لدلالة على قدرة الله وتوحيده.
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] يعني القرآن، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] الفحشاء ما قبح من العمل، والمنكر لا يعرف في شريعة ولا سنة، قال ابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تنهه صلاته عن المعاصي لم يزدد إلا بعدا.
وهذا قول الحسن، وقتادة، قالا: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليس صلاته بصلاة، وهي وبال عليه.
٧١٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْجَوْزَقِيُّ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ السُّكَيْنِ، نا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ الْحَرَّانِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا عُمَرُ بْنُ شَاكِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلا بُعْدًا»
٧١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعِ الصَّلاةَ، وَطَاعَةُ الصَّلاةِ أَنْ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»
ومعنى هذا أن الله تعالى أخبر أن الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله، فإذا لم تكن بتلك الصفة لم تكن صلاة، فإن تاب يوما وترك معاصيه تبينا أن ذلك من نهي الصلاة، وأن صلاته كانت نافعة له ناهية وإن لم ينته إلا بعد زمان.
وقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] يعني: مما سواه، وأفضل من كل شيء، قال قتادة: ليس أفضل من ذكر الله، والمعنى أن العبد إذا كان ذاكرا الله لم يجر عليه القلم بمعصية، لأنه إذا ذكر الله ارتدع عما يهم به من السوء، ولهذا قال الفراء، وابن قتيبة: ولذكر الله هو التسبيح والتهليل: يقول: هو أكبر وأحرى بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر.
أي: من كان ذاكرا لله فيجب أن ينهاه عن الفحشاء والمنكر.
أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري، نا محمد بن يعقوب، نا محمد بن إسحاق الضغاني، نا حسن بن موسى الأشيب، نا حماد، عن ثابت البناني، أن رجلا أعتق أربع رقاب، فقال آخره: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ثم دخل المسجد فأتى حبيب بن أوفى
[ ٣ / ٤٢١ ]
المسلمي، فقال: ما تقول في رجل أعتق أربع رقاب وأني أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنها أفضل.
فنظروا فنيهة، فقالوا: ما نعلم شيئا أفضل من ذكر الله، وفي الآية قول آخر: وهو أن المعنى ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه.
قال مقاتل: إذا صليت لله فقد ذكرته فيذكرك الله بخير، وذكر الله إياك أفضل من ذكرك إياه.
أخبرنا أبو نعيم المهرجاني، أنا بشر بن أحمد بن بشر، أنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، نا علي بن الجعد، نا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي، في قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] قال: أكبر من ذكر العبد لله.
٧١٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، نا أَبُو يَحْيَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ، ﷿: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، قَالَ: قُلْتُ: ذِكْرُ اللَّهِ بِالْقُرْآنِ حَسَنٌ، وَذِكْرُهُ بِالصَّلاةِ حَسَنٌ، وَبِالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ حَسَنٌ، وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَذْكُرَ الرَّجُلُ رَبَّهُ عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ فَيَنْحَجِزَ عَنْهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ قُلْتَ قَوْلا عَجَبًا وَمَا هُوَ كَمَا قُلْتَ، وَلَكِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ إِيَّاكُمْ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِكِمْ إِيَّاهُ
٧١٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، فِيمَا أَجَازَ لِي رِوَايَتَهُ عَنْهُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى: إِنِّي كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَاءَ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ: ﴿ذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؛ فَقَالَ: الصَّلاةُ وَالصَّوْمُ ذَلِكَ ذِكْرُ اللَّهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي تَرَكْتُ رَجُلا فِي رَحْلِي يَقُولُ غَيْرَ هَذَا، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ الْعِبَادَ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِ الْعِبَادِ إِيَّاهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَدَقَ وَاللَّهِ صَاحِبُكَ
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] قال عطاء: يريد لا يخفى على الله شيء.
قوله: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أي: بالقراءة والدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه على حججه، ﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] إلا من أبى أن يقر بالجزية ونصب الحرب، فجادلوا هؤلاء بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، وقولوا لمن قبل الجزية منهم إذا أخبروكم بشيء مما في كتبهم: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ ﴿٤٧﴾ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ
[ ٣ / ٤٢٢ ]
الْمُبْطِلُونَ ﴿٤٨﴾ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ ﴿٤٩﴾﴾ [العنكبوت: ٤٧-٤٩] ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٤٧] وكما أنزلنا عليهم الكتاب أنزلنا إليك الكتاب، ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧] يعني: مؤمني أهل الكتاب، ومن هؤلاء يعني: كفار مكة، ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧] يعني: من أسلم منهم، ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ [العنكبوت: ٤٧] أي: بعد المعرفة، إلا الكافرون من اليهود، وذلك أنهم عرفوا أن محمدا نبي، والقرآن حق، فجحدوا وتنكروا.
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وما كنت تقرأ قبل القرآن كتابا، أي: ما كنت قارئا، ولا كاتبا قبل الوحي، وهو قوله: ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وكذا كان صفته في التوراة والإنجيل: أمي لا يقرأ ولا يكتب، وقوله: ﴿إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ولو كنت قارئا كاتبا لشك اليهود فيك، وقالوا: إن الذي نجده في التوراة أمي لا يقرأ الكتاب وما كانوا يرتابون في نبوة محمد لما يجدونه من نعته، ولكنهم جحدوا نبوته بعد اليقين، فلو كان كاتبا قارئا لكان بغير النعت الذي عرفوه، فكانوا يشكون، والمبطل الذي يأتي بالباطل، وكل من ادعى دينا الإسلام فهو مبطل.
قوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [العنكبوت: ٤٩] قال الحسن: القرآن آيات بينات.
﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] يعني: المؤمنين الذين حملوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ، وحملوه بعده.
وقال قتادة، ومقاتل: بل يعني محمدا ﷺ، وهو آيات بينات، أي: ذو آيات بينات في صدور أهل العلم من أهل الكتاب، لأنهم يجدونه بنعته وصفته.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] يعني: كفار اليهود.
﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٥٠﴾ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٥١﴾ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٥٢﴾﴾ [العنكبوت: ٥٠-٥٢] وقالوا يعني: كفار مكة، لولا أنزل عليه آية من ربه هلا أنزل على محمد آية من ربه كما كانت الأنبياء يجيء بها إلى قومهم، وقرئ آيات على الجمع، وقد تقع آية على الكثرة، وإن كانت على لفظ الواحد فالقراءتان معناهما واحد.
﴿قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠] هو القادر على إرسالها، إذا شاء أرسلها، ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] أنذر أهل المعصية بالنار، وليس إنزال الآيات بيدي.
ولما سألوا الآيات قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٥١] أو لم يكفهم من الآيات القرآن، يتلى عليهم فيه خبر ما بعدهم وما قبلهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [العنكبوت: ٥١] في إنزال الكتاب عليك، لرحمة لمن آمن وعمل به، وذكرى وتذكير أو موعظة، لقوم يؤمنون.
قال مقاتل: فكذبوا بالقرآن، فنزل ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ [العنكبوت: ٥٢] أي: بالله شاهدا بينا أني رسوله، وكفى هو شاهدا، ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] وشهادة الله له إثبات المعجزة له بإنزال الكتاب عليه، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] قال ابن عباس: بغير الله.
وقال مقاتل: بعبادة الشيطان.
﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] بالعقوبة وفوت المثوبة.
[ ٣ / ٤٢٣ ]
﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٥٠﴾ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٥١﴾ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٥٢﴾﴾ [العنكبوت: ٥٠-٥٢] ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] استهزاء وتكذيبا منهم بذلك، ﴿وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [العنكبوت: ٥٣] لعذابهم، وهو يوم القيامة، وقال الضحاك: يعني مدة أعمارهم، لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب.
﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] بإتيانه.
ثم ذكر أن موعد عذابهم النار، فقال: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] جامعة لهم، يوم يغشاهم يعلوهم، ﴿الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] كقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] .
ويقول بالياء يعني: الموكل بعذابهم، يقول لهم: ذوقوا ومن قرأ بالنون، فلأن ذلك لما كان بأمره سبحانه جاز أن ينصب، ومعنى ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] أي: جزاء ما كنتم تعملون من الكفر والتكذيب.
قوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴿٥٨﴾ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٥٩﴾ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٦٠﴾﴾ [العنكبوت: ٥٦-٦٠] ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦] قال مقاتل: نزلت في ضعفاء المسلمين بمكة، يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان، فاخرجوا منها.
قال الزجاج: أمروا بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنهم فيه عبادة الله، وكذلك يجب على من كان في بلدة يعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له أن يعبد الله حق عبادته.
ثم خوفهم بالموت لتهون عليهم الهجرة، فقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧] أي: كل أحد ميت أينما كان فلا تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٧] بعد الموت، فنجزيكم بأعمالكم.
ثم ذكر ثواب من هاجر، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العنكبوت: ٥٨] يعني المهاجرين، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: ٥٨] قال ابن عباس: لنسكنهم غرف الدر والزبرجد والياقوت، ولننزلنهم قصور الجنة.
وقرأ حمزة لنثوينهم، قال الزجاج: يقال: ثوى الرجل إذا أقام، وأثويته إذا أنزلته منزلا يقيم فيه، قال الأخفش: ولا تعجبني هذه القراءة لأنك لا تقول أثويته الدار بل تقول في الدار وليس في الآية حرف جر في، المفعول الثاني، وقال أبو علي الفارسي: هو على إرادة حرف الجر، ثم حذف كما يقال: أمرتك الخير، أي بالخير، ثم وصف تلك الغرف، فقال: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [العنكبوت: ٥٨] لا يموتون، ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦] لله غرف.
ثم وصفهم، فقال: الذين صبروا على دينهم فلم يتركوه لشدة لحقتهم، ﴿وَعَلَى
[ ٣ / ٤٢٤ ]
رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩] قال ابن عباس: وذلك أن المهاجرين توكلوا على الله وتركوا دورهم وأموالهم.
وقال مقاتل: إن أحدهم كان يقول بمكة كيف أهاجر إلى المدينة، وليس لي بها مال ولا معيشة، فقال الله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [العنكبوت: ٦٠] وهي كل حيوان يدب على الأرض مما يعقل ولا يعقل، والمعنى: من نفس دابة.
﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ [العنكبوت: ٦٠] لا ترجع رزقها معها، ولا تدخر شيئا لغد، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ [العنكبوت: ٦٠] حيث ما توجهت، وإياكم يرزق إن خرجتم إلى المدينة ولم يكن لكم زاد ولا نفقة، قال سفيان: وليس شيء مما خلق الله يخبئ ويدخر إلا الإنسان والفأرة والنملة.
وقوله: وهو السميع أي: لقولكم إنا لا نجد ما ننفق بالمدينة.
العليم بما في قلوبكم.
٧١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْجَمَّالُ، نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَجَلِيُّ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْن مِنْهَالٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، حَتَّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطَانِ الأَنْصَارِ فَجَعَل يَلْتَقِطُ مِنَ الثَّمَرِ وَيَأْكُلُ، فَقَالَ: يَابْنَ عُمَرَ، مَا لَكَ لا تَأْكُلُ؟ فَقُلْتُ: لا أَشْتَهِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَلَكِنِّي أَشْتَهِيهِ وَهَذِهِ صُبْحٌ رَابِعَةٌ مُذْ لَمْ أَذُقْ طَعَامًا، وَلَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأَعْطَانِي مِثْلَ مُلْكِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، فَكَيْفَ بِكَ، يَابْنَ عُمَرَ، إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ وَيَضْعُفُ الْيَقِينُ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْنَا حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ الآيَةَ
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٦١﴾ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٦٢﴾ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴿٦٣﴾﴾ [العنكبوت: ٦١-٦٣] قوله: ولئن سألتهم يعني: كفار مكة، ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] أي: الله خلقها، يقررن بأنه خالق السموات والأرض، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [العنكبوت: ٦٣] أي: احمد الله على إقرارهم، لأن ذلك يلزمهم الحجة، ويوجب عليهم التوحيد.
ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣] توحيد ربهم مع إقرارهم بأنه خلق الأشياء، وأنزل المطر، والمراد بالأكثر الجميع.
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٦٤﴾ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴿٦٥﴾ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٦٦﴾﴾ [العنكبوت: ٦٤-٦٦] قوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٦٤] يعني: الحياة في هذه الدار، ﴿إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤] باطل وغرور وعبث، تنقضي عن قريب، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] يعني الجنة ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] قال أبو عبيدة، وابن قتيبة: الحيوان الحياة.
وهو قول
[ ٣ / ٤٢٥ ]
المفسرين: ذهبوا إلى أن معنى الحيوان ههنا الحياة، وأنه مصدر بمنزلة الحياة، ويكون كالثوران والغليان، ويكون التقدير وإن الدار الآخرة لهي دار الحيوان، أو ذات الحيوان، والمعنى: إن حياة الدار الآخرة هي الحياة، لأنه لا تنغيص فيها ولا نفاد لها، ولا يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار، وهذا معنى قول جماعة المفسرين.
وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] يعني: لو علموا لرغبوا في الباقي الدائم عن الفاني الزائل، ولكنهم لا يعلمون.
قوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] يعني المشركين، ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] أفردوا الله بالطاعة، وتركوا شركاءهم فلا يدعونهم لأنجائهم، فلما نجاهم الله من أهوال البحر وأفضوا، ﴿إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] به، وهذا إخبار عن عنادهم، وأنهم عند الشدائد يعلمون أن القادر على كشفها الله وحده، فإذا زالت عادوا إلى كفرهم.
قال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتدت بهم الريح ألقوا تلك الأصنام في البحر، وصاحوا: يا خذاي.
قوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٦] هذه لام الأمر، ومعناه التهديد والوعيد، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] والمعنى: ليجحدوا نعمة الله، وليتمتعوا بباقي عمرهم، فسوف يعلمون عاقبة كفرهم، ومن كسر اللام في وليتمتعوا جعل اللام في ليكفروا لام كي، والمعنى: إذا هم يشركون ليكفروا، والمعنى: لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع بما تستمتعون به في العاجلة من غير نصيب لهم في الآخرة.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴿٦٧﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ﴿٦٨﴾ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٦٩﴾﴾ [العنكبوت: ٦٧-٦٩] أولم يروا يعني: كفار مكة، ﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] يعني مكة، وذكرنا تفسير هذه الآية في ﴿[القصص،] وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [سورة العنكبوت: ٦٧] يعني: العرب يسبي بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون، أفبالباطل يؤمنون يعني الشيطان، وبنعمة الله بمحمد والإسلام، يكفرون.
ثم ذكر أنهم أظلم الخلق، فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [العنكبوت: ٦٨] لا أحد أظلم ممن زعم أن لله شريكا، وأنه أمر بالفواحش، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٨] بمحمد والقرآن، ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨] أما لهذا الكافر المكذب مأوى في جهنم؟ وهو استفهام معناه التقرير.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار.
وقال ابن زيد: والذين جاهدوا هؤلاء المشركين وقاتلوهم في نصرة ديننا، لنهدينهم سبلنا لنوفقنهم لإصابة الطرق المستقيمة، والأولى أن يكون معنى الهداية ههنا الزيادة منها والتثبيت عليها، قال الزجاج: أعلم الله أنه يزيد المجاهدين هداية، كما أنه يزيد الكافرين بكفرهم ضلالة، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] .
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] بالنصرة والعون، قال عطاء، عن ابن عباس: يريد بالمحسنين الموحدين.
[ ٣ / ٤٢٦ ]