مكية وآياتها ثمان وثمانون.
٦٩٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَدَائِنِيِّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ طسم الْقَصَصَ لَمْ يَبْقَ مَلَكٌ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ كَانَ صَادِقًا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»
﴿طسم ﴿١﴾ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٣﴾ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٤﴾ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴿٥﴾ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴿٦﴾﴾ [القصص: ١-٦] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿طسم ﴿١﴾ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢﴾﴾ [الشعراء: ١-٢] تقدم تفسيره، قال قتادة: مبين والله بركته وهداه ورشده، فهذا من بان بمعنى ظهر، وقال الزجاج: مبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وهذا من آيات بمعنى أظهر.
﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٣] قال ابن عباس: نوحي إليك.
﴿مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٣] من خبرهما وحديثهما، بالحق بالصدق الذي لا ريب فيه، لقوم يؤمنون يصدقون بالقرآن.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: ٤] قال المفسرون: استكبر وتجبر، وبغى وتعاظم في أرض مصر.
قال الليث: العلو العظمة والتجبر، يقال: علا الملك علوا إذا تجبر، ومنه قوله: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣] .
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص: ٤] فرقا وأحزابا في الخدمة والتسخير، ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ [القصص: ٤] يعني: بني إسرائيل، ثم فسر ذلك، فقال: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] بترك البنات، فلا يقتلهن، ويقتل الأبناء، وذلك لأن بعض الكهنة قال له: إن
[ ٣ / ٣٨٩ ]
مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب في ذهاب ملكك.
قال الزجاج: والعجب من حمق فرعون إن كان هذا الكاهن عنده صادقا فما ينفع القتل، وإن كان كاذبا فما معنى القتل.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] بالقتل والعمل بالمعاصي.
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: ٥] أي: ننعم عليهم، وهم بنو إسرائيل، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص: ٥] يقتدى بهم في الخير، وقال قتادة: ولاة وملوكا.
قال مجاهد: دعاة إلى الخير.
﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] لملك فرعون، يخلفونه بعده في مساكنه.
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: ٦] قال ابن عباس: نملكهم ما كان يملك فرعون وقومه ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] أي: ما كانوا يخافونه من المولود الذي يذهب ملكهم على يده.
وقرأ حمزة ويرى بالياء فرعون وما بعده رفعا، والاختيار قراءة العامة، ليكون الكلام من وجه واحد.
قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٧﴾ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴿٨﴾ وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾﴾ [القصص: ٧-٩] ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] قال قتادة: قذفنا في قلبها وليس بوحي إرسال.
وقال مقاتل: أتاها جبريل بذلك.
٦٩٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي نَصْرٍ السَّوَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْبَرَاءِ، أنا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: لَمَّا حَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بِمُوسَى، ﵇، كَتَمَتْ أَمْرَهَا مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ، فَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى حَبَلِهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ سَتَرَهُ اللَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَمُنَّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّنَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا مُوسَى بَعَثَ فِرْعَوْنُ الْقَوَابِلَ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِنَّ فَفَتَّشَ النِّسَاءَ تَفْتِيشًا لَمْ يُفَتِّشْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بِمُوسَى فَلَمْ يَنْمُ بَطْنُهَا، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ لَبَنُهَا، وَكَانَتِ الْقَوَابِلُ لا تَعْرَضُ لَهَا، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا مُوسَى وَلَدْتُهُ أُمُّهُ وَلا رَقِيبَ عَلَيْهَا وَلا قَابِلَةَ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَحَدٌ إِلا أُخْتُهُ مَرْيَمُ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا: ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ قَالَ: فَكَتَمَتْهُ أُمُّهُ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ تُرْضِعُهُ فِي حِجْرِهَا لا يَبْكِي وَلا يَتَحَرَّكُ، فَلَمَّا خَافَتْ عَلَيْهِ عَمِلَتْ لَهُ تَابُوتًا مُطْبَقًا، وَمَهَّدَتْ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ أَلْقَتْهُ فِي الْبَحْرِ لَيْلا كَمَا أَمَرَهَا اللَّهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ فِرْعَوْنُ جَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ فَبَصَرَ بِالتَّابُوتِ، فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ خَدَمِهِ: ايتُونِي بِهَذَا التَّابُوتِ، فَأَتَوْهُ بِهِ، فَلَمَّا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَحُوهُ فَوَجَدَ فِيهِ مُوسَى، ﵇، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ فِرْعَوْنُ؛ قَالَ: عَبْرَانِيٌّ مِنَ الأَعْدَاءِ، فَغَاظَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: أَخْطَأَ هَذَا
[ ٣ / ٣٩٠ ]
الْغُلامَ الذَّبْحُ؟ وَكَانَ فِرْعَوْنُ قَدِ اسْتَنْكَحَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يُقَالُ لَهَا: آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ، وَكَانَتْ مِنْ خِيَارِ النِّسَاءِ وَمِنْ بَنَاتِ الأَنْبِيَاءِ، وَكَانَتْ أُمًّا لِلْمُسْلِمِينَ تَرْحَمُهُمْ وَتَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ وَتُعْطِيهِمْ وَيَدْخُلُونَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ لِفِرْعَوْنَ وَهِيَ قَاعِدَةٌ إِلَى جَنْبِهِ: هَذَا الْوَلِيدُ أَكْبَرُ مِنَ ابْنِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا أَمَرْتَ أَنْ يُذْبَحَ الْوِلْدَانُ لِهَذِهِ السَّنَةِ، فَدَعْهُ يَكُونُ قُرَّةَ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، ﴿لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أَنَّ هَلاكَهُمْ عَلَى يَدَيْهِ، فَاسْتَحْبَاهُ فِرْعَوْنُ وَوَمَقَهُ وَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ مَحَبَّتَهُ وَرَأْفَتَهُ، وَقَالَ لامْرَأَتِهِ: عَسَى أَنْ يَنْفَعَكِ، فَأَمَّا أَنَا فَلا أُرِيدُ نَفْعَهُ، قَالَ وَهْبٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ أَنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قَالَ فِي مُوسَى كَمَا قَالَتِ امْرَأَتُهُ آسِيَةُ ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ لَنَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّهُ أَبَى لِلشَّقَاءِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ مُوسَى الْمَرَاضِعَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، كُلَّمَا أَتَى بِمُرْضَعَةٍ لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيُهَا، فَرَقَّ لَهُ فِرْعَوْنُ وَرَحِمَهُ وَطَلَبَ لَهُ الْمَرَاضِعَ، وَذَكَرَ وَهْبٌ حُزْنَ أُمِّ مُوسَى وَبُكَاءَهَا عَلَيْهِ حَتَّى كَادَتْ أَنْ تُبْدِيَ بِهِ، ثُمَّ تَدَارَكَهَا اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَرَبَطَ عَلَى قَلْبِهَا، وَقَالَتْ لأُخْتِهِ: تَنَكَّرِي وَاذْهَبِي مَعَ النَّاسِ، فَانْظُرِي مَاذَا يَفْعَلُونَ بِهِ، فَدَخَلَتْ أُخْتُهُ مَعَ الْقَوَابِلِ عَلَى آسِيَةَ بِنْتِ مُزَاحِمٍ، فَلَمَّا رَأَتْ وَجْدَهُمْ بِمُوسَى وَحُبَّهُمْ لَهُ وَرِقَّتَهُمْ عَلَيْهِ؛ قَالَتْ: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ إِلَى أَنْ رُدَّ إِلَى أُمِّهِ، فَمَكَثَ مُوسَى عِنْدَ أُمِّهِ إِلَى أَنْ فَطَمَتْهُ، ثُمَّ رَدَّتْهُ فَنَشَأَ مُوسَى فِي حِجْرِ فِرْعَوْنَ وَامْرَأَتِهِ يُرَبِّيَانِهِ، وَاتَّخَذَهُ وَلَدًا، فَبَيْنَا هُوَ يَلْعَبُ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ بِهِ إِذْ رَفَعَ الْقَضِيبَ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ فِرْعَوْنَ فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ وَتَطَيَّرَ مِنْ ضَرْبِهِ حَتَّى هَمَّ بِقَتْلِهِ، فَقَالَتْ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ: لا تَغْضَبْ وَلا يَشُقَّنَّ عَلَيْكَ، فَإِنَّهُ صَبِيٌّ صَغِيرٌ لا يَعْقِلُ، جَرِّبْهُ إِنْ شِئْتَ، اجْعَلْ فِي هَذَا الطَّشْتِ جَمْرًا وَذَهَبًا، فَانْظُرْ عَلَى أَيِّهِمَا يَقْبِضُ، فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا مَدَّ مُوسَى يَدَهُ لِيَقْبِضَ عَلَى الذَّهَبِ قَبَضَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ عَلَى يَدِهِ، فَرَدَّهَا إِلَى الْجَمْرَةِ، فَقَبَضَ عَلَيْهَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فِي فِيهِ، ثُمَّ قَذَفَهَا حِينَ وَجَدَ حَرَارَتَهَا، فَقَالَتْ آسِيَةُ لِفِرْعَوْنَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّهُ لا يَعْقِلُ شَيْئًا، فَكَفَّ عَنْهُ فِرْعَوْنُ وَصَدَّقَهَا، وَكَانَ أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْعُقْدَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي لِسَانِ مُوسَى أَنَّهُ أَثَرُ تِلْكَ الَّتِي الْتَقَمَهَا
وقوله: ﴿وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾ [القصص: ٧] قال مقاتل: قالت المرأة: رب إني قد علمت أنك قادر على ما تشاء، ولكن كيف لي أن ينجو صبي صغير من عمق البحر وبطون الحيتان.
فأوحى الله إليها: لا تخافي عليه الضيعة، فإني أوكل به ملكا يحفظه في اليم، ولا تحزني لفراقه، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: ٧] لتمام رضاعه لتكوني أنت ترضعينه، ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] إلى أهل مصر.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٨] الالتقاط إصابة الشيء من غير طلب، والمراد بآل فرعون الذين أخذوا تابوت موسى من البحر، ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وقرئ وحزنا وهما لغتان، مثل: السقم والسقم وبابه، ومعنى ليكون: ليصير الأمر إلى ذلك، لا أنهم أخذوه لهذا، كما تقول للذي كسب مالا فأداه ذلك إلى الهلاك: إنما كسب فلان لحتفه، وهو لم يطلب المال طلبا للحتف.
﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٩] مضى تفسيره إلى قوله: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص: ٩] قال المفسرون: كانت لا
[ ٣ / ٣٩١ ]
تلد فاتخذت موسى ولدا لها.
وقوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩] أخبر الله أن هلاكهم بسببه وهم لا يشعرون بذلك.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠﴾ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ﴿١١﴾ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴿١٢﴾ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿١٣﴾﴾ [القصص: ١٠-١٣] ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: ١٠] أي: خاليا من الصبر والحزن لشدة الوجد به والخوف عليه، والمفسرون يقولون: فارغا من كل شيء إلا من أمر موسى، كأنها لم تهتم لشيء مما يهتم به الحي إلا لأمر ولدها.
﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص: ١٠] كادت تخبر أن هذا الذي وجدتموه في التابوت هو ابني، وقال سعيد بن جبير: كادت تقول: واإبناه، من شدة الجزع.
وقال مقاتل: كادت تصيح شفقة عليه من الفرق.
والمعنى أنها همت أن تشعر أهل مصر بأن موسى ولدها.
﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠] بالصبر واليقين، قال الزجاج: ومعنى الربط على القلب إلهام الصبر وتقويته.
ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنفال: ١١] .
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] المصدقين بوعد الله حين قال لها: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: ٧] .
وقالت لأخته لأخت موسى: قصيه اتبعي أثره وانظري أين وقع وإلى من صار، واعلمي علمه، يقال: قصصت الشيء إذا تتبعت أثره متعرفا حاله قصا وقصصا.
فبصرت به أبصرته، عن جنب عن بعد تبصره ولا تتوهم أنها تراه، قال الفراء: كانت على شاطئ البحر حين رأت آل فرعون قد التقطوه وهم لا يعلمون أنها أخته، وأنها ترقبه.
قال ابن عباس: إن امرأة فرعون كان همها من الدنيا أن تجد له مرضعة تأخذه منها، فكلما أتوه بمرضعة لم يأخذ ثديها، فذلك قوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢] وهي جمع مرضعة.
قال سعيد بن جبير: لا يؤتى بمرضع فيقبلها.
وقوله: من قبل أي: من قبل أن يرده إلى أمه، ومن قبل أن تأتيه أمه، وذلك أن الله تعالى أراد أن يرده إلى أمه، فمنعه من قبول ثدي المراضع، فلما تعذر عليهم رضاعته فقالت أخته: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ [القصص: ١٢] أي: يضمنون لكم القيام به ورضاعه، ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢] يشفقون عليه وينصحونه، قالوا لها: من؟ قالت: أمي.
قالوا: ولأمك لبن؟ قالت نعم، لبن هارون.
وكان هارون ولد في سنة لا يقتل فيها صبي، فقالوا: صدقت.
فدلتهم على أم موسى، فدفع إليها تربيه، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها، وأتم الله لها ما وعدها، وهو قوله: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ [القصص: ١٣] بولدها، ولا تحزن لفراقه، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ [القصص: ١٣] برد ولدها إليها، حق علم وعيان ومشاهدة، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣] أن الله وعدها رده إليها.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤﴾ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴿١٥﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
[ ٣ / ٣٩٢ ]
فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿١٦﴾ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴿١٧﴾﴾ [القصص: ١٤-١٧] ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [القصص: ١٤] قال مجاهد: ثلاثا وثلاثين سنة.
واستوى استواؤه أربعون سنة، وهو قول ابن عباس، وقتادة.
﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص: ١٤] يعني: الفقه والعقل والعلم في دينه ودين آبائه، فعلم موسى وحكم قبل أن يبعث نبيا، وهذه الآية مفسرة في ﴿[يوسف.
] وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤﴾ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ [سورة القصص: ١٤-١٥] قال السدي: ركب فرعون وموسى غير شاهد، فلما جاء موسى قيل له إن فرعون قد ركب مركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها منف.
وهو قوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥] قال ابن عباس: في الظهيرة عند المقيل، وقد خلت الطريق.
﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] أحدهما إسرائيلي، والآخر قبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل حطبا إلى مطبخ فرعون، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] فاستنصر الإسرائيلي موسى على القبطي، فوكزه موسى الوكز: الضرب بجميع الكف.
﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] أي: قتله وكل شيء فرغت منه وأتممته فقد قضيت عليه وقضيته، وكان موسى شديد البطش، وكز القبطي وكزة قتله منها، وهو لا يريد قتله، ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥] أي: هيج غضبي حتى ضربت هذا إنه عدو لابن آدم، مضل له، مبين عداوته، وكان ذلك قتل خطأ، لأنه لم يقصد القتل، وندم على ما فعل لأنه لم يؤمر به.
ثم استغفر، ف ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿١٦﴾ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ١٦-١٧] بالمغفرة، ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] قال ابن عباس: عونا للكافرين.
وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرا، وهو قول مقاتل.
وقال قتادة: لن أعين بعدها على فجرة.
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ﴿١٨﴾ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴿١٩﴾﴾ [القصص: ١٨-١٩] ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [القصص: ١٨] يعني: تلك المدينة التي فعل فيها ما فعل من قتل القبطي، ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨] ينتظر سوءا يناله منهم، والترقب: انتظار المكروه، وقال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به.
﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ [القصص: ١٨] فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي استنقذه بالأمس يقاتل فرعونيا يريد أن يسخره وهو يستغيث بموسى ﵇، والاستصراخ: الاستغاثه، ف ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] قال ابن عباس، ومقاتل: لمضل بين قتلت أمس بسببك رجلا وتدعوني اليوم على آخر.
وعلى هذا الغوي فعيل بمعنى المغوي، كالوجيع والأليم، ويجوز أن يكون بمعنى الغاوي، أي: إنك غاو في قتالك من لا تطيق دفع شره عنك.
ثم أقبل موسى
[ ٣ / ٣٩٣ ]
إليهما، وهم أن يبطش الثانية بالقبطي، وهو قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ [القصص: ١٩] أي: بالقبطي الذي هو عدو لموسى الإسرائيلي، ظن الإسرائيلي أن موسى يريد أن يبطش به لقوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨]، ف ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ [القصص: ١٩] ولم يكن علم أحد من قوم فرعون أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس حتى أفشى عليه الإسرائيلي وسمع القبطي ذلك، فأتى فرعون فأخبره، وقوله: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: ١٩] أي: تريد إلا أن تكون قتالا بالظلم.
قال الزجاج: الجبار في اللغة الذي لا يتواضع لأمر الله، والقاتل بغير حق جبار.
لما علم فرعون أن موسى قتل القبطي أمر بقتل موسى ﵇، وعلم بذلك رجل من شيعة موسى، فأتاه فأخذه، وهو قوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴿٢٠﴾ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٢١﴾ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿٢٢﴾ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿٢٣﴾ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴿٢٤﴾﴾ [القصص: ٢٠-٢٤] ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ [القصص: ٢٠] أي: من آخرها وأبعدها، يسعى على رجليه، قال ابن عباس: هو خربيل مؤمن آل فرعون.
﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] قال أبو عبيدة: يتشاورون فيك ليقتلوك.
يعني: أشراف قوم فرعون، وقال الزجاج: يأمر بعضهم بعضا بقتلك.
فاخرج من القرية، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] في أمري إياك بالخروج.
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] مر تفسيره.
﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] يعني: المشركين أهل مصر.
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٢] أي: قصدها ونحوها، قال الزجاج: أي سلك سبيلا في الطريق الذي يلقى مدين فيها وكان قد خرج بغير زاد ولا حذاء ولا ظهر، وهو على مسيرة ثمانية أيام من مصر، ولم يكن له بالطريق علم.
ف ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] أي: يرشدني قصد الطريق إلى مدين.
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] قال ابن عباس: ورده وإنه ليتراءى خضرة البقل في بطنه من الهزال.
وجد عليه على ذلك الماء، أمة جماعة، من الناس وهم الرعاة، يسقون مواشيهم، ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ [القصص: ٢٣] من سوى الأمة، امرأتين وهما ابنتي شعيب تذودان تحبسان أغنامهما عن الماء حتى يفرغ الناس ويخلوا لهما البئر، هذا قول المفسرين، ومعنى الذود في اللغة: الدفع
[ ٣ / ٣٩٤ ]
والطرد والكف، ومعنى تذودان: تدفعان وتكفان.
قال موسى، ما خطبكما ما شأنكما، ألا تسقيان؟ ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص: ٢٣] أي: حتى يصدر مواشيهم من ورادهم فيخلوا لنا الموضع، وقرئ يصدر من صدر وهو ضد ورد، والمعنى: حتى يرجعوا من سقيهم، والرعاء جمع راع، قال ابن عباس: قالتا نحن امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال.
﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣] لا يقدر أن يسقي ماشيته من الكبر، فلذلك احتجنا ونحن نساء أن نسقي الغنم.
فقال لهما موسى: أين الماء؟ فانطلقتا به إلى الماء، فإذا هو بحجر على رأس البئر لا يزيله إلا عصابة من الناس، فرفعه موسى بيده وحده، ثم أخذ الدلو فأدلى دلوا واحدا فأفرغه في الجومن، ثم دعا بالبركة فسقى الغنم، فرويت فذلك.
قوله: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ [القصص: ٢٤] أي: سقى أغنامهما لأجلهما، ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٤] ثم انصرف إلى ظل شجرة فجلس تحتها من شدة الحر وهو جائع، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] قال ابن عباس: سأل نبي الله فلق خبز يقيم صلبه.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: لقد قال موسى رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير، وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة، ولقد أصابه الجوع.
وقال مجاهد: ما سأله إلا الخبز.
واللام في قوله: لما أنزلت إلي معناها إلى، قال الأخفش: يقال هو فقير له وإليه.
قال محمد بن إسحاق: فرجعتا إلى أبيهما في ساعة كانتا لا ترجعان فيها، فأنكر شأنهما وسألهما، فأخذتا الخبز، فقال لإحداهما: عليّ به.
فرجعت الكبرى إلى موسى ﵇ لتدعوه، فذلك قوله: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٢٥﴾ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ﴿٢٦﴾ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٢٧﴾ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴿٢٨﴾﴾ [القصص: ٢٥-٢٨] ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: ٢٥]
[ ٣ / ٣٩٥ ]
٦٩٧ - أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، كِتَابَةً، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنَظْلِيُّ، أنا النَّضْرُ بْنُ سُهَيْلٍ، أنا إِسْرَائِيلُ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ قَالَ: لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّسَاءِ، خَرَّاجَةً، وَلاجَةٌ، جَاءَتْهُ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ، قَائِلَةً بِثَوْبِهَا عَلَى وَجْهِهَا؛ أَيْ: مُسْتَتِرَةً بِكُمِّ دِرْعِهَا
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ﴾ [القصص: ٢٥] أي: جاء موسى شعيبا ﵉، ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ [القصص: ٢٥] يعني: أمره أجمع من قتله القبطي، وأنهم يطلبونه ليقتلوه، قال له شعيب: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] أي: لا سلطان له بأرضنا ولسنا مملكته.
قالت إحداهما وهي الكبرى: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦] اتخذه أجيرا، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] إن خير من استعملته من قوي على العمل وأداء الأمانة، قال عمر ﵁ بالإسناد الذي ذكرنا: لما قالت المرأة هذا قال شعيب: وما علمك بأمانته وقوته؟ قالت: أما قوته فإنه رفع الحجر الذي لا يرفعه كذا كذا، وأما أمانته فإنه قال لي امشي خلفي فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك.
وقال مجاهد: القوي في نزعه الحجر عن فم البئر، وكان لا يستطيعه إلا النفر، الأمين في غض طرفه عنها حين سقى لهما فصدرتا، وقد عرفتا قوته وأمانته.
فلما ذكرت المرأة من حاله ما ذكرت زاده ذلك رغبة فيه.
ف ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] أي: أزوجكها، ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] على أن تكون أجيرا لي ثماني سنين، قال الفراء: يقول أن تجعل ثوابي أن ترعى على غنمي ثماني حجج.
﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] أي: ذلك تفضل منك ليس بواجب عليك، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] في العشر، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] قال عمر ﵁: أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت.
٦٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْكُوفِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بُنْدَارٍ، أنا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الرَّمْلِيُّ، نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
[ ٣ / ٣٩٦ ]
نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّاسٍ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " بَكَى شُعَيْبٌ النَّبِيُّ، ﷺ، مِنْ حُبِّ اللَّهِ، تَعَالَى، حَتَّى عَمِيَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا شُعَيْبُ، مَا هَذَا الْبُكَاءُ، أَشَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ، أَمْ خَوْفًا مِنَ النَّارِ؟ فَقَالَ: إِلَهِي وَسَيِّدِي، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي مَا أَبْكِي شَوْقًا إِلَى جَنَّتِكَ، وَلا خَوْفًا مِنَ النَّارِ، وَلَكِنِ اعْتَقَدْتُ حُبَّكَ بِقَلْبِي، فَإِذَا نَظَرْتُ إِلَيْكَ فَمَا أُبَالِي بِالَّذِي تَصْنَعُ بِي، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا شُعَيْبُ، إِنْ يَكُنْ ذَلِكَ حَقًّا فَهَنِيئًا لَكَ لِقَائِي، يَا شُعَيْبُ، لِذَلِكَ أَخْدَمْتُكَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ كَلِيمِي "
قال موسى لشعيب: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ [القصص: ٢٨] أي: ذلك الذي وضعت وشرطت عليّ ملكك وما شرطت لي من تزوج إحداهما فلي فالأمر بيننا، وتم الكلام، ثم قال: أيما الأجلين من الثماني إلى العشر، قضيت أتممت وفرغت منه، ﴿فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] لا ظلم عليّ بأن أكلف أكثر منه أو أطالب بالزيادة عليه، ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] قال ابن عباس، ومقاتل: شهيد فيما بيني وبينك.
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴿٢٩﴾ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٣٠﴾ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنْينَ ﴿٣١﴾ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴿٣٢﴾﴾ [القصص: ٢٩-٣٢] ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ﴾ [القصص: ٢٩]
٦٩٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، نا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْقِنْبَارِيُّ، نا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: أَيَّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قَالَ: أَوْفَاهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا "
٧٠٠ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الأَصْفَهَانِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ النَّجَّارُ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، نا
[ ٣ / ٣٩٧ ]
عُوَيْدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ الْجُونِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " إِذَا سُئِلْتَ: أَيَّ الأَجَلْيِن قَضَى مُوسَى؟ فَقُلْ: خَيْرَهُمَا وَأَبَرَّهُمَا، وَإِنْ سُئِلْتَ: أَيَّ الْمَرْأَتَيْنِ تَزَوَّجَ؟ فَقُلِ: الصُّغْرَى مِنْهُمَا، وَهِيَ الَّتِي جَاءَتْ فَقَالَتْ: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ "
وقوله: وسار بأهله قال مقاتل: استأذن صهره في العودة إلى مصر لزيارة والدته وأخيه، فإذن له فسار.
وهذه الآية مفسرة في سورتي طه والنمل، ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩] جذوة فيها ثلاث قراءات: فتح الجيم، وضمها، وكسرها، وهي كلها لغات.
قال أبو عبيدة: الجذوة القطعة الغليظة من الخشب فيها لهب.
قال ابن عباس: قطعة فيها نار.
وقوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ [القصص: ٣٠] أي: أتى موسى النار، ﴿نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي﴾ [القصص: ٣٠] وهو جانبه، الأيمن الذي عن يمين موسى، ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ [القصص: ٣٠] البقعة: القطعة من الأرض، المباركة لموسى ﵇، لأن الله كلمه هناك وبعثه نبيا، وقال عطاء: يريد المقدسة.
وقوله: من الشجرة أي: من ناحية الشجرة أوعند الشجرة، وهي العناب في قوله ابن عباس.
وقال مقاتل والكلبي: هي عوسجة.
وما بعد هذا مفسر فيما مضى إلى قوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الآمِنْينَ﴾ [القصص: ٣١] أي: من أن ينالك مكروه.
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢] قال المفسرون: لما ألقى موسى عصاه فصارت جانا، رهب وفزع، فأمره الله أن يضم إليه جناحيه ليذهب عنه الفزع.
قال مجاهد: كل من فزع فضم إليه جناحيه ذهب عنه الفزع، وقرأ هذه الآية.
وجناح الإنسان عضده، ويقال: اليد كلها جناح، وقرئ من الرهب وهو بمعنى الرهب، كالرشد والرشد.
وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد اضمم يدك إلى صدرك من الخوف، ولا خوف عليك.
والمعنى أن الله تعالى أمره أن يضم يده إلى صدره فيذهب ما ناله من الخوف عند معاينة الحية.
وقوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٣٢] يعني: اليد والعصا، حجتان من الله لموسى ﵇ على صدقه، وكان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد، ويحكي أنه لغة قريش.
قال الزجاج: التشديد تثنية ذلك، والتخفيف تثنية ذاك، جعل بدل اللام في ذلك تشديد النون في ذانك.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص: ٣٢] أي: أرسلناك إلى فرعون وملئه بهاتين الآيتين، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٣٢] عاصين.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴿٣٣﴾ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنْي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ﴿٣٤﴾ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ﴿٣٥﴾﴾ [القصص: ٣٣-٣٥]
[ ٣ / ٣٩٨ ]
قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾ [القصص: ٣٣] يعني: القبطي الذي قتله، ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] به.
﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنْي لِسَانًا﴾ [القصص: ٣٤] أحسن بيانا، وكان في لسان موسى عقدة، ولذلك قال فرعون: ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] .
﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ [القصص: ٣٤] عونا، يقال: فلان ردء لفلان إذا كان ينصره ويشد ظهره.
يقال: أردأت فلانا إذا أعنته.
وقوله: يصدقني قرئ بالرفع والجزم، فمن رفع فهو صفة للنكرة وتقديره ردءا مصدقا، ومن جزم كان على جوابا الأمر، أي: إن أرسلته معي صدقني، والتصديق لهارون في قول الجميع، وقال مقاتل: لكي يصدقني فرعون.
﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] .
قال الله لموسى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أي: سنعينك ونقويك، وشد العضد كناية عن التقوية، ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص: ٣٥] حجة تدل على النبوة، قال الزجاج: والسلطان أبين الحجج.
﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: ٣٥] بقتل وسوء ولا أذى، وقوله: بآياتنا موضعه التقديم، لأن المعنى: ونجعل لكما سلطانا بأياتنا، أي: مما نعطيكما من المعجزات، ثم أخبر أن الغلبة لهما ولمن اتبعهما، فقال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] .
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ ﴿٣٦﴾ وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿٣٧﴾﴾ [القصص: ٣٦-٣٧] ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ [القصص: ٣٦] أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر افتريته من قبل نفسك لم تبعث به، ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ [القصص: ٣٦] الذي تدعونا إليه، ﴿فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ ﴿٣٦﴾ وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ [القصص: ٣٦-٣٧] أي: هو أعلم بالحق منا، ومن الذي جاء بالبيان من عنده، أي: إن الذي جئت بالهدي من عند الله، ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ [القصص: ٣٧] أي: وهو أعلم بمن تكون له الجنة، ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٧] لا يسعد من أشرك بالله.
ثم قال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٣٨﴾ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ ﴿٣٩﴾ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴿٤٠﴾ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ ﴿٤١﴾ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ﴿٤٢﴾﴾ [القصص: ٣٨-٤٢] وقال فرعون منكرا لما أتى به موسى ﵇ من توحيد الله وعبادته: ﴿يَأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: ٣٨] يقول: أوقد النار على الطين حتى يصير اللبن آجرا.
والمعنى: اعمل لي الآجر، ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ [القصص: ٣٨] أي: قصرا عاليا مرتفعا، ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [القصص: ٣٨] أي: أصعد إليه وأشرف عليه، وهذا إيهام من فرعون أن الذي يدعوه إليه موسى يجري مجراه في الحاجة إلى المكان والجهة، ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] في ادعائه إلها غيري، وأنه رسوله.
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾ [القصص: ٣٩]
[ ٣ / ٣٩٩ ]
تعظموا عن الإيمان ولم ينقادوا للحق، في الأرض أرض مصر، بغير الحق بالباطل والظلم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٣٩] لا يردون إلينا بالبعث للحساب والجزاء.
ثم ذكر إهلاكه إياهم بالغرق، فقال: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٤٠] فطرحناهم في البحر، قال عطاء: يريد البحر المالح بحر القلزم.
وقال قتادة: هو بحر من وراء مصر غرقهم الله فيه.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠] حتى صاروا إلى الهلاك.
وجعلناهم أي: في الدنيا، أئمة قال ابن عباس: أئمة ضلالة.
وقال الكلبي، ومقاتل: قادة في الكفر والشرك، يقودون الناس إلى الشرك بالله.
وهو قوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١] لأن من أطاعهم ضل ودخل النار.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١] لا يمنعون من العذاب.
﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص: ٤٢] مفسر في موضعين: في ﴿[هود] وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [سورة القصص: ٤٢] المبعدين الملعونين، من القبح وهو الإبعاد، قال أبو زيد: قبح الله فلانا قبحا وقبوحا، أي: أبعده من كل خير.
قال الكلبي: يعني سواد الوجه وزرقة العين، وعلى هذا المقبوحين يكون بمعنى المقبحين.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى﴾ [القصص: ٤٣] يعني: نوحا وعادا وثمود وغيرهم كانوا قبل موسى، ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص: ٤٣] أي: ليتصبروا بذلك الكتاب، وليهتدوا به، وهو قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [القصص: ٤٣] أي: من الضلالة لمن عمل به، ورحمة لمن آمن به، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] كي يتذكروا ما فيه من المواعظ والبصائر.
٧٠١ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْعِمْرَانِيُّ، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، أنا أَبِو شَيْبَةَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُوَارِزْمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، نا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، نا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ: " مَا أَهْلَكَ اللَّهُ قَوْمًا وَلا قَرْنًا وَلا أُمَّةً وَلا أَهْلَ قَرْيَةٍ بِعَذَابٍ مِنَ السَّمَاءِ مُنْذُ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ غَيْرَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ الَّذِينَ مُسِخُوا قِرَدَةً، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ، تَعَالَى، قَالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴿٤٤﴾ وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿٤٥﴾ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ
[ ٣ / ٤٠٠ ]
نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٤٦﴾ وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٤٧﴾﴾ [القصص: ٤٤-٤٧] ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] الخطاب لرسول الله ﷺ، أي حاضرا.
قال قتادة، والسدي: يعني جبلا غربيا.
وهو اختيار الزجاج، قال: وما كنت بجانب الجبل الغربي.
وقال الكلبي: بجانب الوادي الغربي.
قال ابن عباس ﵁: يريد حيث ناجى موسى ربه.
وهو قوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه، وما كنت من الشاهدين لذلك الأمر.
﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص: ٤٥] خلقنا أمما من بعد موسى، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص: ٤٥] طالت عليهم المهلة، فنسوا عهد الله، وتركوا أمره، قال صاحب النظم: هذا الكلام يدل على أنه قد عهد إلى موسى وقومه عهودا في محمد ﷺ والإيمان به، فلما طال عليهم العمر، وخلفت القرون بعد القرون، نسوا تلك العهود، وتركوا الوفاء بها.
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ [القصص: ٤٥] أي مقيما، ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٤٥] كمقام موسى وشعيب ﵉ فيهم، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص: ٤٥] تذكرهم بالوعد والوعيد، قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم.
﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥] أرسلناك إلى أهل مكة، وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها، قال الزجاج: المعنى أنك لم تشاهد قصص الأنبياء، وتليت عليك، ولكنا أوحيناها إليك، وقصصناها عليك.
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ [القصص: ٤٦] بناحية الجبل الذي كلم الله عليه موسى، إذ نادينا قال ابن عباس: إن الله تعالى نادى: يا أمة محمد، قد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تسغفروني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني.
﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦] ولكن رحمناك رحمة بإرسالك والوحي إليك، ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] يعني: أهل مكة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦] لكي يتعظوا.
﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [القصص: ٤٧] قال مقاتل: يعني العذاب في الدنيا.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [القصص: ٤٧] من المعاصي، يعني كفار مكة، ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا﴾ [القصص: ٤٧] هلا أرسلت إلينا رسولا، فنتبع آياتك يعني القرآن، ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧] المصدقين بتوحيد الله، والمعنى: لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم، وجواب لولا محذوف تقديره ما ذكرنا.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ﴿٤٨﴾ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٤٩﴾ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿٥٠﴾ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٥١﴾﴾ [القصص: ٤٨-٥١] ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ [القصص: ٤٨] محمد والقرآن، ﴿قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص: ٤٨] هلا أوتي محمد من الآيات مثل ما أوتي موسى من العصا واليد، فاحتج الله عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ٤٨] أي: فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد، قالوا ساحران تظاهرا
[ ٣ / ٤٠١ ]
تعاونا على السحر والضلالة، يعنون موسى ومحمدا، ومن قرأ سحران فقال مقاتل: يعنون التوراة والقرآن.
وهو قول عكرمة والكلبي، والمعنى: كل سحر منهما يقوي الآخر، فنسب التظاهر إلى السحرين على الاتساع.
﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ﴾ [القصص: ٤٨] من التوراة والقرآن، كافرون.
قال الله لنبيه: قل لكفار مكة: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ [القصص: ٤٩] من التوراة والقرآن، ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩] أنهما ساحرين، ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ [القصص: ٥٠] فإن لم يأتوا بمثل التوراة والقرآن، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] قال الزجاج: فاعلم أن ما ركبوه من الكفر لا حجة لهم فيه، وإنما آثروا فيه الهوى، ثم ذمهم، فقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] لا أحد أضل ممن اتبع هواه بغير رشاد ولا بيان من الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] لا يجعل جزاء المشركين الجاحدين أن يهديهم إلى دينه.
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص: ٥١] قال الفراء: أنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضا.
وقال قتادة: وصل لهم القول في هذا القرآن يخبرهم كيف صنع بمن مضى.
وقال مقاتل: يقول: لقد بينا لكفار مكة بما في القرآن من خبر الأمم الخالية كيف عذبوا بتكذيبهم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١] لكي يتعظوا ويخافوا فيؤمنوا.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٢﴾ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴿٥٣﴾ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٥٤﴾ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ﴿٥٥﴾﴾ [القصص: ٥٢-٥٥] ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٢] من قبل القرآن، ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] بمحمد ﷺ، قال السدي: يعني مسلمي اليهود، عبد الله بن سلام ومن أسلم منهم.
وقال مقاتل: يعني مسلمي أهل الإنجيل، وهم الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة.
ثم وصفهم الله، فقال: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٥٣] يعني القرآن، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [القصص: ٥٣] صدقنا بالقرآن، ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ [القصص: ٥٣] وذلك أن ذكر النبي كان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فلم يعاندوا هؤلاء، قالوا للقرآن: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾ [القصص: ٥٣] من قبل القرآن، مسلمين مخلصين لله بالتوحيد، مؤمنين بمحمد أنه نبي حق.
ثم أثنى عليهم خيرا، فقال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] مرة بتمسكهم بدينهم حتى إذا أدركوا محمد ﷺ آمنوا به، ومرة بإيمانهم به، وقال قتادة: بما صبروا على الكتاب الأول والكتاب الثاني.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص: ٥٤] قال ابن عباس ﵁: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك.
وقال مقاتل: يدفعون ما يسمعون من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [القصص: ٥٤] من الأموال، ينفقون في طاعة الله.
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ [القصص: ٥٥] الباطل والشتم من المشركين، وذلك أنهم شتموهم حين آمنوا بمحمد ﵇،
[ ٣ / ٤٠٢ ]
أعرضوا عنه فلم يردوا، ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥] قال مقاتل: لنا ديننا ولكم دينكم، وذلك أنهم عيروهم بترك دينهم.
وقال السدي: لما أسلم عبد الله بن سلام جعل اليهود يشتمونه، وهو يقول: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] قال الزجاج: لم يرد والتحية.
والمعنى أنهم قالوا: بيننا وبينكم المتاركة والسلام، وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال، وكأنهم قالوا: أسلمتم منا لا نعارضكم بالشتم.
ومعنى قوله: ﴿لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] قال مقاتل: لا نريد أن تكون من أهل الخبل والسفه.
وقال الكلبي: لا نحب الذي أنتم عليه.
ويكون التقدير لا نبتغي دين الجاهلين.
قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿٥٦﴾ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿٥٧﴾﴾ [القصص: ٥٦-٥٧] ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]
٧٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، نا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أنا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ: " يَا عَمِّ، قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، كَلِمَةٌ أَحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَهِ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعَاوِدَانِهِ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ بِهِ: أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، تَعَالَى، فِي أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
٧٠٣ - حَدَّثَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، نا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمِن بْنُ بِشْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، نا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، لِعَمِّهِ: " قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ "، قَالَ: لَوْلا أَنْ تُعَيِّرَنِي نِسَاءُ قُرَيْشٍ؛ تَقُلْنَ: إِنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ، ﷿: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ الْمُفَسِّرِينَ؛ أَجْمَعُوا أَنَّ الآيَةَ نَزَلْت فِي أَبِي طَالِبٍ.
قال الزجاج: ابتداء نزولها بسبب أبي طالب، وهي عامة، لأنه لا يهدي إلا الله ﷿، ولا يرشد ولا يوفق إلا هو.
وقوله:﴾ مَنْ أَحْبَبْتَ ﴿[القصص: ٥٦] يكون على معنيين: أحدهما للقربة، والآخر أحببت أن يهتدي.
﴾ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي ﴿[القصص: ٥٦] يرشد، من يشاء لدينه،﴾ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿[القصص: ٥٦] قال مجاهد، ومقاتل: ممن قدر له الهدى.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
وقوله:﴾ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴿[القصص: ٥٧] قال المفسرون: قالت قريش لمحمد ﷺ: إن اتبعناك على دينك خفنا العرب على أنفسنا أن يخرجونا من أرضنا مكة إن تركنا ما يعبدون، ومعنى التخطف الانتزاع بسرعة، قال الله تعالى:﴾ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا ﴿[القصص: ٥٧] ذا أمن يأمن فيه الناس، وذلك أن العرب كانت تغير بعضهم على بعض، وأهل مكة آمنون في الحرم من القتل والسبي والغزو، أي: فكيف يخافون إذا أسلموا وهم في حرم آمن، كما قال:﴾ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴿[العنكبوت: ٦٧] قال الفراء: يقول: أو لم نسكنهم حرما يخاف من دخله، فكيف يخافون العرب.
ومعنى﴾ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا ﴿[القصص: ٥٧]: أو لم نجعله مكانا لهم.
وقوله:﴾ يُجْبَى إِلَيْهِ ﴿[القصص: ٥٧] يجمع، من قولك: جبيت الماء في الحوض، أي جمعت.
وقرئ تجبى بالتاء لحيلولة الحرف بين الاسم المؤنث والفعل، كقولهم: حضر القاضي اليوم امرأة.
قال مقاتل: يحمل إلى الحرم.
﴾ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴿[القصص: ٥٧] من مصر والشام، واليمن والعراق،﴾ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ﴿[القصص: ٥٧] رزقناهم رزقا من عندنا، ولكن أكثرهم يعني: أهل مكة، لا يعلمون أنا فعلنا ذلك.
ثم خوفهم بمثل عذاب الأمم الخالية، فقال:﴾ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴿٥٨﴾ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴿٥٩﴾ ﴿[القصص: ٥٨-٥٩]﴾ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ﴿[القصص: ٥٨] قال الزجاج: البطر الطغيان عند النعمة.
والمعنى: بطرت في معيشتها.
قال عطاء: عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام.
وقوله:﴾ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا ﴿[القصص: ٥٨] قال ابن عباس: لم يسكنها إلا المسافرون، وماروا الطرق يوما أو ساعة.
والمعنى: لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا،﴾ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴿[القصص: ٥٨] يعني: لم يخلفهم أحد بعد هلاكهم في منازلهم، فبقيت خرابا غير مسكونة، كقوله:﴾ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴿[مريم: ٤٠] وقد مر.
قوله:﴾ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى ﴿[القصص: ٥٩] يعني القرى الكافر أهلها،﴾ حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا ﴿[القصص: ٥٩] في أعظمها، رسولا ينذرهم، وخص الأعظم ببعثه الرسول فيها لأن الرسول إنما يبعث إلى الأشراف، وأشراف القوم وملوكهم يسكنون المدائن والمواضع التي هي أم ما حولها، وقوله:﴾ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ﴿[القصص: ٥٩] قال مقاتل: يخبرهم الرسول أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا.
﴾ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴿[القصص: ٥٩] قال عطاء: يريد بظلمهم أهلكتهم، وظلمهم شركهم.
﴾ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴿٦٠﴾ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴿٦١﴾ ﴿[القصص: ٦٠-٦١]﴾ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ ﴿[القصص: ٦٠] الخطاب لكفار مكة، يقول: ما أعطيتم من خير ومال،﴾ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
[ ٣ / ٤٠٤ ]
وَزِينَتُهَا ﴿[القصص: ٦٠] تتمتعون به أيام حياتكم، ثم هي إلى فناء وانقضاء،﴾ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ ﴿[القصص: ٦٠] من الثواب، خير وأبقى أفضل وأدوم لأهله مما أعطيتم في الدنيا، أفلا تعقلون أن الباقي أفضل من الفاني الذاهب.
﴾ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا ﴿[القصص: ٦١] يعني الجنة، يقول: أفمن وعدنا على إيمانه وطاعته الجنة والثواب الجزيل، فهو لاقيه مدركه ومصيبه،﴾ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴿[القصص: ٦١] كمن هو متمتع بشيء يفنى ويزول عن قريب،﴾ ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴿[القصص: ٦١] النار، فقال قتادة: يعني المؤمن والكافر، فالمؤمن سمع كتاب الله فصدقه وآمن بموعود الله فيه، وليس كالكافر الذي يتمتع بالدنيا، ثم هو يوم القيامة من المحضرين في عذاب الله.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث، أنا أبو الشيخ الحافظ، أنا محمد بن سليمان، نا عبد الله بن حازم، نا بدل بن المحبر، نا شعبة، عن أبان، عن مجاهد في قوله:﴾ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا ﴿[القصص: ٦١] الآية، قال: نزلت في عليّ وحمزة وأبي جهل.
وقوله:﴾ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿٦٢﴾ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴿٦٣﴾ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ﴿٦٤﴾ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴿٦٥﴾ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ ﴿٦٦﴾ فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴿٦٧﴾ ﴿[القصص: ٦٢-٦٧]﴾ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ ﴿[القصص: ٦٢] ينادي الله المشركين يوم القيامة،﴾ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿[القصص: ٦٢] في الدنيا أنهم شركائي.
﴾ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ﴿[القصص: ٦٣] حقت عليهم كلمة العذاب، يعني رؤساء الضلالة،﴾ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا ﴿[القصص: ٦٣] يعنون الأتباع،﴾ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ﴿[القصص: ٦٣] أضللناهم كما ضللنا، تبرأنا إليك منهم، قال الزجاج: برئ بعضهم من بعض وصاروا أعداء، كما قال ﷿:﴾ الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴿[الزخرف: ٦٧] .
وقيل لكفار بني آدم: ادعوا شركاءكم استغيثوا بآلهتكم التي كنتم تعبدونها ليخلصوكم من العذاب،﴾ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ﴿[القصص: ٦٤] لم يجيبوهم إلى نصرهم،﴾ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ﴿[القصص: ٦٤] جواب لو محذوف على تقدير لو أنهم كانوا يهتدون، أي في الدنيا، ما رأوا العذاب.
﴾ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ ﴿[القصص: ٦٥] يعني: يسأل الله الكفار،﴾ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴿[القصص: ٦٥] ما كان جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين، فعميت خفيت واشتهيت،﴾ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ ﴿[القصص: ٦٦] قال مجاهد، ومقاتل: الحجج.
وسميت حججهم أنباء لأنها أخبار يخبرونها وهم لا يجتنبون ولا ينطقون بحجة، لأن الله أدحض حجتهم، وكلل ألسنتهم.
قال الفراء: جاء في التفسير عميت عليهم الحجج يومئذ، فسكتوا، فذلك قوله:﴾ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ ﴿[القصص: ٦٦] لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجج.
﴾ فَأَمَّا مَنْ تَابَ ﴿[القصص: ٦٧] عن الشرك، وآمن وصدق بتوحيد الله، وعمل صالحا أدى الفرائض،﴾ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴿[القصص: ٦٧] من الناجحين الفائزين، وعسى من الله واجب.
قوله:﴾
[ ٣ / ٤٠٥ ]
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٦٨﴾ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿٦٩﴾ وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٧٠﴾ ﴿[القصص: ٦٨-٧٠]﴾ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴿[القصص: ٦٨] قال المفسرون: نزلت هذه الآية جوابا للمشركين حين قالوا:﴾ لو نزلا هذا القرءان على رجل ﴿الآية، ومعناه: ويختار من يشاء لنبوته ورسالته، أي: فكما أن الخلق إليه ما يشاء، فكذلك الاختيار إليه في جميع الأشياء، فيختار مما خلق ومن يشاء، ثم نفى الاختيار عن المشركين، وذلك أنهم اختاروا الوليد بن المغيرة من مكة، أو عروة بن مسعود من الطائف، فقال:﴾ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ﴿[القصص: ٦٨] أي الاختيار، أي: ليس لهم أن يختاروا على الله، قال ابن قتيبة: أي لا يرسل على اختيارهم.
والخيرة اسم من الاختيار تقام مقام المصدر، والخيرة اسم للمختار أيضا، يقال: محمد خيرة الله من خلقه، أي مختاره، ويجوز التخفيف فيها.
ثم نزه نفسه عن شركهم، فقال:﴾ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿[القصص: ٦٨] .
ثم أخبر بنفوذ علمه فيما خفي وظهر، فقال:﴾ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ﴿[القصص: ٦٩] مما تستر قلوبهم من الكفر والعداوة لله ورسوله، وما يعلنون بألسنتهم من الكفر والمعاصي.
ثم وحد نفسه، فقال:﴾ وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ ﴿[القصص: ٧٠] يحمده أولياؤه في الدنيا ويحمدونه في الآخرة في الجنة، وله الحكم الفصل بين الخلائق، قال ابن عباس: حكم لأهل طاعته بالمغفرة، ولأهل معصيته بالشقاء والويل.
ثم قال تعالى:﴾ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ ﴿٧١﴾ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴿٧٢﴾ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٧٣﴾ ﴿[القصص: ٧١-٧٣] قل أي: لأهل مكة، أرأيتم معناه أخبروني،﴾ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا ﴿[القصص: ٧١] دائما،﴾ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴿[القصص: ٧١] لا نهار معه،﴾ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ ﴿[القصص: ٧١] بنور تطلبون فيه المعيشة، ونهار تبصرون فيه، أفلا تسمعون سماع فهم وقبول، فتستدلوا بذلك على توحيد الله، وقوله: تسكنون فيه أي: تستريحون فيه من الحركة والنصب، أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال.
ثم أخبر أن الليل والنهار رحمة منه، فقال:﴾ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴿[القصص: ٧٣] يعني في الليل،﴾ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ﴿[القصص: ٧٣] لتلتمسوا في النهار من فضل الله، ولعلكم تشكرون الله الذي أنعم عليكم بهما.
﴾ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿٧٤﴾ وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا
[ ٣ / ٤٠٦ ]
فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿٧٥﴾ ﴿[القصص: ٧٤-٧٥]﴾ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿[القصص: ٧٤] وقد مر تفسيرها، وإنما كرر ذكر النداء للمشركين بأين شركائي تقريعا لهم بعد تقريع.
﴾ وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴿[القصص: ٧٥] وأخرجنا من كل أمة رسولها الذي يشهد عليهم بالتبليغ وبما قال منهم، وهذا كقوله:﴾ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴿[النساء: ٤١] الآية، وقوله:﴾ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴿[النحل: ٨٤] وقوله:﴾ فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ﴿[القصص: ٧٥] قال مجاهد: حجتكم بما كنتم تعبدون.
وقال مقاتل: حجتكم بأن معي شريكا.
﴾ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ ﴿[القصص: ٧٥] التوحيد،﴾ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴿[القصص: ٧٥] زال وبطل في الآخرة،﴾ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿[القصص: ٧٥] في الدنيا من أن مع الله شريكا.
﴾ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴿٧٦﴾ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴿٧٧﴾ ﴿[القصص: ٧٦-٧٧] قوله:﴾ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى ﴿[القصص: ٧٦] قال عطاء، عن ابن عباس ﵁: كان من بني إسرائيل، ثم من سبط موسى، وهو ابن خالته.
وقال قتادة، ومقاتل: كان ابن عمه لحا، لأنه كان قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث.
وقوله: فبغى عليهم أي: بكثرة ماله جاوز الحد في التكبر والتجبر عليهم، وقال شهر بن حوشب: زاد عليهم في الثياب شبرا، والمعنى أنه تكبر عليهم، وطول الثياب من علامات التكبر، ولذلك نهي عنه، وقوله:﴾ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ ﴿[القصص: ٧٦] قال عطاء: أصاب كنزا من كنوز يوسف، فكان كما ذكره الله تعالى:﴾ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ ﴿[القصص: ٧٦] أي: خزائنه في قول الأكثرين، كقوله:﴾ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ﴿[الأنعام: ٥٩] وهو اختيار الزجاج، فإن الأشبه في التفسير أن مفاتحه خزائن ماله.
وقال آخرون: هي جمع مفتاح، وهو ما يفتح به الباب.
وهذا قول قتادة، ومجاهد.
وروى الأعمى، عن خيثمة، قال: كانت مفاتيح قارون من جلود، كل مفتاح مثل الإصبع، مفتاح كل خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على ستين بغلا، وهو قوله:﴾ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴿[القصص: ٧٦] .
يقال: ناء بحمله إذا نهض به مثقلا.
قال ابن عباس: كان يحمل مفاتيحه الأربعون رجلا أقوى ما يكون من الرجال.
والمعنى: تثقلهم حمل المفاتيح.
يقال: نأى الحمل إذا أثقلت، فجعلت تنوء به.
﴾ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴿[القصص: ٧٦] المؤمنون من بني إسرائيل: لا تفرح قال المفسرون: لا تأشر ولا تمرح ولا تبطر.
﴾ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴿[القصص: ٧٦] الأشرين البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم.
﴾ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ ﴿[القصص: ٧٧] واطلب فيما أعطاك الله من الأموال والنعمة الجنة، وهو أن يقوم بشكر الله فيما أنعم عليه، وينفقه في رضا الله،﴾ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴿[القصص: ٧٧] وهو أن يعمل في الدنيا لأخرته، هذا قول أكثر المفسرين، واختيار الزجاج، قال: معناه لا تنسى أن تعمل لآخرتك، لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا
[ ٣ / ٤٠٧ ]
الذي يعمل به لآخرته.
وقال الحسن: أمر أن يقدم الفضل، وأن يمسك ما يغنيه.
﴾ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴿[القصص: ٧٧] أطع الله واعبده لما أنعم عليك، وأحسن العطية في الصدقة والخير،﴾ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ ﴿[القصص: ٧٧] لا تبغ بإحسان الله إليك أن تعمل في الأرض بالمعاصي.
﴾ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴿[القصص: ٧٨]﴾ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴿[القصص: ٧٨] قال عطاء: فكفر لما رأى أن المال حصل له بعلمه، ولم يعتبره من عطاء الله، فكأنه أراد بعلمه في التصرف وأنواع المكاسب، وقال آخرون: معناه إنما أوتيته على خير علمه الله عندي، فكنت أهلا لما أعطيته لفضل علمي.
وقال الكلبي: على علم عندي بصنعة الذهب.
قال الله: أولم يعلم قارون،﴾ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ ﴿[القصص: ٧٨] بالعذاب،﴾ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ ﴿[القصص: ٧٨] في الدنيا حين كذبوا رسلهم،﴾ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ﴿[القصص: ٧٨] للأموال،﴾ وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴿[القصص: ٧٨] قال قتادة: إنهم يدخلون النار بغير حساب، وأما قوله:﴾ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ ﴿[الحجر: ٩٢] فإنهم يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، كما قال الحسن: لا يسألون ليعلم ذلك من قبلهم، وإنما سئلوا سؤال تقريع وتوبيخ.
قوله:﴾ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٧٩﴾ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ ﴿٨٠﴾ ﴿[القصص: ٧٩-٨٠]﴾ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ [القصص: ٧٩] قال السدي: خرج في جوار بيض على سرج من ذهب، على قطف أرجوان، على بغال بيض، عليهن ثياب حمر وحلي من ذهب.
وقال مقاتل: خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأرجوان، ومعه أربعة آلاف فارس على الخيل، عليهم وعلى دوابهم الأرجوان، ومعهم ثلات مائة جارية بيض، عليهن الحلي والثياب الحمر على البغال الشهب.
وقال ابن زيد: خرج في سبعين ألفا عليهم المعصفرات.
وهذا معنى قول الحسن: في ثياب صفر.
٧٠٤ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الشَّاشِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الرَّسْغَنِيُّ، نا جَدِّي، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّرَائِفِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ عُرْوَةَ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " أَرْبَعُ خِصَالٍ مِنْ قَوْمِ قَارُونَ: جَرُّ نِصَالِ السُّيُوفِ فِي
[ ٣ / ٤٠٨ ]
الأَرْضِ، وَلِبَاسُ الْخِفَافِ الْمَقْلُوبَةِ، وَلِبَاسُ الأُرْجُوَانِ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ لا يَنْظُرُ فِي وَجْهِ خَادِمِهِ إِلا تَكَبُّرًا "
قال الزجاج: الأرجوان في اللغة صبغ أحمر، وهو ما روي أنه كان عليهم، وعلى خيلهم الديباج الأحمر.
قال مقاتل: فلما نظر مؤمنو أهل ذلك الزمان في تلك الزينة والجمال تمنوا مثل ذلك، وهو قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩] نصيب آخر من الدنيا.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [القصص: ٨٠] قال ابن عباس: يعني الأحبار من بني إسرائيل.
وقال مقاتل: بما وعده الله في الآخرة.
قالوا للذين تمنوا مثل ما أوتي قارون: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ﴾ [القصص: ٨٠] ما عند الله من الثواب والجزاء، ﴿خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ﴾ [القصص: ٨٠] وصدق بتوحيد الله، وعمل صالحا وقام بالفرائض مما أعطي قارون في الدنيا، ولا يلقاها قال مقاتل: لا يؤتاها.
يعني: الأعمال الصالحة، ودل عليها قوله: وعمل صالحا وقال الكلبي: لا يعطاها في الآخرة ﴿إِلا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] على أمر الله.
يعني الجنة، ودل عليه قوله: ثواب الله.
قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴿٨١﴾ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٢﴾﴾ [القصص: ٨١-٨٢] ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١] قال السدي: دعا قارون امرأة من بني إسرائيل بغيا، فقال لها: إني أعطيك ألفين على أن تجيئي غدا إذا اجتمعت بنو إسرائيل عندي، فتقولي: يا معشر بني إسرائيل، ما لي ولموسى، قد آذاني.
قالت: نعم.
فأعطاها خريطتين عليها خاتمه، فلما جاءت المرأة بيتها ندمت وقالت: يا ويلها، قد عملت كل فاحشة، فما بقي إلا أن أفتري على نبي الله، فلما أصبحت أقبلت ومعها الخريطتان حتى قامت على بني إسرائيل، فقالت: إن قارون أعطاني هاتين الخريطتين على أن آتي جماعتكم فأزعم أن موسى يريدني على نفسي، ومعاذ الله أن أفتري على نبي الله، وهذه دراهمه عليها خاتمه، فعرف بنو إسرائيل خواتم قارون، فغضب موسى ﵇، فدعا الله عليه، فأوحى الله تعالى إليه: إني قد أمرت الأرض أن تطيعك وسلطتها عليه، فمرها.
فقال موسى: يا أرض خذيه وهو على سريره وفرشه، فأخذته حتى غيبت سريره، فلما رأى ذلك قارون ناشده الرحم، فقال: خذيه.
فأخذته حتى غيبت قدميه، ثم أخذته حتى غيبت ركبتيه، ثم قال: خذيه.
فأخذته حتى غيبت حقويه، وهو يناشده الرحم، فقال: خذيه.
فأخذته حتى غيبته، فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى ناشدك الرحم واستغاثك فأبيت أن تغيثه، لو إياي دعا أو استغاثني لأغثته.
أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي، نا محمد بن عبد الله بن الفضل التاجر، أنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، نا محمد بن يحيى، نا سعيد بن أبي مريم، أنا الليث، أنا عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عوف القاري، من بني قارة، أنه بلغه أن الله تعالى أمر الأرض أن تطيع موسى في قارون، فلما لقيه
[ ٣ / ٤٠٩ ]
موسى، قال للأرض: أطيعي.
فأخذته إلى الركبتين، ثم قال لها: أطيعي.
فأخذته إلى الحقوين، وهو في ذلك يستغيث بموسى، ثم قال: أطيعي.
فوارته في جوفها، فأوحى الله إليه: يا موسى، ما أغلظ قلبك، أما وعزتي وجلالي لو بي استغاث لأغثته.
قال: رب غضبا لك فعلت.
قال قتادة، ومقاتل: خسف به فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل إلى يوم القيامة.
قوله: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [القصص: ٨١] يقول: لم يكن له خير يمنعونه من الله، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١] من الممتنعين مما نزل من الخسف.
﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ﴾ [القصص: ٨٢] صار أولئك الذين تمنوا ما رزق من المال والزينة، يتندمون على ذلك التمني، وهو قوله: ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ [القصص: ٨٢] الآية، قال الكسائي: ويكأن في التأويل: ذلك أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
وقال أبو عبيدة: سبيلها سبيل ألم تر.
وقال مجاهد، وقتادة: ألم تعلم.
وقال الخليل، والفراء: وي مفصولة من كأن وذلك أن القوم تنبهوا فقالوا: وي متندمين على ما سلف منهم، وكل من تندم فإظهار ندامته أن يقول: وي، وكأن في مذهب الظن والعلم.
قوله: ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [القصص: ٨٢] أي: بالعافية والرحمة والإيمان، لخسف بنا أي الله، ومن ضم الخاء فإنه يئول في المعنى إلى الأول.
ويكأنه معناه: ألم تر أنه، وأما ترى أنه، ﴿لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢] لا يسعد من يكفر بالله، ومعنى ويكأنه تنبيه.
﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٨٣﴾ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٨٤﴾﴾ [القصص: ٨٣-٨٤] وقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣] يعني الجنة، ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣] قال عطاء: علوا على خلقي في الأرض.
وقال الحسن: لم يطلبوا الشرف والعز عند ذي سلطانهم.
وقال الكلبي، ومقاتل: استكبارا عن الإيمان.
٧٠٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو عَبَّاسٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَمَّالُ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَزِيدَ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ عَبْدِ الْغَفُورِ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁، أَنَهُ كَانَ يَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ وَحْدَهُ، وَهُوَ وَالٍ، يُرْشِدُ الضَّالَّ، وَيُعِينُ الضَّعِيفَ، وَيَمُرُّ بِالْبَيَّاعِ وَالْبَقَّالِ فَيَفْتَحُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، وَيَقْرَأُ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ وَيَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَهْلِ الْعَدْلِ وَالتَّوَاضُعِ مِنَ الْوُلاةِ وَأَهْلِ الْقُدْرَةِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ
٧٠٦ - أَخْبَرَنِي الْحَاكِمُ أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ، كِتَابَةً، أَنَّ أَبَا الْفَضْلِ الْحَدَّادِيَّ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْخَالِدِيِّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا وَكِيعٌ، عَنْ أَشْعَثَ الشَّامِيِّ، عَنْ أَبِي سَلامٍ الأَعْرَجِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ شِرَاكُ نَعْلِهِ فَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾ يَعْنِي: أَنَّ مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى غَيْرِهِ بِلِبَاسٍ يُعْجِبُهُ فَهُوَ مِمَّنْ يُرِيدُ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ
وقوله: ولا فسادا قال الكلبي: هو الدعاء إلى عبادة غير الله.
وقال مقاتل: عملا بالمعاصي.
وقال عكرمة، ومسلم البطين: هو أخذ المال بغير حق.
والعاقبة للمتقين أي: الجنة لمن اتقى عقاب الله بأداء الفرائض واجتناب معاصيه.
قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [القصص: ٨٤] قال
[ ٣ / ٤١٠ ]
ابن عباس: يريد الذي أشركوا.
﴿إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤] إلا جزاء ما كانوا يعملون من الشرك، وجزاؤه النار.
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٨٥﴾ وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ ﴿٨٦﴾ وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٨٧﴾ وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٨٨﴾﴾ [القصص: ٨٥-٨٨] ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ﴾ [القصص: ٨٥] قال المفسرون: أنزل عليك القرآن.
قال الزجاج: فرض عليك العمل بما يوجبه القرآن.
وتقدير الكلام فرض عليك أحكام القرآن وفرائض القرآن، ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] يعني مكة، قال المفسرون: لما نزل النبي ﷺ الجحفة في مسيره إلى المدينة، لما هاجر إليها اشتاق إلى مكة، فأتاه جبريل، فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال: نعم.
فقال جبريل: فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] يعني إلى مكة، ظاهرا عليها.
فنزلت الآية بالجحفة وليست مكية ولا مدنية، وسميت مكة معادا لعوده إليها.
وتم الكلام، ثم ابتدأ كلاما آخر، فقال: قل ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ [القصص: ٣٧] وهو جواب لكفار مكة لما قالوا لمحمد ﷺ: إنك في ضلال.
فقال الله: قل لهم ربي أعلم بمن جاء بالهدى، يعني نفسه، ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [القصص: ٨٥] يعني المشركين، والمعنى: الله أعلم بالفريقين، وقد علم أني قد جئت بالهدى وأنكم في ضلال.
ثم ذكره نعمه، فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ [القصص: ٨٦] أن يوحى إليك القرآن بأن تكون نبيا، ﴿إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] قال الفراء: هذا من الاستثناء المنقطع، ومعناه: ما كنت ترجو أن تعلم كتب الأولين وقصصهم، تتلوها على أهل مكة إلا أن ربك رحمك وأراد بك الخير.
﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦] معينا لهم على دينهم.
قال مقاتل: وذلك حين دعى إلى دين آبائه، فذكره الله نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما كانوا عليه.
وأمره بالتحرز منهم بقوله: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [القصص: ٨٧] يعني القرآن، ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٧] إلى معرفته وتوحيده، ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص: ٨٧] قال ابن عباس ﵁: الخطاب له في الظاهر، والمراد به أهل دينه، أي تظاهروا الكفار ولا توافقوهم.
وكذلك قوله: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] لا تعبد معه غيره، ثم وحد نفسه، فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] قال عطاء، عن ابن عباس: إلا ما أريد به وجهه.
وهو قول الكلبي، قال: كل عمل لغيره فهو هالك إلا ما كان له.
وقال سفيان ﵀: إلا ما أريد به وجه الله من الأعمال.
وهو اختيار الفراء، وأنشد:
أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل
أي: إليه أوجه العمل، وعلى هذا وجه الله ما وجه إليه من الأعمال، له الحكم أي: الفصل بين الخلائق في الآخرة دون غيره، وإليه ترجعون تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.
[ ٣ / ٤١١ ]