مكية، وآياتها عشر ومائة.
٥٦١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّقَطِيُّ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، قَالَ: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، ثُمَّ أَدْرَكَ الدَّجَّالَ؛ لَمْ يَضُرَّهُ، وَمَنْ حَفِظَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْكَهْفِ؛ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
٥٦٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو الْفَضْلِ الزُّهْرِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ، نا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ مَنْظُورِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خَلَفٍ الْجُهَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الْكَهْفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَهُوَ مَعْصُومٌ إِلَى سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ تَكُونُ، فَإِنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ؛ عُصِمَ مِنْهُ»
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ﴿١﴾ قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴿٢﴾ مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴿٣﴾ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴿٤﴾ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا ﴿٥﴾ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴿٦﴾ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ﴿٧﴾ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ﴿٨﴾﴾ [الكهف: ١-٨] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] يعني القرآن على محمد ﷺ، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: ١] أي: لم يجعله ملتبسا لا يفهم، ومعوجا لا يستقيم، وهذا معنى قول ابن عباس فِي رواية الوالبي، قال الزجاج: لم يجعل فِيهِ اختلافا، كما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .
يدل على هذا قوله: قيما قال ابن عباس: مستقيما عدلا.
وهذا من التقديم والتأخير، والتقدير: أنزل على عبده الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجا،
[ ٣ / ١٣٥ ]
وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] قال ابن عباس: لينذر عذابا شديدا.
والمعنى: لينذر الكافرين بعذاب شديد، من لدنه من عنده، ومن قبله، وروى أبو بكر، عن عاصم من لدنه بشد الدال إلى الضمة، وبكسر النون والهاء، وهو لغة الكلابيين، وروى أبو زيد، عنهم أجمعين هذا من لدنه فتحوا اللام، وضموا الدال، وكسروا النون، ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف: ٢] ثوابا عظيما، وهو الجنة.
﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣] مقيمين فِي ذلك الأجر، خالدين فِيهِ.
﴿وَيُنْذِرَ﴾ [الكهف: ٤] بعذاب الله، ﴿الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: ٤] قال الكلبي، والسدي: يعني اليهود والنصارى.
وقال محمد بن إسحاق: يعني قريشا فِي قولهم الملائكة بنات الله.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ [الكهف: ٥] بذلك القول، من علم لأنهم قالوا جهلا وافتراء على الله، ﴿وَلا لآبَائِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] الذين قالوا ذلك، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ [الكهف: ٥] قال الفراء: كبرت تلك الكلمة كلمة.
وقال الزجاج: كبرت مقالتهم كلمة.
وكلمة منصوب على التمييز.
وقوله: ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] أي أنها قول بالفم، لا صحة له، ولا دليل عليه، ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] ما يقولون بذلك القول إلا كذبا.
ثم عاتبه على حزنه بفوت ما كان يرجو من إسلامهم بقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] قال جماعة المفسرين: قاتل نفسك.
يقال: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظا من شدة وجده بالشيء.
وقوله: ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦] أي: من بعدهم، أي: من بعد توليهم وإعراضهم عنك، ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ [الكهف: ٦] يعني القرآن، ﴿أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] قال ابن عباس: غيظا وحزنا.
وفي هذا إشارة إلى نهي النبي ﷺ عن كثرة الحرص على إيمان قومه حتى يؤدي ذلك إلى هلاك نفسه بالأسف.
قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف: ٧] بما عليها من الماء والنبات والأشجار، والمعادن من الذهب والفضة وأنواع الجواهر، ويدخل فِي هذا كله ما على الأرض من ذي الروح والجماد، وقوله: لنبلوهم لنختبر الخلق، والمعنى: لنعاملهم معاملة المبتلى، ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الكهف: ٧] هذا أم هذا؟ قال الحسن: أيهم أزهد فِي الدنيا، وأترك لها.
وقال مقاتل: أيهم أصلح فِيها: من أوتي من المال فأحسن العمل، أمَّن زهد فيما زين له من الدنيا.
ثم أعلم الله ﷿ أنه مبيد ومفن
[ ٣ / ١٣٦ ]
ذلك كله بقوله: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] الصعيد: المستوي من الأرض، والجزر: التي لا نبات فِيها، وقال مجاهد: بلاقع ليس فِيها نبات.
وقال عطاء: يريد يوم القيامة، يجعل الله الأرض جرزا ليس فِيها ماء ولا نبات.
وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ﴿٩﴾ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴿١٠﴾ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴿١١﴾ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ﴿١٢﴾﴾ [الكهف: ٩-١٢] أم حسبت معناه بل أحسبت، ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ٩] يعني الفتية الذين سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن قصتهم، والكهف مغارة فِي الجبل، إلا أنه واسع، فإذا صغر فهو غار وقوله: والرقيم زعم كعب، والسدي أن الرقيم اسم للقرية التي خرج منها أصحاب الكهف.
وقال سعيد بن جبير، وابن عباس فِي رواية عطاء: الرقيم الكتاب، وهو لوح كانت فِيهِ أسماؤهم.
قال الفراء: ونرى أنه إنما سمي رقيما لأن أسماءهم كانت مرقومة فِيهِ، والرقيم الكتابة.
وقوله: ﴿كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: ٩] قال مجاهد: لم يكونوا بأعجب آياتنا.
وقال قتادة: يقول: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك.
قال الزجاج: أعلم الله أن قصة أصحاب الكهف ليست بعجيبة من آيات الله، لأن خلق السموات والأرض وما بينهم مما شاهد أعجب من قصة أصحاب الكهف.
قوله: ﴿إِذْ أَوَى﴾ [الكهف: ١٠] أي: اذكر لقومك إذا أوى، الفتية يعني: أولئك الشبان، صاروا إلى الكهف، وجعلوه مأواهم، ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [الكهف: ١٠] أي: أعطنا من عندك مغفرة ورزقا، وهيئ لنا وأصلح لنا، من قوله: هيأت الأمر، فتهيأ، ﴿مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠] الرُّشْدُ والرَّشدُ والرَّشَادُ نقيض الضلال، أي: أرشدنا إلى ما يقرب منك، والمعنى: هيئ لنا من أمرنا ما نصيب به الرشد.
قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] قال المفسرون: أنمناهم.
والمعنى: سددنا آذانهم بالنوم الغالب على نفوذ الأصوات إليها.
وقوله: ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف: ١١] أي: ذات عدد، يعني سنين كثيرة، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ [الكهف: ١٢] أيقظناهم بعد نومهم، لنعلم قال المفسرون: لنرى.
وذكرنا وجه علم الله فيما يستقبل فِي مواضع.
﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢] قال قتادة، ومجاهد: أيِ
[ ٣ / ١٣٧ ]
الحزبين من المؤمنين والكافرين من قوم أصحاب الكهف أحصى عد مدة لبثهم، وعلم ذلك.
وكأنه وقع بينهم تنازع فِي مدة لبثهم فِي الكهف بعد خروجهم من بينهم، فبعثهم الله ليتبين ذلك ويظهر.
قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴿١٣﴾ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ﴿١٤﴾ هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴿١٥﴾ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ﴿١٦﴾ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴿١٧﴾ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ﴿١٨﴾﴾ [الكهف: ١٣-١٨] ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ﴾ [الكهف: ١٣] خبر الفتية بالحق بالصدق، إنهم فتية أحداث وشباب، ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] ثبتناهم على الإيمان.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ١٤] ألهمناهم الصبر، ﴿إِذْ قَامُوا﴾ [الكهف: ١٤] بين يدي ملكهم دقيانوس الجبار الذي كان يفتن أهل الإيمان عن دينهم، فربط الله على قلوبهم بالصبر واليقين حين قالوا بين يديه: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف: ١٤] الآية.
وذلك أنه كان يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، فثبت الله هؤلاء الفتية، وعصمهم حتى عصوا ذلك الجبار، وأقروا بربوبية الله تعالى وحده، وأنهم إن دعوا غيره وعبدوه كان ذلك شططا، وهو قوله: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤] كذبا وجورا، وأصل الشطط مجاوزة القدر.
﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا﴾ [الكهف: ١٥] هذا من قول الفتية، يعنون الذين كانوا فِي زمان دقيانوس، ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الكهف: ١٥] عبدوا الأصنام لولا هلا، ﴿يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ١٥] على عبادتهم، ﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف: ١٥] بحجة بينه ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: ١٥] فزعم أن له شريك فِي العبادة.
قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ [الكهف: ١٦] قال ابن عباس ﵁: هذا من قول يمليخا، وهو رئيس أصحاب الكهف.
قال لهم: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ [الكهف: ١٦] أي: فارقتموهم، وتنحيتم عنهم جانبا، يعني عبدة الأصنام، وما يعبدون أي: اعتزلتم ما يعبدون، إلا الله فإنكم لن تتركوا عبادته، وذلك أنهم كانوا يشركون بالله، فقال: اعتزلتم الأصنام، ولم تعتزلوا الله ولا عبادته.
﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] صيروا إليه، واجعلوه مأواكم، ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف: ١٦] يبسطها عليكم، ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [الكهف: ١٦] قال ابن عباس: يسهل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه، ويأتكم باليسر وبالرفق واللطف.
وكل ما ارتفقت به فهو مرفق، ويقال فِيهِ أيضا: مرفق بفتح الميم وكسر الفاء، كقراءة أهل المدينة، وهما لغتان في مرفق اليد والأمر، قال الفراء: وأكثر العرب على كسر الميم من الأمر، ومن مرفق الإنسان، وقد تفتح العرب أيضا الميم فِيهمَا لغتان، وكأن الذين فتحوا الميم أرادوا أن يفرقوا بين
[ ٣ / ١٣٨ ]
المرفق، والأمر المرفق من الإنسان.
قوله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ [الكهف: ١٧] أي: لو رأيتها، لرأيت كما ذكر الله تعالى ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧] تنتحي وتميل عنهم، ومعنى التزاور التمايل، من الزور والأزور، وقراءة أهل الكوفة بحذف تاء التفاعل، وقرأ ابن عامر تزور، وقال الأخفش: لا يوضع الازورار فِي هذا المعنى، وإنما يقال: هذا مزرو عني، أي منقبض.
وقوله: ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف: ١٧] أي: ناحية اليمين، ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ [الكهف: ١٧] قال الأخفش، والزجاج، وأبو عبيدة: تعدل عنهم وتتركهم.
تقول لصاحبك: هل وردت مكان كذا؟ فيقول المجيب: إنما قرضته ذات الشمال، إذ مر به وتجاوز عنه.
قال الكلبي: يقول: إذا طلعت الشمس مالت عن كهفهم ذات اليمين، يعني يمين الكهف، وإذا غربت تمر بهم ذات الشمال، يعني شمال الكهف، لا تصيبه.
وكان كهفهم نحو بنات نعش، فِي أرض الروم، أعلم الله تعالى أنه بوأهم فِي مقناة من الكهف، مستقبلا بنات نعش، تميل عنهم الشمس طالعة وغاربة، لا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرها، وتغير ألوانهم، ثم أخبر أنهم كانوا فِي متسع من الكهف، ينالهم فِيهِ برد الريح ونسيم الهواء، فقال: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٧] أي: من الكهف، والفجوة متسع فِي مكان، ذَلِكَ أي: ذلك التزاور والقرض، ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف: ١٧] من دلائل قدرة الله ولطفه بأصحاب الكهف، ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الكهف: ١٧] أشار إلى أن الله تعالى هو الذي تولى هداية أصحاب الكهف، ولولا ذلك لم يهتدوا، فالمهتدي من هداه الله تعالى كهؤلاء، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴿١٧﴾﴾ [الكهف: ١٧-١٧] كدقيانوس الكافر وأصحابه.
قوله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا﴾ [الكهف: ١٨] أي: لو رأيتهم لحسبتهم أيقاظا، جمع يقظ ويقظان، ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨] نائمون، مصدر سمي به، كما يقال: قوم ركوع وسجود.
قال الكلبي: إنما يحسبون أيقاظا لأن أعينهم مفتحة وهم نيام.
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٨] قال ابن عباس: لئلا تأكل الأرض لحومهم.
وقال قتادة: ذكر لنا أن لهم فِي كل عام تقليبتين.
وقوله: وكلبهم قال ابن عباس، وأكثر المفسرين: أنهم هربوا من ملكهم ليلا، فمروا براع معه كلب، فتبعهم على دينهم، ومعه كلبه.
قال كعب: مروا بكلب، فتبعهم، فطردوه، فعاد ففعلوا ذلك مرارا، فقال لهم الكلب: ما تريدون مني؟ لا تخشوا جانبي، أنا أحب أولياء الله، فناموا حتى أحرسكم.
وقال أبو عبيد بن عمير: كان ذلك كلب صيدهم.
وقوله: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨] وهو أن يلقيهما على الأرض مبسوطتين، كافتراش السبع، وقوله: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] قال ابن عباس،
[ ٣ / ١٣٩ ]
والمفسرون: يعني فناء الكهف.
قال أبو عبيدة، وأبو عبيد: الوصيد فناء البيت.
﴿لَوِ اطَّلَعْتَ﴾ [الكهف: ١٨] أي أشرفت، ﴿عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ [الكهف: ١٨] لأدبرت وانقلبت، ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨] فزعا وخوفا، وذلك أن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يدخل عليهم أحد.
٥٦٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نا أَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ مُعَاوِيَةَ غَزْوَةَ الْمَضِيقِ نَحْوَ الرُّومِ، فَمَرُّوا بِالْكَهْفِ الَّذِي فِيهِ أَصْحَابُ الْكَهْفِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ، تَعَالَى، فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْ كُشِفَ لَنَا عَنْ هَؤُلاءِ، فَنَظَرْنَا إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ وَقَدْ مَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، فَقَالَ: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لا أَنْتَهِي حَتَّى أَعْلَمَ عِلْمَهُمْ، فَبَعَثَ رِجَالا، فَقَالَ: اذْهَبُوا فَادْخُلُوا الْكَهْفَ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأَخْرَجَتْهُمْ
وفي قوله: ولملئت قراءتان: التشديد والتخفيف، والاختيار التخفيف، لأنهم يقولون: ملأني رعبا.
ولا يكادون يقولون: ملَّأني.
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴿١٩﴾ إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ﴿٢٠﴾ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴿٢١﴾﴾ [الكهف: ١٩-٢١] وَكَذَلِكَ أي: وكما فعلنا بهم ما ذكر، بعثناهم أحييناهم من تلك النومة التي تشبه الموت، ليتساءلوا بينهم ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف فِي مدة لبثهم، ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] كم مر علينا منذ دخلنا هذا الكهف؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] قال المفسرون: إنهم دخلوا الكهف غدوة، وبعثهم الله تعالى فِي آخر النهار.
ولذلك قالوا: يوما، فلما رأوا الشمس قالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وكان قد بقي من النهار بقية، ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] قال ابن عباس: هو تمليخا رئيسهم، رد علم ذلك إلى الله.
﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف: ١٩] الورق الفضة، مضروبة وغير مضروبة.
يقال: وَرِقٌ وَوَرْقٌ، وإنما قال هذه لأنه عنى بالورق الدراهم أو الفضة، قال ابن عباس: وكانت معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان فِي زمانهم.
[ ٣ / ١٤٠ ]
وقوله: إلى المدينة يعني دقسوس، وهي مدينتهم، ويقال: هي اليوم طرسوس، ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩] قال عطاء، وسعيد بن جبير: أحل الذبائح، وذلك أن عامة أهل بلدهم كانوا كفارا، وفيهم قوم يخفون إيمانهم.
وقال مجاهد: قالوا لصاحبهم لا تتبع طعاما فِيهِ ظلم ولا غصب.
﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩] بما تأكلونه، وليتلطف وليدقق النظر، وليحتل حتى لا يطلع عليه، ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٩] قال ابن عباس: لا يخبرن بكم، ولا بمكانكم أحدا من أهل المدينة.
قوله: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ [الكهف: ٢٠] يشرفوا ويطلعوا عليكم، ويعلموا مكانكم، يرجموكم يقتلوكم بالرجم، وهو من أخبث القتل، ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٠] قال ابن عباس: يردوكم إلى دينهم، ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢٠] أي: إن رجعتم إلى دينهم لم تسعدوا فِي الدنيا ولا فِي الآخرة.
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] قال المفسرون: إن الفتية لما هربوا من ملكهم، ودخلوا الكهف، أمر الملك أن يسد عليهم باب الكهف، ويدعوهم كما هم فِي الكهف ليموتوا عطشا وجوعا، وليكن كهفهم الذي اختاروا قبرا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ، وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم، ثم إن رجلين مؤمنين كتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسماءهم وخبرهم فِي لوح من رصاص، وجعلاه فِي تابوت من نحاس، وجعلا التابوت فِي البنيان الذي بنوا على باب الكهف، وقالوا: لعل الله يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلموا خبرهم حين يقرأون هذا الكتاب.
ثم انقرض أهل ذلك الزمان، وخلفت بعدهم قرون، وملوك كثيرة، وملك أهل تلك البلاد رجل صالح، يقال له: تندوسيس.
وتحزب الناس فِي ملكه أحزابا، منهم من يؤمن بالله تعالى، ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب، فكبر ذلك على الملك الصالح، وشكا إلى الله تعالى، وتضرع، وقال: أي رب، اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم أن البعث حق، وأن الساعة آتية ﴿لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٢١] .
فألقى الله فِي نفس الرجل من أهل ذلك البلد الذي به الكهف، أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف، فيبني منه حظيرة لغنمه، ففعل ذلك، وبعث الله الفتية من نومهم، فأرسلوا أحدهم ليطلب لهم طعاما، فاطلع الناس على أمرهم، وبعثوا إلى الملك الصالح يعلمونه الخبر ليعجل القدوم عليهم، وينظر إلى آية من آيات الله جعلها الله فِي ملكه آية للعالمين، فتية بعثهم الله تعالى، وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلاث مائة سنة، فلما بلغه الخبر، حمد الله، وركب، وركب معه أهل مدينته حتى أتوا مدينة أصحاب الكهف، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] أي: وكما أنمناهم وبعثناهم أعثرنا أطلعنا وأظهرنا، ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ [الكهف: ٢١] بالبعث والثواب والعقاب، حق وأن القيامة لا شك فيها ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ [الكهف: ٢١] تنازع أهل ذلك الزمان فِي قدر مكثهم فِي الكهف، وفي عددهم، وفيما يفعلون بعد أن اطلعوا عليهم، فقال الله تعالى: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] بشأنهم وعددهم، وقال مشركو ذلك الوقت: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ [الكهف: ٢١] يعني: استروهم من الناس بأن تجعلوه وراء ذلك البنيان، كما يقال: بني عليه جدارا، إذا حوطه وجعله وراء الجدار.
﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] وهم المؤمنون الذين لم يشكوا فِي البعث، الملك وأصحابه: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] ذكر فِي القصة أن الملك جعل على باب الكهف مسجدا، وجعل عنده عيدا عظيما، وأمر أن يؤتى كل سنة، قال الزجاج: هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم، غلب المؤمنون بالبعث والنشور، لأن المساجد للمؤمنين.
قوله: ﴿
[ ٣ / ١٤١ ]
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنْهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢] ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] أخبر الله تعالى أنه سيقع نزاع فِي عددهم، ثم وقع ذلك لما وفد نصارى نجران إلى النبي ﷺ، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقالت اليعقوبية منهم: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم.
وقالت النسطورية: كانوا خمسة سادسهم كلبهم.
وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم.
وقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] الرجم: القول بالظن والحدس، وذلك أنه رمى الظن إلى ذلك الشيء، والمعنى: ظنا من غير يقين، كأنهم يرجمون القول فيهم بالغيبة عنهم، وإنما حذفت الواو من الجملتين المتقدمتين، لأن الذي فِيهمَا من الضمير يعقدهما بما قبلهما عقد الاتباع، لا سيما وقد ظهرت الواو فِي الجملة الثالثة، فدل ذلك على أنها مرادة فِي الجملتين المتقدمتين.
قال أبو على الفارسي، قوله: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، و﴿سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، جملتان استغني عن حرف العطف فِيهمَا بما تضمنتا من ذكر الجملة الأولى، وهو قوله: ثلاثة، والتقدير هم ثلاثة.
وهذا معنى قول الزجاج: دخول الواو في ﴿وَثَامِنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] وإخراجها من الأول واحد.
وقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢] أي: ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس، قال ابن عباس: أنا من ذلك القليل.
٥٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْشَاذَ، أنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ الْمُذَكِّرُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الأَرْغِيَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ شِبْلٍ الْبَاهِلِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي رَوْقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ﴾ قَالَ: أَنَا مِنْ أُولَئِكَ الْقَلِيلِ، وَهُمْ: مَكْسَلْمِينَا، وَتَمْلِيخَا، وَمَرْطُونَسَ، وَبَنْيُونَسَ، وَسَارَيُونَسَ، ودَنْوَانَسَ، وَكينشيطيونسَ، وَهُوَ الرَّاعِي، وَالْكَلْبُ اسْمُهُ قِطْمِيرٌ، كَلْبٌ أَنْمَرُ فَوْقَ الْقَلَطِيِّ وَدُونَ الْكُرْدِيِّ قَالَ
[ ٣ / ١٤٢ ]
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: الْقَلَطِيُّ كَلْبٌ زَيْتِيٌّ، وَقَالَ: مَا بَقِيَ بِنَيْسَابُورَ مُحَدِّثٌ إِلا كَتَبَ عَنِّي هَذَا الْحَدِيثَ إِلا مَنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ، قَالَ: وَكَتَبَ عَنِّي أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ، قَالَ الشَّيْخُ، ﵁: وَصَدَقَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، فَقَدْ رَأَيْتُ فِي تَفْسِيرِ أَبِي عَمْرٍو الْحِيرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْوِيًّا، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ
٥٦٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، نا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ، تَعَالَى، عَدَّهُمْ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّبْعَةِ، وَأَنَا مِنَ الْقَلِيلِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَهُمْ، هُمْ سَبْعَةٌ؛ يَعْنِي: أَصْحَابَ الْكَهْفِ
وقوله: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] المراء فِي اللغة الجدال، يقال: مارى يماري مماراة ومراء، أي جادل، والمعنى: لا تقل فِي أمرهم بغير ما أوحي إليك من أنه لا يعلم عددهم إلا القليل، ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢] فِي أصحاب الكهف، منهم من اليهود وأهل الكتاب، أحدا قال الفراء: هم فريقان أتوه من نجران: يعقوبي، ونسطوري، فسألهم النبي ﷺ عن عددهم فنهي.
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿٢٣﴾ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ﴿٢٤﴾﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] وقوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿٢٣﴾ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] قال المفسرون: لما سألت اليهود رسول الله ﷺ عن خبر الفتية، قال: غدا.
ولم يقل: إن شاء الله.
فحبس عنه الوحي حتى شق عليه، فأنزل الله هذه الآية، يأمره بالاستثناء بمشيئة الله تعالى، يقول: إذا قلت لشيء إني فاعله غدا، فقل إن شاء الله.
قال الأخفش، والمبرد: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول: إن شاء الله.
فأضمر القول، ولما حذف، تقول نقل شاء إلى لفظ الاستقبال، وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] الاستثناء بمشيئة الله تعالى، فاذكره وقله إذا تذكرت.
قال سعيد بن جبير: إذا قلت لشيء إني فاعله غدا، فنسيت الاستثناء، ثم تذكرت، فقل: إن شاء الله، وإن كان بعد يوم، أو شهر، أو سنة.
وقال عمرو بن دينار: له أن يستثني متى ذكر.
﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ [الكهف: ٢٤] الآية، قال الزجاج: عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب إلى الرشد، وأدل من قصة أصحاب الكهف.
ثم إن الله تعالى فعل به ذلك، حيث أتاه من علم غيوب المرسلين، وخبرهم ما كان أوضح فِي الحجة، وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف.
ثم أخبر عن قدر مدة لبثهم، فقال: ﴿
[ ٣ / ١٤٣ ]
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴿٢٥﴾ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴿٢٧﴾﴾ [الكهف: ٢٥-٢٧] ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٥] يعني من يوم دخلوا الكهف إلى أن بعثهم الله تعالى، وأطلع عليهم الخلق، ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف: ٢٥] قال الفراء، والزجاج، وأبو عبيدة، والكسائي: التقدير سنين ثلاث مائة.
وقال أبو علي الفارسي: سنين، بدل من قوله: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ [الكهف: ٢٥] كما تقول: أعطيته ألفا دراهم، ومائة أثوابا.
وقرأ حمزة ثلاث مائة سنين مضافة غير منونة، وهذه قراءة غير جيدة.
قال الأخفش: ولا يحسن إضافة المائة إلى السنين، ولا تكاد العرب تقول: مائة سنين.
قال الفراء: ومن العرب من يضع سنين فِي موضع سنة.
وقوله: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] يعني تسع سنين، فاستغني عن ذكر السنين بما تقدم من ذكرها.
ثم أخبر أنه أعلم بقدر مدة لبثهم من أهل الكتاب المختلفين فِيها، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] وقال الكلبي: قالت نصارى نجران: أما الثلاث مائة فقد عرفناها، وأما التسع فلا علم لنا بها.
فنزلت ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف: ٢٦] أي: علم ما غاب فيهما عن العباد، ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] هذا لفظ التعجب، كقولك: ما أبصره وأسمعه! والمعنى: ما أبصر الله بكل موجود! وأسمعه لكل مسموع! وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ [الكهف: ٢٦] ليس لأهل السموات والأرض من دون الله من ناصر، ولا يشرك الله، ﴿فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] فلا يجوز أن يحكم حاكم بغير ما حكم الله به، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه، فيكون شريكا لله فِي حكمه، وقرأ ابن عامر ولا تشرك على معنى ولا تشرك أنت أيها الإنسان فِي حكمه أحدا، على النهي عن الإشراك فِي حكمه.
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٢٧] معناه: اتبع القرآن، واعمل به، ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧] قال ابن عباس: لمواعيده.
وقال الزجاج: أي ما أخبر الله به، وما أمر به، فلا مبدل له.
وعلى هذا يكون التقدير: لا مبدل لحكم كلماته، ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧] قال مجاهد، والفراء: ملجأ.
وقال الزجاج: لن تجد معدلا عن أمره ونهيه.
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴿٢٨﴾ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ
[ ٣ / ١٤٤ ]
كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴿٢٩﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا ﴿٣٠﴾ أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴿٣١﴾﴾ [الكهف: ٢٨-٣١] قوله: واصبر نفسك الآية،،:
٥٦٦ - قال أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، إملاء فِي دار السنة يوم الجمعة بعد الصلاة، فِي شهور سنة ست عشرة وأربع مائةأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُسَرِّحِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي مَشْجَعَةَ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: جَاءَتِ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَالأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَذَوُوهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَوْ جَلَسْتَ فِي صَدْرِ الْمَسْجِدِ، وَنَحَّيْتَ عَنَّا هَؤُلاءِ وَأَرْوَاحَ جِبَابِهِمْ؛ يَعْنُونَ: سَلْمَانَ وَأَبَا ذَرٍّ وَفُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ عَلَيْهِمْ جِبَابُ الصُّفُوفِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ غَيْرُهَا؛ جَلَسْنَا إِلَيْكَ وَحَادَثْنَاكَ وَأَخَذْنَا عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، تَعَالَى ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ حَتَّى بَلَغَ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ يَتَهَدَّدُهُمْ بِالنَّارِ فَقَامَ النَّبِيُّ، ﷺ، يَلْتَمِسُهُمْ، حَتَّى إِذَا أَصَابَهُمْ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ، يَذْكُرُونَ اللَّهَ، تَعَالَى، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَمَرَنِي أَنْ أُصَبِّرَ نَفْسِي مَعَ رِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، مَعَكُمُ الْمَحْيَا وَمَعَكُمُ الْمَمَاتُ
وهذه الآية مفسرة فِي ﴿[الأنعام إلى قوله:] وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [سورة الكهف: ٢٨] .
قال الوالبي، عن ابن عباس: لا تتعداهم إلى غيرهم.
وقال الفراء: لا تنصرف عيناك عنهم.
وقال الزجاج: لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة.
وقوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨] يعني مجالسة أهل الشرف والغنى، وتريد ههنا فِي موضع الحال، أي مريدا، نهي أن يرفع بصره عن ضعفاء المؤمنين، مريدا مجالسة الأشراف، وكان ﷺ حريصا على إيمان الرؤساء، طمعا فِي إيمان أتباعهم، ولم ينسب إلى إرادة زينة الحياة الدنيا، لأنه لم يمل إلى الدنيا قط، ولا إلى أهلها، وإنما كان يلين فِي بعض الأحيان للرؤساء، طمعا فِي إيمانهم، فعوتب بهذه الآية، وأمر بأن يجعل إقباله على فقراء المسلمين، وألا يلتفت إلى غيرهم، وقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨] قال ابن عباس: يريد عيينة وأشباهه.
أي: لا تطعهم فِي تنحية الفقراء عنك ليجلسوا إليك، ومعنى ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨]
[ ٣ / ١٤٥ ]
جعلناه غافلا عن القرآن والإسلام وكلمة التوحيد والإسلام، وروى الضحاك، عن ابن عباس فِي قوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] قال: نزلت فِي أميه بن خلف الجمحي، وذلك أنه دعا النبي ﷺ إلى أمر كرهه الله من طردا الفقراء عنه، وتقريب صناديد أهل مكة، فأنزل الله تعالى ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨] يعني من ختمنا على قلبه عن التوحيد، واتبع هواه قال: يعني الشرك.
﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] قال مجاهد: ضياعا.
وقال السدي: هلاكا.
وأمر فرط: متهاون به، مضيع أصله من التفريط، وهو تقديم العجز.
قال الزجاج: ومن قدم العجر فِي أمره أضاعه الله وأهلكه.
ومعنى هذا أنه ترك الإيمان والاستدلال بآيات الله واتبع الهوى، وقال الليث: الفرط الأمر الذي يفرط فِيهِ، تقول: كان أمر فلان فرط.
ثم أمره بما يقول لهؤلاء الذين أمروه بتنحية الفقراء، وإدناء مجلسهم، ليؤمنوا به، فقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩] أي: هذا الحق من ربكم، قال قتادة: يعني القرآن.
وقال الزجاج: أي الذي أتيتكم به الحق من ربكم.
يعني لم آت به من قبل نفسي، وإنما أتيتكم به من عند الله، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] قال مجاهد، والسدي: هذا وعيد من الله تعالى، وإنذار.
وقد بين بعده ما لكل فريق من مؤمن وكافر، فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: ٢٩] أي: هيأنا وأعددنا لمن عبد غير الله نارا، ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] السرادق كل ما أحاط بالشيء واشتمل عليه من ثوب أو حائط.
٥٦٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُطَّوِّعِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، نا زُهَيْرٌ، نا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، نا دَرَّاجٌ أَبُو السَّمْحِ، أَنَّ أَبَا الْهَيْثَمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: «سُرَادِقُ النَّارِ أَرْبَعَةُ جُدُرٍ، كِثَفُ كُلِّ جِدَارٍ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً»، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ وَرَاءَ هَذِهِ الْجُدُرِ، وَهِيَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ وَشِدَّةِ الْعَطَشِ ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْوَالِبِيِّ وَالْعَوْفِيِّ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ
فيما:
٥٦٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الذُّهْلِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فِي قَوْلِ اللَّهِ، ﷿: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ كَعَكَرِ الزَّيْتِ، فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِ؛ سَقَطَ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ
وروى قتادة، والحسن، عن ابن مسعود، " أنه
[ ٣ / ١٤٦ ]
سئل عن المهل، فدعا بذهب وفضة، فخلطهما، فأذيبا، حتى إذا أزبدا وانماعا، قال: هذا أشبه شيء فِي الدنيا بالمهل الذي هو شراب أهل النار ".
وهذا القول اختيار الزجاج، فقال: إنهم يغاثون بماء كالرصاص المذاب، أو الصفر، أو الفضة.
وقوله: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] قال ابن عباس: يشويها حتى يسقط لحمها فِيهِ.
ثم ذمه، فقال: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ﴾ [الكهف: ٢٩] النار، ﴿مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] أي: منزلا ومقرا ومجلسا، ومعنى المرتفق فِي اللغة ما يرتفق به، ثم يسمى الدار والمنزل مرتفقا لأنه مما يرتفق به.
ثم ذكر ما وعد المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا﴾ [الكهف: ٣٠] أي: لا نترك أعمالهم تذهب ضياعا، بل نجازيهم بالأعمال الصالحة.
قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] قال الزجاج: أساور جمع أ ﴿[، وأسورة جمع سوار، هو زينة تلبس فِي الزند من اليد، وهو من زينة الملوك، يسور فِي اليد ويتوج على الرأس.
قال سعيد بن جبير: يحلى كل واحد منهم ثلاثة من الأساور، واحد من فضة، وواحد من ذهب، وواحد من لؤلؤ ويواقيت.
وروى أبو هريرة، عن النبي ﷺ، «لو أن أدنى أهل الجنة حلية، عدلت حليته بحلية أهل الدنيا جميعا، لكان ما يحليه الله به فِي الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعا» .
وقوله:] وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [سورة الكهف: ٣١] قال المفسرون: السندس نمارق من الديباج، والإستبرق ما غلظ منه، وهو اسم أعجمي، أصله الفارسية استبر، فنقل إلى العربية، وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الكهف: ٣١] الاتكاء التحامل على الشيء، نحو التوكؤ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨] والأرائك جمع أريكة، وهو سرير فِي حجلة، قال ابن عباس، ومجاهد: الأرائك السرر فِي الحجال، وهي من ذهب مكللة بالدر والياقوت.
﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ [الكهف: ٣١] قال ابن عباس: طاب ثوابهم وعظم.
﴿وَحَسُنَتْ﴾ [الكهف: ٣١] الأرائك، ﴿مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] موضع ارتفاق، بمعنى اتكاء.
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا ﴿٣٣﴾ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴿٣٤﴾ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴿٣٥﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴿٣٦﴾ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا ﴿٣٧﴾ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي
[ ٣ / ١٤٧ ]
أَحَدًا ﴿٣٨﴾ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا ﴿٣٩﴾ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴿٤٠﴾ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴿٤١﴾ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ﴿٤٢﴾ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴿٤٣﴾ هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ﴿٤٤﴾﴾ [الكهف: ٣٢-٤٤] قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد ابني ملك كان فِي بني إسرائيل، توفي وترك ابنين، فاتخذ أحدهما الجنان والقصور، والآخر كان زاهدا فِي الدنيا، راغبا فِي الآخرة، فكان إذا عمل أخوه شيئا من زينة الدنيا، أخذ مثل ذلك فقدمه لآخرته، وأخذ به عند الله الجنان والقصور، حتى نفذ ماله، فضربهما الله تعالى مثلا للمؤمن والكافر الذي ابطرته النعمة.
وهو قوله: ﴿جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ [الكهف: ٣٢] الحق الإحاطة بالشيء، ومنه قوله: ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] .
يقال: جعلنا النخل مطيفا بهما، ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا﴾ [الكهف: ٣٢] بين الجنتين، ﴿زَرْعًا﴾ [الكهف: ٣٢] .
ثم أخبر أنهما كانا يؤديان حملهما من نخلهما وأعنابهما، والزرع الذي كان بينهما، قال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: آتت صاحبها أكلها، وهو ما يؤكل منها من الريع، ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] لم تنقص، يقال: ظلمه حقه أي نقصه، وفجرنا خلالهما أنبطنا وأخرجنا وسط الجنتين، ﴿نَهَرًا ﴿٣٣﴾ وَكَانَ لَهُ﴾ [الكهف: ٣٣-٣٤] للأخ الكافر، ثمر قال الوالبي: مال.
وقال مجاهد: ذهب وفضة.
وقال قتادة: من كل المال.
وقرئ ثمر وثمر بضم الثاء وسكون الميم.
قال الليث: الثمر حمل الشجر، والثمر أنواع المال، يقال: أثمر الرجل إذا كثر ماله، وثمر الله مال فلان كثره.
والثمر تخفيف الثمر، مثل عنق وعنق، المفسرون على أن الثمر ههنا الأموال.
﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ [الكهف: ٣٤] لأخيه، ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٤] يراجعه الكلام، ويجاوبه، ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] النفر والقوم والرهط معناها الجمع، لا واحد لها من لفظها، قال ابن عباس: يريد كثرة العبيد، وعزه فيهم.
وقال قتادة: وتلك والله أمنية الفاجر، كثرة المال، وعزة النفر، وهم الخدم والحشم.
وقال غيره: يعني عشيرة ورهطا.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ [الكهف: ٣٥] قال المفسرون: أخذ بيد أخيه المسلم، فأدخله جنته، يطوف به فِيها، ويريه إياها، ويعجبه
[ ٣ / ١٤٨ ]
منها.
﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الكهف: ٣٥] بالكفر بالله، ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥] أنكر فناء الدنيا، وفناء جنته.
وأنكر البعث، والثواب والعقاب، بقوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦] قال الزجاج: أخبر أخاه بكفره بفناء الدنيا، وقيام الساعة، ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٦] الآية، قال ابن عباس: يريد إن كان البعث حقا.
﴿لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] أي: كما أعطاني هذه فِي الدنيا، سيعطيني فِي الآخرة أفضل منه، لكرامتي عليه، ومن قرأ منهما رد الكناية إلى الجنتين اللتين تقدم ذكرهما.
فأجابه صاحبه مكفرا له بمال قال ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الكهف: ٣٧] يعني أصل الخلقة، ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا﴾ [الكهف: ٣٧] أكملك وجعلك معتدل الخلق والقامة.
ثم أعلمه أنه موحد، فقال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] وأصله لكن أنا، فخففت الهمزة، وألقيت حركتها على النون الساكنة قبلها، فصار لكن، فأدغموا النون الأولى فِي الثانية، فصار لكن، ومن قرأ لكنا بإثبات ألف أنا، فإنه أثبت الألف فِي الوصل، كما ثبت فِي الوقف على لغة من يقول: أنا قمت، وهو غير مختار فِي القراءة.
ثم أقبل على أخيه يلومه، قال: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ [الكهف: ٣٩] بمعنى هلا، وتأويله التوبيخ، ﴿قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٣٩] قال الفراء، والزجاج: ما فِي موضع رفع على معنى الأمر ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٣٩] .
أي: هلا قلت حين دخلتها: الأمر بمشيئة الله، وما شاء الله كان، يعني إن شاء إخراب هذه الجنة وإهلاكها، كان ذلك بمشيئته، ﴿لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] قال الزجاج: لا يقوى أحد على ما فِي يديه من ملك ونعمة إلا بالله تعالى، ولا يكون له إلا ما شاء الله.
ثم رجع إلى نفسه، فقال: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩] أَنَا عماد، وأقل مفعول ثان لترى.
﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ [الكهف: ٤٠] قال ابن عباس: فِي الآخرة.
﴿خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف: ٤٠] الحسبان المرامي يرمى بها، قال النضر بن شميل: الحسبان سهام يرمي بها الرجل فِي جوف قصبة، ينزع فِي القوس، ثم يرمي بعشرين منها دفعة.
والمعنى: يرسل عليها مرامي من عذابه، إما بردا، وإما حجارة، أو غيرهما مما يشاء من أنواع العذاب، ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أرضا لا نبات فِيها، والزلق المكان المزلقة، والمعنى أنها تصير جرداء لا نبات فِيها.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا﴾ [الكهف: ٤١] يعني: النهر الذي فِي خلالها، غورا غائرا ذاهبا فِي الأرض، ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: ٤١] لا يبقى له أثر بطلبه به.
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] يعني أهلك، وأحيط العذاب بأشجاره ونخيله، فأصبح الكافر، ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: ٤٢] قال ابن عباس: يضرب يديه واحدة على الأخرى.
وتقليب الكفين يفعله النادم كثيرا، فصار عبارة عن الندم، ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٤٢] فِي جنته، ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ [الكهف: ٤٢] ساقطة، ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الكهف: ٤٢] سقوفها، وما عرش بكرومها، ﴿وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٢] أخبر الله أنه سلبه ما أنعم عليه فِي الدنيا، فندم حين لم تنفعه الندامة، وتمنى أنه كان موحدا غير مشرك.
قوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الكهف: ٤٣] قال ابن عباس: لم ينصره النصر الذين افتخر بهم فِي قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] .
﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٣] بأن يسترد بدل ما ذهب منه،
[ ٣ / ١٤٩ ]
وضربت هذه القصة مثلا للمؤمن والكافر، فالكافر تغره دنياه، ويتبجح بها، ويظن أنها تبقى له، والمؤمن من صبر على نوائبها، احتسابا بها جميل الآخرة، ولا يركن إليها، لما يعلم من فنائها، وسرعة انقضائها، وقبل ذكر قصة الأخوين، ذكر الله ما أعد للكافرين والمؤمنين.
ثم عاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: هنالك قال الكلبي: يقول عند ذلك، وهو يوم القيامة.
﴿الْوَلايَةُ﴾ [الكهف: ٤٤] أكثر القراء على فتح الواو، والولاية نقيض العداوة، ويجوز الكسر فِيها، ذكرنا ذلك فِي ﴿[الأنفال، وقوله: لله الحق من كسر القاف، جعله من وصف الله تعالى، ويدل على صحة هذه القراءة قوله:] وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [سورة النور: ٢٥] وقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] ومن ضم القاف، جعله من وصف الولاية، وحجته قراءة أُبَيٍّ هنالك الولاية الحق لله قال ابن قتيبة: يريد يومئذ يتولون الله تعالى ويؤمنون به، ويتبرءون مما كانوا يعبدون.
وذهب آخرون إلى أن الولاية ههنا بمعنى تولى الأمر، لا إلى معنى الموالاة، فقالوا: معنى الآية فِي ذلك الموطن الذي هو موطن الجزاء، لا يتمكن أحد من نصر أحد، بل الله تعالى يتولى ذلك، فينصر المؤمنين، ويخذل الكافرين، لا يملك ذلك أحد من العباد، فالولاية يومئذ تخلص له، كما قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] .
وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ [الكهف: ٤٤] يقول: هو أفضل ثوابا ممن يرجى ثوابه، على تقدير لو كان يثيب غيره، هو خير ثوابا، وخير عقبا أي: عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره، فهو خير عقب طاعة وإثابة، ثم حذف المضاف إليه.
قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا ﴿٤٦﴾﴾ [الكهف: ٤٥-٤٦] واضرب لهم يعني قومك، ﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٥] وهذا مفسر فِي ﴿[يونس إلى قوله:] فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ [سورة الكهف: ٤٥] وهو الكسير المتفتت، والهشم الكسر، والهشيم ما تكسر وتحطم من يبس النبات، ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥] الذرو: حمل الريح الشيء، ثم تنشره وتفرقه، يقال: ذرته الريح تذروه.
قال المفسرون: ترفعه وتفرقه.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الكهف: ٤٥] من الإنشاء والإفناء، ﴿مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥] قادرا على إنشاء النبات ولم يكن، ثم أفناه.
قوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ﴾ [الكهف: ٤٦] الآية، هذا رد على
[ ٣ / ١٥٠ ]
الرؤساء الذين كانوا يفتخرون بالمال والغنى والأبناء، أخبر الله تعالى أن ذلك مما يتزين به فِي الحياة الدنيا، لا مما ينفع فِي الآخرة، ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: ٤٦] يعني ما يأتي به سلمان، وصهيب، وفقراء المسلمين، وهي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهذا قول ابن عباس فِي رواية عطاء، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك.
٥٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، أنا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، نا كَثِيرُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، أَنَّهُ قَالَ لِجُلَسَائِهِ: خُذُوا جُنَّتَكُمْ، قَالُوا: أَحَضَرَ عَدُوٌّ؟ قَالَ: خُذُوا جُنَّتَكُمْ مِنَ النَّارِ، قُولُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلا إِلَهَ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ الْمُقَدِّمَاتُ وَهُنَّ الْمُنْجِيَاتُ وَهُنَّ الْمُعَقِّبَاتُ وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ
٥٧٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَبِيبٍ الْوَرَّاقُ، أنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الشَّيْبَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونِ بْنِ خَالِدٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ، نا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، نا عِكْرِمَةُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " إِنْ عَجَزْتُمْ عَنِ اللَّيْلِ أَنْ تُكَابِدُوهُ، وَعَنِ الْعَدُوِّ أَنْ تُجَاهِدُوهُ فَلا تَعْجَزُوا عَنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، فَتَوَلُّوهَا، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: هِيَ الأَعْمَالُ الصَّالِحَاتِ وَجَمِيعُ الْحَسَنَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَقَالَ: كُلُّ طَاعَةٍ لِلَّهِ فَهِيَ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَاخْتَارَهُ الزَّجَّاجُ؛ فَقَالَ: هِيَ كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ يَبْقَى ثَوَابُهُ
وقوله: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا﴾ [الكهف: ٤٦] قال ابن عباس ﵁: يريد أفضل ثوابا، وأفضل أملا من المال والبنين.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴿٤٧﴾ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ﴿٤٨﴾ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴿٤٩﴾﴾ [الكهف: ٤٧-٤٩]
[ ٣ / ١٥١ ]
ويوم أي: وأذكر يوم تسير الجبال من وجه الأرض كما يسير السحاب فِي الدنيا، ثم يكسر، فيعود فِي الأرض، كما قال: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ﴿٥﴾ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ﴿٦﴾﴾ [الواقعة: ٥-٦] وقرئ نسير الجبال على بناء الفعل للفاعل، وهذه القراءة أشبه بما بعده من قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ﴾ [الكهف: ٤٧]، وقوله: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] أي: ظاهرة ليس عليها شيء من جبل أو بناء أو شجر، وحشرناهم يعني المؤمنين والكافرين، فلم نغادر لم نترك ولم نخلف، ﴿مِنْهُمْ أَحَدًا ﴿٤٧﴾ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٤٧-٤٨] يعني المحشورين، صفا مصفوفين، كل زمرة وأمة صف، لقد جئتمونا أي: فيقال لهم: لقد جئتمونا، ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف: ٤٨] قال ابن عباس: حفاة عراة.
وقال الزجاج: أي بعثناكم وأعدناكم ثانيا كما خلقناكم، لأن قوله: لقد جئتمونا معناه بعثناكم.
بل زعمتم خطاب لمنكري البعث خاص، معناه: بل زعمتم فِي الدنيا، ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٤٨] للبعث والجزاء.
ووضع الكتاب يعني كتاب أعمال الخلق، والكتاب اسم الجنس فيعم، والمعنى: وضع كتاب كل امرئ فِي يمينه أو شماله، ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ [الكهف: ٤٩] يريد المشركين، ﴿مُشْفِقِينَ﴾ [الكهف: ٤٩] خائفين، مما فيه من الأعمال السيئة، ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا﴾ [الكهف: ٤٩] لوقوعهم فِي الهلكة، يدعون بالويل على أنفسهم، ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: ٤٩] قال ابن عباس فِي رواية عكرمة: الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك.
وقال سعيد بن جبير: الصغيرة اللحم، والكبيرة الزنا.
إلا أحصاها عدها وأثبتها وكتبها، ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] مكتوبا مثبتا ذكره فِي الكتاب، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] لا يعاقبه بغير جرم.
ثم أمر نبيه أن يذكر هؤلاء المتكبرين عن مجالسة الفقراء، قصة إبليس، وما أورثه الكبر، فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا ﴿٥٠﴾ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴿٥١﴾ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا ﴿٥٢﴾ وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا ﴿٥٣﴾﴾ [الكهف: ٥٠-٥٣] ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [الكهف: ٥٠] إلى قوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] قال ابن عباس فِي رواية عطاء: إن ملائكة السماء الدنيا يقال لهم الجن.
مثل قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] يعني حين قالوا: الملائكة بنات الله تعالى.
وقال شهر بن حوشب: قال ابن عباس: كان إبليس من الملائكة من قبيل يقال لهم الجن.
وقوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] خرج من طاعة ربه إلى معصيته فِي ترك السجود، قال الفراء: والعرب تقول:
[ ٣ / ١٥٢ ]
فسقت الرطبة من قشرها لخروجها منه.
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾ [الكهف: ٥٠] قال قتادة، والحسن: يعني أولاده، يتوالدون كما يتوالد بنو آدم.
وكان مجاهد يذكر من ذريته: زلنبور صاحب راية إبليس بكل سوق، وثبر صاحب المصائب، والأعور صاحب أبواب الزنا، ومسوط صاحب الأخبار، يأتي بها فيطرحها على أفواه الناس لا يوجد لها أصل، وداسم الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسم ولم يذكر الله تعالى، يضره من المتاع ما لم يرفع ولم يوضع فِي موضعه، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله تعالى، أكل معه، فهؤلاء ذريته.
وروى ليث، عن مجاهد، قال: ذريته الشياطين.
وقوله ﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠] قال الكلبي: ليس يصلون له، ولا يصومون، ولكن من أطاع شيئا فقد عبده.
﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الكهف: ٥٠] قال الحسن: بئس ما استبدلوا نعمة ربهم، إذا أطاعوا إبليس، فبئس ذلك بدلا لهم.
قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ [الكهف: ٥١] أي: ما أحضرتهم، يعني إبليس وذريته، ﴿خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف: ٥١] يعني أنه لم يشاورهم فِي خلقهم، بل خلقهما وخلقهم على ما أراد وقدر من غير مشاورة لهم، وهذا إخبار عن كمال قدرته، واستغنائه عن الأنصار والأعوان، يدل على هذا قوله: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] أي: الشياطين الذين يضلون الناس عضدا، قال قتادة: أعوانا يعضدونني عليه.
والعضد كثيرا ما يستعمل فِي معنى العون، وذلك أن العضد قوام اليد، ومنه قوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أي سنعينك ونقويك به، ووحد العضد، لوفاق الفواصل.
قوله: ويوم يقول قال ابن عباس: يريد يوم القيامة، يقول الله تعالى يوم القيامة: ادعوا الذين أشركتم بي ليمنعوكم من عذابي.
وهو قوله: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [الكهف: ٥٢] فلم يجيبوهم، لأنهم كانوا جمادا، وجعلنا بينهم بين المؤمنين والكافرين، ﴿مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] ذكر فِي التفسير أنه اسم واد عميق، فَرَّقَ الله به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة، وهو قول مجاهد، وقتادة، ونوف البكالي.
قال ابن الأعرابي: وكل حاجز بين الشيئين فهو موبق.
قال ابن عباس فِي رواية الوالبي: مهلكا.
قال الفراء: يقول: جعلنا تواصلهم فِي الدنيا موبقا، أي مهلكا لهم فِي الآخرة.
والبين على هذا القول معناه التواصل، كقوله: لقد تقطع بينكم فِي قراءة من قرأ
[ ٣ / ١٥٣ ]
بالرفع، والمعنى: أن تواصلهم وتعاونهم ومخالتهم فِي الكفر واجتماعهم على عداوة محمد ﷺ يسبب هلاكهم فِي الآخرة، يقال: وبق وبقا يوبق فهو وبق، ذكره الفراء فِي المصادر، قال: وحكى الكسائي وبق يبق وبوقا فهو وابق، قال ولم أسمعها.
قوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ [الكهف: ٥٣] قال ابن عباس: يريد المشركين، رأوها وهي تتلظى حنقا عليهم.
فظنوا علموا وأيقنوا، ﴿أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣] واردوها وداخلوها، ومعنى الواقعة الملابسة للشيء بشدة، ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] لأنها أحاطت بهم من كل جانب فلم يقدروا على العرب، ولا على الرجوع عنها، المصرف الموضع الذي يصرف إليه.
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴿٥٤﴾ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا ﴿٥٥﴾ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا ﴿٥٦﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا ﴿٥٧﴾ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا ﴿٥٨﴾ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ﴿٥٩﴾﴾ [الكهف: ٥٤-٥٩] ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الكهف: ٥٤] مفسر فِي ﴿[بني إسرائيل، وقوله:] وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ [سورة الكهف: ٥٤] قال ابن عباس: يريد النضر بن الحارث وجداله فِي القرآن.
وقال الكلبي: يعني أبي بن خلف.
وقال الزجاج: معناه كان الكافر يدل عليه قوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] .
قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ [الكهف: ٥٥] يعني أهل مكة، أن يؤمنوا أي الإيمان، ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ [الكهف: ٥٥] محمد ﷺ جاءهم من الله تعالى بالرشاد والبيان، ويستغفروا ربهم عطف على أن يؤمنوا، ﴿إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الكهف: ٥٥] وهو أنهم إذا لم يؤمنوا عذبوا، يقول: لقد قدرت على هؤلاء العذاب، فذلك الذي يمنعهم عن الإيمان، وهذه الآية فيمن قتلوا من المشركين ببدرٍ وأحدٍ، وهو قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا﴾ [الكهف: ٥٥] أي: عيانا مقابلة، وقرأ أهل الكوفة قبلا جمع قبيل، أي: صنفا صنفا.
وقوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] قال ابن عباس: يريد المستهزئين والمقتسمين.
وأتباعهم وجدالهم بالباطل أنهم ألزموه أن يأتي بالآيات على أهوائهم على ما كانوا يقترحون، ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦] ليبطلوا به ما جاء به محمد ﷺ، يقال: دحضت
[ ٣ / ١٥٤ ]
حجته، أي بطلت، وأدحضت حجته إذا أبطلتها.
وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي﴾ [الكهف: ٥٦] يعني القرآن، ﴿وَمَا أُنْذِرُوا﴾ [الكهف: ٥٦] وما خوفوا به من النار والقيامة، هزوا مهزوا به.
قوله: ومن أظلم استفهام معناه التقرير، أي: لا أحدا ظلم، ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ﴾ [الكهف: ٥٧] وعظ، ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٧] بالقرآن وما فِيهِ من الوعيد، فأعرض عنها تهاونا بها، ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف: ٥٧] يعني ما سلف من ذنوبه، وما بعد هذا مفسر فِي ﴿[الأنعام،] وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾ [سورة الكهف: ٥٧] إلى الإيمان والقرآن، ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧] قال الزجاج: أخبر الله تعالى أن هؤلاء أهل الطبع على قلوبهم.
﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ﴾ [الكهف: ٥٨] الغافر الساتر على عباده، ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] حين لم يعاجلهم بالعقوبة، وهو قوله: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾ [الكهف: ٥٨] للبعث والحساب، ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا﴾ [الكهف: ٥٨] منجى وملجأ، قال: وأل يئل وألا، إذا نجا.
قوله: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الكهف: ٥٩] يعني أهلها، ولذلك قال: أهلكناهم قال ابن عباس: يريد ما أهلك بالشام واليمن.
لما ظلموا أشركوا، وكذبوا الأنبياء، ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ﴾ [الكهف: ٥٩] يجوز أن يكون المهلك ههنا مصدرا، ويجوز أن يكون وقتا، والمعنى: جعلنا لإهلاكهم، أو لوقت إهلاكهم، ومن قرأ لمهلكهم بفتح الميم وكسر اللام كان المعنى لوقت هلاكهم، ومن قرأ بفتحها، فهو مصدر مثل الهلاك، وقوله: موعدا أي: وقتا وأجلا.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ﴿٦٠﴾ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ﴿٦١﴾ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ﴿٦٢﴾ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ﴿٦٣﴾ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ﴿٦٤﴾ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴿٦٥﴾ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴿٦٦﴾ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٦٧﴾ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴿٦٨﴾ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴿٦٩﴾ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿٧٠﴾﴾ [الكهف: ٦٠-٧٠] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠] الآية.
٥٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأُمَوِيُّ، أنا الرَّبِيعُ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكَّالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فَقَالَ: إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ
[ ٣ / ١٥٥ ]
مُوسَى: يَا رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا، فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ، فَهُوَ ثَمَّ، فَأَخَذَ حُوتًا، فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ، وَضَعَا رُءُوسَهُمَا فَنَامَا وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنْهُ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ، قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾، قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ، حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحَرِ عَجَبًا﴾، قَالَ: فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرِبًا، وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا، فَقَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، قَالَ: رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنِّي بِأَرْضِكَ السَّلامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، تَعَالَى، لا تَعْلَمُه، عَلَّمَنِيهِ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَ لا أَعْلَمُهُ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾، ﴿فَانْطَلَقَا﴾ يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ قَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ، لَمْ يُفَاجَأْ إِلا وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ قَدْ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾، قَالَ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾؟ قَالَ: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيت وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: وَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نُقْرَةً، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلا مِثْلُ مَا نَقَرَ هَذَا الْعُصْفُورِ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأُولَى، قَالَ: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ فَلا إِلَى قَوْلِهِ: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، قَالَ: مَائِلا، فَقَامَ الْخَضِرُ فَأَقَامَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا، وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ الآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ، حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا، وَكَانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ كِلاهُمَا، عَنْ سُفْيَانَ
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠] معناه: واذكر ذلك، لما فِي تلك القصة من العبرة، قوله: لفتاه أجمعوا على أنه يوشع بن نون، قال الفراء: إنما سمي فتى موسى، لأنه كان ملازما له، يأخذ عنه العلم ويخدمه.
لا أبرح لا أزال، ومنه قوله: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] والمعنى: لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، قال قتادة: يعني بحر
[ ٣ / ١٥٦ ]
فارس وبحر الروم، وكان ذلك الموضع الذي وعد موسى للقاء الخضر.
وقوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] أي: أسير حقبا، قال الوالبي: دهرا.
والحقب عند أهل اللغة ثمانون سنة، والمعنى: لا أزال أسير، وإن احتجت إلى أن أسير حقبا، حتى أبلغ مجمع البحرين.
﴿فَلَمَّا بَلَغَا﴾ [الكهف: ٦١] يعني موسى وصاحبه، ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ [الكهف: ٦١] بين البحرين، وهو حيث وعد للقاء الخضر، وقوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] قال المفسرين: كانا فيما تزودا حوت مملح فِي زبيل، فكانا يصيبان منه الغداء والعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه المكتل، فأصاب الحوت ندى البحر، فتحرك فِي المكتل، فانسرب فِي البحر، وقد كان قيل لموسى: تزود معك حوتا مالحا، فحيث تفقد الحوت ثم تجد الرجل العالم، فلما انتهيا إلى الصخرة، قال لفتاه: امكث حتى آتيك، وانطلق موسى لحاجته، فجرى الحوت حتى وقع فِي البحر، فقال قتادة: إذا جاء نبي الله حدثته، فأنساه الشيطان، فذلك قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] وإنما نسيه يوشع أن يذكر قصته لموسى، فأضيف النسيان إليهما توسعا، لأنهما جميعا تزودانه، فصار كما يقال: نسي القوم زادهم، وإنما نسيه أحدهم.
وقوله: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١] قال قتادة: جعل لا يسلك طريقا إلا صار الماء جامدا.
وقال الربيع بن أنس: انجاب الماء عن مسلك الحوت، فصار كوة لم يلتئم.
والسرب معناه فِي اللغة المحفور فِي الأرض، لا نفاذ له، شبه مسلك الحوت فِي الماء، والماء منجاب عنه بالسرب، كما قال الفراء: لما وقع فِي الماء جمد مذهبه فِي البحر، فكان كالسرب.
﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ [الكهف: ٦٢] ذلك المكان الذي كانت عنده الصخرة، وذهب الحوت، انطلقا، فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال، ولم يجد موسى النصب حتى جاوز الموضع الذي يريده، فدعا بالطعام ليأكل، وهو قوله: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] وهو الطعام الذي يؤكل بالغداء، ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] وهو الإعياء من العناء، والفعل نصب ينصب.
فلما قال له موسى ذلك، تذكر قصة الحوت، فقال لموسى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] يعني: حين نزلا هناك، ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] أن أحدثكه، ثم اعتذر فقال: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] وذلك أنه لو ذكر لموسى قصة الحوت عند الصخرة، ما جاوزها موسى، وما ناله النصب الذي اشتكاه، واتخذ الحوت ﴿سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ [الكهف: ٦٣] أي: سبيلا عجبا، وهو أن الماء انجاب عنه، وبقي كالكوة لم يلتئم، فلما قال هذا يوشع، ذكر موسى ما كان عهد إليه أنه يدلك عليه بعض زادك.
﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] أي: نطلب ونريد من العلامة، ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ [الكهف: ٦٤] رجعا وعادا عودهما على بدئهما فِي الطريق الذي جاءا منه، قصصا يقصان آثارهما قصصا، والقصص اتباع الأثر، ومنه قوله: ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] .
قوله: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف: ٦٥] أي: أدركا الخضر، واسمه بليا بن ملكان، وإنما سمي الخضر
[ ٣ / ١٥٧ ]
لأنه إذا صلى فِي مكان اخضر ما حوله، ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الكهف: ٦٥] يعني نبوة، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] قال ابن عباس ﵄: أعطيناه علما من علم الغيب.
فقال: ﴿لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] أي: علما ذا رشد، والرشد والرشد لغتان كالنخل والنخل، قال قتادة: لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نجي الله موسى، ولكنه قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ [الكهف: ٦٦] الآية.
وقال الزجاج: وفيما فعل موسى، وهو من جلة الأنبياء من طلب العلم، والرحلة فِي ذلك، ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه.
فقال له الخضر: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] قال ابن عباس: لن تصبر على صنيعي، لأني علمت غيب علم ربي.
ثم أعلمه العلة فِي ترك الصبر فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨] أي: لم تعلمه، والخبر علمك بالشيء، يقول: كيف تصبر على أمر ظاهره منكر، وأنت لا تعلم باطنه؟ قال له موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] أصبر على ما أرى منك، ﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩] لا أخالفك فِي شيء.
قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ [الكهف: ٧٠] أي: صحبتني، ﴿فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ [الكهف: ٧٠] مما أفعل مما تنكره، ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] حتى أكون أنا الذي أفسره لك، لأنه قد غاب علمه عنك.
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فحملوهما بغير أجرة، فذلك قوله: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴿٧١﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٢﴾ قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ﴿٧٣﴾﴾ [الكهف: ٧١-٧٣] ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ [الكهف: ٧١] أي: شقها، قيل: إنه قلع لوحين مما يلي الماء، فحشاها موسى بثوبه، وقال منكرا عليه: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١] منكرا عظيما، ويقال: أمر الأمر إذا كبر إمرا، والإمر: الاسم منه.
فقال له الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٢﴾ قَالَ﴾ [الكهف: ٧٢-٧٣] موسى: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣] أي: عقلت عن التسليم لك، وترك الإنكار عليك، ونسيت ذلك.
وقال الكلبي: يقول: بما تركت من وصيتك، وعلى هذا القول النسيان بمعنى الترك لا بمعنى الغفلة.
﴿وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣] لا تكلفني مشقة، قال أبو زيد: أرهقته عسرا إذا كلفته ذلك.
والمعنى: عاملني باليسر لا بالعسر، ولا تضيق علي الأمر فِي صحبتي إياك.
قوله: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ﴿٧٤﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٥﴾ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ﴿٧٦﴾﴾ [الكهف: ٧٤-٧٦] ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: ٧٤] روي فِي حديث أبي بن كعب، أنهما خرجا، حتى لقيا غلاما يلعب مع
[ ٣ / ١٥٨ ]
الصبيان، فقال به هكذا، كأنه اجتذب رأسه، فقلعه، وأشار عبد الرزاق حين روى هذا الحديث بأصابعه الثلاثة: السبابة، والوسطى، والإبهام وفتحها.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن ذلك الغلام كان من أحسن أولئك الغلمان وأصحهم.
قال موسى حين رأى ذلك: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] قال ابن عباس، ومجاهد: لم يبلغ الحلم.
ومعنى الزكية الطاهرة من الذنوب، وذلك لأنه كان صغيرا لم يبلغ حد التكليف، وقرئ زاكية وهي البريئة من الذنوب، قال الفراء: الزاكية والزكية مثل القاسية والقسية.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤] يعني: بغير قتل نفس، يعني القود، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤] فظيعا منكرا، لا يعرف فِي شرع.
فقال الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٥] .
قال موسى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾ [الكهف: ٧٦] يعني: سؤال توبيخ وإنكار، بعدها بعد النفس المقتولة، ﴿فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦] قال ابن عباس: يريد أنك قد أعذرت فيما بيني وبينك، وقد أخبرتني أني لا أستطيع معك صبرا، وهذا إقرار من موسى بأن الخضر قد قدم إليه ما يوجب العذر عنده فلا يلزمه ما انكره.
وروي أن النبي ﷺ تلا هذه الآية، فقال: «لقد استحى نبي الله موسى عندها، ولو صبر، لرأى ألفا من العجائب» .
وقراءة العامة بتشديد النون من لدن والأصل لدن، ثم يزاد مع الياء، نحو مني، وعني، ثم يدغم النون الساكنة فِي التي تزاد مع الضمير فيصير لدني مشددا، ومن خفف فإنه لم يلحق النون التي تلحق علامة الضمير فِي نحو ضربني، وقد جمع الشاعر بين اللغتين فِي قوله:
قدني من نثر الخبيبين قدني
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴿٧٧﴾ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴿٧٨﴾ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴿٧٩﴾ وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴿٨٠﴾ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا
[ ٣ / ١٥٩ ]
رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴿٨١﴾ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴿٨٢﴾﴾ [الكهف: ٧٧-٨٢] قوله: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ [الكهف: ٧٧] قال ابن عباس: هي انطاكية.
وقال ابن سيرين: الأبلة.
استطعما أهلها سألاهم الطعام، ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف: ٧٧] روى أبي بن كعب، أن النبي ﷺ، قال: «كانوا أهل قرية لئاما» .
والتضييف والإضافة بمعنى واحد، فوجدا فيها فِي تلك القرية، ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] الإرادة فِي صفة الجدار مجاز، ومعناه: قرب أن ينقض، وذلك على التشبيه بحال من يريد أن يفعل، قال الزجاج: والجدار لا يريد إرادة حقيقية إلا أن هيئته فِي التهيؤ للسقوط قد ظهرت كما تظهر أفعال المريدين القاصدين.
فوصف الإرادة إذ كانت الصورتان واحدة، وأنشد الراعي يصف إبلا:
فِي مهمه فلقت به هاماتها فلق الفئوس إذا أردن نصولا
ومعنى الانقضاض السقوط بسرعة، يقال: انقض الحائط إذا وقع، وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه فسقط على شيء، وقوله: ﴿فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] أي سواه، لأنه وجده مائلا، وفي حديث أبي بن كعب: انتهيا إلى جدار مائل، فدفعه بيده فقام، فقال موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ﴾ [الكهف: ٧٧] أي: على إقامته وإصلاحه، أجرا قال الفراء: لو شئت لم تقمه حتى يقرونا، فهو الأجر.
وقرأ أبو عمرو لتخذت يقال: تخذ فلان، يتخذ تخذا مثل اتخذ، ألزمت التاء الحرف كأنها أصلية، لما رأوا التاء فِي اتخذ ظنوها أصلية، فقالوا فِي الثلاثي تخذ، كما قالوا: تقي من اتقى.
قال الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] أي: هذا الكلام والإنكاء علي بترك الأجر، هو المفرق بيننا، قال الزجاج: المعنى هذا فراق بيننا، أي هذا فراق اتصالنا، وكرر بين تأكيدا.
ولما قال الخضر هذا، أخذ موسى بطرف ثوبه، فقال: حدثني بتأويل ما صنعت.
فقال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴿٧٨﴾ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٨-٧٩] يعني أن أصحابها كانوا مساكين، لم يكن لهم مال غير تلك السفينة، فكانوا يعملون عليها، يأخذون أجرتها، ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] أجعلها ذات عيب، قال مجاهد: أخرقها.
﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] قال المفسرون: يعني أمامهم، وراء يكون
[ ٣ / ١٦٠ ]
بمعنى أمام، كقوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: ١٦]، ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] قال عباد بن صهيب: قدمت الكوفة لأسمع من إسماعيل بن أبي خالد، فمررت بشيخ جالس، فقلت: يا شيخ، كيف أمر إلى منزل إسماعيل بن أبي خالد؟ فقال لي: وراءك.
فقلت: أرجع؟ قال: أقول وراءك وترجع؟ فقلت: أليس ورائي خلفي؟ قال: لا.
ثم قال: حدثني عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] قال: لو كان وراءهم لكانوا قد جاوزوه، ولكن كان بين أيديهم.
والمعنى: كل سفينة صالحة، وكذا كان يقرأ ابن عباس، وأبي، وحذفت للعلم بها، قال الخضر: إنما خرقتها، لأن الملك إذا رآها متخرقة تركها، ورقعها أهلها بقطعة خشب فانتفعوا بها.
﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٠] وابن عباس، وأبي كانا يقرآن: وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين، ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠] أي: يرهق الغلام أبويه، ﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠] لذلك قتلناه، قال المفسرون: خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه ويدينا بدينه.
٥٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَنِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الزَّجَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا الْقَعْنَبِيُّ، نا الْمُعْتِمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مَصْقَلَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " إِنَّ الْغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ، طُبِعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي (الصَّحِيحِ)، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ مُطَرِّفٌ: أَيْمُ اللَّهِ، إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّهُمَا فَرِحَا بِهِ يَوْمَ وَلَدَاهُ، وَحَزِنَا عَلَيْهِ يَوْمَ قُتِلَ، وَلَوْ عَاشَ كَانَ فِيهِ مَهْلَكَتُهُمَا، فَالْمُؤْمِنُ حَقِيقٌ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، فَإِنَّ قَضَاءَ اللَّهِ، تَعَالَى، لِلْمُؤْمِنِ، خَيْرٌ مِنْ قَضَائِهِ لِنَفْسِهِ، وَمَا قُضِيَ لَكَ، يَابْنَ آدَمَ، فِيمَا تَكْرَهُ خَيْرٌ مِمَّا قُضِيَ لَكَ فِيمَا تُحِبُّ، فَاسْتَخِرِ اللَّهَ، تَعَالَى، وَارْضَ بِقَضَائِهِ
وقوله: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف: ٨١] يعطيهما الله ولدا بدلا منه، خيرا منه دينا، قاله سعيد بن جبير، وقتادة: وقال الكلبي: خيرا منه صلاحا.
والزكاة الصلاح، والزاكي الصالح، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] الرحم والرحم العطف والرحمة، قال ابن عباس، وقتادة: وأوصل للرحم، وأبر بوالديه.
قال عطاء، عن ابن عباس: أبدلهما به جارية ولدت سبعين نبيا.
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ٨٢] يعني القرية المذكورة فِي قوله: ﴿أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ [الكهف: ٧٧]، ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] قال قتادة: كان ذهبا وفضة.
وهو تفسير النبي ﷺ فيما:
٥٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
[ ٣ / ١٦١ ]
عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، نا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ الدِّمَشْقِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا يَزِيدُ بْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فِي قَوْلِهِ، ﷿: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾، قَالَ: كَانَ ذَهَبًا وَفِضَّةً، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي (صَحِيحِهِ)، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْفَقِيهِ، عَنْ حُسَامِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ صَفْوَانَ
وقال ابن عباس فِي رواية عطاء: كان لوحا من ذهب فِيهِ مكتوبا: عجبا لمن أيقن بالقدر! ثم ينصب عجبا لمن أيقن بالنار! ثم يضحك عجبا لمن يؤمن بالموت! كيف يفرح؟ عجبا لمن يوقن بالرزق! كيف يتعب؟ عجبا لمن يؤمن بالحساب! كيف يغفل؟ عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها! كيف يطمئن إليها؟ أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر: أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، وفي الشق الآخر، أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه.
وهو قول أكثر أهل التفسير.
٥٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ النَّصْرُوِيُّ، أنا أَبُو الْعَلاءِ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودٍ الأَهْوَازِيُّ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ، نا ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، نا أَبَانٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، عَنْ قَوْلِهِ، ﷿: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾، قَالَ: لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَكْتُوبٌ فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْمَوْتِ، ثُمَّ كَيْفَ يَفْرَحُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ؟ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يُوقِنُ بِزَوَالِ الدُّنْيَا، وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا، ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا
قال الزجاج: المعروف فِي اللغة أن الكنز إذا أفرد، فمعناه المال المدفون، فإذا لم يكن المال، قيل: عنده كنز علم، وله كنز فهم، والكنز ههنا بالمال أشبه، قال: وجائز أن يكون الكنز مالا، مكتوب فِيهِ علم على ما روي، فهو مال وعلم عظيم من توحيد الله تعالى، وإعلام أن محمدا ﷺ مبعوث.
وقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢] قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما
[ ٣ / ١٦٢ ]
صلاحا.
وقال جعفر بن محمد: كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء.
أخبرنا عمرو بن أحمد بن عمر الزاهد، أنا عبد الرحمن بن أحمد بن حمدويه، نا زنجويه بن محمد، نا إسحاق بن منصور المروزي، نا الحسين بن علي، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، قال: إن الله ﷿ ليحفظ بصلاح العبد ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، وأهل دويرات حوله، فما يزالون فِي حفظ الله تعالى ما دام فيهم.
وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] قال ابن عباس: أن يكبرا ويعقلا.
﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] وذلك أن الخضر لو لم يقم الجدار لكان ينقض، ويؤخذ ذلك الكنز الذي تحته قبل بلوغ الغلامين الأشد، فأمر الخضر، حتى أقام الجدار، وهو قوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢] أي: رحمهما الله بذلك رحمة، ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] قال ابن عباس: انكشف لي من الله تعالى علم، فعلمت به.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ﴾ [الكهف: ٨٢] قال: يريد هذا تفسير ﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢] .
قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿٨٣﴾ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴿٨٤﴾ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴿٨٥﴾ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴿٨٦﴾ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ﴿٨٧﴾ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴿٨٨﴾ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴿٨٩﴾ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ﴿٩٠﴾ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ﴿٩١﴾﴾ [الكهف: ٨٣-٩١] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] الآية، ذكرنا أن اليهود سألت النبي ﷺ عن رجل طواف، بلغ شرق الأرض وغربها، هذه الآية من جوابهم، واختلفوا فِي ذي القرنين، فقال: مجاهد: كان نبيا.
وهو قول عبد الله بن عمرو، وقال علي ﵁: كان عبدا صالحا، أحب الله، فأحبه الله تعالى، وناصح الله تعالى، فنصحه الله تعالى.
وروي ذلك مرفوعا: أنه كان غلاما من الروم، أعطي ملكا، قال الزهري: وإنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها، وقرنها من مطلعها.
واختار الزجاج هذا القول، فقال: يجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها.
وقال أبو الطفيل: أمر قومه بتقوى الله تعالى، فضربوه على قرنه فمات، فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات، ثم بعثه الله تعالى، فسمي ذا القرنين.
وهذا القول يرويه أبو الطفيل،
[ ٣ / ١٦٣ ]
عن علي ﵁.
وقوله: ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣] أي: خبرا يتضمن ذكره.
قوله: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤] قال علي: سخر الله له السحاب، فحمله عليها، ومد له فِي الأسباب، وبسط النور له، فكان الليل والنهار عليه سواء.
وهذا معنى تمكينه فِي الأرض، وهو أنه سهل عليه المسير فِيها، وذلل له طرقها وحزونها، حتى تمكن منها إن شاء، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] قال قتادة، والوالبي، عن ابن عباس: علما يتسبب به إلى ما يريد.
وكل ما وصل شيئا إلى شيء فهو سبب.
وقوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] قال المفسرون: طريقا.
والمعنى: طريقا يؤديه إلى مغرب الشمس، وقال الزجاج: فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي، وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا، فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي سببا فِي المسير إلى المغرب.
والقراءة الجيدة فاتبع وقرئ فأتبع بقطع الألف، ومعناه لحق، كقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] .
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أي: ذات حمأة، وهو الطين الأسود المنتن، وهذه قراءة ابن عباس، وقراءة ابن الزبير، وابن مسعود حامية من غير همز، وهي فاعلة من حميت، فهي حامية، أي حارة.
٥٧٥ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَادِيُّ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ الْعَطَّارُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، نا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ، سَمِعَ ابْنَ حَاضِرٍ يَقُولُ: اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾، وَقَالَ عَمْرٌو: فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ، فَسَأَلُوا كَعْبًا فَقَالَ: إِنِّي أَجِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: تَغْرُبُ فِي طِينَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ: رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَلا أُعِينُكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: قَالَ تُبَّعٌ:
قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَمْرٌو مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَسْجُدُ
بَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ
[ ٣ / ١٦٤ ]
فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَغِيبِهَا فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ
قوله: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ [الكهف: ٨٦] أي: عند العين، ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٦] قال ابن الأنباري: إن كان ذو القرنين نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكليم أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا، قال: معنى قلنا ألهمنا، لأن الإلهام ينوب عن الوحي كقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧] أي ألهمناها.
وقوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف: ٨٦] الآية، قال المفسرون: يريد إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم، فتعلمهم الهدي، وتبصرهم الرشاد.
قال قتادة: قضى فيهم بقضاء الله، وكان عالما بالسياسة.
فقال: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [الكهف: ٨٧] قال ابن عباس: أشرك.
﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ [الكهف: ٨٧] نقتله إذا لم يرجع عن الشرك، ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٨٧] بعد قتلي إياه، ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٨٧] يعني فِي النار.
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف: ٨٨] قال الفراء: الحسنى الجنة.
وأضيف الجزاء إليها، وهي الجزاء، كما يقال: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]، ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] وقرأ أهل الكوفة فله جزاء نصبا، وهو مصدر وقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى جزاء مجزيا بها، وقال ابن الأنباري: جزاء نصب على المصدر.
المعنى: فيجزى الحسنى جزاء، ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف: ٨٨] قولا جميلا.
قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴿٩٢﴾ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا ﴿٩٣﴾ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ﴿٩٤﴾ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴿٩٥﴾ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴿٩٦﴾ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴿٩٧﴾ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ﴿٩٨﴾﴾ [الكهف: ٩٢-٩٨] ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩] إخبار عن ذي القرنين أنه سلك طريقا يوصله إلى المشرق.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠] قال الحسن، وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، لأنهم كانوا فِي مكان لا يستقر عليه البناء.
وقال الكلبي: كانوا حفاة عراة، يفرش أحدهم أذنه، ويلبس الأخرى.
وقوله:
[ ٣ / ١٦٥ ]
كَذَلِكَ أي: وجد قوما كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس، وأن حكمهم حكم أولئك، ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] علمنا ما كان عنده من الجيوش والعدة.
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٩٢] ثالثا مما يبلغه قطرا من أقطار الأرض.
وهو قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السّدينِ وقرئ بفتح السين، قال ابن الأعرابي: كل ما قبلك فسد ما وراءه فهو سد وسد، نحو الضعف والضعف، والفقر والفقر.
قال ابن عباس: وهما جبلان، سد ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن سواهم.
﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا﴾ [الكهف: ٩٣] يعني: أمام السدين، ﴿قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ [الكهف: ٩٣] لا يعلمونه، لأنهم لا يعرفون غير لغتهم، وقرئ بضم الياء، والمعنى: لا يكادون يفقهون أحدا قولا، فحذف أحد المفعولين، قال ابن عباس: لا يفهمون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم.
﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ [الكهف: ٩٤] أكثر أهل العلم على أن هذين اسمان أعجميان، مثل: طالوت وجالوت، وهاروت وماروت، لا ينصرفان للتعريف والعجمة، والقراءة فِيهمَا بترك الهمز وقرأ عاصم بالهمز، قال الليث: الهمز لغة رديئة.
وقال ابن الأنباري: وجه همزه، وإن لم يعرف له أصل، أن العرب قد همزت حروفا لا يعرف للهمز فِيها أصل، مثل: لبأت ورثأت، واسنشأت الريح، وإذا كان هذا معروفا فِي أبنية العرب، كان مقبولا فِي الألفاظ التي أصلها للعجم.
٥٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، نا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ الْمُسْتَفَاضِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، قَالَ: يَأْجُوجُ أُمَّةٌ، وَمَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أَرْبَعُ مِائَةِ أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ، حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى أَلْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ صُلْبِهِ، كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلاحَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: هُمْ ثَلاثُ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ مِنْهُمْ أَمْثَالُ الأَرُزِّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الأَرُزُّ؟ قَالَ: شَجَرٌ بِالشَّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ فِي السَّمَاءِ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ طُولُهُ وَعَرْضُهُ سَوَاءٌ؛ عِشْرُونَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهُمْ جَبَلٌ، وَلا حَدِيدٌ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يَفْتَرِشُ أَحَدُهُمْ أُذُنَهُ وَيَلْتَحِفُ بِالأُخْرَى، وَلا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ وَلا وَحْشٍ وَلا جَمَلٍ وَلا خِنْزِيرٍ إِلا أَكَلُوهُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَكَلُوهُ، مُقَدَّمِتَهُمْ بِالشَّامِ، وَسَاقَتُهُمْ بِخُرَاسَانَ، يَشْرَبُونَ أَنْهَارَ الْمَشْرِقِ، وَبُحَيرة طَبَرِيَّةَ
وروي عن علي ﵁، أنه قال: منهم من طوله شبر، ومنهم من طوله مفرط فِي الطول، ولهم مخالب فِي الأظفار من أيدينا، وأنياب كأنياب السباع، ولهم هلب من الشعر فِي أجسادهم، يواريهم من الحر والبرد.
[ ٣ / ١٦٦ ]
وقال وهب: هم من ولد يافث بن نوح أبو الترك.
وقال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت تغير، فجاء ذو القرنين، فضرب السد فبقيت خارجه.
وقال قتادة: إن ذو القرنين بنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد، فهم الترك.
وقال كعب: هم نادرة فِي ولد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقال ابن عباس ﵁ فِي رواية عطاء: هم عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم جزء.
قوله: ﴿مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤] قال قتادة: هما حيان حياة سوء، كانا أهل بغي وظلم على من جاورهما.
وقال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء الذين شكوهم إلى ذي القرنين أيام الربيع، فلا يدعون فِيها شيئا أخضر إلا أكلوه.
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الكهف: ٩٤] وقرئ خراجا قال ابن عباس: يريد جعلا.
قال الليث: الخرج والخراج واحد، وهو شيء يخرجه القوم من مالهم بقدر معلوم.
والمعنى: هل نخرج إليك من أموالنا شيئا كالجعل لك؟ ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ﴿٩٤﴾ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٤-٩٥] قراءة العامة بنون واحدة مشددة، فأدغموا الأولى فِي الثانية لاجتماعهما كقوله: ﴿لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] وقرأ ابن كثير بنونين من غير ادغام، لأنهما من كلمتين، والنون الثانية غير لازمة، لأنك تقول: مكنتك، والمعنى أن ذا القرنين قال: ما مكني الله فِيهِ من الاتساع فِي الدنيا، خير من خرجكم الذي تبذلونه لي، قال ابن عباس: يريد ما أعطاني وملكني أفضل من عطيتكم.
وقوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: ٩٥] قال: يريد بقوة الأبدان.
قال الزجاج: بعمل تعملونه معي.
﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥] سدا وحاجزا، والردم سد الباب والثلمة.
﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: احملوها إليّ.
وقال الفراء: معناه إيتوني بها، فلما ألقيت الياء زيدت ألف.
﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦] قطعة واحدتها زبرة، قال ابن عباس: وهي قطع على قدر الحجارة التي يبنى بها.
ومعنى الآية أنه يأمرهم أن ينقلوا إليه زبر الحديد ليعمل بها الردم فِي وجوه يأجوج ومأجوج، فأتوه بها، فبناه، ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ [الكهف: ٩٦] سوى بينهما بأن وضع بعضها على بعض، والصدفان جانبا الجبل، قال الأزهري: يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما، أي تلاقيهما.
وقرئ الصدفين بفتح الصاد والدال، والصُدْفين بضم الصاد وسكون الدال، وكلها لغات فِي هذه الكلمة
[ ٣ / ١٦٧ ]
فاشية، وقوله: ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ [الكهف: ٩٦] قال ابن عباس: على زبر الحديد بالكير.
﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦] حتى إذا صارت النار، والحديد إذا حمي بالفحم والمنافخ، صار كالنار، ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] قال المفسرون: أذاب النحاس، ثم أفرغه على زبر الحديد، فاختلط، ولصق بعضه ببعض، حتى صار جبلا صلدا من حديد والنحاس.
قال قتادة: هو كالبرد الحبير: طريقة سوداء، وطريقة حمراء.
والقطر النحاس الذائب، والإفراغ الصب، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠] .
قوله: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ [الكهف: ٩٧] أصله استطاعوا، فلما اجتمع المتقاربان، وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالحذف، قال ابن السكيت: يقال: ما استطيع، وما أسطيع، وما استتيع، وما استيع أربع لغات.
وقرأ حمزة فما اسطاعوا مشددة الطاء، أدغم تاء الافتعال فِي الطاء، وقوله: ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي: يصعدوه ويعلوه، يقال: ظهرت السطح إذا صرت فوقه.
﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] يقال: نقبت الحائط إذا خرقت فِيهِ خرقا يخلص إلى ما وراءه.
قال الزجاج: ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله، لشدته وصلابته.
٥٧٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، فِي كِتَابِهِ، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا أَبُو زَيْدٍ الْخَالِدِيُّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللَّهُ، تَعَالَى، كَمَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ، حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ؛ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاسْتَثْنَى، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ، حِينَ تَرَكُوهُ بِالأَمْسِ، فَيَحْفِرُونَهُ فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ، وَتَتَحَصَّنُ النَّاسَ فِي حُصُونِهِمْ مِنْهُمْ فَيَرْمُونَ سِهَامَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَرْجِعُ وَفِيهَا كَهَيْئَةِ الدِّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ قَهَرْنَا أَهْلَ الأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَهْلِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ دَوَابَّ الأَرْضِ لَتُسَمَّنُ، وَتَشْكُرُ مِنْ لُحُومِهِمْ شُكْرًا، وَلَمَّا فَرَغَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ بِنَائِهِ ﴿قَالَ هَذَا﴾ أَيْ: هَذَا التَّمْكِينُ الَّذِي أَدْرَكْتُ بِهِ السَّدَّ
﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] قال ابن عباس:
[ ٣ / ١٦٨ ]
معونة من ربي، حيث ألهمني وقواني، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] يعني: القيامة، وقال الكلبي: أجل ربي أن يخرجوا منه.
جعله دكا أي: دكه دكا، ومن قرأه دكاء كان التقدير: جعله مثل دكاء، وهي الناقة التي لا سنام لها، وتقدم الكلام فِي هذا فِي ﴿[الأعراف،] وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [سورة الكهف: ٩٨] يعني بالثواب والعقاب فِي القيامة، وقال الكلبي: وكان أجل ربي بخروجهم حقا كائنا.
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ﴿٩٩﴾ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ﴿١٠٠﴾ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴿١٠١﴾ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا ﴿١٠٢﴾﴾ [الكهف: ٩٩-١٠٢] ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] يقول: تركنا يأجوج ومأجوج يوم انقضاء أمر السد يموجون فِي الدنيا مختلطين لكثرتهم.
يقال: ماج الناس إذا دخل بعضهم فِي بعض حيارى كموج الماء.
ثم ذكر نفخ الصور، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩] لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة، ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٩] حشرنا الخلق كلهم.
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠] أظهرنا لهم جهنم، حتى شاهدوها.
﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف: ١٠١] الغطاء ما غطى الشيء وستره، وهذا كقوله: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] وصف الله الكفار بأنهم عمي عن آيات الله تعالى، وأدلة توحيده، لما سبق لهم من الشقاوة.
وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف: ١٠١] قال ابن عباس: عما جاء به محمد ﷺ من البينات والهدى.
﴿وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١] لعداوتهم النبي ﷺ، كانوا لا يقدرون أن يسمعوا ما يتلوه عليهم، كما تقول للكاره لقولك: ما تقدر أن تسمع كلامي.
قوله: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ١٠٢] يقول: أفظنوا أنهم يتخذونهم أربابا من دوني؟ وعني بالعباد المسيح والملائكة، وقال ابن عباس: يعني الشياطين، تولوهم، وأطاعوهم من دون الله تعالى.
وقال مقاتل: يعني الأصنام، سماها عبادا، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] .
وجواب هذا الاستفهام محذوف، قال ابن عباس: يريد أني لا أغضب لنفسي.
والمعنى: أفحسبوا أن تتخذوهم أولياء فلا أغضب لنفسي ولا أعاقبهم؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا﴾ [الكهف: ١٠٢] قال الزجاج: يعني منزلا.
وهو معنى قول ابن عباس: يرد هي مثواهم ومصيرهم.
وقال غيره: النزل ما يهيأ للضيف إذا نزل.
والمعنى أن جهنم معدة لهم عندنا، كما يهيأ النزل للضيف.
[ ٣ / ١٦٩ ]
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ﴿١٠٣﴾ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴿١٠٤﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴿١٠٥﴾ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ﴿١٠٦﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا ﴿١٠٧﴾ خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ﴿١٠٨﴾﴾ [الكهف: ١٠٣-١٠٨] قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا﴾ [الكهف: ١٠٣] يعني بالقوم الذين هم أخسر الخلق فيما عملوا، وهم كفار أهل الكتاب: اليهود والنصارى.
﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٤] بطل عملهم واجتهادهم فِي الدنيا، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] يظنون أنهم بفعلهم محسنون.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] جحدوا دلائل توحيده وقدرته، ﴿وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] وكفروا بالبعث والثواب والعقاب، وذلك أنهم بكفرهم بالنبي ﷺ وبالقرآن، صاروا كافرين بهذه الأشياء، وقوله: ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] أي: بطل اجتهادهم، ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] قال ابن الأعرابي فِي هذه الآية: العرب تقول: ما لفلان وزن عندنا، أي: قدر لخسته، ويوصف الجاهل بأنه لا وزن له، لخفته، وسرعة طيشه، وقلة تثبته.
والمعنى على هذا أنهم لا يعتد بهم ولا يكون لهم عند الله تعالى قدر ولا منزلة.
٥٧٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد بْنِ جَعْفَرٍ، أنا جَدِّي، أنا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَرَشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، نا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: " إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ كِلاهُمَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ
٥٧٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ، نا أَبُو زُرْعَةَ، نا أَبُو الْوَلِيدِ، أنا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْءَمَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأَكُولِ الشَّرُوبِ فَلا يَزِنُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]
".
وقوله: ذَلِكَ أي: الأمر ذلك الذي ذكرت من حبوط أعمالهم، وخسة قدرهم، ثم ابتدأ فقال: ﴿جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا﴾ [الكهف: ١٠٦] أي: بكفرهم واتخاذهم، آيَاتِي يعني القرآن، ﴿هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦] مهزوا به.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا﴾ [الكهف: ١٠٧] أي منزلا، ويجوز أن يراد بالنزل ما يقام للنازل، ويقدر المضاف على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس، أو نعيمهما نزلا، ومعنى كانت لهم قال ابن الأنباري: أي فِي علم الله تعالى قبل أن يخلقوا.
والفردوس فِي اللغة جنة ذات
[ ٣ / ١٧٠ ]
كروم، قال المبرد: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب.
وقال مجاهد: هو البستان بالرومية.
واختاره الزجاج، فقال: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية.
٥٨٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، الْفِرْدَوْسُ أَعْلاهَا دَرَجَةً، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الأَرْبَعَةُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، تَعَالَى، فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ»
٥٨١ - وَأَخْبَرَنَا عَمْرٌو، أنا عَبْدُ اللَّهِ، أنا مُحَمَّدٌ، أنا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا أَبُو قُدَامَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ؛ اثْنَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، حُلِيُّهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَثِنْتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، حُلِيُّهُمَا وَآنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةٍ عَدْنٍ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا﴾ [الكهف: ١٠٨] والحول اسم بمعنى التحويل، يقوم مقام المصدر، يقال: حولوا عنه تحويلا وحولا.
قال ذلك الليث، وابن الأعرابي، وابن قتيبة، والأزهري.
وقال أبو عبيدة: حولا تحولا.
وهو قول الفراء، وقال ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى، والجنة ليست هكذا.
قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ﴾ [الكهف: ١٠٩] الآية.
روى عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزل قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] قالت اليهود: أوتينا علما كثيرا، وأتينا التوراة، وفيها علم كل شيء.
فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] .
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] قال ابن الأنباري: سمي المداد مدادا لإمداده الكاتب، وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء، ويقال للزيت الذي يوقد به السراج مداد، وقال مجاهد: لو كان البحر مدادا للقلم، والقلم يكتب، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي.
وقال ابن عباس: يريد أن كلماته أعظم من أن يكون لها أمد.
[ ٣ / ١٧١ ]
وكلام القديم ﷾ صفة من صفات ذاته، فلا يجوز أن يكون لكلامه غاية ومنتهى، كما ليس له غياية وحد، وأوصاف ذاته غير محدودة أيضا، وهذا رد على اليهود حين ادعوا أنهم أوتوا العلم الكثير، وكأنه قيل لهم: أي شيء الذي أوتيتم فِي علم الله تعالى، وكلماته التي لا تنفذ لو كتبت بماء البحر.
﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾ [الكهف: ١٠٩] بمثل البحر فِي كثرة مائه، مددا زيادة له، والمدد كل شيء زاد فِي شيء.
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] قال ابن عباس: عَلَّمَ اللهُ تعالى رسولَه التواضع لئلا يزهى على خلقه، فأمره بأن يقر على نفسه بأنه آدمي كغيره إلا أنه أكرم بالوحي، وهو قوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] لا شريك له، وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] قال مجاهد: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني أتصدق وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله، فيذكر ذلك مني، وأحمد عليه، فيسرني ذلك، وأعجب به.
فسكت رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا، فأنزل الله تعالى فيه ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] يخاف البعث والمصير إلى الله تعالى، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] خالصا لا يرائي به، ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] قال سعيد بن جبير: لا يرائي.
قال عطاء، عن ابن عباس: قال الله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] ولم يقل: ولا يشرك به، لأنه أراد العمل الذي يعمل لله ويحب أن يحمد عليه.
قال: ولذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها كي لا يعظمه من يصله بها.
وقال الحسن: هذا فيمن أشرك بعمله يريد الله به والناس.
٥٨٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَارِثُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا زِيَادٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ شَهْرٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: " مَنْ صَلَّى صَلاةً يُرَائِي بِهَا فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ صَوْمًا يُرَائِي بِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾
٥٨٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، نا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: " قَالَ اللَّهُ، تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي، فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ رَوْحٍ
[ ٣ / ١٧٢ ]
٥٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَنِيعِيُّ، حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ زِيَادِ بْنِ مِينَا، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ؛ نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمَلَهُ لِلَّهِ أَحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَ عَمَلِهِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ، تَعَالَى، أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[ ٣ / ١٧٣ ]