مكية وآياتها ثماني عشرة ومائة.
٦٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السِّجِسْتَانِيُّ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الأَسَدِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْيَرْبُوعِيُّ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ بَشَّرَتْهُ الْمَلائِكَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ وَمَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ عِنْدَ نُزُولِ مَلَكِ الْمَوْتِ»
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١١﴾﴾ [المؤمنون: ١-١١] بسم الله الرحمن الرحيم
٦٤٣ - حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، إِمْلاءً، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الأَبِيوَرْدِيُّ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نا يُونُسُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الْقَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، الْوَحْيُ يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَمَكَثْنَا سَاعَةً فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلا تُنْقِصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلا تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْنَا عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأَ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى عَشْرِ آيَاتٍ "، رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي (صَحِيحِهِ)، عَنِ الْقَطِيعِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ أَبِيهِ،
[ ٣ / ٢٨٣ ]
عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَكَأَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْقَطِيعِيِّ
قال الفراء: قد ههنا يجوز أن تكون تأكيدا لفلاح المؤمنين، ويجوز أن تكون تقريبا للماضي من الحال، قد يقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا ترى أنهم يقولون: قد قامت الصلاة، قبل حال قيامها.
ويكون المعنى في الآية أن الفلاح قد حصل لهم وأنهم عليه في الحال.
قال ابن عباس: قد سعد المصدقون وبقوا في الجنة.
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ساكتون متواضعون، قال ابن عباس: خشع من خوف الله، فلا يعرف من على يمينه ولا من على يساره.
وقال أبو هريرة: " كان رسول الله ﷺ إذا صلى، رفع بصره إلى السماء، فنزلت ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] فطأطأ رأسه ".
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] قال عطاء، عن ابن عباس: عن الشرك بالله.
وهو قول الضحاك، وقال الحسن: عن المعاصي.
قال الزجاج: هو كل باطل ولهو، وهزل ومعصية، وما لا يحمد من القول والفعل.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] أي: مؤدون، فعبر عن التأدية بالفعل لأنه فعل.
قال ابن عباس: للصدقة الواجبة مؤدون.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] قال الليث: الفرج اسم يجمع سوءات الرجال والنساء، فالقبلات وما حواليهما كله فرج.
والمراد بالفروج ههنا فروج الرجال خاصة، قال الكلبي: يعني يعفون عما لا يحل لهم.
﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٦] على ههنا بمعنى من في قول الفراء.
وقال الزجاج: المعنى أنهم يلامون في إطلاق ما حظر عليهم وأمروا بحفظه إلا على أزواجهم.
ودل على المحذوف ذكر اللوم في آخر الآية، قال مجاهد: يحفظ فرجه إلا من امرأته أو من أمته، فإنه لا يلام على ذلك.
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٧] أي: طلب سوى الأزواج والإماء المملوكة، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] الظالمون المتجاوزون إلى ما لا يحل.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٨] وقرأ ابن كثير لأمانتهم واحدة، وذلك أنه مصدر واسم جنس فيقع على الكثير، وإن كان مفردا في اللفظ، والأمانة تختلف نحو الأمانة التي بين العبيد في حقوقهم كالودائع والبضائع، وما تكون اليد فيه يد أمانة، وتكون الأمانة التي بين الله وبين عباده كالصيام والاغتسال والصلاة، ويجب على المؤمن الوفاء بجميع ضروب الأمانات، وقوله: ﴿وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] قال ابن عباس: إذا عاهد رجلا وفي له.
ومعنى راعون: حافظون.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٩] وقرئ صلاتهم ومن أفراد فلأن الصلاة في الأصل مصدر، ومن جمع فلأنه قد صار اسما شرعيا لانضمام ما لم يكن في أصل اللغة إليها، ومعنى الآية: والذين هم يحافظون على الصلوات المكتوبة، فيقيمونها في أوقاتها.
[ ٣ / ٢٨٤ ]
أولئك يعني: الموصوفين بهذه الصفات، هم الوارثون يرثون منازل أهل النار من الجنة.
٦٤٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مَاهَانَ الْبشترِيُّ، بِهَا، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ نَصْرٍ الْفَرَائِضِيُّ، نا أَبُو هَمَّامٍ الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ، نا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا لَهُ مَنْزِلانِ؛ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِنْ مَاتَ وَدَخَلَ النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ، ﷿: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُورَثُونَ
فقال: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] قال ابن عباس: يريد خير الجنان.
وقال مجاهد: من حفظ عمل العشرة من سورة المؤمنين ورث الفردوس.
٦٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ أَيُّوبَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَعْشَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " خَلَقَ اللَّهُ ثَلاثَةَ أَشْيَاءَ بِيَدِهِ؛ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وَغَرَسَ الْفِرْدَوْسَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي، لا يَدْخُلُهَا مُدْمِنُ خَمْرٍ وَلا دَيُّوثٌ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْنَا مُدْمِنَ الْخَمْرِ، فَمَا الدَّيُّوثُ؟ قَالَ: الَّذِي يُقِرُّ السُّوءَ لأَهْلِهِ
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴿١٢﴾ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴿١٣﴾ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴿١٤﴾ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ﴿١٥﴾ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ﴿١٦﴾﴾ [المؤمنون: ١٢-١٦] قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] السلالة ما يسل من الشيء، أي ينزع ويستخرج، يقال للنطفة سلالة، وللولد سليل، قال ابن عباس في رواية ابن يحيى الأعرج: السلالة صفو الماء.
وقال مجاهد: مني بني آدم.
وقال عكرمة: هو الماء يسل من الظهر سلا.
والمراد بالإنسان ولد آدم، وهو اسم الجنس يقع على الجميع، وقوله: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] يعني طين آدم، والسلالة إنما تولدت من طين خلق آدم، كما قال الكلبي: يقول من نطفة سلت سلا، النطفة من طين، والطين آدم.
ثم جعلناه يعني: ابن آدم الذي هو الإنسان، ﴿نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣] يعني: الرحم، مكن فيه الماء بأن هيئ لاستقراره فيه إلى بلوغ أمده الذي جعل له.
﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون: ١٤] مفسر في ﴿[الحج إلى قوله:] فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [سورة المؤمنون: ١٤] وقرئ كلاهما عظما على الواحد، قال الزجاج: التوحيد والجمع جائزان، والواحد يدل على الجمع كما قال الشاعر:
في خلقكم عظم وقد شجينا
[ ٣ / ٢٨٥ ]
يريد في خلوقهم عظام.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قال ابن عباس: يعني الروح فيه.
وذلك أنه كان عظما ولحما مواتا، فلما جعل فيه الروح صار خلقا آخر، وهو قول السدي، ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، والأكثرين.
وعن مجاهد أيضا، قال: هو أن يستوي شبابه.
وهو قول الضحاك، وقال قتادة: يعني نبات الشعر والأسنان.
وقال الحسن: يعني ذكر وأنثى.
وقوله: فتبارك الله أي: استحق التعظيم والثناء بأنه لم يزل ولا يزال أحسن الخالقين المصورين والمقدرين، والخلق في اللغة: التقدير، يقال: خلقت الأديم إذا قسته لتصنع منه شيئا.
وقال حذيفة في هذه الآية: يصنعون ويصنع، والله خير الصانعين.
يقال: رجل خالق، أي صانع.
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ١٥] بعد ما ذكر من تمام الخلق، لميتون عند آجالكم، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] للجزاء والحساب.
قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] قالوا كلهم: يعني سبع سموات كل سماء طريقة، سميت لتطارقها، وهو أن بعضها فوق بعض.
﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٧] إذ بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب، وأنزلنا منها عليهم الماء.
وهو قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ
[ ٣ / ٢٨٦ ]
فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴿١٨﴾ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿١٩﴾ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ ﴿٢٠﴾ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٢١﴾ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿٢٢﴾﴾ [المؤمنون: ١٨-٢٢] ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: ١٨] أي: بقدر يعلمه الله، وقال مقاتل: بقدر ما يكفيهم للمعيشة.
﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨] يريد ما يبقى في الغدران والمسنقعات والدحلان، أقر الله الماء فيها لينتفع به الناس في الصيف عند انقطاع المطر.
٦٤٦ - أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ النَّقِيبُ، أنا جَدِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَزَّارُ، نا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، نا سَعِيدُ بْنُ سَابِقٍ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ، نا مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ الْجَنَّةِ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ؛ سِيحُونُ وَهُوَ نَهْرُ الْهِنْدِ، وَجِيحُونُ وَهُوَ نَهْرُ بَلْخٍ، وَدِجْلَةُ، وَالْفُرَاتُ وَهُمَا نَهْرَا الْعِرَاقِ، وَالنِّيلُ وَهُوَ نَهْرُ مِصْرَ، أَنْزَلَهَا اللَّهُ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُيُونِ الْجَنَّةِ مِنْ أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهَا عَلَى جَنَاحَيْ جِبْرِيلَ، اسْتَوْدَعَهَا الْجِبَالَ، وَأَجْرَاهَا فِي الأَرْضِ، وَجَعَلَ فِيهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ فِي أَصْنَافِ مَعَايِشِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ، ﷿ ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ﴾، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ؛ أَرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَرَفَعَ مِنَ الأَرْضِ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ كُلَّهُ وَالْحَجَرَ الأَسْوَدَ مِنْ رُكْنِ الْبَيْتِ وَمَقَامَ إِبْرَاهِيمَ وَتَابُوتَ مُوسَى بِمَا فِيهِ وَهَذِهِ الأَنْهَارَ الْخَمْسَةَ، وَيَرْفَعُ كُلَّ ذَلِكَ إِلَى السَّمَاءِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ فَإِذَا رُفِعَتْ هَذِهِ الأَشْيَاءُ مِنَ الأَرْضِ فَقَدَ أَهْلُهَا خَيْرَ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، بِالإِجَازَةِ، أنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: وَجَدْتُ فِيمَا أَجَازَ لِي عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، أنا سَعِيدُ بْنُ سَابِقٍ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ، تَعَالَى، مَا أَنْبَتَ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَالَ: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿١٩﴾ وَشَجَرَةً﴾ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: جَنَّاتٍ وَالْمُفَسِّرُونَ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ؛ يَعْنِي: شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ، وَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ؛ لأَنَّهُ لا يَتَعَاهَدُهَا أَحَدٌ بِالسَّقْيِ وَهِيَ تُخْرِجُ الثَّمَرَةَ الَّتِي يَكُونُ مِنْهَا الدُّهْنُ الَّذِي تَعْظُمُ بِهِ الْمَنْفَعَةُ فَذُكِرَتِ النِّعْمَةُ فِيهَا
وقوله: ﴿تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] قرئ بفتح السين وكسرها، وهي نبطية في قول الضحاك، وحبشية في قول عكرمة، وهي اسم المكان الذي به هذا الجبل في أصح الأقوال، وسيناء في قول مجاهد: اسم حجارة بعينها، أضيف الجبل إليها لوجودها عنده.
وقال الكلبي: طور سيناء الجبل المشجر.
وقال عطاء: يريد الجبل الحسن.
وقوله: تنبت بالدهن أي: تنبته لأنه يعصر من الزيتون الزيت، والباء في بالدهن للتعدي، يقال: أنبته ونبت به.
ومن قرأ تنبت بضم التاء، فإن جعلت أنبت بمعنى كقول زهير:
حتى إذا أنبت البقل
فهذه القراءة كالأول سواء، وإن جعلت تنبت من الإنبات الذي هو مضارع أنبت، فالباء في بالدهن زيادة كزيادتها
[ ٣ / ٢٨٧ ]
في قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
وقوله: وصبغ للآكلين الصبغ والصباغ ما يصطبغ به من الأدم، وذلك أن الخبز يلون بالصبغ إذا غمس فيه، والاصطباغ بالزيت المغمس فيه للأئتدام به، والمراد بالصبغ بالزيت في قول ابن عباس: فإنه يدهن به ويؤتدم.
وقال مقاتل: جعل الله في هذه الشجرة أدما ودهنا، فالأدم الزيتون، والدهن الزيت.
قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ [المؤمنون: ٢١] مفسرة في ﴿[النحل إلى قوله:] وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ [سورة المؤمنون: ٢١] يعني: في ظهورها وألبانها وأولادها وأصوافها وأشعارها.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢١] من لحومها وأولادها والكسب عليها.
﴿وَعَلَيْهَا﴾ [المؤمنون: ٢٢] يريد الإبل خاصة، ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] قال الكلبي: ما في البحر فالسفن، وما في البر فالإبل.
وهذا كقوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠] .
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ ﴿٢٣﴾ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ ﴿٢٤﴾ إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ﴿٢٥﴾﴾ [المؤمنون: ٢٣-٢٥] قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٣] قال ابن عباس: يعزي نبيه ﷺ بأن غير أمته قد كذبوا الأنبياء وجحدوا البعث.
﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٢٣] أطيعوه ووحدوه، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣] ما غيره رب، ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٣] أفلا تتقونه بالطاعة والتوحيد.
﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٤] يعني: الأشراف، والرؤساء، وذوي الأمر منهم، ﴿مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أي أنه آدمي لا فضل له عليكم، ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] يتشرف بأن يكون له الفضل عليكم فيصير متبوعا وأنتم له تبع، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أن لا يعبد شيء سواه، ﴿لأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤] ولم يرسل بشرا آدميا، ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ [المؤمنون: ٢٤] الذي يدعونا إليه نوح من التوحيد، ﴿فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] في الأمم الماضية.
﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٥] حالة جنون، ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] انتظروا موته فتستريحوا منه.
﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ﴿٢٦﴾ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴿٢٧﴾ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٢٨﴾ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴿٢٩﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴿٣٠﴾﴾ [المؤمنون: ٢٦-٣٠] ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦] بتكذيبهم، والمعنى: انصرني بإهلاكهم جزاء لهم بتكذيبهم.
فأوحينا إليه مفسر في ﴿[هود إلى قوله:] فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [سورة المؤمنون: ٢٧] أي: أدخل في سفينتك.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا﴾ [المؤمنون: ٢٩] يجوز أن يكون المنزل بمعنى الإنزال، والمعنى إنزالا، ﴿مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩] قال مقاتل: يعني بالبركة أنهم توالدوا وكثروا.
ويجوز أن يكون المنزل موضعا للإنزال، كأنه قيل: أنزلني مكانا أو موضعا، وهو قول الكلبي: منزلا
[ ٣ / ٢٨٨ ]
مباركا بالماء والشجر.
وقرأ عاصم منزلا بفتح الميم وكسر الزاي، يعني: موضع نزول، قال المفسرون: إنه أمر أن يقول عند استوائه على الفلك: الحمد لله، وعند نزوله: أنزلني منزلا مباركا.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] قل ابن عباس: يريد من السفينة.
ولذلك قيل له: ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ﴾ [هود: ٤٨] وهذا جواب دعائه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] يعني: في أمر نوح والسفينة وهلاك أعداء الله، ﴿لآيَاتٍ﴾ [المؤمنون: ٣٠] لدلالات على قدرة الله ووحدانيته، ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٠] وما كنا إلا مختبرين إياهم بإرسال نوح، ووعظه وتذكيره.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴿٣١﴾ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ ﴿٣٢﴾ وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴿٣٣﴾ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ﴿٣٤﴾ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ﴿٣٥﴾ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴿٣٦﴾ إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴿٣٧﴾ إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٣٨﴾ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ﴿٣٩﴾ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ﴿٤٠﴾ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٤١﴾ ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ ﴿٤٢﴾ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴿٤٣﴾﴾ [المؤمنون: ٣١-٤٣] ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] يعني: عادا قوم هود، ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٢] هودا، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] قال الزجاج: أنكم موضعها نصب على معنى أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم، فلما طال الكلام أعيد ذكرانه، كما قال ﷿: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣] المعنى: فله نار جهنم.
﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] بعد الأمر جدا حتى امتنع، وهو اسم سمي به الفعل، وهو بعد كما قالوا: صه بمعنى اسكت، ومه بمعنى لا تفعل وليس له اشتقاق، وفيه ضمير يقع عائد إلى قوله: إنكم مخرجون الذي هو بمعنى الإخراج، والتقدير هيهات هو، أي الإخراج، والمعنى: بعد إخراجكم للوعد الذي توعدون وهو بعد الموت، استبعد أعداء الله إخراجهم ونشرهم لما كانت العدة به بعد الموت إغفالا منهم للتفكير في قوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] قال ابن عباس في هذه الآية: ينفون أن ذلك لا يكون.
وقال الكلبي: يقولون: بعيد بعيد ما وعدكم ليوم البعث.
قال أبو عمرو بن العلاء: إذا وقفت فقل هيهاه.
يدل على هذا ما
[ ٣ / ٢٨٩ ]
روي عن سيبويه، أنه قال: هي بمنزلة علقاه.
يعني في التأنيث، وإذا كان كذلك كان الوقف بالهاء، قال الفراء: كان الكسائي يختار الوقف بالهاء، وأنا أختار التاء وعنده أن هذه التاء ليست بتاء التأنيث.
قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [المؤمنون: ٣٧] قالوا: ما الحياة إلا ما نحن فيه، لا الحياة الآخرة التي تعدنا بعد البعث، ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] نهلك نحن ويبقى أبناؤنا، ويهلك أبناؤنا ويبقى أبناؤهم.
﴿إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [المؤمنون: ٣٨] ما هو إلا مفتر كاذب على الله في ذكر البعث و﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] بمصدقين فيما يقول.
﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩] تقدم تفسيره، قَالَ الله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠] من الزمان والوقت، يعني: عند الموت، أو عند نزول العذاب بهم، ﴿لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] على الكفر والتكذيب.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١] صاح بهم جبريل صيحة واحدة ماتوا عن آخرهم بتصدع قلوبهم، وقوله: بِالْحَقِّ أي: باستحقاقهم العذاب بكفرهم، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ [المؤمنون: ٤١] وهو ما جاء به السيل من نبات قد يبس وكل ما تحمله السيل على رأس الماء من قصب وحشيش وعيدان شجر فهو غثاء، والمعنى: صيرناهم هلكى فيبسوا كما يبس الغثاء من نبات الأرض فهمدوا، ﴿فَبُعْدًا﴾ [المؤمنون: ٤١] أي: ألزمهم الله بعدا من الرحمة، ﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] المكذبين المشركين، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ [المؤمنون: ٤٤] أي: بعضها في إثر بعض غير متصلين، لأن بين كل نبيين دهرا طويلا، وهي فعلى من المواترة، قال الأصمعي: يقال: واترت الخبر، أتبعت بعضه بعضا، وبين الخبرين هنيهة، وهي كالدعوى والتقوى، وأكثر العرب على ترك تنوينها.
وقرأ ابن كثير تترا منونة، وتترا على هذه القراءة فعلا والألف فيها كالألف في رأيت زيدا وعمرا، فإذا وقفت كانت الألف بدلا من التنوين وحقها أن تفخم ولا تمال، قال المبرد: من قرأ ﴿تَتْرَا﴾ [المؤمنون: ٤٤] فهو مثل شكوى، ومن قرأ تترى مثل شكوت شكوى، وعلى القراءتين جميعا التاء الأولى بدل من الواو، وتترا مصدرا، واسم قام مقام الحال لأن المعنى متواترة، وقوله: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ [المؤمنون: ٤٤] أهلكنا الأمم بعضهم في أثر بعض، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [المؤمنون: ٤٤] لمن بعدهم من الناس، يتحدثون بأمرهم وشأنهم.
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٤٥﴾ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ﴿٤٦﴾ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ﴿٤٧﴾ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ﴿٤٨﴾ وَلَقَدْ
[ ٣ / ٢٩٠ ]
آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴿٤٩﴾﴾ [المؤمنون: ٤٥-٤٩] وقوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٥] يعني: الدلائل التي كانت لهما، ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [المؤمنون: ٤٥] وحجة بينة، يعني اليد والعصا.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا﴾ [المؤمنون: ٤٦] قال ابن عباس: عن عبادة الله تعالى.
وقال مقاتل: تكبروا عن الإيمان بالله.
﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم، وهو معنى قول ابن عباس: علوا على بني إسرائيل علوا كبيرا.
وقال مقاتل: يعني متكبرين عن توحيد الله.
يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧] أنصدق إنسانين من لحم ودم ليس لهما علينا فضل؟ ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ [المؤمنون: ٤٧] يعني: بني إسرائيل، ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] قال ابن عباس: مطيعون.
قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابد له.
وقال المبرد: العابد المطيع الخاضع.
﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ [المؤمنون: ٤٨] يعني: موسى وهارون، ﴿فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] بتكذيبهما.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [المؤمنون: ٤٩] التوراة جملة واحدة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩] لكي يهتدوا به من الضلالة، قال مقاتل: يعني بني إسرائيل، لأن التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون وقومه.
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] هذا كقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وقد تقدم، وقوله: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا﴾ [المؤمنون: ٥٠] أي: وجعلناهما يأويان ويرجعان، ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] وهي المكان المرتفع من الأرض، قال ابن عباس: يريد دمشق.
وهو قول سعيد بن المسيب، ومقاتل، ورواية عكرمة، عن ابن عباس.
وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بيت المقدس.
وهو قول قتادة، وكعب، قال: وهو أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا.
وقال السدي: إنها أرض فلسطين.
وهو قول أبي هريرة، وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] أي: مستوية يستقر عليها ساكنوها، والمعنى: ذات موضع قرار، ﴿وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] يعني: الماء الجاري الظاهر الذي تراه العيون.
﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿٥١﴾ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴿٥٢﴾ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿٥٣﴾ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ﴿٥٤﴾ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ﴿٥٥﴾ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴿٥٦﴾﴾ [المؤمنون: ٥١-٥٦] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والكلبي، ومقاتل: يعني محمدا ﷺ وحده، على مذهب العرب في مخاطبة الواحد مخاطبة الجمع، ويتضمن هذا أن الرسل جميعا كذي أمروا.
قوله: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] قال ابن عباس: من الحلال.
وقال الضحاك: أمرهم ألا يأكلوا إلا حلالا طيبا.
وقال الحسن: أما والله ما عنى به أصفركم ولا
[ ٣ / ٢٩١ ]
أحمركم، ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكنه قال انتهوا إلى الحلال منه.
﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] أي: بما أمركم الله به، وأطيعوه في أمره ونهيه، ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] لا يخفى علي شيء من أعمالكم.
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٥٢] إن في قراءة من قرأ بفتح الألف معطوفة على الجار في قول الخليل وسيبويه: التقدير ولأن هذه أمتكم.
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] أي: اتقون لهذا، ومن قرأ بالتخفيف فإن هي المخففة من المشددة، كقوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ومن كسر مع التشديد فهو على الاستئناف، ومعنى الآية قال مقاتل: يقول: هذه التي أنتم عليها ملة الإسلام، ملة واحدة عليها الأنبياء والمؤمنون الذين نجوا من العذاب.
والمعنى: أنتم أهل ملة واحدة ودعوة واحدة، فلا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا.
وهو قوله: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥٣] والكلام في الاثنين قد تقدم، وقوله: ﴿زُبُرًا﴾ [المؤمنون: ٥٣] قال المبرد: فرقا وقطعا مختلفة.
واحدها زبور، هو الفرقة والطائفة، ومثله الزبرة وجمعها زبر.
قال الكلبي: يعني مشركي العرب واليهود والنصارى، تفرقوا أحزابا.
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] بما عندهم من الدين راضون، يرون أنهم على الحق، ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] في حيرتهم وغفلتهم، وضلالتهم وجهالتهم، قال مقاتل: يعني كفار مكة.
وقوله: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] قال ابن عباس: يريد نزول العذاب بالسيف أو بالموت.
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] أي: أيحسبون أن ما يعطيهم الله في هذه الدنيا من الأموال والبنين، إنما يعطيهم ثوابا ومجازاة لهم، لا بل هو استدراج لهم من الله، وهو معنى قوله: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥٦] ومعنى نسارع نسرع، أي أيحسبون: أنا نتعجل في تقديم ثواب أعمالهم لرضانا عنهم حين بسطنا لهم الرزق وأكثرنا أولادهم، ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] لا يعلمون أن ذلك شر لهم.
ثم ذكر المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ﴿٥٩﴾ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿٦٠﴾ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴿٦١﴾﴾ [المؤمنون: ٥٧-٦١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] الإشفاق الخوف، تقول: أنا مشفق من هذا الأمر، أي خائف.
والمعنى أنهم لما هم عليه من خشية الله خائفون من عذابه.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] قال ابن عباس: يصدقون بالقرآن أنه من
[ ٣ / ٢٩٢ ]
عند الله.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] لا يعبدون معه غيره.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي: يتصدقون ويعملون الأعمال الصالحة، ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] خائفة أن لا يقبل منهم، قال مجاهد: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل.
وقال الحسن: المؤمن جمع إحسانا وشفقة، والمنافق جمع إساءة وأمنا.
وإيتاء المال في هذه الآية عبارة عن الأعمال الصالحة، إذ هو الأفضل والأشق على النفس.
٦٤٧ - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، نا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ. . . . .﴾ الآيَةَ، فَقَالَ: يَا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، الَّذِينَ يَصُومُونَ وَهُمْ يَفْرَقُونَ أَنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، وَيُصَلُّونَ وَهُمْ يَفْرَقُونَ أَنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَفْرَقُونَ أَنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُمْ
أخبرنا أبو عبد الله بن أبي إسحاق، أنا أبو بكر القطيعي، نا إدريس بن عبد الكريم المقري، نا عاصم بن علي، نا أبو الأشهب العطاري، عن الحسن في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] قال: كان ما عملوا من أعمال البر يرون أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله.
قال الزجاج: قلوبهم خائفة لأنهم إلى ربهم راجعون.
قال صاحب النظم: فالوجل واقع على مضمر.
وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [المؤمنون: ٦٠] سبب له، على تأويل وقلوبهم وجلة لا يقبل منهم لعلمهم أنهم إلى ربهم، ﴿رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي: لأنهم يوقنون بأنهم يرجعون إلى الله، يخافون أن لا يقبل منهم.
قوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] يبادرون في الأعمال الصالحة، ﴿وَهُمْ لَهَا﴾ [المؤمنون: ٦١] أي إليها، ﴿سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] قاله الفراء، والزجاج.
وقال ابن عباس: ينافسون فيه أمثالهم من أهل البر والتقوى.
وقال الكلبي: سبقوا الأمم إلى الخيرات.
﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴿٦٢﴾ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ﴿٦٣﴾ حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴿٦٤﴾ لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ﴿٦٥﴾ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ ﴿٦٦﴾ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ﴿٦٧﴾﴾ [المؤمنون: ٦٢-٦٧] قوله: ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون: ٦٢] أي: إلا طاقتها من العمل، فمن لم يستطع أن يصلي قائما فيصلي جالسا، وقد سبق هذا في آخر ﴿[البقرة، ولدينا كتاب يريد اللوح المحفوظ، وفيه مكتوب كل شيء سبق في علم الله، ينطق بالحق يبين بالصدق، ومعنى ال:: لا نكلف نفسا إلا ما أطاقت من العمل، وتعلم أين تعمل، لأنا قد اثبتنا عمله في اللوح المحفوظ، فهو ينطق به ويبينه،] وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٢] أي: لا ينقصون من ثواب أعمالهم.
ثم عاد إلى ذكر الكفار، فقال: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ [المؤمنون: ٦٣] في غفلة وجهالة، ﴿مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون: ٦٣] القرآن، ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾ [المؤمنون: ٦٣] خبيثة، ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]
[ ٣ / ٢٩٣ ]
أعمال المؤمنين التي ذكرها الله، ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] إجماع المفسرين، وأصحاب المعاني على أن هذا إخبار عما سيعملونه من أعمالهم الخبيثة التي كتبت عليهم، لابد لهم أن يعملوها، ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ [المؤمنون: ٦٤] أغنياءهم ورؤساهم، ﴿بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] بالسيوف يوم بدر، ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] يصيحون إلى الله، ويصيحون ويقال لهم: ﴿لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] لا تمنعون منا، نزلت في الذين قتلوا ببدر، ثم ذكر أن إعراضهم عن القرآن أوجب أخذهم بالعذاب بقوله: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٦] يعني القرآن، ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] تتأخرون عن الإيمان به، ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] الكناية تعود إلى البيت، أو الحرم، أو البلد مكة في قول الجميع، وهو كناية عن غير مذكور، والمعنى: مستكبرين بالبيت والحرم لأمنكم فيه مع خوف سائر الناس في مواطنهم، تقولون: نحن أهل الحرم فلا نخاف.
وقوله: ﴿سَامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] السامر الجماعة يسمرون بالليل، أي يتحدثون، ﴿تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] يجوز أن يكون من الهجران، وهو قول الحسن، ومقاتل، واختيار المفضل، والمعنى: تهجرون القرآن وترفضونه فلا تلتفتون إليه ولا تنقادون له، كما قال: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥] ويجوز أن يكون من الهجر، وهو قول القبيح، يقال: هجر يهجر هجرا إذا قال غير الحق.
وهو قول السدي، والكلبي، ومجاهد، وقتادة.
وكانوا إذا خلوا حول البيت، سبوا النبي ﷺ والقرآن، وقالوا فيهما السوء، ويقال في هذا المعنى أيضا: أهجر إهجارا إذا أفحش في منطقه، وهو قراءة ابن عباس، ومجاهد.
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ ﴿٦٨﴾ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴿٦٩﴾ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴿٧٠﴾ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴿٧١﴾ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿٧٢﴾ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٧٣﴾ وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴿٧٤﴾ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿٧٥﴾﴾ [المؤمنون: ٦٨-٧٥] ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] أفلم يتدبروا القرآن فيعرفوا ما فيه من العبر والدلالات على صدق محمد ﷺ، ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] قال ابن عباس: يريد أليس قد أرسلنا نوحا وإبراهيم والنبيين إلى قومهم، فكذلك بعثنا محمدا إلى قومه.
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩] قال ابن عباس: أليس هو محمد بن عبد الله، يعرفونه صغيرا وكبيرا، صادق اللسان، يفي بالعهد؟ وفي هذا توبيخ لهم بالإعراض عنه بعدما عرفوا صدقه وأمانته.
﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] قال ابن عباس: يريدون به جنون ترونه به.
﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠] بالتنزيل الذي هو الحق، يعني القرآن.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴿٧٠﴾ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ
[ ٣ / ٢٩٤ ]
أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٧٠-٧١] قال أبو صالح، وابن جريج، ومقاتل، والسدي: الحق هو الله.
والمعنى: لو جعل مع نفسه كما يحبون شريكا ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١] أي: ومن فيهن، وقال الزجاج، والفراء: ويجوز أن يكون المراد بالحق القرآن.
أي: لو نزل بما تحبون من جعل شريك، وإثبات آلهة لفسدت السموات والأرض ومن فيهن كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .
﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٧١] أي: بما فيه فخرجهم وشرفهم، قال ابن عباس: هو كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] .
﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١] قال: يريد تولوا عما جاء به من شرف الدنيا والآخرة.
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٧٢] على ما جئتهم به من الإيمان والقرآن، ﴿خَرْجًا﴾ [المؤمنون: ٧٢] أجرا ومالا يعطونك، ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: ٧٢] فما يعطيك الله من أجره وثوابه ورزقه خير لك، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: ٧٢] أفضل من أعطى وآجر.
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣] وهو دين الإسلام.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [المؤمنون: ٧٤] بالبعث والثواب والعقاب، ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤] عن الدين مائلون عادلون، يقال: نكب فلان عن الطريق تنكب نكوبا إذا عدل عنه.
﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ [المؤمنون: ٧٥] يعني: الجوع الذي أصابهم بمكة سبع سنين، ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] لتمادوا في ضلالتهم يترددون.
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴿٧٦﴾ حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴿٧٧﴾ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ ﴿٧٨﴾ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٧٩﴾ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴿٨٠﴾ بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ ﴿٨١﴾ قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿٨٢﴾ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴿٨٣﴾﴾ [المؤمنون: ٧٦-٨٣] ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون: ٧٦] يعني الجوع، ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [المؤمنون: ٧٦] ما توضعوا ولا انقادوا، ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦] وما يرغبون إلى الله في الدعاء.
﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [المؤمنون: ٧٧] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يعني يوم بدر.
وهو قول مجاهد، واختيار الزجاج.
وقال في رواية عطاء: يريد الموت.
﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٧] آيسون من كل خير.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ﴾ [المؤمنون: ٧٨] خلق لكم، ﴿السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٨] قال مقاتل: يعني أنهم لا يشكرون رب هذه النعم ويوحدونه.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [المؤمنون: ٨٠] يحيي الولد في الرحم فيولد حيا، ثم يميته، ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [المؤمنون: ٨٠] قال الفراء: هو الذي جعلهما مختلفين، يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض.
﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠] ما ترون من صنعه فتعتبرون.
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] قال الكلبي: كذبت قريش بالبعث مثل ما كذب الأولون.
وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٤﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴿٨٥﴾ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿٨٦﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ﴿٨٧﴾ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨٨﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴿٨٩﴾ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿٩٠﴾﴾ [المؤمنون: ٨٤-٩٠] ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ٨٤] من الخلق، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤] خالقها ومالكها.
سيقولون الله أي: يقرون بأنها مخلوقة له، ﴿قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥] تتفكرون أن من قدر على خلق الأرض ومن فيها قادر على إحياء الموتى.
قوله: قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون الله وقرئ لله وكذلك ما بعده، فمن قرأ الله فعلى ما يقتضيه اللفظ من جواب السائل، لأنك إذا قلت: من رب السموات؟ فالجواب: الله، ومن قرأ لله فعلى المعنى، لأن معنى من رب السموات، لمن السموات؟ فيقال: لله.
كما يقال: من مالك هذه الدار؟ فيقال: لزيد.
لأن معناه: لمن هذه الدار، فإذا قالوا ذلك، و﴿قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٧] عبادة غيره.
قُلْ لهم يا محمد: ﴿مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون: ٨٨] الملكوت الملك، والتاء زيادة للمبالغة، نحو جبروت ورهبوت، ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨] يقال: أجرت فلانا إذا استغاث بك فحميته، وأجرت عليه إذا حميت عنه.
والمعنى أنه يمنع من السوء من يشاء، ولا يمنع منه من أراد بسوء، وقوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] قال الفراء، والزجاج: تصرفون عن الحق، وتخدعون.
والمعنى: يخيل لهم الحق باطلا، والصحيح فاسدا.
﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٩٠] بالتوحيد والقرآن، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٠] فيما يضيفون إلى الله عن الولد والشريك.
ثم نفاهما عن نفسه، فقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿٩١﴾ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٩٢﴾﴾ [المؤمنون: ٩١-٩٢] ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١] لاعتزل وانفرد بخلقه، فلا يرضى أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره ولمنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق، ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] طلب
[ ٣ / ٢٩٦ ]
بعضهم مغالبة بعض، وهذا معنى قول المفسرين: لقاتل بعضهم بعضا كما يفعل الملوك في الدنيا.
ثم نزه نفسه عما وصفوه به، فقال ﷾: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿٩١﴾ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [المؤمنون: ٩١-٩٢] بالجر من نعت الله، والرفع على خبر ابتداء محذوف، يعني: هو عالم.
﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ﴿٩٣﴾ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٩٤﴾ وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ﴿٩٥﴾ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴿٩٦﴾ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ﴿٩٧﴾ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴿٩٨﴾﴾ [المؤمنون: ٩٣-٩٨] ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] إن أريتني ما يوعدون من العذاب والنقمة، يعني القتل ببدر.
﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤] أي: مع القوم الظالمين، قال الكلبي: مع الفئة الباغية.
قال الزجاج: أي إن أنزلت بهم النقمة، يا رب، فاجعلني خارجا عنهم.
ثم أخبر أنه قادر على ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥] .
ثم أمره بالصبر إلى أن ينقضي الأجل المضروب للعذاب، فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] يعني بالأحسن، الإعراض والصفح، والسيئة أذى المشركين إياه، وهذا قبل الأمر بالقتال، ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] بما يكذبون ويقولون من الشرك، أي: إنا نجازيهم بما يستحقون.
ثم أمره أن يتعوذ من الشيطان ليسلم في دينه، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أمتنع وأعتصم بك، ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] معنى الهمز في اللغة: الدفع، وهمزات الشياطين: دفعهم بالإغواء إلى المعاصي، وهو معنى قول المفسرين: نزعاتهم ووساوسهم، وذلك أن الشيطان إنما يدفع الناس إلى المعاصي بما يوسوس إليهم.
﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] في أموري، أي أن يصيبوني بالسوء لأن الشيطان لا يحضر ابن آدم إلا بسوء.
ثم أخبر الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿٩٩﴾ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٠٠﴾﴾ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠] ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] أي: إلى الدنيا ردوني إليها، وإنما قال: ارجعوني، كما يقال للجماعة، لأن الله ﷿ يخبر عن نفسه بما يخبر به عن الجماعة في نحو قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ [ق: ٤٣] وأمثاله، فكذلك جاء الخطاب في ارجعون في مقابلته، قوله: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا
[ ٣ / ٢٩٧ ]
تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] قال ابن عباس: أشهد أن لا إله إلا الله.
وقال قتادة: أما والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة، ولكنه تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر فاعملوا فيها، وقوله: ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] قال ابن عباس: فيما مضى من عمري.
قال الله: كلا لا يرجع إلى الدنيا، إِنَّهَا إن مسألة الرجعة، ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] كلام يقوله ولا فائدة له في ذلك، وقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] يعني أمامهم وبين أيديهم، والبرزخ الحاجز بين الشيئين، وهو ههنا ما بين الموت والبعث، قال مجاهد: حاجز حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا وهم فيه، ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] .
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ ﴿١٠١﴾ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٠٢﴾ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴿١٠٣﴾ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴿١٠٤﴾﴾ [المؤمنون: ١٠١-١٠٤] ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [المؤمنون: ١٠١] قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هي النفخة الأولى.
وقال في رواية عطاء: هي النفخة الثانية.
﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ [المؤمنون: ١٠١] قال: يريد لا تفاخر بينهم كما كانوا يتفاخرون في الدنيا.
ولا يتساءلون كما يتساءل العرب في الدنيا: من أي قبيلة أنت؟ ولا بد من تقدير محذوف في الآية على تأويل فلا أنساب بينهم يؤمئذ يتفاخرون بها، أو يتعاطفون بها، لأن الأنساب لا تنقطع يومئذ، إنما يرتفع التواصل والتفاخر والتساؤل، وهذه الآية لا تنافي قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] لأن للقيامة أحوال ومواطن منها ما يشغلهم عظم الأمر عن المسألة، ومنها حال يفيقون فيها، فيتساءلون، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية المنهال، عن عمرو: ولما سئل عن الاثنين فقال: هذه ثارات يوم القيامة.
قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] وهذه الآية والتي بعدها تقدم تفسيره.
قوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] اللفح: الإحراق، يقال: لفحته النار والسموم إذا أحرقته، ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] الكلوح: بدو الأسنان عند العبوس، وقال الزجاج: الكالح الذي قد تشمرت شفتاه عن أسنانه، نحو ما ترى رءوس الغنم إذا برزت الأسنان وتشمرت الشفاه.
قال ابن مسعود: ككلوح الرأس النضيج.
٦٤٨ - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نظيرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ: " ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾، قَالَ: تَشْوِيهِ النَّارُ فَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ الْعُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حَتَّى تَبْلُغَ سُرَّتَهُ "، رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي (صَحِيحِهِ)، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي الْمُوَجِّهِ، عَنْ عَبْدَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ
ويقال: ﴿
[ ٣ / ٢٩٨ ]
أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿١٠٥﴾ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ﴿١٠٦﴾ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴿١٠٧﴾﴾ [المؤمنون: ١٠٥-١٠٧] ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾ [المؤمنون: ١٠٥] يعني القرآن، ﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠٥] تخوفون بها، ﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥] في الدنيا.
﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] وقرئ شقاوتنا ومعناهما واحد وهما مصدران، قال مجاهد، ومقاتل: غلبت علينا شقاوتنا التي كتبت علينا في الدنيا فلم نهتد.
وهو قوله: ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ﴿١٠٦﴾ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦-١٠٧] من النار، قال ابن عباس: سألوا الرجعة.
﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٧] إلى الكفر والتكذيب، ﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] .
قال: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ ﴿١٠٨﴾ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴿١٠٩﴾ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴿١١٠﴾ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿١١١﴾﴾ [المؤمنون: ١٠٨-١١١] ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قال المبرد: الخسأ: إبعاد بمكروه.
وقال الزجاج: تباعدوا تباعد سخط، وأبعدوا بعد الكلب.
﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] في رفع العذاب عنكم.
٦٤٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ، أنا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، أنا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، نا أَبُو بَكْرٍ الأَزْهَرِيُّ، نا رَوْحٌ، نا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ أَهْلَ جَهَنَّمَ يَدْعُونَ مَالِكًا أَرْبَعِينَ عَامًا فَلا يُجِيبُهُمْ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ، ثُمَّ يُنَادُونَ رَبَّهُمْ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾، فَيَدُعُهُمْ مِثْلَ عُمْرِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَرِدُ عَلَيْهِمْ ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ فِيمَا يُمْسِي الْقَوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ إِنْ كَانَ إِلا الزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ، وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: إِذَا قِيلَ لَهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ انْقَطَعَ رَجَاؤُهُمْ وَدُعَاؤُهُمْ، وَأَقْبَل بَعْضُهُمْ يَنْبَحُ فِي وَجْهِ بَعْضٍ، وَأُطْبِقَتْ عَلَيْهِمْ
﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ [المؤمنون: ١٠٩] قال ابن عباس: يريد المهاجرين.
﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: ١١٠] وقرئ بكسر السين ههنا وفي ﴿[ص واتفقوا على الضم في سورة الزخرف يقال: سخر منه وسخر به سخرية وسخريا إذا هزئ، ومن السخرة التي هي بمعنى العبودية، يقال: اتخذت فلانا سخريا بالضم لا غيره، ومن اتفقوا على الضم في الأخرى لأنه من السخرة.
قال أبو عبيدة: سخريا يسخرون منهم، وسخريا يسخرونهم.
وقال يونس: سخريا من السخرة مضموم، ومن الهزء سخري
[ ٣ / ٢٩٩ ]
وسخري.
وعلى القراءتين جميعا هو مصدر وصف به، ولذلك أفرد ابن عباس: يريد تستهزئون بهم.
وقال مقاتل: إن كفار قريش كانوا يستهزئون من عمار وبلال وخباب وصهيب وسلمان وسالم.
وقوله:] حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [سورة المؤمنون: ١١٠] أي: نسيتم ذكري لاشتغالكم بالسخرية منهم وبالضحك منهم، فنسب الإنساء إلى عباده المؤمنين وإن لم يفعلوه لما كانوا السبب، كقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] لما كانت سببا في الإضلال، نسب الإضلال إليها معنى قول المفسرين ترككم الاستهزاء لا تؤمنون بالقرآن.
﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون: ١١١] على أذاكم واستهزائكم، ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١] في موضع المفعول الثاني لجزيت، والمعنى: جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز، ومن كسر استأنف وأخبر، فقال: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١] أي: الذين قالوا ما أرادوا.
قوله: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴿١١٢﴾ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴿١١٣﴾ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١١٤﴾ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ﴿١١٥﴾ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴿١١٦﴾﴾ [المؤمنون: ١١٢-١١٦] ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١١٢] قال الله تعالى للكفار يوم البعث: كم لبثتم في الأرض.
يعني الدنيا وفي القبور، ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] وقرئ قل أي: قل أيها الكافر المسئول عن قدر لبثه كم لبثتم.
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣] قال ابن عباس: أنساهم الله قدر لبثهم، فيرون أنهم لم يلبثوا إلا يوما أو بعض يوم، لعظيم ما هم بصدده من العذاب، بسوء ذلك، قوله: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] يعني الملائكة.
﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ [المؤمنون: ١١٤] أي: قال الله تعالى: ما لبثتم في الأرض إلا قليلا، لأن مكثهم في القبور، وإن طال، فإنه متناه قليل عند طول مكثهم في عذاب جهنم، لأنه خلود ولا يتناهى.
وقوله: ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] أي: قدر لبثكم في الدنيا.
قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] العبث في اللغة اللعب، يقال: عبث عبثا فهو عابث، لاعب بما لا يعنيه، ومعناه للعبث.
قال ابن عباس: يريد كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب عليها.
مثل قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أن يهمل كما تهمل البهائم، والمعنى: أفحسبتم أنكم خلقتم للعبث فتعبثوا ولا تعملوا بطاعة الله، ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] في الآخرة للجزاء.
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ [المؤمنون: ١١٦] عما يصفه به الجهال من الشريك والولد، ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦]
[ ٣ / ٣٠٠ ]
لأنه ملك غير مملك، وكل ملك غيره فملكه مستعار، لأنه يملك ما ملكه الله، ثم وحد نفسه، فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] السرير الحسن، والكريم في صفة الجماد بمعنى الحسن.
ثم أوعد من أشرك به، فقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴿١١٧﴾ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴿١١٨﴾﴾ [المؤمنون: ١١٧-١١٨] ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] أي: إلها لم ينزل بعبادته كتاب، ولا بعث بها رسول، ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] أي أن حساب عمله عند الله، فهو يجازيه بما يستحق، كما قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] .
﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] لا يسعد من كذب وجحد.
ثم أمر رسوله أن يستغفر للمؤمنين، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] أي: أفضل رحمة من الذين يرحمون.
[ ٣ / ٣٠١ ]