مدنية وآياتها عشرون ومائة.
٢٦٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْخَفَّافُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْمَائِدَةِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ يَتَنَفَّسُ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ»
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴿١﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٢﴾﴾ [المائدة: ١-٢] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] قال ابن عباس في رواية الوالبي: بالعهود يعني: ما أحل وما حرم، وما فرض وما حد في القرآن.
وقال مجاهد: ما عقد الله على العباد وما أحل لهم وحرم عليهم.
وقال الضحاك: بالعهود التي أخذ الله على هذه الأمة أن يوفوا بها مما أحل وحرم، ومما فرض من الصلاة وسائر الفرائض.
[ ٢ / ١٤٧ ]
والعقود أوكد العهود، جمع العقد، بمعنى المعقود، وهو الذي أحكم، وما فرضه الله علينا فقد أحكم ذلك، ولا سبيل إلى نقضه بحال.
وقال مقاتل بن حيان: أوفوا بالعقود: بالعهود التي عهد الله إليكم في القرآن مما أمركم من طاعته أن تعملوا بها، ونهيكم الذي نهاكم عنه، وبالعهد الذي بينكم وبين المشركين، وفيما يكون من العهد بين الناس.
ثم ابتدأ كلاما آخر فقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] والبهيمة اسم لكل ذي أربع من دواب البر والبحر، وقال الزجاج: كل حي لا يميز فهو بهيمة.
والأنعام جمع النعم، وهي الإبل والبقر والغنم وأجناسها.
والمراد ب بهيمة الأنعام: الأنعام، وزاد ذكر البهيمة للتأكيد، كما يقال نفس الإنسان.
وهذا قول الحسن، والربيع، والضحاك، والسدي، وابن عباس في رواية عطاء، قالوا: هي الأنعام كلها.
وقال في رواية الكلبي: بهيمة الأنعام: وحشها كالظباء وحمر الوحش.
وقوله: ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] أي: إلا ما يقرأ عليكم في القرآن مما حرم عليكم، وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية.
وقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] يقال: رجل حرام وقوم حرم، أي: محرمون والمعنى: إلا أن تحلوا الصيد في حال الإحرام فإنه لا يحل لكم إذا كنتم محرمين.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] قال الزجاج: أي: الخلق له، يحل منه ما يشاء لمن يشاء، ويحرم ما يريد.
قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢] قال أبو عبيدة: الشعائر في كلام العرب: الهدايا المشعرة، أي المعلمة.
وقال الزجاج: هي ما أشعر أي أعلم ليهدى إلى بيت الله الحرام.
[ ٢ / ١٤٨ ]
نزلت في الحطيم بن ضبيعة، أتى النبي ﷺ من اليمامة إلى المدينة، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، فلم يسلم، فلما خرج مر بسرح المدينة فاستاق الإبل فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله ﷺ عام القضية سمع تلبية حجاج اليمامة، فقال لأصحابه: هذا الحطيم وأصحابه فدونكم، وكان قد قلد ما نهب من سرح النبي ﷺ، وأهداه إلى الكعبة، فلما توجهوا في طلبه أنزل الله تعالى هذه الآية.
والمعنى: لا تحلوها بإباحتها والإغارة عليها.
وقوله: ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] أي: بالقتال فيه ولا الهدي: وهي كل ما أهدي إلى بيت الله من ناقة أو بقرة وشاة ولا القلائد: هي جمع قلادة، وأراد: ولا ذوات القلائد، يعني: الهدايا المقلدة، وعلى قول ابن عباس: أراد ولا أصحاب القلائد وهم الذين قلدوا بعيرهم ليأمنوا.
وكانت الحرب في الجاهلية قائمة بين العرب إلا في الأشهر الحرم، فمن وجد في غير الأشهر الحرم أصيب منه، إلا أن يكون مشعرا بدنة، أو سائقا هديا أو مقلدا نفسه وبعيره من لحاء شجر الحرم، أو محرما بعمرة إلى البيت، فلا يتعرض لهؤلاء.
فأمر الله المسلمين بإقرار هذه الأمنة على ما كانت عليه في الجاهلية لضرب من المصلحة إلى أن نسخها.
وقوله: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] أي: قاصديه، يعني: الذين يريدون الحج، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: ٢] يعني: التجارة، ورضوانا: بزعمهم وفيما يظنون.
وهذه الآية من أولها إلى ههنا منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ
[ ٢ / ١٤٩ ]
فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] أي: إذا خرجتم من إحرامكم حل لكم الصيد، قال الزجاج: هذا لفظ أمر معناه الإباحة، لأن الله تعالى حرم الصيد على المحرم، وأباحه إذا حل من إحرامه، وليس أنه واجب عليه إذا حل أن يصطاد.
وقوله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢] الجرم معناه في اللغة: الكسب، والجارم الكاسب.
والشنآن البغض، يقال: شنئت الرجل أشنؤه شنئا وشنآنا، إذا بغضته ويجوز شنآنا بسكون النون.
أن صدوكم أي: لأن صدوكم ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [المائدة: ٢] ومن أجل أن صدوكم، ومن قرأ إن صدوكم بكسر إن جعله للجزاء على معنى: إن صدوكم عن المسجد الحرام فلا تكسبوا عدوانا.
ومعنى الآية: لا يحملنكم بغض كفار مكة أن صدوكم: يوم الحديبية ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] على حجاج اليمامة، فتستحلوا منهم محرما، وتمنعوهم عن المسجد الحرام كما منعكم كفار مكة، أو تعرضوا للهدي.
وقوله: وتعاونوا: قال الفراء: ليعن بعضكم بعضا على البر: وهو ما أمرت به، والتقوى: ترك ما نهيت عنه.
قال الزجاج: ما مضى من هذه الآية كله منسوخ، إلا تعاون المسلمين على التقوى.
وقوله: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] قال عطاء: يريد: معاصي الله والتعدي في حدوده.
ثم حذرهم فقال: واتقوا الله: فلا تستحلوا ما حرم، ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] إذا عاقب.
[ ٢ / ١٥٠ ]
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] قوله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] مفسر في ﴿[البقرة، إلى قوله:] وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [سورة المائدة: ٣]: وهي التي تنخنق فتموت، والانخناق: إنعصار الحلق، يقال: خنقه فانخنق.
قال قتادة: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها، قال الزجاج: وبأي وجه اختنقت فهي حرام.
والموقوذة: المضروبة حتى تموت ولم تذكَّ، قال الزجاج: هي التي تقتل ضربا، يقال: وقذتها أقذها وقذا.
والمتردية: هي التي تقع من جبل أو من موضع مشرف فتموت، يقال: تردى، إذا سقط في قليب أو من جبل، ومنه قوله: إذا تردى أي: سقط في النار.
والنطيحة: التي تنطحها شاة أو كبش فتموت.
وقوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئا فقتله وأكل منه أكلوا ما بقي، فحرمه الله، والتقدير: وما أكل منه السبع.
وقوله: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] أي: إلا ما أدركتم ذكاته وهي الذبح، يقال: ذكى فلان الشاة.
إذا ذبحها الذبح التام يجوز معه الأكل ولا يحرم.
[ ٢ / ١٥١ ]
وهذا استثناء من جميع هذه المحرمات التي ذكرت.
قال ابن عباس: يقول: ما أدركت من هذا كله وفيه روح فأذبحه فهو حلال، وإدراك حياته أن توجد له عين تطرف، أو ذنب يتحرك، فأكله جائز إذا ذكي.
وقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] قال ابن عباس: يريد: الأصنام التي تنصب وتعبد من دون الله.
وقال الفراء: النصب: الآلهة التي تعبد من أحجار.
قال الزجاج: النصب حجارة كانت لهم يعبدونها وهي الأوثان.
وتقدير الآية على هذا القول: وما ذبح على اسم النصب.
وقال مجاهد، وقتادة، وابن جريج: كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ [المائدة: ٣] أي: تطلبوا علم ما قسم لكم من الخير والشر بالأزلام، قال المفسرون: كان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا، أو غزوا، أو تجارة، أو غير ذلك طلب من الأزلام، وهي قداح كانت في الكعبة عند سدنة البيت مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي، فإن خرج السهم الآمر مضى لحاجته، وإن خرج السهم الناهي لم يمض، وواحد الأزلام: زُلَم وزلَم.
قال الزجاج: أخبر الله تعالى أن الاستقسام بالأزلام حرام، ولا فرق بين ذلك وبين قول النجمين: لا تخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل طلوع نجم كذا، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] وذلك دخول في علم الله الذي هو غيب، فهو حرام كالأزلام التي ذكرها الله تعالى.
وقد روى أبو الدرداء، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من تكهن أو استقسم، أو تطير ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة» .
[ ٢ / ١٥٢ ]
وقوله: ذلكم فسق أي: الاستقسام بالأزلام فسق، وهو كل ما يخرج به من الحلال إلى الحرام.
وقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] قال الكلبي: نزلت لما دخل رسول الله ﷺ مكة في حجة الوداع، يئس أهل مكة أن يرتد المسلمون راجعين إلى دينهم.
فلا تخشوهم: أن يظهروا على دينكم، واخشون: في مخالفة أمري.
وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] أجمعوا على أن المراد ب اليوم يوم عرفة، وهذه الآية نزلت يوم الجمعة يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي ﷺ واقف بعرفات على ناقته العضباء.
ومعنى ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] أي: ببيان الفرائض والسنن والحدود والأحكام والحلال والحرام، فلم ينزل بعد هذه الآية شيء من الفرائض.
قال ابن عباس في رواية الوالبي: بعث الله نبيه ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق به المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا به زادهم الزكاة، فلما صدقوا به زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم الدين، فقال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] .
٢٦٨ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزمجاري بِهَا، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَةً فِي كِتَابِكُمْ لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا.
قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ هِيَ؟ قَالَ: قَوْلُهُ ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] .
قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،
[ ٢ / ١٥٣ ]
وَالسَّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الصَّبَّاحِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، كِلاهُمَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ.
٢٦٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ أَبِي وَكِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ بَكَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أنا كُنَّا فِي زِيَادَةٍ مِنْ دِينِنَا، فَأَمَّا إِذَا كَمُلَ فَإِنَّهُ لا يَكْمُلُ شَيْءٌ إِلَّا نَقَصَ، فَقَالَ: صَدَقْتَ "
وقوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] يريد: أنه أنجز لهم ما وعدهم في قوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين.
وقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]
٢٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا عُبْدُوسُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمْرَانَ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عِصْمَةُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ،
[ ٢ / ١٥٤ ]
عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﷿: «إِنِّي نَظَرْتُ فِي الأَدْيَانِ فَارْتَضَيْتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا، فَأَحْسِنُوا صُحْبَتَهُ بِالسَّخَاءِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، فَإِنَّ الْبَخِيلَ بَعِيدٌ عَنِ اللَّهِ، بَعِيدٌ عَنِ الْجَنَّةِ، بَعِيدٌ عَنِ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ»
وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣] قال الزجاج: من دعته الضرورة في مجاعة.
والمخمصة: خلاء البطن من الطعام جوعا.
﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] قال قتادة: غير متعرض لمعصية.
وأصله من الجنف الذي هو الميل، غير متجانف: غير مائل لإثم: وهو أن يأكل من الميتة فوق الشبع تلذذا.
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] قال ابن عباس: غفر الله له ما أكل مما حرم عليه حين اضطر إليه، ورحيم بأوليائه حيث أحل لهم ما حرم عليهم في المخمصة إذا اضطروا إلى أكلها.
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٤﴾ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٥﴾﴾ [المائدة: ٤-٥] قوله ﷻ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٤] الآية.
[ ٢ / ١٥٥ ]
روي أن عدي بن حاتم، وزيد الخيل جاءا إلى رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد الصيد بالكلاب والبزاة وقد حرم الله ﷿ الميتة فماذا لنا منها؟ فنزلت هذه الآية.
وقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] قال المفسرون: أحل الله للعرب ما استطابوا مما لم ينزل بتحريمه تلاوة مثل: الضباب واليرابيع والأرانب وغيرها، فكل حيوان استطابته العرب فهو حلال، وكل حيوان استخبثته العرب فهو حرام، وهو قوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
والطيب في اللغة: المستلذ، والحلال المأذون فيه يسمى أيضا طيبا تشبيها بما هو مستلذ.
وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] يريد: وصيد ما علمتم، فحذفه، والجوارح الكواسب من الطير والسباع، الواحدة: جارحة، سميت جوارح لأنها تكسب أربابها الطعام بصيدها، وهي الكلاب والفهود والبزاة والصقور والزمج والعقاب، فما اصطادت من هذه الجوارح صيدا فقتلته فهو حلال.
وقوله: مكلبين: المكلب الذي يعلم الكلاب أخذ الصيد، يقال للصائد: مكلب، ومعنى مكلبين: مؤدبين.
[ ٢ / ١٥٦ ]
﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] تؤدبونهن لطلب الصيد، وأن لا يأكلن الصيد كما أدبكم الله، ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] إذا كان الضاري معلما ثم صاد صيدا فجرحه وقتله وأدركه الصائد ميتا فهو حلال إذا لم يأكل منه.
فإن أكل منه، فعند ابن عباس، وطاووس، والشعبي، والسدي: لم يحل أكله وهو الأظهر من مذهب الشافعي، وعند جماعة من الصحابة: يحل وإن أكل وهو أحد قولي الشافعي.
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] إذا أرسلتم الكلاب واطلقتموها على الصيد، والأولى للصائد أن يرسل الجارحة على اسم الله، فإن نسي حل أكل صيده كالذابح من المسلمين إن نسي اسم الله على ذبيحته حل أكلها.
قوله ﷻ: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥] كرر إحلال الطيبات تأكيدا، ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] يعني: ذبائح اليهود والنصارى، وإن لم يذكروا اسم الله وذكروا عيسى وعزيرا.
قال الشعبي، وعطاء: في النصراني يذبح فيقول: باسم المسيح، فالأكل يحل منه، فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون.
وقوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] يريد: ذبائحنا لهم حلال، فإذا اشتروها منا كان الثمن لنا حلالا، واللحم لهم حلال، قال الزجاج ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] تأويله: حل لكم أن تطعموهم.
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: ٥] قال مجاهد: يعني الحرائر، وقال ابن عباس: يريد العفائف من المؤمنات.
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قال ابن عباس: يريد الحرائر وإماء أهل الكتاب حرام نكاحهن.
[ ٢ / ١٥٧ ]
واختلفوا في الحربيات من أهل الكتاب، فعن ابن عباس: لا يحل نكاحهن، وإنما يحل نكاح الذميات.
وعن الحسن، وسعيد بن المسيب: يحل نكاح الكتابيات ذميات كن أو حربيات.
وقوله: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] يعني: مهورهن، وتقييدا التحليل بإيتاء المهور يدل على تأكيد وجوبه.
وقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] يعني: تنكحوهن بالمهر والبينة غير معالنين بالزنا، ﴿وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥] تسرون بالزنا.
قال الزجاج: حرم الله الجماع على جهة السفاح، وعلى جهة اتخاذ الصديقة، وأحله على جهة الإحصان وهو التزويج.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] قال ابن عباس، ومجاهد: بالله الذي يجب الإيمان به.
وقال الكلبي: بشهادة أن لا إله إلا الله، فجعل كلمة التوحيد إيمانا.
وقال مقاتل: يقول بما أنزل على محمد ﷺ فسمي القرآن إيمانا لأنه يجب الإيمان به.
وقال الزجاج: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] أي: من بدل شيئا مما أحل الله فجعله حراما، أو أحل شيئا مما حرم الله فهو كافر بالإجماع، وقد حبط جميع ما تقرب به إلى الله.
وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] قال ابن عباس: خسر الثواب.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٦﴾ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٧﴾﴾ [المائدة: ٦-٧]
[ ٢ / ١٥٨ ]
قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] قال زيد بن أسلم: يعني إذا قمتم من النوم.
قال الزجاج: المعنى: إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] المعنى: إذا أردت أن تقرأ.
قال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: إذا اتجرت فاتجر في البز، وإذا آخيت فآخ أهل الحسب، يريد: إذا أردت التجارة، وإذا أردت مؤاخاة الناس.
وقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] هي جمع مرفق، وهو المكان الذي يرتفق به، أي: يتكأ عليه من اليد، وكثير من النحويين يجعلون إلى ههنا: بمعنى مع، ويوجبون غسل المرفق، وهو مذهب أكثر العلماء.
وقوله: وامسحوا برءوسكم: المسح: مسحك شيئا بيدك كمسح العرق عن جبينك، وكمسحك رأسك في وضوئك.
وظاهر الآية: لا يوجب التعميم في مسح الرأس، لأنه إذا مسح البعض فقد حصل ماسحا، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن الباء توجب التعميم، لأن ذلك لا يعرفه أهل النحو.
وقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] في الأرجل قراءتان: النصب والخفض، أما النصب فهو ظاهر إلا أنه عطف على المغسول، لوجوب غسل الرجلين بإجماع لا يقدح فيه قول من خالف.
وأما الكسر فقال أبو حاتم، وابن الأنباري: الكسر بالعطف على المسح غير أن المراد بالمسح في الأرجل الغسل، روي ذلك عن ابن زيد أنه قال: المسح خفيف الغسل، قالوا: تمسحت للصلاة في معنى توضأت.
قال أبو حاتم: وذلك أن المتوضئ لا يرضى بصب الماء على أعضائه حتى يمسحها مع الغسل فسمي الغسل مسحا.
وعلى هذا: الرأس والرجل ممسوحان، إلا أن المسح في الرجل المراد به الغسل، يدل على ذلك ذكر التحديد،
[ ٢ / ١٥٩ ]
وهو قوله إلى الكعبين والتحديد إنما جاء في المغسول لا في الممسوح.
وقال جماعة من أهل المعاني: الأرجل معطوفة على الرءوس في الظاهر لا في المعنى، قد ينسق بالشيء على غيره والحكم فيها مختلف، كما قال:
يا ليت بعلك قد غدا متقلدا سيفا ورمحا
المعنى: وحاملا رمحا، وكذلك قول الآخر:
علفتها تبنا وماء باردا
المعنى: وسقيتها ماء.
فكذلك المعنى في الآية وامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم، فلما لم يذكر الغسل عطف الأرجل على الرءوس في الظاهر.
وكعب الإنسان: ما أشرف من فوق رسغه عند قدمه، وقال الأصمعي: الكعبان: الناشزان من جانبي القدم.
والأخبار متواترة بوجوب الغسل، والوعيد لمن ترك من قدمه لمعة لم يصبها الماء.
٢٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَمْدُوَيْهِ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي
[ ٢ / ١٦٠ ]
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ عَلَى قَدَمِهِ، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ»، فَرَجَعَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ
٢٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَدْلُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ الْقُطَعِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ بُطُونِ الأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ»
٢٧٣ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ
[ ٢ / ١٦١ ]
يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْمُسْلِمُ فَتَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، فَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ بَيْنِ أَظَافِرِهِ، فَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ خَرَجَتْ مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ، فَإِذَا عَمِدَ إِلَى الصَّلاةِ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلاتُهُ نَافِلَةً لَهُ»
٢٧٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ
٢٧٥ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ التَّاجِرُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْقِطْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُلَيْكٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْكِلابِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ:
[ ٢ / ١٦٢ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تُحْشَرُ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَيُقَالُ: هَؤُلاءِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَتَمَنَّى الْخَلائِقُ أَنَّهُمْ كَانُوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ "
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] فأدمغت التاء في الطاء، لأنهما من مكان واحد.
قال مقاتل: فاغتسلوا.
وباقي الآية مشروح في ﴿[النساء، إلى قوله:] مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة المائدة: ٦] يعني: من ضيق في الدين، ولكنه جعله واسعا حين رخص في التيمم، ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] من الأحداث والجنابات والذنوب والخطيئات، لأن الوضوء يكفر الذنوب.
روى أبو أمامة، أن النبي ﷺ قال: «الطهور يكفر ما قبله ويصير الصلاة نافلة» .
وقوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أي: ببيان الشرائع، وقال محمد بن كعب القرظي: بغفران الذنوب.
٢٧٦ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَالِينِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَارَهْ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: مَرَّتْ عَلَى عُثْمَانَ فَخَّارَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَدَعَا بِهِ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا مَا حَدَّثْتُكُمْ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «
[ ٢ / ١٦٣ ]
مَا تَوَضَّأَ عَبْدٌ فَأَسْبَغَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاةِ الأُخْرَى»
وقال محمد بن كعب: وكنت إذا سمعت الحديث من رجل من أصحاب رسول الله ﷺ التمسته في القرآن، فالتمست هذا فوجدته: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿١﴾ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ١-٢]، فعلمت أن الله لم يتم النعمة عليه حتى غفر ذنوبه، ثم قرأت الآية التي في ﴿[المائدة:] إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [سورة المائدة: ٦] حتى بلغت ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فعرفت أن الله لم يتم عليهم النعمة حتى غفر لهم.
وقوله: لعلكم تشكرون: قال عطاء: لكي تشكروا نعمتي، وتطيعوا أمري.
قوله ﷿: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٧] قال مقاتل: يعني بالنعمة: الإسلام، ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ [المائدة: ٧] قال مجاهد، والكلبي، ومقاتل: هو ما أخذ عليهم حين أخرجهم من ظهر آدم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.
وقال جماعة من المفسرين: يعني بالميثاق حين بايعوا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في كل ما أمر ونهى، والأيمان التي أخذت عليهم يوم بيعة العقبة، ويوم بيعة الرضوان.
قال السدي: وكل مؤمن آمن بالله ورسله فهذا داخل في هذا الميثاق.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧] قال ابن عباس: بخفيات القلوب والضمير والنيات.
[ ٢ / ١٦٤ ]
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿٨﴾ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٩﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴿١٠﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١١﴾﴾ [المائدة: ٨-١١] قوله ﷻ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ [المائدة: ٨] معنى القيام لله أن تقوم لله بالحق في كل ما يلزم القيام به من الأمر بالمعروف والعمل به، والنهي عن المنكر وتجنبه.
﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]: تشهدون بالعدل ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨] أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل، اعدلوا: في الولي والعدو ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي: هو أقرب لاتقاء النار.
قوله ﷻ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١] الآية، قال المفسرون: دخل رسول الله ﷺ ومعه جماعة من أصحابه على بني النضير، وكانوا قد عاهدوا النبي ﷺ على ترك القتال، وعلى أن يعينوه في الديات، فقال النبي ﷺ: «رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما إمام متي فلزمني ديتها فأريد أن تعينوني» .
فقالوا: اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا.
وهموا باغتيالهم والفتك بهم، فأذن الله تعالى به حتى فاتوا بأنفسهم، فهو قوله: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ [المائدة: ١١] يعني: يهود بني النضير ﴿أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١] بالقتل والاغتيال، ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١] بأن أخبركم حتى خرجتم من عندهم.
ثم أخبر الله تعالى عن نقض بني إسرائيل عهد الله، كما نقضت هذه الطبقة فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿١٢﴾ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ
[ ٢ / ١٦٥ ]
تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣﴾ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴿١٤﴾ يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴿١٥﴾﴾ [المائدة: ١٢-١٥] ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ١٢] قال الكلبي، ومقاتل: أخذ الله ميثاقهم على أن يعملوا بما في التوراة، ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] النقيب: الأمين الكفيل على قومه.
أخذ من كل سبط منهم نقيب فبعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى بالقتال معهم ليقفوا على أحوالهم، ويرجعوا بذلك إلى قومهم، فرجعوا ينهون عن قتالهم، وكانوا قد تواثقوا بينهم أن لا يفعلوا، فنكثوا العهد إلا رجلين: كالب بن يوفنا، ويوشع بن نون.
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة: ١٢] بالعون والنصرة والدفع عنكم بهذه الشرائط، وهي قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: ١٢] التعزير: التوقير، والتعزير: النصر باللسان والسيف.
قال عطاء: يريد: وقرتموهم.
وقال السدي: نصرتموهم بالسيف.
وقال مقاتل: أعنتموهم.
وأقرضتم الله قال ابن عباس: يعني الصدقات للفقراء والمساكين.
قرضا حسنا: قال الضحاك:
[ ٢ / ١٦٦ ]
تبتغون به وجه الله، وقال ابن المبارك: حلالا طيبا من أموالكم.
وقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٢] أي: بعد العهد والميثاق ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢] أخطأ قصد الطريق، ثم أخبر عن نقضهم فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] ما صلة مؤكدة يريد: فبنقضهم، كما قال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
قال قتادة: إنهم كذبوا بالرسل بعد موسى، وقتلوا الأنبياء، ونبذوا كتاب الله، وضيعوا فرائضه.
وقوله: لعناهم قال ابن عباس: عذبناهم بالجزية.
وقال مقاتل: عذبناهم بالمسخ.
وقال عطاء: أخرجناهم من رحمتنا.
وهو اختيار الزجاج قال: باعدناهم من الرحمة.
﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] القسوة: الصلابة والشدة في كل شيء، يقال: قسا يقسو قسوة فهو قاس وحجر قاس.
وقرأ حمزة قسِيَّة على وزن فعيلة بمعنى قاسية مثل عالم وعليم.
قال ابن عباس: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] يابسة عن الإيمان ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] يعني: صفة محمد ﷺ وآية الرجم ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] قال ابن عباس: تركوا نصيبا مما أمروا به في كتابهم من اتباع محمد والإيمان به.
﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] أي: على خيانة، قال مقاتل: يعني بالخيانة: الغش للنبي ﷺ.
وقال يمان بن زباب: على كذب وفجور.
وقال عطاء: على خيانة منهم مثلما خانوك حين هموا بقتلك.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وقوله: ﴿إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] يعني: من أسلم منهم ولم ينقضوا العهد ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] منسوخ بآية السيف ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣] يعني: المعافين المتجاوزين، قال ابن عباس: إذا عفوت فأنت محسن.
قوله ﷿: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٤] قال مقاتل: أخذ عليهم الميثاق كما أخذ على أهل التوراة أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ويتبعوه، وهو مكتوب عندهم في الإنجيل.
﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٤] فتركوا ما أمروا به من الإيمان بمحمد ﷺ، فكان ذلك الحظ، ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤] قال المؤرج: حرشنا بعضهم على بعض.
وقال النضر: هيجنا.
وقال الكلبي: ألقينا بينهم العداوة والبغضاء.
قال مجاهد، وقتادة، والسدي: يعني: بين اليهود والنصارى.
وقال الربيع: يعني: بين النصارى خاصة وذلك ما بين فرق النصارى من الاختلاف والعداوة، وهذا اختيار الزجاج، قال: تأويل ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤] أي: صاروا فرقا يكفر بعضهم بعضا، ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤] وعيد لهم.
قال قتادة: لما ذكر نقضهم العهد وتركهم ما أمروا به دعاهم على أثر ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ فقال: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٥] قال عطاء عن ابن عباس: يريد: تكتمون مما في التوراة والإنجيل لأنهم أخفوا منه آية الرجم، وأمْر محمد ﷺ وصفته، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥] يتجاوز عن كثير مما كتموه فلا يخبرهم بكتمانه.
وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ [المائدة: ١٥] ضياء من الضلالة وهدى، يعني: الإسلام، وقال قتادة: يعني: النبي ﷺ.
وهو
[ ٢ / ١٦٨ ]
اختيار الزجاج، قال: النور: محمد ﷺ.
وهو الذي يبين، وكتاب مبين يعني: القرآن فيه بيان ما يختلفون فيه.
﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿١٦﴾ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٧﴾ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿١٨﴾ يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٩﴾﴾ [المائدة: ١٦-١٩] قوله ﷻ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٦] أي: بالكتاب المبين ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ [المائدة: ١٦] اتبع ما رضيه الله تعالى مما مدحه وأثنى عليه وهو دين الإسلام، سبل السلام: قال ابن عباس: يريد: دين الإسلام دين الله، والسلام: اسم من أسماء الله تعالى.
وقال الزجاج: جائز أن يكون أراد طريق السلام، أي: طرق السلامة التي من سلكها سلم في دينه، ويجوز أن يكون أراد: سبل دار السلام، كما قال ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، ويراد بها طرق الجنة، ولكنه على حذف المضاف.
وقوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [المائدة: ١٦] قال ابن عباس: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، بإذنه أي: بتوفيقه وإرادته، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦] .
قال الحسن: هو الذي يأخذ بصاحبه حتى يؤديه إلى الجنة.
يعني: الإسلام، ثم أخبر بكفر النصارى فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] وذلك أنهم اتخذوه ربا ومعبودا وجعلوه إلها، ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ١٧] فمن يقدر أن يدفع من عذاب الله شيئا ﴿إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] وهذا احتجاج على
[ ٢ / ١٦٩ ]
النصارى وهو: لو كان المسيح إلها لقدر على دفع أمر الله إذا أتى بإهلاكه وإهلاك غيره.
قوله ﷻ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] قال ابن قتيبة: يعنون أنه من حدبه وعطفه علينا كالأب المشفق، وقيل: إن هذا من باب حذف المضاف، معناه: نحن أبناء رسل الله.
قال ابن عباس: إنما قالوا هذا حين حذرهم النبي ﷺ عقوبة الله.
وقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] أي: لم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى بذنوبهم، وهم الذين مسخهم الله تعالى قردة وخنازير من أصحاب السبت وأصحاب المائدة.
وهذا احتجاج عليهم وتكذيب لقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، لأن الوالد لا يعذب ولده والحبيب لا تطيب نفسه بتعذيب حبيبه.
ثم صرح بتكذيبهم فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨] كسائر بني آدم مجزيون بالإحسان والإساءة، ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٨] قال عطاء: لمن يوحد، ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٨] من لا يوحد.
وقال السدي: يهدي منكم من يشاء فيغفر له، ويميت منكم من يشاء على كفره فيعذبه.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [المائدة: ١٨] أي: أنه يملك ذلك لا شريك له فيعارضه، وهو يملك المغفرة لمن يشاء والتعذيب لمن يشاء، وإليه المصير وإليه يئول أمر العباد في الآخرة.
قوله ﷿: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩] قال ابن عباس: على انقطاع من الأنبياء.
يقال: فتر الشيء يفتر فتورا، إذا سكنت حدته وانقطع عما كان عليه.
والنبي ﷺ بعث بعد انقطاع الرسل، لأن الرسل كانت متواترة بعضها في إثر بعض إلى وقت رفع الله عيسى ﵇.
وقوله: أن تقولوا أي: لئلا تقولوا: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] .
[ ٢ / ١٧٠ ]
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿٢٠﴾ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴿٢١﴾ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴿٢٢﴾ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٢٣﴾ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ ﴿٢٤﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٥﴾ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٦﴾﴾ [المائدة: ٢٠-٢٦] قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠] قال الكلبي: جعل منكم أنبياء على عهد موسى بن عمران وهم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه، فانطلقوا معه إلى الجبل.
وجعلكم ملوكا: قال ابن عباس: جعل لهم الخدم والحشم.
وقال مجاهد: كل من لا يدخل عليه إلا بإذنه فهو ملك.
وقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم وسخر لهم من بني آدم.
وقال السدي: يعني: وجعلكم أحرارا تملكون أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القبط بمنزلة العبيد وأهل الجزية.
٢٧٧ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ،
[ ٢ / ١٧١ ]
قَالَ: «كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لأَحَدِهِمْ خَادِمٌ وَامْرَأَةٌ وَدَابَّةٌ كُتِبَ مَلِكًا»
٢٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقُشَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا.
قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ.
وروي أن الحسن تلا هذه الآية فقال: وهل المُلك إلا مركب وخادم ودار؟ وقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] قال مجاهد، والكلبي: بأن ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وفلق لهم البحر، وأنجاهم من عدوهم.
قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١] قال قتادة: هي الشام كلها.
وقال عكرمة، والسدي: هي أريط.
وقال الكلبي: دمشق وفلسطين.
ومعنى المقدسة: المطهرة، وتلك الأرض طهرت من الشرك، وجعلت مسكنا وقرارا للأنبياء.
[ ٢ / ١٧٢ ]
وقوله ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] قال ابن عباس، والسدي: أمركم بدخولها، وفرض عليكم دخولها، ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] لا ترجعوا إلى دينكم الشرك بالله وإلى معصيته فتنقلبوا خاسرين.
﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] قال المفسرون: هم العمالقة فرقة من عاد.
وأراد بالجبارين: الطوال الأقوياء العظام، من قولهم: رجل جبار، إذا كان طويلا عظيما، تشبيها بالجبار من النخل، وهو الذي فات الأيدي بطوله، قال قتادة: كانت لهم أجسام وخلق عجب ليس لغيرهم.
أخبر الله تعالى أنهم أبوا على موسى دخول تلك القرية، واعتلوا بأن فيها قوما جساما أقوياء لا يطيقونهم، وأنهم لا يدخلونها حتى يخرج منها هؤلاء القوم، فذلك قوله ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢] .
قوله ﷿: قال رجلان قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: هم يوشع بن نون وكالب، ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [المائدة: ٢٣] الله في مخالفة أمره ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة: ٢٣] بالإسلام، قال عطاء: بالصلاح والفضل واليقين.
﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة: ٢٣] الآية: قال المفسرون: إنهما قالا لبني إسرائيل: نحن أعلم بالقوم، إنهم قد ملئوا منا رعبا، إنا رأيناهم فكانت أجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة وإنكم تغلبونهم.
وذلك قوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] في نصره إياكم على الجبارين ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] مصدقين بما أتاكم به رسوله.
﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ [المائدة: ٢٤] قال المفسرون: إن عشرة من النقباء نقضوا العهد، وقالوا لبني إسرائيل: رأينا حصونا منيعة وجبابرة، ولا يدان لكم بهم.
فجبن القوم وخافوا، ولم يثقوا بنصر الله، وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] قال الحسن: هذا القول كفر منهم بالله.
[ ٢ / ١٧٣ ]
وقال المفسرون: إنما قالوا هذا جهلا منهم، وفسقوا بذلك، لأن الله تعالى سماهم فاسقين في هذه القصة، وكذلك موسى سماهم فاسقين، وهو قوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥]، وقوله: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] .
قال الزجاج: أعلمَ اللهُ أن أهل الكتاب لم يزالوا غير قابلين من الأنبياء قبل النبي ﷺ وأن الخلاف شأنهم.
٢٧٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَسَدٍ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أنا لا نَقُولُ كَمَا قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلا أنا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنِ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ، فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ حَمْدَانَ بْنِ عُمَرَ
٢٨٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي رُشَيْدٍ الْعَدْلُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ خَرَجَ إِلَى بَدْرٍ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَأَشَارَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَسَكَتَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: إِنَّمَا يُرِيدُكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ
[ ٢ / ١٧٤ ]
أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا أنا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَوْ ضَرَبْتَ أَكْبَادَنَا حَتَّى تَبْلُغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَكُنَّا مَعَكَ
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥] قال الكلبي: لما قالوا: اذهب أنت وربك. . . غضب موسى، وكان رجلا حديدا، ف ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥] يقول: لم يطعني منهم إلا نفسي وأخي، والمعنى: لا أملك إلا طاعة نفسي وأخي.
﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] فاقض واحكم بيننا وبين القوم العاصين.
قال فإنها: فإن الأرض المقدسة محرمة عليهم: ممنوعة منهم دخولها أربعين سنة: قال ابن عباس: حرم الله على الذين عصوا دخول بيت المقدس فماتوا في التيه، ولم يدخل بيت المقدس ممن خرج من مصر أحد، لا موسى ولا هارون إلا الرجلان اللذان قالا: ادخلوا عليهم الباب، يوشع وكالب، دخلا بأبناء الذين خرجوا من مصر بعدما تاهوا أربعين سنة.
وقال الكلبي: قال الله تعالى لموسى: إذ سميتهم فاسقين فإنها محرمة عليهم.
وقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦] يقال: تاه يتيه توْها وتيْها إذا تحير ولم يهتد، وأرض تيه، وتيهاء، ومتيهة: يتيه فيها الإنسان.
قال مجاهد والحسن: كانوا يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا.
وقوله: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] قال ابن عباس: يريد: لا تحزن على القوم الذين عصوك وعصوني.
[ ٢ / ١٧٥ ]
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿٢٧﴾ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٨﴾ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴿٢٩﴾ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٣٠﴾ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴿٣١﴾ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴿٣٢﴾﴾ [المائدة: ٢٧-٣٢] قوله ﷿: واتل عليهم: واقرأ على قومك نبأ: خبر ابني آدم: قابيل وهابيل بالحق: كما كان ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: ٢٧] كان هابيل صاحب غنم فنظر إلى خير كثير فتقرب إلى الله تعالى، ونظر قابيل إلى شر قمحه فتقرب به إلى الله تعالى، فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل، ولم تحمل قربان قابيل، فعلم أن الله تعالى قد قبل من أخيه ولم يقبل منه فحسده، وهو قوله: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ﴾ [المائدة: ٢٧] هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] قال ابن عباس: قال له هابيل: إنما يتقبل الله ممن كان زاكي القلب.
والمعنى: من المتقين للمعاصي.
قوله ﷻ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨] يقول هابيل لأخيه: لئن بدأتني بالقتل فما أنا بالذي أبدؤك بالقتل ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] في قتلك.
[ ٢ / ١٧٦ ]
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: تحتمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي.
وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك، ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة: ٢٩] بالإثمين، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩] قال ابن عباس: يريد: إن جهنم جزاء من قتل أخاه ظلما.
قوله ﷻ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣٠] قال مجاهد: شجعته نفسه على قتل أخيه.
وقال قتادة: زينت له نفسه.
وقال ابن زباب: سهلت له ذلك.
واختاره الأزهري فقال: المعنى: سهلت له نفسه قتل أخيه، أي: جعلته سهلا وهونته.
وتقدير الكلام: فصورت له نفسه أن قتل أخيه طوع له سهل عليه.
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠] قال ابن عباس: خسر دنياه وآخرته، أما الدنيا فأسخط والديه وبقى بلا أخ، وأما الآخرة فأسخط ربه وصار إلى النار.
٢٨١ - أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِيهِ كِلاهُمَا، عَنِ الأَعْمَشِ
٢٨٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ
[ ٢ / ١٧٧ ]
الصَّغَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ عَلَيْهِ نِصْفُ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ»
٢٨٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْغَازِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الرَّفَّاءُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَشْقَى النَّاسِ رَجُلانِ: عَاقِرُ نَاقَةِ ثَمُودَ، وَابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ، مَا يُسْفَكُ عَلَى الأَرْضِ دَمٌ إِلَّا لَحِقَهُ مِنْهُ شَيْءٌ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ "
قوله ﷿: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١] قال المفسرون: إن قابيل لما قتل أخاه تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به، لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، فحمله في جراب على ظهره حتى أَرْوَحَ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١] يثير التراب من الأرض.
قال ابن عباس: وكانا غرابين اقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، وقابيل ينظر، ثم بحث في الأرض حتى جعل له حفرة فدفنه فيها، ففعل قابيل مثلما فعل الغراب.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وتقدير الكلام: يبحث في الأرض على غراب ميت ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] كيف يستر جيفة أخيه قال قابيل: يا ويلتى أي: قد لزمني الويل بحملي جيفة ميت، ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] على حمله والتطواف به حين رأى الغراب فعل ذلك.
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٣٢] أي: بسبب قتل قابيل أخاه ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢] قال عطاء: قضينا.
وقال الكلبي: فرضنا على بني إسرائيل.
﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [المائدة: ٣٢] وجب عليه القصاص ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢] يعني: الإشراك بالله، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] قال مجاهد: من قتل نفسا محرمة يصلى النار بقتلها، كما يصلاها لو قتل الناس جميعا.
وقال الحسن: يجب عليه القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه القتل لو قتل الناس جميعا.
وقال سعيد بن جبير: من استحل قتل نفس فهو كذلك في دماء الناس كلهم لا يتحرج لها، ومن أحياها: مخافة من الله، وتحرجا من قتلها فكذلك يرى دماء الناس كلهم حراما.
وهذا كما يروى عن قتادة، والضحاك أنهما قالا: عظم الله أجرها، وعظم وزرها، فمن استحل قتل مسلم بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا، لأنهم لا يسلمون منه، ومن أحياها فحرمها وتورع عن قتلها ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] لسلامتهم عنه.
قال مجاهد: ومن لم يقتلها فقد أحياها.
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [المائدة: ٣٢] قال ابن عباس: بأن لهم صدق ما جاءوا به من الفرائض والحلال والحرام.
﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢] مجاوزون حد الحق.
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي
[ ٢ / ١٧٩ ]
الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٣٣﴾ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٣٤﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٣٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٣٦﴾ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴿٣٧﴾﴾ [المائدة: ٣٣-٣٧] قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية: نزلت في قصة العرنيين، وهي ما
٢٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أنا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، فَاسْتَوْخَمْنَا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَوْدٍ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَاقُوا الزَّوْدَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ قَالَ قَتَادَةُ: ذَكَرَ لَنَا أَنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، إِلَى قَوْلِهِ قَتَادَة
[ ٢ / ١٨٠ ]
ومعنى ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] يعصونهما ولا يطيعونهما، وكل من عصاك فهو حرب لك.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] أي: بالقتل والسرقة وأخذ الأموال، فكل من أخذ السلاح على المسلمين فهو محارب لله ورسوله، وإن كان في بلد كالمكابر في البلاد، وهذا قول مالك، والأوزاعي، ومذهب الشافعي.
وقوله تعالى: أن يقتلوا إلى قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] قال الوالبي، عن ابن عباس: أو دخلت للتخيير ومعناها: الإباحة، إن شاء الإمام قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء نفى.
وهذا قول الحسن، وسعيد بن المسيب، ومجاهد.
وقال ابن عباس في رواية عطية: أو ليست للإباحة، إنما هي مرتبة للحكم باختلاف الجناية، فمن قتل وأخذ المال صلب وقتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قطع، ومن سفك الدماء وكف عن الأموال قتل، ومن أخاف السبيل ولم يقتل نفي، وهذا قول قتادة، والسدي، ومذهب الشافعي.
قال الشافعي: ويحد كل واحد بقدر فعله، فمن وجب عليه القتل والصلب قتل قبل صلبه كراهية تعذيبه، ويصلب ثلاثا ثم ينزل، ومن وجب عليه القتل دون الصلب قتل، ودفع إلى أهله يدفنونه، ومن وجب عليه القطع دون القتل قطعت يده اليمنى ثم حسمت، ثم رجله اليسرى، ثم حسمت، وذلك معنى قوله: من خلاف.
وقوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] قال ابن عباس: هو أن يهدر الإمام دمه، فيقول: من لقيه فليقتله، هذا فيمن لم يقدر عليه.
فأما المقبوض عليه فنفيه من الأرض بالحبس والسجن، لأنه إذا سجن وضع من التقلب في البلاد فقد نفي منها.
أنشد ابن قتيبة، وابن الأنباري قول بعض المسجونين:
خرجنا من الدنيا ونحن مِنَ اهلها فلسنا من الأحياء فيها ولا موتى
[ ٢ / ١٨١ ]
إذا جاءنا السجان يوما لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
وقوله ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [المائدة: ٣٣] أي: فضيحة وهوان، ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] وهذا للكفار الذين نزلت فيهم الآية.
ثم جرى حكم هذه الآية على المحاربين من المسلمين، فبقى العذاب العظيم في الآخرة للكافرين.
والمسلم إذا عوقب بجنايته في الدنيا كانت عقوبته كفارة له.
قوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] أكثر أهل التفسير: على أن المراد بهذا الاستثناء المشرك المحارب إذا آمن وأصلح قبل القدرة عليه سقط عنه جميع الحدود التي ذكرها الله تعالى، ولا يطالب بشيء مما أصاب، لا مال ولا دم، وكذلك لو آمن من بعد القدرة عليه لم يطالب بشيء.
قال الزجاج: جعل الله التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم ليكون ذلك أدعى إلى الدخول في الإسلام.
فأما المسلم المحارب إذا تاب واستأمن من قبل القدرة عليه، فقال السدي: هو كالكافر إذا آمن لا يطالب بشيء إلا إذا أصيب عنده مال بعينه فإنه يرد إلى أهله.
وبهذا حكم علي بن أبي طالب ﵁ في حارثة بن بدر، وكان قد خرج محاربا وذلك ما
[ ٢ / ١٨٢ ]
٢٨٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ التَّمِيمِيُّ أَفْسَدَ فِي الأَرْضِ وَحَارَبَ، فَأَتَى سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ فَانْطَلَقَ سَعِيدٌ إِلَى عَلِيٍّ ﵁، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا جَزَاءُ مَنْ حَارَبَ وَسَعَى فِي الأَرْضِ فَسَادًا؟ قَالَ: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ، قَالَ: فَإِنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، قَالَ: تُقْبَلُ تَوْبَتُه، قَالَ: فَإِنَّهُ حَارِثُ بْنُ بَدْرٍ فَأَتَاهُ بِهِ فَأَمَّنَهُ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا
وقال الشافعي: يسقط عنه بتوبته قبل القدرة عليه حد الله، ولا تسقط حقوق بني آدم ما كان قصاصا أو مظلمة في مال.
قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٣٥] أي: اتقوا عقابه بطاعته، وابتغوا: اطلبوا ﴿إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]: ومعنى الوسيلة: الوصلة والقربة من وسل إليه، إذا تقرب إليه.
قال ابن عباس: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] القربة.
وقال قتادة: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه.
وقال الكلبي: اطلبوا إليه القربة بالأعمال الصالحة.
﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ [المائدة: ٣٥] في طاعته لعلكم تفلحون كي تسعدوا وتبقوا في الجنة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٦] الآية: أخبرنا الله تعالى أن
[ ٢ / ١٨٣ ]
الكافر يوم القيامة لو ملك الدنيا كلها ومثلها معها، ثم فدى بذلك نفسه من العذاب لم يقبل منه ذلك الفداء، ثم أخبر أنهم خالدون في النار لا يخرجون، فقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾ [المائدة: ٣٧] وإرادتهم الخروج يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم يقصدون ذلك ويطلبون المخرج منها، كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠] .
والثاني: أنهم يتمنون ذلك ويردونه بقلوبهم، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، قال الله تعالى ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]
٢٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنِ احْتَرَقُوا، قَالَ: قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧] قَالَ: اقْرَأْ مَا قَبْلَهَا، إِنَّمَا هَذِهِ لِلْكُفَّارِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ [المائدة: ٣٦] الآيَةَ كُلَّهَا
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٣٨﴾ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٣٩﴾ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٤٠﴾﴾ [المائدة: ٣٨-٤٠] قوله ﷿: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] قال الحسن، والسدي، والشعبي: أراد الأيمان.
[ ٢ / ١٨٤ ]
وكذلك في قراءة عبد الله: فاقطعوا أيمانهما وأراد: يمينا من هذا ويمينا من هذه فجمع، قال الفراء، والزجاج: كل شيء موحد من خلق الإنسان إذا ذكر مضافا إلى اثنين فصاعدا جمع، فقيل: قد هشمت رءوسهما، وملئت ظهورهما وبطونهما ضربا.
ومثله قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وذلك أن الإضافة تبين أن المراد بالجمع التثنية، فإذا قلت: شبعت بطونهما، علم أن للاثنين بطنين، والتثنية في هما أغنتك عن التثنية في بطن.
وهذه الآية مجملة في إيجاب القطع على السارق، وتفصيل ذلك مأخوذ من السنة، وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] قال الزجاج: نصب لأنه مفعول له، والمعنى: فاقطعوهما لجزاء فعلهما، وكذلك: ﴿نَكَالا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] قال ابن شهاب: نكل الله بالقطع في السرقة عن أموال الناس.
والله عزيز: في انتقامه من السارق، حكيم: فيما أوجبه من قطع يده.
قال الأصمعي: كنت أقرأ ﴿[المائدة وبجنبي أعرابي، فقرأت هذه ال:، فقلت: نكالا من الله والله غفور رحيم.
سهوا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله.
قال: أعد.
فأعدت: والله غفور رحيم.
فقال: ليس هذا كلام الله.
فتنبهت وقرأت:] وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، فقال: أصبت هذا كلام الله.
قلت له: أتقرأ القرآن؟ قال: لا.
قلت: فمن أين علمت أني أخطأت؟ قال: يا هذا، عز فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع.
قوله ﷿: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] قال ابن عباس: أي تاب بنية صادقة، وترك ظلم الناس، فإن الله يتجاوز عنه ولا يسقط عنه القطع بالتوبة.
قال مجاهد: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩] تاب الله عليه، والحد كفارة له.
وقال الكلبي: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩] العمل بعد القطع والسرقة فإن الله يتجاوز عنه.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٤٠] قال الضحاك: يعذب من يشاء على الذنب الصغير إذا قام عليه، ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٤٠] الذنب الكبير إذا نزع عنه.
وقال السدي: يهدي من يشاء فيغفر له، ويعذب من يشاء فيميته على كفره.
[ ٢ / ١٨٥ ]
﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٤١﴾ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٤٢﴾ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿٤٣﴾ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴿٤٤﴾﴾ [المائدة: ٤١-٤٤] قوله ﷻ: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] قال الزجاج: أي: لا يحزنك مسارعتهم في نصرة الكفر إذ كنت موعودا النصر عليهم.
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] قال ابن عباس: هم المنافقون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤١] يعني: يهود المدينة ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١] أي: فريق سماعون للكذب يسمعون منك ليكذبوا عليك، أي: إنما يجالسونك ويسمعون منك ليكذبوا عليك، ويقولوا إذا خرجوا من عندك: سمعنا منه كذا وكذا ولم يسمعوا ذلك منك.
﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١] يعني: يهود خيبر.
قال الزجاج: أي: هؤلاء عيون لأولئك الغُيَّبِ، ينقلون إليهم أخبارك.
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] من بعد أن وضعه الله مواضعه، يعني: آية الرجم، يقولون يعني: يهود
[ ٢ / ١٨٦ ]
خيبر ليهود المدينة: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] قال المفسرون: إن رجلا وامرأة من أشرف أهل خيبر زنيا فكان حدهما الرجم، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فبعثوا الزانيين إلى بني قريظة ليسألوا محمدا ﷺ عن قضائه في الزانيين إذا أحصنا، ما حدهما، قالوا: إن أفتاكم بالجلد فخذوه واجلدوا الزانيين، وإن أفتاكم بالرجم فلا تعملوا به.
فذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ [المائدة: ٤١] يعني: الجلد، فخذوه: فاقبلوه واعملوا به، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ [المائدة: ٤١] يعني: الجلد، فاحذروا أن تعملوا بغير الجلد.
٢٨٧ - حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، إِمْلاءً سَنَةَ عَشْرٍ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الأَبِيوَرْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ، فَقَالَ: هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ قَالَ: لا، وَلَوْلا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِ الرَّجْمِ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الْوَضِيعَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدَّ اللَّهِ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا نَجْتَمِعُ عَلَى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ مَكَانَ الرَّجْمِ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ»، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِلَى قَوْلِهِ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] يَقُولُونَ: ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوا بِهِ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ
وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ [المائدة: ٤١] قال ابن عباس، ومجاهد: ضلالته.
وقال الحسن، وقتادة: عذابه.
وقال
[ ٢ / ١٨٧ ]
الزجاج: قيل: فضيحته.
وقيل: كفره.
﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] لن تغني عنه، ولن تدفع عذاب الله عنه، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] وقال ابن عباس: أن يخلص نياتهم.
وقال الزجاج: أن يهديهم.
ودلت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك، ولو فعل ذلك لآمن، فهذه الآية من أشد الآيات على القدرية.
وقوله: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [المائدة: ٤١] خزي المنافقين: هتك سترهم بإطلاع النبي ﷺ على كفرهم، وخزي اليهود: فضيحتهم بظهورهم وكذبهم في كتابه الرجم وأخذ الجزية منهم.
﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١] وهو الخلود في النار.
قوله ﷻ: سماعون للكذب: قال الحسن: يعني حكام اليهود يسمعون الكذب ممن يكذب عندهم في دعواهم، ويأتيهم برشوة فيأخذونها ويأكلونها، فسمعوا كذبه، وأكلوا رشوته فهو قوله: أكالون للسحت: وهو كل حرام قبيح الذكر يلزم منه العار، والمراد بالسحت ههنا: الرشوة في الحكم.
قال مسروق: كنت جالسا عند عبد الله بن مسعود، فقال له رجل: ما السحت؟ قال: الرشى في الحكم.
٢٨٨ - أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَيْرُوزٍ الأَنْمَاطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ السَّامِيُّ،
[ ٢ / ١٨٨ ]
حَدَّثَنَا خُلَيْدُ بْنُ دَعْلَجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَخَذَ رِشْوَةً فِي الْحُكْمِ كَانَتْ سِتْرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ»
وقوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] هذا تخيير للنبي ﷺ في الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه، إن شاء حكم وإن شاء ترك.
قال إبراهيم، والشعبي، وعطاء، وقتادة: هذا التخيير ثابت اليوم لحكام المسلمين، إن شاءوا حكموا بينهم بحكم الإسلام، وإن شاءوا أعرضوا.
وقال الحسن، وعكرمة، والسدي: هذا التخيير منسوخ بقوله ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، ومذهب الشافعي ﵁ أنه يجب على الحاكم منا أن يحكم بين أهل الذمة الذين قبلوا الجزية، ورضوا بجريان أحكامنا عليهم إذا تحاكموا إليه، لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارا لهم.
وقوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] قال عكرمة، عن ابن عباس: كان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل النضير رجلا من قريظة أدى مائة وسق من تمر، وإذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قُتل، فلما بعث النبي ﷺ قتل رجل من النضير رجلا من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله.
فقالوا: بيننا وبينكم النبي ﷺ.
فأتوه فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] النفس بالنفس.
قوله ﷿: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣] هذا تعجيب من الله تعالى لنبيه ﷺ
[ ٢ / ١٨٩ ]
من تحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حكم الزاني وحدّه، ثم إعراضهم وتركهم القبول لحكمه، فعدلوا عما يعتقدونه حكما إلى ما يجحدون أنه من عند الله طلبا للرخصة، فظهر جهلهم في هذه القصة.
وقوله: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣] قال ابن عباس: يريد: الرجم، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٤٣] أي: يعرضون عما في التوراة من الحكم، ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] وما أولئك الذين يعرضون عن الرجم بالمؤمنين.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى﴾ [المائدة: ٤٤] بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي ﷺ، ونور: بيان أن أمر محمد ﷺ حق، ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] من لدن موسى إلى عيسى.
قال ابن عباس: وذلك أن الله بعث في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء ليس معهم كتاب، إنما بعثهم بإقامة التوراة، وهو قوله: الذين أسلموا أي: الذين انقاضوا لحكم التوراة.
للذين هادوا: قال ابن عباس: تابوا من الكفر، أي: يحكمون بالتوراة لهم وفيما بينهم.
والربانيون والأحبار فقهاء اليهود وعلماؤهم، واحدها حَبْر وحِبْر ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] قال ابن عباس: بما استودعوا وكلفوا حفظه من كتاب الله، ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤] كانوا شهداء على الكتاب أنه من عند الله، ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ [المائدة: ٤٤] في إظهار صفة محمد ﷺ.
واخشون في كتمان ذلك والخطاب لعلماء اليهود ولا تشتروا: ولا تستبدلوا بآياتي: بأحكامي وفرائضي ثمنا قليلا يعني: متاع الدنيا وهو قليل، لأنه ينقطع ويذهب.
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] اختلفوا في هذا وفيما بعده من قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] فقال جماعة: إن الآيات الثلاث نزلت في الكفار ومن غيّر حكم الله من اليهود، وليس في أهل الإسلام منها شيء، لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال له كافر، وهذا قول قتادة، والضحاك، وأبي صالح، ورواية البراء عن النبي ﷺ.
[ ٢ / ١٩٠ ]
٢٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَوْثٍ الْكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَجَمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّةً، ثُمَّ قَالَ: " ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] قَالَ: نَزَلَتْ كُلُّهَا فِي الْكُفَّارِ ".
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ
قال قتادة في الآيات الثلاث: ليست والله كما تأولها أهل الشبهات وأهل البدع وأهل الفرى على الله وعلى كتابه، وإنما أنزل ما تسمعون في أهل الكتاب حينما نبذوا كتاب الله، وعطلوا حدوده، وتركوا أمره، وقتلوا رسله.
وقال الوالبي عن ابن عباس: من جحد شيئا من حدود الله فقد كفر، ومن أقرها ولم يحكم بها فهو ظالم فاسق.
وقال طاووس: قلت لابن عباس: ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر؟ قال: هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله.
وقال عبد العزيز بن يحيى: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه، وكل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، وأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع فليس هو من أهل هذه الآية.
وقال ابن مسعود، والحسن، والسدي: هذه الآيات عامة في اليهود، وفي هذه الأمة فكل من ارتشى وبدل الحكم، فحكم بغير حكم الله فقد كفر.
[ ٢ / ١٩١ ]
٢٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمَّارٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَهُوَ ظَالِمٌ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَهُوَ فَاسِقٌ
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] قوله ﷿: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] قال الوالبي عن ابن عباس: أخبر الله بحكمه في التوراة وهو أن النفس تقتل بالنفس، إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]: فما بالهم يخالفون فيقتلون بالنفس النفسين، ويفقئون بالعين العينين.
وقال مجاهد عن ابن عباس: إن الله كتب على بني إسرائيل القصاص في القتل، ليس بينهم دية في نفس ولا جرح، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ﴾ [المائدة: ٤٥] تقتل ﴿بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ﴾ [المائدة: ٤٥] تفقأ بالعين.
ومن رفع العين فإنه عطف جملة على جملة، ولم يجعل الواو للاشتراك في الناصب كما جعله من نصب.
وقوله: والجروح قصاص: تعميم بعد التخصيص، لأنه ذكر العين بالعين والأنف بالأنف وما بعدهما، وهذا من
[ ٢ / ١٩٢ ]
الجروح أيضا، والقصاص في الجروح إنما يثبت فيما يمكن أن يقتص فيه، مثل الشفتين والذكر والأنثيين والقدمين واليدين، فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رضة لحم أو كسر عظم أو جراحة في البطن ففيه أرش.
وقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ [المائدة: ٤٥] أي: عفا عن القصاص الذي وجب له ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] قال ابن عباس: مغفرة له عند الله وثواب عظيم.
وقال الشعبي: كفارة لمن تصدق به.
٢٩١ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيْنَوَرِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ مِنْ جَسَدِهِ بِشَيْءٍ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَدْرِهِ مِنْ ذُنُوبِهِ»
﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٤٦﴾ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٤٧﴾﴾ [المائدة: ٤٦-٤٧] قوله ﷻ: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٤٦] أي: جعلناه يقفو آثار النبيين الذين كانوا قبله، أي: يتبعهم في شرعهم وكتابهم، وهو قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [المائدة: ٤٦] بعث عيسى بتصديقه.
﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [المائدة: ٤٦] ليس هذا تكريرا للأول، لأن الأول
[ ٢ / ١٩٣ ]
لعيسى، والثاني للإنجيل، لأن الإنجيل أنزل وفيه ذكر التصديق بالتوراة، كما أن عيسى جاء يدعو الناس إلى التصديق بالتوراة.
وقوله: وهدى وموعظة معناه: هاديا وواعظا للمتقين: الذين يتقون الشرك.
قوله ﷻ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] هذا إخبار عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل.
والتقدير: قلنا: وليحكم أهل الإنجيل، ثم حُذف القول، وحَذْف القول في القرآن كثير، واللام في ليحكم لام الأمر، ولذلك جزم: وليحكم، وقرأ حمزة: وَلِيَحْكُمَ بكسر اللام وفتح الميم على معنى: آتيناه الإنجيل ليحكم، فيكون كقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥] .
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٤٨﴾ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴿٤٩﴾ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿٥٠﴾﴾ [المائدة: ٤٨-٥٠] قوله ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] الآية: قال قتادة: لما أخبر الله تعالى بصنيع أهل الكتاب قبلكم وبحكمهم بغير ما أنزل الله، وعظ نبيه ﷺ والمؤمنين بموعظة بليغة، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] قال مقاتل: يعني: القرآن لم ينزل عبثا.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨] قال ابن عباس: يريد: كل كتاب أنزله الله تعالى على الأنبياء.
ومهيمنا عليه: قال الوالبي، والسدي، وقتادة، والحسن: أمينا وشاهدا على الكتب التي خلت قبله، فما أخبر
[ ٢ / ١٩٤ ]
أهل الكتاب بأمر، فإن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذبوا.
وقال جماعة من أهل اللغة: المهيمن: الرقيب الحافظ، يقال: هيمن الرجل يهيمن هيمنة إذا كان رقيبا على الشيء، وهو قول الخليل، وأبي عبيدة، قال أبو عبيدة: المهيمن: الشاهد المصدق، واحتج بقول حسان:
إن الكتاب مهيمن لنبينا والحق يعرفه ذوو الألباب
وقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨] يعني: بين اليهود بالقرآن، والرجم على الزانيين، ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] يقول: لا تتبعهم عما عندك من الحق فتتركه وتتبعهم، كما تقول: لا تتبع زبدا عن رأيك، أي: لا تترك رأيك وتتبعه.
وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] الشرعة والشريعة واحدة، وهي ما شرع الله للعباد من الصلاة والصوم والنكاح والحج وغيره، معناها في اللغة: الطريقة، لشروع الناس فيها.
والمنهاج الطريق الواضح، يقال: نهج الأمر.
وأنهج.
لغتان، إذا وضح، قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: شرعة ومنهاجا: سبيلا وسنة.
قال قتادة: الخطاب للأمم الثلاث: أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد صلوات الله عليهم أجمعين: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، والدين واحد لا يقبل الله إلا الإخلاص.
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨] على أمر واحد، ملة الإسلام، ولكن ليبلوكم أي: ليختبركم ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨] أعطاكم من الكتاب والسنن، فاستبقوا الخيرات: سارعوا في الأعمال الصالحات، ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨] أنتم وأهل الكتاب ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] من الفرائض والدية والسنن.
وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، قد ذكرنا أن هذا ناسخ للتخيير في قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] .
ومعنى بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بحدود الله وما أنزل في كتابه.
﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] قال مقاتل: إن رؤساء اليهود
[ ٢ / ١٩٥ ]
قال بعضهم لبعض: انطلق بنا إلى محمد لعلنا نفتنه ونرده عما هو عليه، فإنما هو بشر.
فأتوه، وقالوا له: قد علمت أنا إن اتبعناك لاتبعك الناس، وإن لنا خصومة، فاقض لنا على خصومنا إذا تحاكمنا إليك ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] قال ابن عباس: يردوك إلى أهوائهم.
قال أبو عبيدة: كل من صرف عن الحق إلى الباطل، وأميل عن القصد فقد فتن.
وقوله: فإن تولوا: فإن أعرضوا عن الإيمان والقرآن ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] إن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا بالقتل والجلاء والجزية، ببعض ذنوبهم، ويجازيهم بالباقي في الآخرة، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩] يعني: اليهود.
قوله ﷻ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] قال المفسرون: معناه: أتطلب اليهودُ في حكم الزانيين حكما لم يأمر الله تعالى به، وهم أهل الكتاب كما يفعل أهل الجاهلية.
وقرا ابن عامر: تبغون بالتاء: على معنى: قل لهم يا محمد: أفحكم الجاهلية تبغون؟ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] قال الزجاج: أي: من أيقن تبين عدل الله في حكمه.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿٥١﴾ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ﴿٥٢﴾ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ﴿٥٣﴾﴾ قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] قال عطية: جاء عبادة بن الصامت، فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثير عددهم حاضر نصرهم، وإني أبرأ إلى الله تعالى ورسوله من ولاية اليهود، وآوي إلى الله ورسوله.
فقال عبد الله بن أبي: لكن أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود، فأنزل الله تعالى فيهما هذه الآية والتي بعدها.
[ ٢ / ١٩٦ ]
ومعنى لا تتخذوهم أولياء: لا تعتمدوا على الاستنصار بهم، ولا توالوهم.
٢٩٢ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ فِيمَا أَجَازَ لِي، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدَنَا نَصْرَانِيًّا كَاتِبًا مِنْ حَالِهِ وَحَالِهِ، فَقَالَ: قَاتَلَكَ اللَّهُ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] أَلَا اتَّخَذْتَ حَنِيفًا؟ قَالَ: قُلْتُ: دِينُهُ لَهُ، وَلِي كِتَابَتُهُ، قَالَ: لا أُكَرِّمُهُمْ إِذْ أَهَانَهُمُ اللَّهُ، وَلا أُعِزُّهُمْ إِذْ أَزَلَّهُمُ اللَّهُ، وَلا أُدْنِيهِمْ إِذْ أَقْصَاهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أَوْعَدَ عَلَى مَوْالاتِهِمْ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] "
قال ابن عباس: كافر مثلهم، وقال الزجاج: من عاضدهم على المسلمين فإنه معهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] قال ابن عباس: لا يرشد الكافرين ولا المشركين ولا المنافقين.
قوله ﷻ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين يسارعون فيهم: قال الكلبي، ومجاهد: يسارعون في موالاة اليهود ومصانعتهم، وقال الزجاج: في معاونتهم على المسلمين.
﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه من جدب أو قحط ولا يعطوننا الميرة والقرض.
﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢] يعني: فتح مكة.
في قول الكلبي، والسدي، وقال الضحاك: فتح قرى اليهود.
وقال قتادة، ومقاتل: بالقضاء الفصل من نصر محمد على من خالفه.
[ ٢ / ١٩٧ ]
﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: خصب وسعة لمحمد وأصحابه، وقال مقاتل: يعني: القتل والجلاء لليهود.
فيصبحوا يعني: المنافقين ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] من موالاة اليهود ودس الأخبار لهم نادمين.
قوله ﷿: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٣]، وقرأ أبو عمرو ويقولَ الذين نصبا على معنى: وعسى أن يقول الذين آمنوا، وقرأ أهل الحجاز يقول بغير واو استغناء عن حرف العطف لملابسة هذه الآية بما قبلها.
قال الزجاج: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٣] في وقت إظهار الله نفاق المنافقين: أهؤلاء يعني: المنافقين، ﴿الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ٥٣] حلفوا بالله بأغلظ الأيمان إنهم مؤمنون، إنهم لمعكم أي: إن المؤمنين حينئذ يتعجبون من كفرهم وحلفهم بالباطل، قال الله تعالى: حبطت أعمالهم: بطل كل خير عملوه بكفرهم وغشهم المسلمين، فأصبحوا خاسرين خسروا الدنيا بافتضاحهم، والآخرة بفوت الثواب والمصير إلى النار.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٥٤﴾ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴿٥٥﴾ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴿٥٦﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٥٧﴾ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴿٥٨﴾ قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ﴿٥٩﴾ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴿٦٠﴾ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ ﴿٦١﴾ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ
[ ٢ / ١٩٨ ]
السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٦٢﴾ لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴿٦٣﴾ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴿٦٤﴾﴾ [المائدة: ٥٤-٦٤] قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة: ٥٤] وقرأ أهل الحجاز: يرتدد بإظهار دالين، قال الزجاج: وهو الأصل، لأن الثاني إذا سكن من المضاعف ظهر التضعيف نحو إن يمسسكم ويجوز في اللغة: «إن يمسكم»، لأنه يحرك الثاني بالفتح عند الإدغام.
قال الحسن: علم الله أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم، فأخبر أنه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] واختلفوا في ذلك القوم من هم؟ فقال علي بن أبي طالب، والحسن، والضحاك، وقتادة، وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومنكري الزكاة.
قال قتادة: لما قبض الله نبيه ﷺ ارتد عامة العرب، إلا أهل مكة وأهل المدينة وأهل البحرين من عبد قيس، فقال المرتدون: أما الصلاة فنصلي، وأما الزكاة فلا تغصب أموالنا، فكلم أبو بكر في ذلك، فقال: والله لا أفرق بين ما جمع الله، قال الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والله لو منعوني عقالا مما أدوا إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه.
فبعث الله عصائب مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله ﷺ حتى أقروا بالماعون وهو الزكاة المفروضة، قال أنس بن مالك: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة، وقالوا: أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من الخروج على إثره.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وقال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء، وحمدناه في الانتهاء، ورأينا ذلك رشدا.
وقال الحسن: لولا ما فعل أبو بكر لألحد الناس في الزكاة إلى يوم القيامة.
وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد لآدم في ذريته بعد النبيين مولود أفضل من أبي بكر، ولقد قام يوم الردة مقام نبي من الأنبياء.
وقال آخرون: المراد بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة: ٥٤] الآية: الأشعريون وهو تفسير النبي ﷺ على ما
٢٩٣ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الْحَوْضِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُمْ قَوْمُ هَذَا» يَعْنِي: أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ.
رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ السَّمَّاكِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ
وقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] قال ابن عباس: تراهم للمؤمنين كالولد لوالده، وكالعبد لسيده، وهم في الغلظة على الكافر كالسبع على فريسته، وهذا كقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] .
قال الزجاج في هذه الآية: يقول الله تعالى: إن ارتد أحد عن دينه الذي هو الإيمان فسوف يأتي الله بقوم مؤمنين غير منافقين، ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: جانبهم لين للمؤمنين ليس أنهم أذلة مهانون، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: جانبهم غليظ على الكافرين.
قوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] لأن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويظاهرونهم، ويخافون لومهم، فأعلم الله أن الصحيح الإيمان لا يخاف في نصرة الدين بيده ولسانه لومة لائم.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
٢٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنَا الإِمَامُ جَدِّي أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَقْرٍ السُّكَّرِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ السّخيتِ، حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ بَيَانٍ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَرَادَ الْجَنَّةَ لا شَكَّ فَلا يَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ»
وقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤] أي: محبتهم لله ولين جانبهم للمؤمنين، وشدتهم على الكافرين، تفضل من الله عليهم، لا توفيق لهم إلا به.
قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥] الآية: قال ابن عباس في رواية عطية العوفي: نزلت في قصة عبد الله بن أبي، وعبادة بن الصامت حين تبرأ من اليهود، وقال: أتولى الله ورسوله والذين آمنوا.
وقال جابر بن عبد الله: إن اليهود هجروا من أسلم منهم ولم يجالسوهم، فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا، وأقسموا أن لا يجالسونا.
فنزلت هذه الآية، فقال: رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء.
والآية عامة في جميع المؤمنين، فكل مؤمن ولي لكل مؤمن، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، ونحو هذا روي عن أبي جعفر الباقر، قال: نزلت في الذين آمنوا.
فقيل له: إن ناسا يقولون: إنها نزلت في علي بن أبي طالب.
فقال: عليّ من الذين آمنوا.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وقوله: وهم راكعون قال ابن عباس: يعني: صلاة التطوع بالليل والنهار، وإنما أفرد الركوع بالذكر تشريفا له.
قوله ﷻ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٦] يعني: يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين، قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار، ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] معنى الحزب في اللغة: الجماعة، وحزب الرجل: أصحابه الذين معه على رأيه، والمؤمنون حزب الله، والكافرون حزب الشيطان.
قال الحسن: حزب الله: جند الله.
وقال أبو روق: أولياء الله.
ومعنى هم الغالبون: أنهم غلبوا اليهود فقتلوا قريظة، وأجلوا بني النضير من ديارهم، وغلبوهم عليها، وبقي عبد الله بن سلام وأصحابه الذين تولوا الله ورسوله والذين آمنوا.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٧] قال ابن عباس: كان رجال من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكان ناس من المسلمين يودونهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ومعنى اتخاذهم الدين هزو ولعبا: تلاعبهم بالدين وإظهارهم ذلك باللسان واستبطانهم الكفر.
وقوله: والكفار يعني: كفار مكة، وهو نسق على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥٧] يعني اليهود.
ومن نصب: كان نسقا على قوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ [المائدة: ٥٧] كأنه قال: ولا تتخذوا الكفار ﴿أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا
[ ٢ / ٢٠٢ ]
اللَّهَ﴾ [المائدة: ٥٧] بطاعته ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] بوعده ووعيده، أي: فلا توالوهم واتركوا موالاتهم.
قوله ﷿: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨] أي: إذا دعوتم الناس إلى الصلاة بالأذان، والنداء: الدعاء بأرفع الصوت.
قال المفسرون: كان المؤذن إذا أذن للصلاة تضاحكت اليهود فيما بينهم، وتغامزوا على طريق السخف والمجون، استهزاء بالصلاة، وتجهيلا لأهلها، وتنفيرا للناس عنها، وعن الداعي إليها.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] ما لهم في إجابتهم لو أجابوا إليها، وما عليهم في استهزائهم بها.
قوله ﷻ: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] الآية يقال: نقمت على الرجل، أنقم.
إذا أنكرت عليه شيئا وبالغت في كراهته، قال ابن عباس: إن نفرا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ عمن يؤمن به من الرسل، فقال: أومن ﴿بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٦] إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا أشر من دينكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي بعدها.
ومعنى ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ [المائدة: ٥٩] هل تكرهون منا وتنكرون علينا ﴿إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] وهذا مما ينكر أو يعاب به.
وقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] قال الزجاج: المعنى: هل تكرهون إلا إيماننا وفسقكم.
أي: إنما كرهتم
[ ٢ / ٢٠٣ ]
إيماننا وأنتم تعلمون أننا على حق لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرياسة وكسبكم الأموال، وهذا معنى قول الحسن: لفسقكم نقمتم علينا.
قوله ﷻ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٦٠] يقول الله تعالى لنبيه ﷺ: قل لليهود: هل أخبركم بشر مما نقمتم من إيماننا ثوابا وجزاء: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٠] أي: هو من لعنه الله، وغضب عليه يعني: اليهود ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠] يعني ب القردة: أصحاب السبت، وبالخنازير: كفار مائدة عيسى.
وقال الوالبي عن ابن عباس: إن المسخين من أصحاب السبت، لأن شبابهم مسخوا قردة، ومشايخهم خنازير.
وقوله: وعبد الطاغوت: قال الزجاج: عبد نسق على لعنه الله لأن المعنى: لعنه الله وعبد الطاغوت، أي: أطاع الشيطان فيما سول له.
وقرأ حمزة وعبُد بضم الباء، الطاغوتِ بالكسر على تأويل: وجعل منهم عبد الطاغوت، وأراد بالعبُد: العبْد، فضمت الباء للمبالغة، قال أوس بن حجر:
أبني لبينى إن أمكمو أمة وإن أباكمو عبد
أراد: عبدا، فضم الباء.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وليس عبد لفظ جمع، لأنه ليس في أبنية الجموع شيء على هذا البناء، ولكنه واحد يراد به الكثرة، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] .
وقوله: أولئك أي: أهل هذه الصفة شر مكانا: من المؤمنين، قال ابن عباس: لأن مكانهم سقر، ولا شر في مكان المؤمنين حتى يقال: اليهود شر مكانا منهم، ولكن هذا مبني على كلام الخصم وكذلك قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٦٠] لأنهم قالوا: لا نعرف أهل دين شرا منكم، فقيل لهم: شر منهم من كان بهذه الصفة.
وقوله: ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] أي: عن قصد الطريق.
قوله ﷿: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ [المائدة: ٦١] الآية: قال الكلبي: إن جماعة من اليهود دخلوا على رسول الله ﷺ، وقالوا: صدقنا أنك رسول الله وهم يسرون بالكفر، وهو قوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] أي: دخلوا وخرجوا كافرين، والكفر معهم في كلتي حالتيهم.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٦١] أي: من نفاقهم وإبطانهم الكفر.
﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٦٢] قال ابن عباس: يجترئون على الخطأ والتعدي على الناس بما لا يحل.
وأكلهم السحت يعني: الرشي في الحكم، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢] ذم لفعلهم.
قوله: لولا: هلا ينهاهم: عما يرتكبونه من القبيح الربانيون والأحبار: فقهاء اليهود وعلماؤهم، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣] .
قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي من هذه الآية، أساء الله الثناء على الفريقين على اليهود وعلى العلماء بترك النكير عليهم فيما صنعوا.
ودلت الآيتان على أن: تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه.
قوله ﷿: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] قال المفسرون: إن الله ﵎ كان قد بسط على
[ ٢ / ٢٠٥ ]
اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالا وأخصبهم ناحية، فلم عصوا الله في محمد ﷺ، وكذبوا به كف الله عنهم ما بسط عليهم من النعمة، فعند ذلك قالت اليهود: يد الله مغلولة.
أي: مقبوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل، وهذا قول قتادة، والضحاك، وعكرمة، والكلبي.
وقال الزجاج: أخبر الله تعالى بعظيم فريتهم فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] أي: يده ممسكة عن الإسباغ علينا، كما قال ﷿: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] أي: لا تمسكها عن الإنفاق.
وقوله: غلت أيديهم أي: جعلوا بخلاء وألزموا البخل، فهم أبخل قوم، ولا يلقى يهودي أبدا غير لئيم بخيل.
وقال الحسن: غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة، أي: شدت إلى أعناقهم.
وتأويله: أنهم جوزوا على هذا القول بأن غلت أيديهم في نار جهنم، ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤] أي: عذبوا في الدنيا بالجزية، وفي الآخرة بالنار.
٢٩٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزْوِينِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِصْمَةَ نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لِلَّعْنَةٍ أَهْلا، رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَى الْيَهُودِ بِلَعْنَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ»
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] هذا جواب لليهود، ورد لما افتروه، وإبطال لما بهتوا فيه، أُجيبوا على قدر كلامهم لما قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] يريدون به: تبخيل الله، فقيل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] أي: هو جواد، ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، ومعنى التثنية في يداه: المبالغة في الجود والإنعام.
ومذهب قوم إلى أن معنى اليد في هذه الآية: النعمة، فقالوا في قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] نعمة الله مقبوضة، وفي قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] نعمتاه.
أي: نعمة الدنيا والآخرة، ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] يرزق كما يريد، إن شاء قتر وإن شاء وسع.
وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤] أي: كلما أنزل عليك شيء من القرآن كفروا به فيزيد كفرهم، ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ٦٤] أي: بين اليهود والنصارى، عن الحسن، ومجاهد، وقيل: أراد: طوائف اليهود، وهو اختيار الزجاج، قال: جعلهم الله مختلفين في دينهم متباغضين، وهو أحد الأسباب التي أذهب الله بها جدهم وشوكتهم.
﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] قال ابن عباس: كلما أرادوا محاربتك ردهم الله تعالى، وألزمهم الخوف منك ومن أصحابك.
وهذا قول الحسن.
وقال قتادة: هذا عام في كل حرب طلبتها اليهود، فلا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس.
وقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٦٤] قال الزجاج: أي يجتهدون في دفع الإسلام ومحو ذكر النبي ﷺ من كتبهم.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿٦٥﴾ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴿٦٦﴾ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿٦٧﴾﴾ [المائدة: ٦٥-٦٧] قوله ﷻ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٦٥] صدقوا محمد ﷺ، واتقوا: اليهودية والنصرانية، ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٥] التي عملوها قبل أن تأتيهم، والمعنى: محونا ذنوبهم التي سلفت بالإيمان بك.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦] قال ابن عباس: عملوا بما فيها من التصديق بك والوفاء لله، وأظهروا ما فيها ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] قال ابن عباس: لأنزلت عليهم القطر، وأخرجت لهم من نبات الأرض كلما أرادوا.
قوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦] أي: مؤمنة، وهم العادلة غير الغالية ولا المقصرة، ومعنى الاقتصاد في اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير.
﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] بئس شيئا عملهم، قال ابن عباس: عملوا القبيح وما لا يرضي الله تعالى مع التكذيب للنبي ﷺ.
قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] قال الحسن: إن رسول الله ﷺ قال: " إن الله بعثني بالرسالة فضقت بها ذرعا، وعرفت أن الناس مكذبيّ، فأوعدني فيها: لأبلغها أو ليعذبنني ".
وقال ابن الأنباري: كان النبي ﷺ يجاهر ببعض القرآن أيام كان بمكة ويخفي بعضه، إشفاقا على نفسه من
[ ٢ / ٢٠٨ ]
تسرع المشركين إليه وإلى أصحابه، فلما أعزه الله بالمؤمنين قال له: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] .
والمعنى: بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك مجاهرا به، فإن أخفيت منه شيئا لخوف يلحقك ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] قال ابن عباس: يقول: إن كتمت آية مما أنزلت إليك لم تبلغ رسالتي.
يعني: أنه إن ترك إبلاغ البعض كان كمن لم يبلغ، وحاشا لرسول الله ﷺ أن يكتم شيئا مما أوحي إليه، فقد قالت عائشة ﵂: من زعم أن رسول الله ﷺ كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] .
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] أي: يمنعك أن ينالوك بسوء من قتل أو أسر.
قالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فأخرج النبي ﷺ رأسه من القبة، فقال: يأيها الناس انصرفوا عني فقد عصمني الله.
٢٩٦ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحْرَسُ وَكَانَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ يُرْسِلُ كُلَّ يَوْمٍ رِجَالا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأَرَادَ عَمُّهُ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ مَنْ يَحْرُسُهُ، فَقَالَ: يَا عَمَّاهُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧] قال ابن عباس: لا يرشد من كذبك وأعرض عن ذكري.
﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٦٨﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦٩﴾﴾ [المائدة: ٦٨-٦٩] وقوله ﷻ: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المائدة: ٦٨] قال ابن عباس: لستم على شيء من الدين، حتى تُعلموا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد ﷺ وبيان صفته ونعته، وهو قوله: ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨] أي: تقيموا أحكامهما وما يجب عليكم فيها، وقد سبق تفسير هذا إلى قوله: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]، وهذا تسلية للنبي ﷺ، يقول: لا تحزن على أهل الكتاب إن كذبوك.
قوله ﷻ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٦٩]، سبق تفسير هذه الآية في ﴿[البقرة، وارتفع: الصابئون في هذه ال: بالابتداء على التقديم في الكلام والتأخير، على تقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن منهم بالله. . . إلى آخر الآية، والصابئون والنصارى كذلك أيضا كما تقول: إن عبد الله ومحمد قائم.
تريد: إن عبد الله قائم ومحمد كذلك، هذا مذهب الخليل، وسيبويه.
] لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴿٧٠﴾ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿٧١﴾ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ
[ ٢ / ٢١٠ ]
الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴿٧٢﴾ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٧٣﴾ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٧٤﴾ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٧٥﴾ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٧٦﴾ قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴿٧٧﴾﴾ [المائدة: ٧٠-٧٧] قوله ﷻ: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٠] مفسر إلى آخر الآية في ﴿[البقرة.
قوله تعالى:] وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [سورة المائدة: ٧١] قال ابن عباس: ظنوا أن الله لا يعذبهم، ولا يبتلوا بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل.
وقرئ: ألا تكونُ رفعا، على تقدير: أنه لا تكون، ثم خففت المشددة وحذف الضمير.
وقوله: فعموا وصموا أي: عن الهدى فلم يعقلوه، قال الزجاج: تأويله أنهم لم يعملوا بما سمعوا، وبما رأوا من الآيات، فصاروا كالعمي الصم.
﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٧١] بإرساله محمدا ﷺ داعيا إلى الصراط المستقيم، فكانوا بذلك معرضين للتوبة، ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] بعد تبين الحق، يعني: الذين لم يؤمنوا منهم، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٧١] من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل.
[ ٢ / ٢١١ ]
قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢] إلى قوله: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] .
٢٩٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: «مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ
٢٩٨ - وأَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ الْكَتَّانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ التَّمَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَلَا أُعَلِّمُكُمْ مَا عَلَّمَ نُوحٌ ابْنَهُ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي آمَرُكَ أَنْ لا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، فَإِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الْكِبْرِ، فَإِنَّهُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ قَلْبُهُ فِيهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ "
[ ٢ / ٢١٢ ]
قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] قالت النصارى، لعنهم الله: الإلهية مشتركة بين الله ومريم وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله، والله أحد ثلاثة آلهة، يبين هذا قول الله تعالى للمسيح: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]؟ ولا بد أن يكون في الآية إضمار واختصار، لأن المعنى أنهم قالوا: إن الله ثالث ثلاثة آلهة، فحذف ذكر الآلهة لأن المعنى مفهوم، ولا يكفر من يقول: إن الله ثالث ثلاثة إذا لم يرد به الآلهة، لأنه ما من اثنين إلا والله ثالثهما بالعلم، كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] .
والذي يبين أنهم أرادوا بالثلاثة: الآلهة، قوله في الرد عليهم: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [المائدة: ٧٣] من الكفر والشرك ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧٣] أي: ليصيبن الذين أقاموا على هذا القول عذاب أليم.
قوله: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ [المائدة: ٧٤] قال الفراء: هذا أمر في لفظ الاستفهام، وكقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أي: انتهوا، والمعنى: إن الله يأمرهم بالتوبة والاستغفار من هذا الذنب العظيم.
قوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [المائدة: ٧٥] أي: إنه رسول ليس بإله، كما أن من قبله من الرسل لم يكونوا آلهة، وأمه صديقة: صدقت بآيات الله، كما قال في صفتها: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] .
﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] كانا يعيشان بالغذاء كما يعيش سائر الآدميين، فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل الطعام؟ قال ابن عباس: يريد: هما لحم ودم يأكلان ويشربان ويبولان ويتغوطان.
قال ابن قتيبة: هذا ألطف ما يكون من الكناية، لأنه عبر عن الحدث بالطعام، وذلك أن من أكل الطعام فلا بد له من أن يحدث، فلما ذكر أكل الطعام صار كأنه أخبر عن عاقبته، والطعام والحدث ليسا من أوصاف الآلهة.
قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ﴾ [المائدة: ٧٥] قال ابن عباس: نفسر لهم أمر ربوبيتي.
﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥] يصرفون عن
[ ٢ / ٢١٣ ]
الحق الذي يؤدي إلى تدبر الآيات، يقال: أفكه يأفكه إفكا.
إذا صرفه، وكل من صرف عن شيء فهو مأفوك عنه.
قل: للنصارى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] لأنه لا يملك النفع والضر إلا الله تعالى، ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ [المائدة: ٧٦] لكفركم العليم: بضميركم.
قوله: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٧٧] تقدم تفسيره في ﴿[النساء.
قوله: غير الحق معناه: مخالفا للحق، أي: في دينكم المخالف للحق، وذلك أنهم خالفوا الحق في دينهم، ثم غلوا فيه بالإصرار عليه،] وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [سورة المائدة: ٧٧] يعني: رؤساء الضلالة من فريقي اليهود والنصارى، والآية خطاب للذين كانوا في عصر النبي ﷺ، نهوا أن يتبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم وأن يقلدوهم فيما هووا.
والأهواء: جمع هوى، والمراد بها: المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة.
وقوله: وأضلوا كثيرا يعني: من اتبعهم على هواهم، ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] عن قصد الطريق، والمعنى: إنهم ضلوا بإضلال غيرهم.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿٧٨﴾ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿٧٩﴾ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ﴿٨٠﴾ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٨١﴾﴾ [المائدة: ٧٨-٨١] قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] يعني: أصحاب السبت وأصحاب المائدة: أما أصحاب السبت، فإنهم لما اعتدوا، قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية ومثلا لخلقك فمسخوا قردة.
وأما أصحاب المائدة: فإنهم لما أكلوا من المائدة ولم يؤمنوا، قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب
[ ٢ / ٢١٤ ]
السبت.
فأصبحوا خنازير. . . وهذا قول الحسن، وقتادة، ومجاهد.
قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ [المائدة: ٧٨] الله والرسل، ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]: يتجاوزون ما أمر به.
٢٩٩ - أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ الْولاهِيجِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُوَارِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْعَلَوِيُّ، حَدَّثَنِي عَمِّي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَهْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " دُورُوا مَعَ الْقُرْآنِ حَيْثُمَا دَارَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ نُطِقْ ذَلِكَ؟ قَالَ: كُونُوا كَحَوَارِيِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ شُقُّوا بِالْمَنَاشِيرِ فِي اللَّهِ، وَصُلِّبُوا فِي جُذُوعِ النَّخْلِ فِي اللَّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ نُطِقْ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَتْلٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَلَكَتْهُمْ مُلُوكٌ بَعْدَ أَنْبِيَائِهِمْ فَغَيَّرُوا سُنَنَهُمْ، وَعَمِلُوا فِيهِمْ بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ ذَلِكَ مِنْ جَوْرِهِمْ أَنْ حَابَوْهُمْ وَضَاحَكُوهُمْ وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلُعِنُوا عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَونَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ فَيَدْعُوا عَلَيْهِمْ خِيَارَكُمْ فَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ "
وقوله: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] التناهي: تفاعل من النهي، أي: كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن المناكير.
[ ٢ / ٢١٥ ]
قال ابن عباس: كان بنو إسرائيل ثلاث فرق، فرقة اعتدت في السبت، وفرقة نهتهم ولكنهم لم يدعوا مجالستهم ولا مواكلتهم، وفرقة لما رأوهم يعتدون ارتحلوا عنهم، وبقيت الفرقتان المعتدية والناهية المخالِطة فلعنوا جميعا.
ولذلك قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم» .
ثم ذم فعلهم بقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] .
قوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٨٠] قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن: يعني من المنافقين ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٠] اليهود، ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٠] بئس ما قدموا من العمل لمعادهم ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠] والباقي ظاهر إلى قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٨٢﴾ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴿٨٣﴾ وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ﴿٨٤﴾ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴿٨٥﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴿٨٦﴾﴾ [المائدة: ٨٢-٨٦] ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ [المائدة: ٨٢] الآية: قال المفسرون: إن اليهود ظاهروا المشركين على المؤمنين حسدا للنبي ﷺ، وكان ينبغي أن يكونوا أقرب إلى المؤمنين لأنهم يؤمنون بموسى والتوراة، والكفار كانوا يكذبون بهما، ولكنهم حسدوا النبي ﷺ والمؤمنين.
[ ٢ / ٢١٦ ]
قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢] قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء، والسدي: يعني: النجاشي ووفده الذين قدموا من الحبشة على رسول الله ﷺ، وآمنوا به، ولم يرد جميع النصارى، مع ظهور عداوتهم للدين.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢]، قال الزجاج: القس والقسيس: من رؤساء النصارى، ويجمع القسيس: قسيسين.
وقال قطرب: القسيس: العالم بلغة الروم.
والرهبان جمع راهب، مثل فارس وفرسان، والرهبانية مصدر الراهب، والترهب: التعبد في صومعة.
قال ابن الأنباري: مدحهم الله تعالى بالتمسك بدين عيسى، وأنهم استعملوا في أمر محمد ﷺ ما أخذ عليهم في التوراة والإنجيل.
فتأويل قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢] ذلك بأن منهم علماء بوصاة عيسى ﵇.
الدليل على ذلك قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] أي: عن اتباع الحق والإذعان إليه كما استكبر اليهود وعبدة الأوثان.
قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة: ٨٣] الآية: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: النجاشي وأصحابه، قرأ عليهم جعفر الطيار بالحبشة: كهيعص، فما زالوا يبكون حتى فرغ من القراءة، فذلك قوله: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] يريد: الذي نزل على محمد ﷺ وهو الحق.
٣٠٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
[ ٢ / ٢١٧ ]
الْحَسَنِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالُوا: لَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ وَقُتِلَ فِيهَا صَنَادِيدُ الْكُفَّارِ، قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: إِنَّ ثَأْرَكُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَأَهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ، وَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَعْثِ قُرَيْشٍ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَابْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، فَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَقَرَأَ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ دَعَا جَعْفَرًا أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ فَآمَنُوا بِالْقُرْآنِ وَفَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا أنا نَصَارَى إِلَى قَوْلِهِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣]
قال ابن عباس: مع أمة محمد ﷺ الذين يشهدون بالحق.
وقال الزجاج: مع من شهد من أنبيائك ومؤمني عبادك بأنك لا إله غيرك.
وقوله: ﴿وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٨٤] الآية: قال المفسرون: إن هؤلاء الوفد لما رجعوا إلى قومهم لاموهم على ترك دينهم فأجابوهم بهذا.
[ ٢ / ٢١٨ ]
وقوله: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٤] يعني: أمة محمد ﷺ، دليله قوله تعالى: ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] .
قوله: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٨٥] الآية: إنما علق الثواب بمجرد القول لأنه سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما قالوا، وهو المعرفة في قوله: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، والبكاء المؤذن بحقيقة الإخلاص، واستكانة القلب ومعرفته إذا اقترن به القول فهو الإيمان الحقيقي الموعود عليه الثواب.
وقال ابن عباس في قوله: بما قالوا يعني: بما سألوا من قولهم: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]، وقولهم ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: ٨٤]، وهذا يدل على مسألتهم الجنة.
وعلى هذا التفسير القول معناه: المسألة.
وقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥] يعني: الموحدين المؤمنين.
ولما ذكر الله الوعد لمؤمني أهل الكتاب، ذكر الوعيد لمن كفر منهم وكذب، فقال ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ٨٦] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿٨٧﴾ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴿٨٨﴾﴾ [المائدة: ٨٧-٨٨] قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] الطيبات: اللذيذات التي تشتهيها النفوس، وتميل إليها القلوب.
قال المفسرون: هَمَّ قوم من أصحاب النبي ﷺ أن يرفضوا الدنيا، ويحرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة، والمشارب اللذيذة، وأن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ويخصوا أنفسهم، فأنزل الله هذه الآية.
واعلم أن الطيبات لا ينبغي أن تجتنب، وسمى الخصاء اعتداء، فقال: ولا تعتدوا أي: لا تجبوا أنفسكم، هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وإبراهيم.
[ ٢ / ٢١٩ ]
٣٠١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا يَذْكُر، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا لَهُ: أَلا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ، عَنْ خَالِدٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، كِلاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا أَحَلَّ لَهُمْ فَقَالَ: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٨]
قال ابن عباس: يريد: من طيبات الرزق اللحم وغيره.
﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قال المفسرون: إن القوم لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح حلفوا على ذلك، فلما نزل قوله: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] قالوا: يا رسول الله وكيف نصنع بأيماننا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وتقدم الكلام في معنى لغو اليمين في ﴿[البقرة.
وقوله:] وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [سورة المائدة: ٨٩]، وقرئ بالتشديد، والتخفيف، وبالألف، يقال: عقد فلان
[ ٢ / ٢٢٠ ]
اليمين والعهد، إذا وكده وأحكمه وعقد وعاقد.
قال مجاهد: هو ما عقد عليه قلبك وتعمدته.
وقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] لكل مسكين مد، وهو ثلثا مَنٍّ، وهذا قول ابن عباس، وزيد بن ثابت، والحسن، ومذهب الشافعي.
وقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قال ابن عباس: كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة، وقوتا وسطا وقوتا دون ذلك، فأمروا بالوسط، وهو يعود إلى ما ذكرنا من قدر المد، لأنه وسط في طعام الواحد ليس بسرف ولا تقتير.
وقوله: أو كسوتهم: الكسوة معناها: اللباس، وهي كل ما يكتسى به، والتي تجزئ في الكفارة أقل ما يقع عليه اسم الكسوة، إذا رأوا رداء، أو قميصا، أو سراويل أو عمامة، أو مقنعة، ثوب واحد لكل مسكين.
وقوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] يعني: إعتاق رقبة، ويجب أن تكون سليمة من عيب يمنع من العمل، ولا يجوز إعتاق الرقبة الكافرة في شيء في الكفارات، والحالف مخير بين هذه الثلاثة.
وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] قال قتادة: من ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته فهو غير واجد، وجاز له الصيام.
قال الشافعي: إذا كان قوته، وقوت عياله يومه وليلته، ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة
[ ٢ / ٢٢١ ]
بالإطعام، وإن لكم يكن عنده هذا القدر فله الصيام، وهو صيام ثلاثة أيام متتابعات في قول ابن عباس، والحسن، وقتادة.
وقال مجاهد: هو مخير في التتابع والتفريق.
وقوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أي: ذلك الذي يغطي على آثامكم وحنث أيمانكم، واحفظوا أيمانكم: عن الحنث فلا تحنثوا، وقال ابن عباس: لا تحلفوا.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٩٠﴾ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴿٩١﴾ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ﴿٩٢﴾ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿٩٣﴾﴾ [المائدة: ٩٠-٩٣] قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية:
٣٠٢ - أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ أَوَّلَ مَا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَصْحَابًا لَهُ شَرِبُوا فَاقْتَتَلُوا، فَكُسِرَ أَنْفُ سَعْدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] .
٣٠٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى
[ ٢ / ٢٢٢ ]
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ الْمَالَ وَالْعَقْلَ، فَأُنْزِلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فَدُعِيَ عُمَرُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرَ فِيهَا ذَلِكَ الْبَيَانَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ فَإِنَّهَا تُذْهِبُ الْمَالَ وَالْعَقْلَ، فَأُنْزِلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرَ فِيهَا ذَلِكَ الْبَيَانَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ فَإِنَّهَا تُذْهِبُ الْمَالَ وَالْعَقْلَ، فَأُنْزِلَتِ الآيَةُ ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ حَتَّى بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١] فَقَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا يَا رَبّ
قال ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: ٩٠] يريد الخمر من جميع الأشربة التي تخمر حتى تشتد وتسكر.
٣٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَمَانٍ بن حَبِيبٌ الْحَضْرَمِيُّ، أَنَّ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ حَدَّثَهُمْ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ كَثِيرٍ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ السَّرِيَّ بْنَ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ الشَّعْبِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنَ الْحِنْطَةِ خَمْرًا، وَمِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا، وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا، وَمِنَ الْعَسَلِ خَمْرًا، وَأَنَا أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ»
٣٠٥ - أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الإِسْفَرَائِينِيُّ إِمْلاءً فِي مَسْجِدِ عُقَيْلٍ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْسَقَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»
[ ٢ / ٢٢٣ ]
٣٠٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ
٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو صَخْرٍ، أَنَّ رَجُلا حَدَّثَهُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ فِي الْحِجْرِ بِمَكَةَ وَسُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ الشَّيْخُ مِثْلِي وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ يَكْذِبُ فِي هَذَا الْمُقَامِ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، جَاءَنِي رَجُلٌ وَأَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَسَأَلَنِي عَنِ الْخَمْرِ، فَقُلْتُ: ذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اذْهَبْ فَسَلْهُ وَارْجِعْ إِلَيَّ فَأَخْبِرْنِي مَا قَالَ لَكَ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ حَتَّى قَعَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ، فَقَالَ لِي: سَأَلْتُهُ عَنِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: «هِيَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ وَأُمُّ الْفَوَاحِشِ، مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ تَرَكَ الصَّلاةَ وَوَاقَعَ أُمَّهُ وَخَالَتَهُ وَعَمَّتَهُ»
٣٠٨ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، حَدَّثَنَا كَوْثَرُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَر، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَالْمُعْتَصِرَ وَالْجَالِبَ وَالْمَجْلُوبَ إِلَيْهِ وَالْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِي وَالسَّاقِي وَالشَّارِبَ، وَحَرَّمَ ثَمَنَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ»
[ ٢ / ٢٢٤ ]
٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَنْصُورِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنِ إِشْكَابَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْخَمْرُ أُمُّ الْخَبَائِثِ، وَمَنْ شَرِبَهَا لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ صَلاةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإِنْ مَاتَ وَهِيَ فِي بَطْنِهِ مَاتَ مَيْتَةَ جَاهِلِيَّةٍ»
٣١٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُدْمِنُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ»
[ ٢ / ٢٢٥ ]
٣١١ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ فُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَيْرُوزٍ الأَنْمَاطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نَافِعٍ الْعَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الشَّامِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُجَالِسُوا شَرَبَةَ الْخَمْرِ، وَلا تُشَيِّعُوا جَنَائِزَهُمْ، وَلا تُزَوِّجُوهُمْ وَلا تَتَزَوَّجُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُسْوَدًّا وَجْهُهُ مُزْرَقَّةً عَيْنَاهُ، يُدْلِعُ لِسَانَهُ عَلَى صَدْرِهِ، يَسِيلُ لُعَابُهُ عَلَى بَطْنِهِ، يَقْذُرُهُ مَنْ يَرَاهُ»
والميسر: القمار كله، وتقدم معنى الكلام فيه.
والأنصاب: قال ابن عباس: آلهتهم التي نصبوها يعبدونها، واحدها: نُصُب، والأزلام سهام مكتوب عليها: خير وشر، ومعنى الكلام فيه الأنصاب والأزلام.
وقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] أي: قبيح مستقذر، يقال: رَجَس الرجل رجَسا، ورَجُس إذا عمل قبيحا.
قال الزجاج: بالغ الله تعالى في ذم هذه الأشياء فسماها رجسا، وأعلم أن الشيطان يسول ذلك لبني آدم، وقد قرن الله تعالى تحريم الخمر بتحريم عبادة الأوثان تغليظا وإبلاغا في النهي عن شربها.
لذلك قال ابن عباس: لما حرمت الخمر مشى أصحاب رسول الله ﷺ بعضهم إلى بعض، فقالوا: حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك.
وقوله: فاجتنبوه أي: كونوا جانبا منه، لعلكم تفلحون.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] أما الخمر فقال
[ ٢ / ٢٢٦ ]
ابن عباس: إن رجلا من الأنصار كان مؤاخيا لسعد بن أبي وقاص، فدعاه إلى الطعام وشربوا مسكرا، فوقع بين الأنصاري وبين سعد مراء ومفاخرة، فأخذ الأنصاري لحي بعير فضرب به وجه سعد حتى أثر في وجه سعد.
وأما الميسر فقال قتادة: كان الرجل يقامر على أهله وماله، فيقمر ويبقى حريبا سليبا، فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء إلى ماله في يدي غيره.
وقوله: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٩١] وذلك أن من اشتغل بشرب الخمر أو القمار ألهاه ذلك عن ذكر الله وعبادته.
ثم أمر بالانتهاء عن هذه الأشياء، فقال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قال ابن عباس: قالوا: انتهينا ربنا.
قال ابن الأنباري: بين تحريم الخمر في قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] إذ كان معناه: فانتهوا.
قال الفراء: ردد علي أعرابي: هل أنت ساكت، هل أنت ساكت.
وهو يريد: اسكت، اسكت.
ولما ذكر الأمر باجتناب الخمر وما بعدها، أمر بالطاعة، فقال ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] فيما يأمرانكم، واحذروا: المحارم والمناهي، فإن توليتم: أعرضتم عما أمرتم، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] معناه: الوعيد، كأنه قيل: فاعلموا أنكم قد استحققتم العقاب لتوليكم عما بلغ رسولنا.
والبلاغ معناه: التبليغ، والمبين الظاهر، أي: ليس على رسولنا إلا أن يبلغ ويبين.
وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية: قال المفسرون: لما نزل تحريم الخمر والميسر، قالوا: يا رسول الله، ما نقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربون ويأكلون الميسر؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله: ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] يعني: من الخمر والميسر.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وقوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٩٣] يعني: المعاصي والشرك، ثم اتقوا: داموا على الاتقاء، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] اتقوا ظلم العباد مع ضم الإحسان إليه.
٣١٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ فِي الْمَائِدَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ الأَحْزَابِ، قَالَ فِي ذَلِكَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أُصِيبَ فُلانٌ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفُلانٌ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا، وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآيَةَ
يقول: شربها القوم على تقوى من الله وإحسان، وهي يومئذ حلال، ثم حرمت فيما بعد.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٩٤﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴿٩٥﴾ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٩٦﴾﴾ [المائدة: ٩٤-٩٦] قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤] الآية، أي: ليختبرن طاعتكم من معصيتكم بصيد البر خاصة، وكان هذا عام الحديبية، كانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم كثيرة وهم محرمون، فنهوا عنها ابتلاء قوله: تناله أيديكم يعني: الفراخ وصغار الوحش ورماحكم يعني: الكبار ليعلم الله: ليرى الله ﴿مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤] من يخاف الله ولم يره، كقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق: ٣٣] .
﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٩٤] بعد النهي ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] قال ابن عباس: يوسع ظهره وبطنه جلدا ويسلب ثيابه.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] حرم الله تعالى قتل الصيد على المحرم، فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرما.
قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] قال الزهري: نزل القرآن بالعمد، وجرت السنة في الخطأ.
يعني: أن المخطئ في قتل الصيد ألحق بالمتعمد في وجوب الجزاء عليه بالسنة.
وهذا مذهب عامة الفقهاء.
قال ابن جريج: قلت لعطاء ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥]، فمن قتله خطأ يغرم، وإنما جعل الغرم على من قتله متعمدا؟ قال: يعظم بذلك حرمات الله، ومضت به السنن.
وقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] أي: فعليه جزاء مماثل للمقتول: ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الضبع كبش، وفي الظبي شاة، وفي الغزال جمل.
ومن قرأ: فجزاءُ مثلِ ما قتل على الإضافة إلى مثل كان معناه: فجزاء ما قتل، ويكون المثل صلة كما تقول: أنا أكرم مثلك.
أي: أكرمك، ومعنى القراءتين سواء.
وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] قال ابن عباس: يريد: يحكم في الصيد بالجزاء رجلان صالحان منكم: من أهل ملتكم ودينكم، فقيهان عدلان، فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به.
﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] قال ابن عباس: يريد: إذا أتى مكة ذبحه وتصدق به.
﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥] يعني: أو عليه بدل الجزاء الكفارة، وهي طعام مساكين.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وقرئ بإضافة كفارة إلى طعام، وذلك أنه لما خير المكفر بين ثلاثة أشياء: الهدي والطعام والصيام، استجيزت الإضافة لذلك، كأنه قيل: كفارة طعام، لا كفارة هدي، ولا كفارة صيام.
قال الشافعي: إذا قتل صيدا فإن شاء جزاه بمثله، وإن شاء قوّم المثل دراهم ثم يشتري بالدراهم طعاما، ثم يتصدق به، وإن شاء صام عن كل مد يوما، وهو قوله ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] .
قال الفراء: العدل: ما عادل الشيء من غير جنسه، والعدل: المثل.
قال ابن الأعرابي: عَدل الشيء وعِدله سواء: مثله.
والجزاء إنما يجب فيما يؤكل لحمه من الدواب والطيور، فأما ما لا يؤكل لحمه فلا جزاء في قتله.
٣١٣ - أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ "
قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] قال عطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير: إذا عاد إلى قتل الصيد محرما بعد ما حكم عليه في المرة الأولي حكم عليه ثانيا، فهو بصدد الوعيد لقوله: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] أي: يكافئه عقوبة بما صنع والله عزيز: منيع، ذو انتقام: من أهل معصيته، أي: ذو مكافأة لهم بالعقوبة.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] قال ابن عباس: يريد: ما أصيب من داخل البحر، وعني ب البحر: جميع المياه، والأنهار داخلة في هذا.
وقوله: وطعامه يعني: ما لفظه البحر أو حسر عنه الماء ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] منفعة للمقيم والمسافر، تأكلون وتبيعون، ويتزود منه عابر السبيل.
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] كل صيد صاده المحرم من البر أو صيد له بأمره لم يحل له أكله، واتقوا الله: فلا تستحلوا الصيد في الإحرام، ثم حذرهم بقوله: ﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] فيجزيكم بأعمالكم.
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٩٧﴾ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٩٨﴾﴾ [المائدة: ٩٧-٩٨] قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ [المائدة: ٩٧] قال مجاهد: سمى البيت كعبة لتربيعها.
وقال ابن أبي النجيح: إنما سميت الكعبة لأنها مربعة مكعبة على عمل الكعب.
والبيت الحرام معناه: أن الله تعالى قد حرم أن يصاد عنده، وأن يختلى ما عنده من الخلاء وأن يعضد شجره، وما عظم من حرمته.
قوله: قياما للناس أي: سببا لقيام الناس إليها بالحج وقضاء النسك، فيصلح بذلك دينهم، لأنه يحط عنهم الذنوب والأوزار عندها، ويغفر لهم ما اقترفوه قبل حجها.
وقال جماعة من المفسرين: جعل الله حج الكعبة البيت الحرام قياما لمعاش الناس ومكاسبهم بما يحصل لهم في زيارتهم من التجارة وأنواع البركة.
قال سعيد بن جبير: من أتى هذا البيت يريد شيئا للدنيا والآخرة أصابه.
وقوله: والشهر الحرام يريد:
[ ٢ / ٢٣١ ]
الأشهر الحرم، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتغاورون ويسكفون الدماء بغير حقها، فإذا دخل الشهر الحرام أمنوا على أموالهم وأنفسهم وانبسطوا في متاجرهم، وكذلك إذا أهدى الرجل هديا، أو قلد بعيره من لحاء شجر الحرم أمن كيف تصرف، وذلك قوله: والهدي والقلائد ولو لم يؤمن الله العرب بهذه الأشياء لفسدت الأرض وفني الناس.
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٩٧] قال ابن قتيبة: فعل الله ذلك لعلمه بما فيه صلاح شئونهم، ليعلموا أنه كما علم ما فيه من الخير لهم أنه يعلم أيضا ما في السموات وما في الأرض.
قال ابن الأنباري: ذكر الله في هذه ال ﴿[غيوبا كثيرة من أخبار الأنبياء ﵈ وتباعهم، وأشياء من أحوال المنافقين واليهود كانت مستورة عن النبي ﷺ والمسلمين، فلما دل عليها قال:] ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [سورة المائدة: ٩٧] أي: ذلك يدلكم على أنه يعلم ما في السموات وما في الأرض، وأنه لا تخفى عليه خافية.
قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٩٨] قال الكلبي: لمن استحل الحرام، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨] لمن تاب.
٣١٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَارِجَةُ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ»
ولما أنذر الله بشدة العقاب، أخبر أنه ليس على الرسول إلا التبليغ، فقال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩] .
﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] أي: فقد بلغ وأنذر وبشر، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩] أي: لا يخفى عليه شيء مما تظهرون وما تسرون.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٠٠﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴿١٠١﴾ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ﴿١٠٢﴾ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴿١٠٣﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴿١٠٤﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿١٠٥﴾﴾ [المائدة: ١٠٠-١٠٥] قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] روى جابر، أن رجلا قال: يا رسول الله، إن الخمر كانت تجارتي، وإني اعتقدت من بيعها مالا فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله، فقال النبي ﷺ: «إن أنفقته في حج، أو جهاد، أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب» .
وأنزل الله تصديقا لقول رسوله: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠]، قال عطاء، والحسن: الحرام والحلال، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] معنى الإعجاب: السرور بما يتعجب منه، تقول: يعجبني المال والغنى.
أي: يسرني، قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: أن أهل الدنيا يعجبهم كثرة المال وزينة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى.
ثم أمر بالتقوى، فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [المائدة: ١٠٠] الآية.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] قال المفسرون: إن رسول الله ﷺ سئل حتى أحفوه بالمسألة، فقام مغضبا خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: لا تسألوني عن شيء في مقامي هذا إلا أخبرتكموه.
فقام رجل من بني سهم كان يطعن في نسبه وهو عبد الله بن حذافة، فقال: يا نبي الله من أبي؟
[ ٢ / ٢٣٣ ]
فقال: " أبوك حذافة بن قيس.
وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟ فقال: في النار.
وقام آخر فقال: يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟ فقال رسول الله ﷺ: ويحك، وما يؤمنك أن أقول نعم، والله لو قلتُ: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم.
فأنزل الله هذه الآية.
وسأل عن موضع أبيه، فقال رسول الله ﷺ: في النار فهو مما يسوء السائل بيانه.
وأما من سأل عن نسبه، فإنه لم يأمن من أن يلحقه النبي ﷺ بغير أبيه، فيفتضح فضيحة تبقى عليه بسؤال لم يكلف ذلك.
وأما السائل عن الحج فقد سأل عما كان مرفوعا عنه، لأنه كان ظاهر ما نزل من فرض الحج كفاية، فلو كان العدد في الوجوب مرارا لبين في التنزيل أو على لسان الرسول، فسؤاله إذا عن شيء عفا الله، وهو قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ [المائدة: ١٠١] .
وهذا مؤخر في النظم مقدم في المعنى: لأن التقدير: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم عفا الله عنها.
ومعنى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ [المائدة: ١٠١] أي: كف وأمسك عن ذكرها، فلم يوجب فيها حكما.
قال الزجاج: أعلم الله أن السؤال عن مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع، فإذا ظهر فيه الجواب ساء ذلك، ولا وجه في المسألة عما عفا الله عنه، ولا فيما فيه إن ظهر فضيحة على السائل.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا﴾ [المائدة: ١٠١] أي: عن أشياء ﴿حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ﴾ [المائدة: ١٠١] فيها من فرض أو إيجاب أو نهي أو حكم، ومست حاجتكم إلى ما هو من جملة ما نزل فيه القرآن، وليس في ظاهرها دليل على شرح ما بكم إليه حاجة، فإذا سألتم عنها حينئذ ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] .
قوله: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٢] أي: سأل الآيات التي بهم غنى عنها فتكلفوا سألتها، كقوم عيسى: سألوا المائدة ثم كفروا بها، وقوم صالح: سألوا الناقة ثم عقروها وكفروا بها.
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] أي: ما أوجبها ولا أمر بها.
والبحيرة: فعيلة من البحر وهو الشق، يقال: بحر ناقته.
أي: شق أذنها، وهي بمعنى المفعولة.
قال المفسرون: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن شقوا أذنها، وامتنعوا عن ركوبها وذبحها، ولا يجز
[ ٢ / ٢٣٤ ]
لها وبر، ولا يحمل على ظهرها، ولا تمنع من ماء ولا مرعى.
وقوله: ولا سائبة: قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر نذر نذرا، أو شكر نعمة، سيب بعيرا، فكان بمنزلة البحيرة في جميع ما حكموا لها.
وقال الفراء: إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلها إناث سيبت فلم تركب.
وقال ابن عباس: هي التي تسيب للأصنام، أي: تعتق لها.
وقال سعيد بن المسيب: السائبة من الإبل كانوا يسيبونها لطواغيتهم.
وقوله: ولا وصيلة: الوصيلة من الغنم: كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاه فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.
وقوله: ولا حام: قال ابن عباس، وابن مسعود: إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن، قالوا: قد حمى ظهره وسيب لأصنامهم فلا يحمل عليه.
قال قتادة: كان هذا كله تشديد شدده الشيطان على أهل الجاهلية في أموالهم وتغليظا.
وإن أول من فعل ذلك عمرو بن لحي.
٣١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا
[ ٢ / ٢٣٥ ]
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّرْخَسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ غَانِمٍ حَدَّثَهُمْ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ، أَنَّ أَبَا صَالِحٍ السَّمَّانَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ، وَأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِسْمَاعِيلَ، وَنَصَبَ الأَوْثَانَ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَبَحَّرَ الْبَحِيرَةَ، وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ، وَحَمَى الْحَامِيَ»
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه يتقولون على الله الأباطيل في تحريم هذه الأنعام، وهم جعلوها محرمة، لا الله ﷿ حرمها.
وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] قال الشعبي، وقتادة: يعني: الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب وافتراء على الله من الرؤساء الذين حرموا هذه الأنعام.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [المائدة: ١٠٤] يعني: لهؤلاء المشركين الذين يحرمون على أنفسهم هذه الأنعام: ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٠٤] في القرآن من تحليل ما حرمتم على أنفسكم ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة: ١٠٤] من الدين والمنهاج، ﴿
[ ٢ / ٢٣٦ ]
أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤] مضى تفسيره.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] قال الفراء، وابن الأنباري: هذا أمر من الله، تأويله: احفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي.
قال الزجاج: إذا قلت: عليك زيدا، فتأويله: الزم زيدا، وعليكم أنفسكم معناه: الزموا أمر أنفسكم، فإنما ألزمكم الله أمرها.
﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ [المائدة: ١٠٥] من أهل الكتاب إذا اهتديتم، ولا تدل الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بأن يتأول فيقال: إذا حفظ المرء نفسه عن المعاصي، وكان مهتديا لم يضره ضلال غيره من أهل دينه، ولا يجب عليه الأمر بالمعروف، وقد صرح أبو بكر الصديق ﵁ بهذا فيما
٣١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُفِيدُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّقَطِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، قَالَ: يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ»
قال أبو عبيدة: خاف الصديق أن يتأول الناس الآية على غير متأولها فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف، فأراد أن يعلمهم أنها ليست كذلك، وأنه لو كان وجهها ذلك ما تكلم رسول الله ﷺ بخلافها.
والذي أذن الله في الإمساك عن تغييره من المنكر: الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم أهل ملل يتدينون بها.
ثم قد صولحوا على أن شرطهم ذلك.
فأما الفسوق والعصيان والريب من أهل الإسلام، فلا تدخل في هذه
[ ٢ / ٢٣٧ ]
الآية والذي يدل على صحة هذه الجملة ما
٣١٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الطَّلْحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أُسَيْدٍ الأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عُمَرَ بْنِ خَلِيفَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ضَرِيرٌ فِي بَصَرِهِ، وَذَكَرَ عَتِيقَ بْنَ عُثْمَانَ فَقَالَ ﵀: قَعَدَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ سُمِّيَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ فَوَضَعَهَا عَلَى الْمَجْلِسِ الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُ عَلَيْهَا مِنْ مِنْبَرِهِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَبِيبَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ إِذْ تَأَوَّلَ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فَسَّرَهَا، وَكَانَ تَفْسِيرُهُ لَهَا أَنْ قَالَ: نَعَمْ، لَيْسَ مِنْ قَوْمٍ عُمِلَ فِيهِمْ بِمُنْكَرٍ وَسُنَّ فِيهِمْ بِقَبِيحٍ، فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ وَلَمْ يُنْكِرُوهُ إِلَّا وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِالْعُقُوبَةِ جَمِيعًا ثُمَّ لا يُسْتَجَابُ لَهُمْ.
ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فَقَالَ: إِلَّا أَكُنْ سَمِعْتُهَا مِنَ الْحَبِيبِ قَصَمْتُهَا
ولابن مسعود ﵁ في هذه الآية طريقة أخرى وهي ما
٣١٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ:
[ ٢ / ٢٣٨ ]
كَانُوا عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَوَقَعَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى قَامَ كُلُّ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَا أَقُومُ إِلَيْهِمَا فَآمُرَهُمَا بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُمَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَيْكَ نَفْسَكَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فَسَمِعَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: مَهْ، لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ، إِنَّ الْقُرْآنَ حِينَ نَزَلَ كَانَ مِنْهُ آيٌّ مُضِيَ تَأْوِيلُهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ، وَمِنْهُ آيٌّ وَقَعَ تَأْوِيلُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمِنْهُ آيٌّ وَقَعَ تَأْوِيلُهَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسِنِينَ، وَمِنْهُ آيٌّ يَقَعُ تَأْوِيلُهَا عِنْدَ السَّاعَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ، وَمِنْهُ آيٌّ يَقَعُ تَأْوِيلُهَا عِنْدَ الْحِسَابِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحِسَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَمَا دَامَتْ قُلُوبُكُمْ وَاحِدَةً، وَلَمْ تُلْبَسُوا شِيَعًا، وَلَمْ يَذُقْ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمُرُوا وَانْهَوْا، فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ وَالأَهْوَاءُ وَأُلْبِسْتُمْ شِيَعًا وَذَاقَ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَامْرِؤٌ وَنَفْسَهُ
ويدل على صحة ما ذهب إليه ابن مسعود في تأويل هذه الآية ما
٣١٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا عُقْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، حَدَّثِني عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ، فَقُلْنَا: كَيْفَ نَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ فَقُلْتُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «
[ ٢ / ٢٣٩ ]
نَعَمْ، ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، وَرَأَيْتَ الأَمْرَ لا يُدَانِ لَكَ بِهِ، فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامِّ»، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٠٥] قال عطاء: مصيركم من خالقكم.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥] قال: يجازيكم بأعمالكم.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ ﴿١٠٦﴾ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿١٠٧﴾ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿١٠٨﴾﴾ [المائدة: ١٠٦-١٠٨] قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] الآية: قال المفسرون: إن تميما الداري وأخاه عديا كانا نصرانيين، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلما مهاجرا، خرجوا تجارا، فلما قدموا الشام مرض بديل، فكتب كتابا فيه نسخة جميع ما معه، وطرحه في جوالقه ولم يخبر صاحبيه بذلك، وأوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ومات بديل ﵀ فأخذا من متاعه إناء من فضة منقوشا بالذهب، ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، ففتشوا فأصابوا الصحيفة بذكر ما كان معه وفيه ذكر الإناء، فقالوا لتميم، وعدي: إنا فقدنا من متاعه إناء من فضة فيه ثلاث مائة مثقال، فقالا: ما ندري، إنما أوصى إلينا بشيء،
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه، وما لنا بالإناء من علم، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله ﷿ هذه الآية والتي بعدها.
فقوله: شهادة بينكم: قال الفراء: أي: ليشهدكم اثنان ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] أي: أسبابه ومقدماته حين الوصية: وقت وصيته ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] من أهل دينكم وملتكم، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] من غير أهل ملتكم في قول عامة المفسرين.
قال شريح: إذا كان الرجل بأرض غربة، ولم يجد مسلما يشهده على وصيته، فأشهد يهوديا أو نصرانيا أو أي كافر فشهادته جائزة.
وقال آخرون: لا تجوز شهادة أهل الذمة في شيء من أحكام المسلمين، ولا يقبل قولهم، ولا يثبت بشهادتهم حكم، وعليه الناس اليوم.
وقالوا في قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] أي: من حيكم وقبيلتكم، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] أي: من غير قبيلتكم ورفقتكم.
هو قول الحسن، والسدي، وابن موسى، قالوا: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] قال: كلهم مسلمون.
قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٠٦] إن سافرتم وسرتم فيها، ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦] قال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر، وأهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويتجنبون فيه الأكاذيب والحلف الكاذب، فيقسمان: فيحلفان ﴿بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] شككتم في قول الآخرين الذين ليسا من أهل ملتكم.
وقوله: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ [المائدة: ١٠٦] أي: لا نبيع عهد الله بعرض نأخذه من الدنيا، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [المائدة: ١٠٦] ولو كان المشهود له ذا قربى، والمعنى: لا نحابي في شهادتنا أحدا ولو كان ذا قربى، ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] أضيف الشهادة إلى الله
[ ٢ / ٢٤١ ]
لأمره بإقامتها والنهي عن كتمانها، ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] أي: إن كتمناها لكنا من الآثمين.
ولما رفعوها إلى رسول الله ﷺ، ونزلت الآية، أمرهم رسول الله ﷺ أن يستحلفوهما: بالله الذي لا إله إلا هو، ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا.
فحلفا على ذلك وخلي سبيلهما، ثم اطلع على إناء من فضة معهما، فارتفعوا إلى النبي ﷺ، فنزل قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة: ١٠٧] أي: فإن اطلع على أنهما أتيا خيانة، واستوجبا إثما بيمينهما الكاذبة، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ [المائدة: ١٠٧] أي: مقام الشاهدين اللذين من غيركم ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ [المائدة: ١٠٧] أي: من ورثة الميت وهم الذين استحق عليهم الوصية الأوليان أي: الأقربان للميت.
وقرأ حمزة الأولين: وهو نعت لجميع الورثة المذكورين في هذه الآية في قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ [المائدة: ١٠٧]، وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم الإيصاء.
وإنما قيل لهم الأولين لتقدم ذكرهم في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وكذلك: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وذكر في اللفظ قبل قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] وقرأ حفص استَحَقَّ بفتح الحاء والتاء بمعنى وجب، والمعنى: فآخران من الذين وجب عليهم الإيصاء بتوصية ميتهم وهم ورثته.
وقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧] قال ابن عباس: ليميننا أحق من يمينهما.
وسميت اليمين ههنا شهادة، لأن اليمين كالشهادة على ما يجب عليه أنه كذلك، وما اعتدينا: فيما قلنا من أن شهادتنا أحق من شهادتهما.
فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله أنهما ما خانا
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وكذبا، فدفع الإناء إليهما وإلى أولياء الميت.
قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: ١٠٨] أي: ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين أدنى إلى الإتيان بالشهادة على ما كتب، أو يخافوا أي: أقرب إلى أن يخافوا ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ﴾ [المائدة: ١٠٨] على أولياء الميت بعد أيمانهم: فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم، فيفتضحوا ويغرموا، فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا ذلك الحكم.
واتقوا الله: أن تحلفوا أيمانا كاذبة، أو تخونوا أمانة، واسمعوا: الموعظة، ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] وعيد لهم بحرمان الهداية.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿١٠٩﴾ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿١١٠﴾ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴿١١١﴾ إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١١٢﴾ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴿١١٣﴾ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿١١٤﴾ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿١١٥﴾ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿١١٦﴾ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿١١٧﴾ إِنْ
[ ٢ / ٢٤٣ ]
تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١١٨﴾ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١١٩﴾ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٢٠﴾﴾ [المائدة: ١٠٩-١٢٠] قوله ﷿: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] الآية: انتصب اليوم بفعل محذوف على تقدير: احذروا واذكروا يوم يجمع الله الرسل، ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] قال الكلبي: ماذا أجابكم قومكم في التوحيد.
ومعنى المسألة من الله للرسل: التوبيخ للذين أرسلوا إليهم.
﴿قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩] قال ابن عباس: إن للقيامة زلازل وأهوالا حتى تزول القلوب عن مواضعها، فإذا رجعت القلوب شهدوا لمن صدقهم وعلى من كذبهم، وهذا قول الحسن، ومجاهد، والسدي، قالوا: من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعد ما تثوب إليهم عقولهم.
وحكى ابن الأنباري، عن جماعة من أهل التفسير أنهم قالوا: معنى الآية لا حقيقة لعلمنا إذ كنا نعلم جوابهم وما كان من أفعالهم وقت حياتنا، ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا، وإنما الجزاء يستحق بما يقع به الخاتمة مما يموتون عليه، فلما خفي عليهم الذي ماتت عليه الأمم لم يكن لعلمهم حقيقة، فقالوا: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩] .
يدل على صحة هذا التأويل قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] أي: أنت الذي يعلم ما غاب ونحن نعلم ما نشاهد، ولا نعلم ما في البواطن.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٠] مفسر في ﴿[البقرة وآل عمران إلى قوله:] وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ﴾ [سورة المائدة: ١١٠] أي: منعتهم عن قتلك ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [المائدة: ١١٠] يعني: ما ذكر في هذه الآية من معجزات عيسى ﵇، ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠] أي: ما هذا الذي جئت به إلا سحر.
ومن قرأ: إلا ساحر أشار به إلى الشخص، يعني: عيسى.
قوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] قال عامة المفسرين: أي: ألهمتهم، كما قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] أي: ألهمها وقذف في قلوبها، وباقي الآية ظاهر.
قوله: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة: ١١٢] قال ابن الأنباري: لا يجوز لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله، ولا يدل قولهم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة: ١١٢] على أنهم شكوا في استطاعته، وهذا كما يقول الإنسان لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم معي؟ وهو يعلم أنه مستطيع للقيام، لكنه يريد: هل يسهل عليك؟ وهل يخف عليك؟ وكذلك في الآية: هل يقبل ربك دعاءك، وهل يسهل عليك إنزال المائدة؟ وقرأ الكسائي: تستطيع بالتاء، ربَّك نصبا على معنى: هل تستطيع سؤال ربك، ومرادهم بالاستفهام: التلفظ في استدعاء السؤال، كما تقول لصاحبك هل تستطيع كذا؟ وأنت عالم أنه يستطيع، ولكن قصدك بالاستفهام التلفظ.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
قال ابن عباس: قال عيسى لأصحابه: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما، ثم لا تسألون شيئا إلا أعطاكم.
فصاموا ثلاثين يوما، ثم قالوا: يا معلم الخير، قد فعلنا الذي أمرتنا، فسل من أمرتنا أن نصوم له أن يطعمنا، فذلك قوله: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢] .
والمائدة: الخوان بما عليه من الطعام.
قال: عيسى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] أي: اتقوا الله أن تسألوه شيئا لم تسأله الأمم قبلكم.
قوله: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ١١٣] أي: نريد سؤال المائدة من أجل هذا، وتطمئن قلوبنا: تزداد يقينا، وذلك أن الدلائل كلما كثرت قويت المعرفة في النفس ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٣] في أنا إذا صمنا ثلاثين لا نسأل الله شيئا إلا أعطانا.
وقوله: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] أي: نقر لله بالوحدانية ولك بالنبوة من جهة ذلك الدليل الذي نراه في المائدة، فدعا عيسى، وقال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: ١١٤] أي: نتخذ ذلك اليوم الذي تنزل فيه عيدا، نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا.
وآية منك: دلالة على توحيدك وصحة نبوة نبيك وارزقنا: عليها طعاما نأكله ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] .
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١٥] أي: بعد إنزال المائدة ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] يعني: جنسا من العذاب لا يعذب به غيرهم.
قال الزجاج: فهذا العذاب جائز أن يعجل لهم في الدنيا، وجائز أن يكون لهم في الدنيا، وجائز أن يكون في الآخرة.
واختلف العلماء في نزول المائدة: فقال الحسن: والله ما نزلت المائدة، وإن القوم لما سمعوا الشرط في
[ ٢ / ٢٤٦ ]
قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١٥] استعفوا، وقالوا: لا نريدها، وهذا أيضا قول مجاهد.
والصحيح أنها نزلت، قال ابن عباس: نزلت الملائكة بمائدة من السماء عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، فأكلوا منها حتى شبعوا.
وقال الكلبي: نزلت وعليها خبز ورز وبقل.
٣٢٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَنْ خِلاسِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُنْزِلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَأُمِرُوا أَنْ لا يَخُونُوا وَلا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخَافُوا وَادَّخَرُوا، وَرُفِعُوا فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ»
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآية، هذا استفهام معناه التوبيخ لمن ادعى ذلك على المسيح، ويكذبهم المسيح فيكون ذلك توبيخا لهم، وهو قوله: قال سبحانك أي: برأتك من السوء، ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] أي: لست أستحق العبادة فأدعو الناس إليها، ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] لأنه لا يخفى عليك علم شيء، ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] قال ابن عباس: تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
والمعنى: تعلم ما أخفيه من سري وغيبي، ولا أعلم ما تخفيه أنت ولم تطلعنا عليه، فلما كان سر عيسى يخفيه في نفسه، جعل أيضا سر الله مما يخفيه الله في نفسه ليزدوج الكلام ويحسن النطم.
وقال الزجاج: النفس في اللغة تقع عبارة عن حقيقة الشيء، فمعنى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦] أي: تعلم ما أضمره ﴿وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] أي: لا أعلم ما في حقيقتك وما عندي علمه.
والتأويل: إنك تعلم ما أعلم، ولا أعلم ما تعلم، يدل على هذا قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] .
ثم ذكر ما قال لقومه فقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧] فسر ذلك فقال: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] أي: أمرتهم بعبادتك لأنك ربي وربهم، ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] كنت أشهد على ما يفعلون ما كنت مقيما فيهم، فلما توفيتني يعني: وفاة الرفع إلى السماء من قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] الحفيظ عليهم تحفظ أعمالهم، ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] قال ابن عباس: شهدت مقالتي فيهم وبعد ما رفعتني إليك شهدت ما يقولون بعدي.
قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] الآية: قال الحسن وأبو العالية إن تعذبهم: فبإقامتهم على كفرهم، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة: ١١٨] فبتوبة كانت منهم.
وقال ابن الأنباري: هذا على التبعيض، أي: إن تعذب بعضهم الذين أقاموا على الكفر فهم عبادك، وإن تغفر لبعضهم الذين انتقلوا عن الكفر إلى الإسلام فأنت في ذلك قاهر غالب عادل لا يعترض عليك معترض.
وهذا اختيار الزجاج لأنه قال: والذي عندي: أن عيسى ﵇ قد علم أن منهم من آمن ومنهم من أقام على الكفر، فقال عيسى في جميعهم: إن تعذب من كفر بك فإنهم عبادك، أنت العادل فيهم، وإن تغفر لهم لمن أقلع منهم وآمن فأنت في مغفرتك لهم عزيز لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك.
قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] أي: ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم في هذا اليوم، ولأنه يوم الجزاء، وما تقدم في الدنيا الصدق إنما يتبين نفعه في هذا اليوم.
قال المفسرون: هذا تصديق لعيسى فيما قال، وذلك أنه كان صادقا في الدنيا، ولم يقل للنصارى: اتخذوني إلها فنفعه صدقه.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
ومن قرأ هذا يومُ بالرفع فعلى الابتداء والخبر، جعل اليوم خبر المبتدأ الذي هو هذا، والمعنى: قال الله: هذا اليوم يوم منفعة الصادقين.
ومن قرأ بالنصب فعلى الظرف على تقدير ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا﴾ [المائدة: ١١٩] يعني: ما تقدم ذكره في يوم ينفع الصادقين صدقهم، أي: قال الله هذا في يوم القيامة.
وقوله: ﴿﵃﴾ [المائدة: ١١٩] أي: بطاعتهم، ورضوا عنه: بثوابه ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩] قال الحسن: فازوا بالجنة ونجوا من النار.
قال مقاتل: ثم عظم نفسه عما قالت النصارى من أن معه إلها فقال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٢٠] قال الحسن: يريد خزائن السموات وهي المطر وخزائن الأرض وهي النبات.
قوله: ﴿وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] إشارة إلى أن الآمال يجب أن تتعلق بالله تعالى لعظيم ملكه وسعة قدرته.
[ ٢ / ٢٤٩ ]