مكية وآياتها ثمان وعشرون ومائة.
٥١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ الْكُوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مَنْ قَرَأَ سُورَةَ النَّحْلِ لَمْ يُحَاسِبْهُ اللَّهُ بِالنَّعِيمِ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَأُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ كَالَّذِي مَاتَ فَأَحْسَنَ الْوَصِيَّةَ "
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١﴾ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ ﴿٢﴾﴾ [النحل: ١-٢] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] أي: عذابه لمن أقام على الشرك، وتكذيب رسوله، وهو الأمر بالسيف، ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] لا تطلبوه قبل حينه، وهذا كما تقول لمن يطلب أمرا يستعجل فيه: أتاك الأمر فلا تستعجل.
وقال جماعة من المفسرين: أمر الله ههنا الساعة.
وذلك أنهم استبطأوا أمر الساعة، فأعلم الله أن ذلك عنده في القرب بمنزلة ما قد أتى، كما قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] .
سبحانه تنزيها له وبراءة من السوء، وتعالى ارتفع بصفات المدح، ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١] به من الأصنام، أي أنها ليست شركاء لهم لأنهم لا يخلقون شيئا.
قوله: ينزل الملائكة قال ابن عباس: يريد جبريل وحده، ﴿بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] بالوحي، وهو كلام الله، سمي روحا لأنه حياة من موت الكفر، ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ
[ ٣ / ٥٥ ]
مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢] يريد النبيين الذين يختارهم بالرسالة، وقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ [النحل: ٢] أي أهل الكفر بأنه ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنَا﴾ [النحل: ٢] أي: مروهم بتوحيدي، وأعلموهم ذلك مع تخويفهم لو لم يقروا.
ثم ذكر ما يدل على توحيده فقال: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٣﴾ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴿٤﴾ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٥﴾ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿٦﴾ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿٧﴾ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴿٨﴾﴾ [النحل: ٣-٨] ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ٣] الآية.
﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤] يعني أبي بن خلف، ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ [النحل: ٤] مخاصم، مبين ظاهر الخصومة، وذلك أنه خاصم النبي ﷺ في إنكار البعث.
والمعنى: أنه مخلوق من نطفة، ومع ذلك يخاصم وينكر البعث، أفلا يستدل بأوله على آخره، وأن من قدر على خلقه أولا، قادر على إعادته.
والأنعام خلقها يعني الإبل والبقر والغنم، ثم ابتدأ فقال: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] ويجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله: لكم ثم يبتدئ فيقول: فيها دفء.
وهو ما يستدفأ به من الأكسية والأبنية من أوبارها وأشعارها وأصوافها، قال الأصمعي: الدف السخونة.
وقال الفراء: يقال: دفيت يدفأ دفاء ودفأ.
قوله: ومنافع يعني النسل والدر والركوب، ومنها تأكلون يريد من لحومها.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل: ٦] زينة، ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ [النحل: ٦] تردونها إلى مراحها، وهو حيث تأوي إليه ليلا، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] ترسلونها بالغداة إلى مراعيها، يقال: سرح القوم إبلهم سرحا.
قال قتادة: وأحسن ما تكون إذا راحت عظاما ضروعها، طوالا أسنمتها.
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ [النحل: ٧] جمع ثقل، وهو متاع المسافر، ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] قال ابن عباس: يريد من مكة إلى اليمن، وإلى الشام وإلى مصر.
هذا قوله، والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير الإبل شق عليكم، وخص ابن عباس اليمن والشام، لأن متاجر أهل مكة كانت إلى هذه الوجوه، والشق المشقة، معناه: إلا بجهد الأنفس، ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] بكم إذ من عليكم بالنعم التي فيها هذه المرافق.
قوله: والخيل أي وخلق الخيل، ﴿وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] قال الزجاج: نصبها على أنها مفعول لها.
والمعنى: وخلقها للزينة، والآية لا تدل على تحريم لحوم الخيل وإن ذكرته مع البغال والحمير، لأن القصد بهذه الآية إظهار المنة، بأن خلق لنا من الحيوان ما نركبه ونتجمل به، ولحوم الخيل حلال بالسنة:
[ ٣ / ٥٦ ]
٥١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْحَافِظُ، أنا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: أَكَلْنَا لَحْمَ الْفَرَسِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ هِشَامٍ
٥١٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو الْهَيْثَمِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا مُسَدَّدٌ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يَوْمَ خَيْبَرَ، عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ»
وقوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] قال ابن عباس: إن عن يمين العرش نهرا من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبع، يدخل جبريل في كل بحر، فيغتسل، فيزداد نورا إلى نوره، وجمالا إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل نقطة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك، يدخل منهم كل يوم سبعون ألف البيت المعمور، وفي الكعبة سبعون ألفا لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة.
وقال آخرون: يعني ما أعد في الجنة لأهلها، وما أعد في النار لأهلها.
﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٩﴾ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴿١٠﴾ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١١﴾ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿١٢﴾ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٣﴾﴾ [النحل: ٩-١٣] قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] القصد استقامة الطريق، يقال: طريق قصد وقاصد إذا قصد بك إلى ما تريد.
وقصد السبيل الإسلام، والمعنى أن قصد السبيل الذي هو الإسلام على الله أن يؤدي إلى رضا الله
[ ٣ / ٥٧ ]
وثوابه وجزائه، قال مجاهد: وطريق الحق على الله.
وهذا كقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] .
قوله: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩] أي مائل عادل عن الحق، قال الكلبي: يعني اليهودية والنصرانية والمجوسية.
وقال ابن المبارك: يعني الأهواء والبدع.
ثم بين أن المشيئة إليه، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] قال ابن عباس: لو شاء لأرشدكم كلكم حتى لا يختلف عليك يا محمد أحد.
قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ [النحل: ١٠] تشربونه، ومنه شجر قال الزجاج: كل ما نبت على الأرض فهو شجر.
وقال ابن قتيبة: يعني الكلأ.
والمعنى أنه ينبت بالماء الذي ينزل من السماء ما ترعاه الرعية من دق الشجر وجلها، لأن الإبل ترعى جل الشجر، قوله: فيه أي في الشجر، ﴿تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] يقال: أسمت الماشية إذا خليتها ترعى، وسامت هي إذا رعت، فهي سائمة.
قوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ﴾ [النحل: ١١] قال ابن عباس: يريد الحبوب.
والزيتون جمع زيتونة، يقال للشجرة نفسها: زيتونة، وباقي الآية وما بعدها ظاهر تقدم تفسيره، وأكثر القراء على نصب الشمس والقمر والنجوم، وهو الوجه لاستقامتها مع ما قبلها في المعنى، وإذا استقامت في معنى واحد استقامت في إعراب واحد.
وقوله: مسخرات حال مؤكدة، لأن تسخيرها قد عرف بقوله: وسخر.
وقرأها ابن عامر بالرفع، فابتدأ الشمس والقمر، وجعل مسخرات خبرا عنها، وقرأ حفص مسخرات بالرفع وحدها وجعلها خبر ابتداء محذوف كأنه قال: مسخرات.
قوله ﴿وَمَا ذَرَأَ﴾ [النحل: ١٣] أي: وسخر لكم ما خلق، لكم أي لأجلكم، يعني الدواب والشجر وغيرها، ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [النحل: ١٣] أي هيئته ومناظره.
﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٤﴾ وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٥﴾ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿١٦﴾﴾ [النحل: ١٤-١٦] ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ [النحل: ١٤] ذلك للركوب والغوص، ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] يعني السمك، ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤] يريد الدر واللؤلؤ والمرجان، ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [النحل: ١٤] شواق الماء بدفعه بصدرها، ومخر السفينة: شقها الماء بصدرها، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤] يعني لتركبوه للتجارة فتطلبوا الربح من فضل الله.
﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [النحل: ١٥] جبالا ثوابت، ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] الميد الحركة والاضطراب، ماد يميد ميدا، قال ابن عباس: أوتدها بالجبال لئلا تميد بأهلها.
وأنهارا وجعل فيها أنهارا، النيل، والفرات، ودجلة،
[ ٣ / ٥٨ ]
وسيحان، وجيحان، وسبلا طرقا إلى كل البلاد، لعلكم تهتدون لكي تهتدوا إلى مقاصدكم من البلاد، فلا تضلون.
وعلامات يعني الجبال، وهي علامات للطرق بالنهار كالنجوم بالليل، ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] أراد جميع النجوم، لأن بها يهتدون، وإلى الطرق والقبلة والبر والبحر.
ثم دل بهذه الأشياء التي خلقها على نفسه، فقال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ﴿١٧﴾ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٨﴾ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴿١٩﴾ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿٢٠﴾ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿٢١﴾﴾ [النحل: ١٧-٢١] أفمن يخلق يعني ما ذكر في هذه ال ﴿[،] كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [سورة النحل: ١٧] يعني الأوثان وهي لا تخلق شيئا، ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] يعني المشركين، يقول: أفلا تتعظون كما اتعظ المؤمنون؟ قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] تقدم تفسيره، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ [النحل: ١٨] لما كان منكم من تقصير شكر نعمه، رحيم بكم حيث لم يقطعها عنكم بتقصيركم، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١] يعني الأصنام التي كانوا يعبدونها، وهي موات لا روح لها، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] الأصنام متى تبعث، قال ابن عباس: وذلك أن الله يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها، فيتبرءون من عابديهم، ثم يؤمر بالشياطين والذين كانوا يعبدونها إلى النار.
ثم ذكر وحدانيته فقال: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴿٢٢﴾ لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴿٢٣﴾﴾ [النحل: ٢٢-٢٣] ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٢٢] وقد مضى بيانه في ﴿[البقرة،] فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [سورة النحل: ٢٢] يعني بالبعث والثواب والعقاب، ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ [النحل: ٢٢] جاحدة غير عارفة توحيد الله ولا القرآن، ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] ممتنعون من قبول الحق.
لا جرم حقا، ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ٢٣] أي أنه يجازيهم بذلك، لأنه يعلمه، ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] لا يثيبهم، ولا يرضى عنهم.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴿٢٤﴾ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴿٢٥﴾ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴿٢٦﴾ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٢٧﴾ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٨﴾ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٢٩﴾﴾ [النحل: ٢٤-٢٩] ﴿
[ ٣ / ٥٩ ]
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [النحل: ٢٤] لهؤلاء المنكرين، ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤] ما الذي أنزل ربكم على محمد؟ ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] أي: الذي يذكرون أنه منزل أساطير الأولين، أي: أكاذيبهم وما سطروه في كتبهم من الأخبار والقصص.
ليحملوا أوزارهم هذه لام العاقبة، لأنهم لم يقولوا للقرآن: أساطير الأولين ليحملوا الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك جاز أن يقال: فعلوا ذلك له، كقوله ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] .
وقوله: ﴿كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النحل: ٢٥] لأنهم لم يكفر عنهم شيء من ذنوبهم بما يصيبهم في الدنيا من نكبة وبلية كما يكفر عن المؤمنين ومن أوزار الذين يضلونهم لأنهم كانوا رؤساء يقتدى بهم في الضلال، فحمل عليهم من أوزار من اتبعهم، كما قال ﷺ: «أيما داع دعا إلى ضلالة، فاتبع، كان عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» .
وقوله: بغير علم يعني أنهم يفعلون ذلك جهلا منهم بما يكتسبون من أوزارهم، ومثل أوزار من اتبعهم، ثم ذم صنيعهم، فقال: ﴿أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] بئس ما حملوا على ظهورهم.
قوله: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] يعني نمرود بن كنعان، بنى صرحا طويلا ورام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها بزعمه، ومعنى المكر ههنا التدبير الفاسد، قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾ [النحل: ٢٦] أي: أتى أمر الله، وهو الريح التي خربتها وحركتها، وقال المفسرون: أرسل الله ريحا، فألقت رأس الصرح في البحر، وخر عليهم الباقي.
وقوله: من القواعد قال الزجاج: من أساطير البناء التي تعمده.
﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] سقط أعلى البيوت على أصحاب نمرود، ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦] من حيث ظنوا أنهم في أمان منه.
﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ [النحل: ٢٧] يذلهم ويهينهم بالعذاب، ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [النحل: ٢٧] قال الزجاج: هذه حكاية لقولهم، والله لا شريك له.
والمعنى: أين الذين في دعواكم أنهم شركائي؟ أي: أين هم لا يحضرونكم فيدفعوا عنكم العذاب؟ ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [النحل: ٢٧] تخالفون المسلمين فيهم فتعبدونهم وهم يعبدون الله، وقرأ نافع بكسر النون أراد تشاقونني، فحذف إحدى النونين كما ذكرنا في قوله: فبم تبشرون، والمعنى: تنازعونني فيهم وتتخذونهم أولياء من دوني، ومعنى مخالفتهم الله في الشركاء: مخالفتهم أمر الله لأجلها، ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [النحل: ٢٧] قال ابن عباس: يريد الملائكة.
وقال غيره: هم المؤمنون، يقولون حين يرون خزي الكفار يوم القيامة.
﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ﴾ [النحل: ٢٧] أي: الفضيحة والعذاب، على
[ ٣ / ٦٠ ]
الكافرين لا علينا.
ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨] تقدم تفسيره، فألقوا السلم انقادوا وأقروا لله بالربوبية، أخبر الله عنهم بالمشاقة في الدنيا، وأخبر أنهم عند الموت ينقادون ويتبرءون من الشرك، وهو قوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] فقال الملائكة ردا عليهم: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨] من التكذيب والشرك.
ثم يقال لهم: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩] مقام المتكبرين عن توحيد الله وعبادته.
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴿٣٠﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ﴿٣١﴾ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٣٢﴾﴾ [النحل: ٣٠-٣٢] ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٣٠] قال المفسرون: كان هذا في أيام الموسم، يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين عن محمد وأمره، فيقولون: إنه ساحر، وكاهن، وكذاب.
فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد وأمره، وما أنزل الله عليه، فيقولون: خيرا.
أي أنزل خيرا، ثم فسر ذلك الخير فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ [النحل: ٣٠] قالوا: لا إله إلا الله.
حسنة قال ابن عباس: يريد مضعفة بعشر.
﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ﴾ [النحل: ٣٠] يعني الجنة، ﴿خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴿٣٠﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [النحل: ٣٠-٣١] هذا كما يقول: نعم الدار دار تنزلها.
قوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] قال الكلبي: طيبين من الشرك.
وقال مجاهد: زاكية أفعالهم وأقوالهم.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٣٣﴾ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿٣٤﴾﴾ [النحل: ٣٣-٣٤] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٣٣] نظير هذه الآية في ﴿[البقرة، وآخر سورة الأنعام، وقد تقدم، وقوله] كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [سورة النحل: ٣٣] يريد كفار الأمم الماضية، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ٣٣] بتعذيبهم، ﴿وَلكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣] بإقامتهم على الشرك.
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ [النحل: ٣٤] أي جزاؤها، قال ابن عباس: جزاء ما عملوا من الشرك.
وحاق أحاط بهم، ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [النحل: ٣٤] من العذاب.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ
[ ٣ / ٦١ ]
شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ﴿٣٥﴾ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿٣٦﴾ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴿٣٧﴾﴾ [النحل: ٣٥-٣٧] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [النحل: ٣٥] يعني أهل مكة، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] أي: لو شاء الله ما أشركنا، ولكنه شاءه لنا، ﴿وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] من البحيرة، والسائبة، قال الزجاج: إنهم قالوا هذا على جهة الهزء، ولو قالوا هذا معتقدين لكانوا مؤمنين، ولكنهم قالوا مستهزئين.
ونظير هذه الآية قد تقدم في ﴿[الأنعام، وقوله:] كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [سورة النحل: ٣٥] أي: من تكذيب الرسل، وتحريم ما أحل الله، ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] يعني ليس عليهم إلا التبليغ، فأما الهداية فهي إلى الله، يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
وقد حقق هذا فيما بعد، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا﴾ [النحل: ٣٦] يعني كما بعثناك في هؤلاء، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل: ٣٦] أي بعبادة الله، واجتنبوا الطاغوت الشيطان وكل من يدعو إلى الضلالة، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ [النحل: ٣٦] أرشده، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] قال ابن عباس: يريد في سابق علمي.
قال الزجاج: أعلم الله أنه بعث الرسل بالأمر بالعبادة وهو من وراء الإضلال والهداية.
ومعنى حقت عليهم الضلالة وجب عليهم الكفر، كما قال: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]، ثم قال: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [النحل: ٣٦] أي: معتبرين بآثار الأمم المكذبة، وهو قوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة لا يهتدي.
فقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ [النحل: ٣٧] أي: إن تطلب بجهدك ذلك، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] أي من يضله، وهذا كقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وقرأ أهل الكوفة بفتح الياء، والمعنى: فإن الله لا يرشد من أضله.
قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴿٣٨﴾ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ﴿٣٩﴾ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٤٠﴾ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٤١﴾ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٤٢﴾﴾ [النحل: ٣٨-٤٢] ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] قال ابن عباس: أغلظوا في الإيمان، تكذيبا منهم بقدرة الله على البعث بعد الموت.
وهو قوله: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] فقال الله ردا عليهم: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨] أي: بلى ليبعثنهم وعدا
[ ٣ / ٦٢ ]
للبعث حقا، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨] يعني المشركين.
ليبين لهم بالبعث، ﴿الَّذِي﴾ [النحل: ٣٩] اختلفوا، فيه مع المؤمنين وذهبوا فيه إلى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩] فيما أقسموا من أنه لا بعث.
ثم أخبر بقوته وقدرته على البعث فقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ [النحل: ٤٠] الآية، قال الزجاج: أعلمهم الله سهولة خلق الأشياء عليه، فأخبر أنه متى أراد الشيء كان.
وهذا كقوله: ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨] وقد تقدم تفسيره، وقراءة أكثر القراء فيكون بالرفع على معنى فهو يكون، وقرأ ابن عامر فيكون نصبا، عطفا على أن يقول فيكون.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ﴾ [النحل: ٤١] نزلت في قوم أذاهم المشركون وعذبوهم بمكة، منهم صهيب، وبلال، وخباب، ومعنى هاجروا في الله هاجروا في رضا الله وطلب ثوابه.
وقوله: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ٤١] أي دارا حسنة، أو بلدة حسنة، وهي المدينة في قول مجاهد، والشعبي، والحسن، وقتادة، ﴿وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد أن أمر الجنة أكبر وأعظم من أن يعلمه أحد ويقدر على صفته أحد.
ثم أثنى عليهم ومدحهم بالصبر، فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [النحل: ٤٢] أي: على دينهم لم يتركوه بمشقة وجهد أصابهم، وهم في ذلك واثقون بربهم متوكلون عليه، وهو قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٤٢] .
قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴿٤٣﴾ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٤٤﴾﴾ [النحل: ٤٣-٤٤] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٣] قال المفسرون: إن مشركي مكة أنكروا نبوة محمد ﷺ، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا؟ فقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النحل: ٤٣] أي إلى الأمم الماضية إلا رجالا آدميين لا ملائكة، أعلم الله أن الرسل كانوا بشرا، إلا أنهم يوحى إليهم، وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] يعني أهل الكتاب، قال الزجاج: فاسألوا أهل الكتاب.
وذلك أن أهل الكتب يعترفون أن الأنبياء بشر كلهم.
وقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٤] أي أرسلناهم، يعني الأنبياء بالحجج الواضحة والكتب، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] يعني القرآن، ﴿لِتُبَيِّنَ
[ ٣ / ٦٣ ]
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] في هذا الكتاب من الحلال والحرام، والوعد والوعيد، لعلهم يتفكرون في ذلك فيعتبرون.
قوله: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴿٤٥﴾ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴿٤٦﴾ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿٤٧﴾ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴿٤٨﴾ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٤٩﴾ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴿٥٠﴾﴾ [النحل: ٤٥-٥٠] ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [النحل: ٤٥] قال ابن عباس: يريد المشركين، أهل مكة وما حول المدينة، ومعنى مكروا السيئات قال ابن عباس: عملوا السيئات يعني عبادة غير الله.
وقال قتادة: يعني الشرك.
وسمى عبادتهم غير الله مكرا لأن المكر في اللغة السعي بالفساد، ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ﴾ [النحل: ٤٥] كما خسف بقارون، ومعنى الاستفهام ههنا الإنكار، أي: يجب ألا يأمنوا عقوبة تلحقهم كما لحقت المكذبين من قبلهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] قال ابن عباس: يعني يوم بدر.
يريد أنهم أهلكوا يوم بدر، وما كانوا يقدرون ذلك ولا يشعرونه.
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ [النحل: ٤٦] في أسفارهم وتجارتهم، وقال مقاتل: يريد في تقلبهم في كل حال من الأحوال ليلا ونهارا، فيدخل في هذا تقلبهم على الفرش يمينا وشمالا.
﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] بممتنعين ولا فائتين.
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] قال عامة المفسرين: على تنقص، إما بقتل أو بموت.
يعني تنقص من أطرافهم ونواحيهم، يأخذ منهم الأول فالأول حتى يأتي الأخذ على جميعهم، والتخوف: التنقص، يقال: هو يتخوف المال، أي: يتنقصه ويأخذ من أطرافه، ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] إذ لم يعجل عليهم بالعقوبة والإهلاك، قال الزجاج: أي من رأفته أمهل وجعل فسحة للتوبة.
قوله: أولم يروا قراءة العامة بالياء لأن ما قبله غيبة، وهو قوله: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [النحل: ٤٥]، ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ [النحل: ٤٦] كذلك أولم يروا وقرأ حمزة بالتاء على أن الخطاب لجميع الناس، قوله: ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٨] أراد من
[ ٣ / ٦٤ ]
شيء له ظل من جبل، وشجر، وبناء، وجسم قائم، يتفيأ يتفعل من الفيء، يقال: فاء الظل يفيء فيئا إذا رجع وعاد بعد ما كان ضياء الشمس نسخه.
وتفيؤ الظلال: رجوعها بعد انتصاب النهار، وقوله: ظلاله جمع ظل، وجمع هو مضاف إلى مفرد لأنه واحد يراد به الكثرة، ومثله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] ومعنى تفيؤ الظلال عن اليمين والشمائل، قال الكلبي: إذا طلعت الشمس وأنت متوجه إلى القبلة كان الظل قدامك، فإذا ارتفعت كان على يمينك، فإذا كان بعد ذلك كان خلفك، وإذا كان قبل أن تغرب الشمس كان يسارك، فهذا تفيؤه عن اليمين والشمائل، أي تميله عن جانب إلى جانب.
ووحد اليمين والمراد به الجمع إيجازا في اللفظ كقوله: يولون الدبر ودلت الشمائل على أن المراد به الجميع، وقوله: سجدا لله دورانه من جانب إلى جانب هو سجوده لأنه مستسلم منقاد مطيع بالتسخير، وهذه الآية كقوله: ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] وقد مر بيانه، قوله: وهم داخرون أي صاغرون، يقال: دخر يدخر دخورا، فهو داخر، وهو الذي يفعل ما تأمره شاء أو أبى، قال الزجاج: يعني أن هذه الأشياء مجبولة على الطاعة.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [النحل: ٤٩] السجود على نوعين: سجود عبادة وطاعة كسجود المسلمين، وسجود هو خضوع وتذلل وهو سجود ما لا يعقل، وسجود الجمادات، وهذه الأشياء بما فيها من الدلالة على الحاجة إلى مدبر وصانع ساجدة، أي خاضعة متذللة، وقوله: من دابة قال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض.
والملائكة أخرجهم بالذكر لخروجهم عن صفة الدبيب بما جعل لهم من الأجنحة، ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩] يريد عن عبادة الله، وهذا من صفة الملائكة خاصة لقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وفي هذه الآية قولان: أحدهما أن الآية من باب حذف المضاف على تقدير يخافون من عقاب ربهم من فوقهم، لأن أكثر ما يأتي العقاب المهلك إنما يأتي من فوق، والآخر: أن الله تعالى لما كان موصوفا بأنه علي متعال علو الرتبة في القدرة، حسن أن يقال: من فوقهم ليدل على أنه في أعلى مراتب القادرين، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية مجاهد، قال: ذلك مخافة الإجلال.
واختاره الزجاج، فقال: يخافون ربهم خوف مجلين.
ويدل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] وقوله إخبارا عن فرعون: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] وذهب بعض الناس إلى أن قوله: من فوقهم من صفة الملائكة، والمعنى أن الملائكة الذين هم فوق بني آدم، وفوق ما في الأرض من دابة يخافون الله مع علو رتبتهم، فلأن يخاف من دونهم أولى، وقوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] يعني الملائكة، وهذا كقوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦] .
قوله: ﴿
[ ٣ / ٦٥ ]
وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٥١﴾ وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ﴿٥٢﴾ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴿٥٣﴾ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ﴿٥٤﴾ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٥٥﴾﴾ [النحل: ٥١-٥٥] ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١] أي لا تعبدوا معه غيره، ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] ليس له ثان، ثم حذرهم نفسه، فقال: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١] .
﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] الدين الطاعة، والوصوب الدوام، وصب الشيء يصب وصوبا فهو واصب إذا دام، قال الزجاج: أي طاعته واجبة أبدا.
وقال ابن قتيبة ليس من أحد يطاع إلا انقطع ذلك بزوال، أو هلكة غير الله، فإن الطاعة تدوم له.
ثم قال: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل: ٥٢] أي: أفغير الله الذي قد أبان لكم أنه واحد خالق كل شيء وأمر أن لا يتخذ معه إله تتقون.
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] أي: ما أعطاكم من صحة جسم، أو سعة في رزق، أو إمتاع بمال وولد فكل ذلك من الله ﷿.
٥١٧ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، نا أَبُو سَلَمَةَ، نا هِشَامُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، قَالَ: «مَا مَسَّتْ عَبْدًا نِعْمَةٌ فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ إِلا كُتِبَ لَهُ شُكْرُهَا وَإِنْ لَمْ يَحْمَدْ»
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] قال ابن عباس: يريد الأسقام والأمراض والحاجة.
فإليه ترفعون أصواتكم بالاستغاثة، وتتضرعون بالدعاء، يقال: جأر يجأر جؤارا إذا رفع صوته في تضرع.
﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ﴾ [النحل: ٥٤] الآية، قال ابن عباس: يريد أهل النفاق.
وقال الكلبي: يعني الكفار.
قال الزجاج: هذا خاص فيمن كفر وقابل كشف الضر عنه بالجحود والكفر.
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [النحل: ٥٥] ليجحدوا نعمة الله في كشف الضر عنهم، ثم أوعدهم بقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ [النحل: ٥٥] أي بدنياكم الفانية، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] عاقبة أمركم، وما ينزل بكم من العذاب.
قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴿٥٦﴾ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ ﴿٥٧﴾ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿٥٨﴾ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿٥٩﴾﴾ [النحل: ٥٦-٥٩] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٦] يعني الأوثان لا يعلمون لها ضرا ولا نفعا، ومفعول العلم محذوف، وتقديره
[ ٣ / ٦٦ ]
ما ذكرنا، وهذا قول مجاهد، وقتادة.
وقال أهل المعاني: هذا من صفة الأوثان، والمعنى: ويجعلون للشركاء والأصنام الذين لا يعلمون شيئا ولا معرفة لهم ولا حسنا، ﴿نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل: ٥٦] قال المفسرون: هم مشركو العرب، جعلوا لأوثانهم جزءا من أموالهم كقوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] .
ثم خاطبهم بعد الخبر عنهم، فقال: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ﴾ [النحل: ٥٦] سؤال توبيخ، ﴿عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦] تتقولونه على الله من أنه أمركم بذلك.
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: ٥٧] قال المفسرون: يعني خزاعة، وكنانة زعموا أن الملائكة بنات الله.
سبحانه تنزيها له عما زعموا، ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] يعني البنين، فهذا كقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] .
ثم ذكر كراهيتهم البنات، فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى﴾ [النحل: ٥٨] أخبر بولادة بنت، والتبشير ههنا بمعنى الإخبار كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨] تغير وجهه تغير مغتم، قال قتادة: هذا صنيع مشركي العرب، أخبر الله بخبث صنيعهم، فأما المؤمن، فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله للمرء خير مما قضى المرء لنفسه، وما قضى لك يا ابن آدم فيما تكره خير مما قضى لك فيما تحب فاتق الله، وارض بقضائه، فإنه رب جارية خير لأهلها من غلام، ورب غلام لا يأتي أهله بخير، وقوله: وهو كظيم أي: ممتلئ غما.
يتوارى يختفي ويتغيب، ﴿مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: ٥٩] كان الرجل في الجاهلية إذا ضرب امرأته المخاض توارى إلى أن يعلم ما يولد له، فإن كان ذكرا سر به وابتهج، وإن كانت أنثى اكتأب لها وحزن، ولم يظهر للناس أياما، يدبر كيف يصنع في أمرها، وهو قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩] أي يحبسه، والإمساك ههنا بمعنى الحبس كقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] والكناية تعود إلى ما في قوله: ﴿مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: ٥٩] والهون الهوان يقال: إنه ليهون عليّ هونا وهوانا.
قال المفسرون: كان أحدهم في الجاهلية إذا ولدت له بنت ضاق بها ذرعا فلم يدر ما يصنع بها، أيدسها تحت التراب، أو يتهاون بها فيلقيها.
والدس: إخفاء الشيء في الشيء، يعني ما كانوا يفعلونه من الوأد في الجاهلية، قوله: ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩] قال ابن عباس: بئس ما حكموا إذ جعلوا لله البنات اللاتي محلهن منهم هذا المحل، ونسبوه إلى اتخاذ الولد، وجعلوا لأنفسهم البنين.
وهذا كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى ﴿٢١﴾ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ﴿٢٢﴾﴾ [النجم: ٢١-٢٢] .
قوله: ﴿
[ ٣ / ٦٧ ]
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٦٠﴾ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿٦١﴾ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ﴿٦٢﴾ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٦٣﴾ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٦٤﴾﴾ [النحل: ٦٠-٦٤] ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ [النحل: ٦٠] أي: صفة السوء من احتياجهم إلى الولد وكراهيتهم الإناث خوف العيلة والعار، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] الصفة العليا من تنزهه عن الولد.
قوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ [النحل: ٦١] قال ابن عباس: يريد المشركين.
بظلمهم بافترائهم على الله، ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ [النحل: ٦١] على الأرض، من دابة يعني دواب الأرض، قال السدي: يقول لأقحط المطر، فلم يبق في الأرض دابة إلا هلكت.
وروي عن ابن مسعود، أنه قرأ هذه الآية، فقال: كاد أن يهلك الجعل في جحره بذنب ابن آدم.
والمعنى أن شؤم ذنوب المشركين كاد أن يصيب دواب الأرض حتى تهلك بسبب ذلك لولا حلم الله وتأخيره العقوبة، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل: ٦١] يعني منتهى آجالهم، وانقضاء أعمارهم، وباقي الآية تقدم تفسيره.
ويجعلون يعني المشركين، ﴿لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] يعني البنات، والمعنى: يحكمون لله بما يكرهون هم لأنفسهم، ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢] أي: تقول الكذب، ثم فسر ذلك الكذب، فقال: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ [النحل: ٦٢] يعني الجنة، قال الزجاج: يصفون أن لهم مع قبيح قولهم من الله الجزاء الحسن، فرد الله عليهم قولهم، وأثبت لهم النار، فقال: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ [النحل: ٦٢]، لا ردٌ لقولهم، أي: ليس الأمر على ما وصفوا جرم فعلهم وقولهم، أي: كسب لهم النار، والمفسرون يقولون: حقا إن لهم النار، ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢] قال مجاهد، والكلبي، والضحاك: متركون منسيون في النار.
وقال الكسائي: يقال: ما أفرطت
[ ٣ / ٦٨ ]
من القوم أحدا، أي ما تركت.
وقال الفراء: تقول العرب: أفرطت من القوم ناسا، أي خلقتهم ونسيتهم.
وقال قتادة: معجلون إلى النار، يقال: أفرط القوم الفارط إذا قدموا إلى الماء ليصلح لهم شأنهم.
وهذا اختيار الزجاج، قال: معنى مفرطون مقدمون إلى النار.
وقرأ نافع بكسر الراء على معنى أنهم أفرطوا في الذنوب فكانوا مفرطين على أنفسهم في معصية الله، وقال ابن عباس: أفرطوا في الافتراء على الله.
قوله: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النحل: ٦٣] قال ابن عباس يعزي نبيه ﷺ بهذا.
يقول: لقد أرسلنا إلى أمم، يعني رسلا وأنبياء من قبلك، فزين لهم الشيطان حتى عصوا وكذبوهم، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ [النحل: ٦٣] يعني يوم القيامة، يقول: فهو ولي أولئك الذين زين لهم سوء أعمالهم يوم القيامة، ومن كان الشيطان وليه ذلك اليوم دخل النار.
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النحل: ٦٤] يعني القرآن وما فيه من أخبار الأمم الماضية، ﴿إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤] إلا لتبين لهؤلاء الكفار ما اختلف فيه الأمم من الدين والأحكام، فذهبوا فيه إلى خلاف ما ذهب إليه المسلمون، فتقوم الحجة عليهم بدعائك وبيانك، وهدى ورحمة وللهدى والرحمة، لقوم يؤمنون.
وما بعده ظاهر إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴿٦٥﴾ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴿٦٦﴾ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٦٧﴾ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٦٩﴾ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴿٧٠﴾﴾ [النحل: ٦٥-٧٠] ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ﴾ [النحل: ٦٦] يعني الإبل والبقرة والغنم، لعبرة لدلالة على قدرة الله، ثم ذكرها، فقال: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦] من فتح النون فحجته ظاهرة لأنه يقال: سقيته ماء ولبنا، وما كان للشفة فهو بفتح
[ ٣ / ٦٩ ]
النون.
ومن ضم النون، فهو من قولهم: أسقاه إذا جعل له شربا، كقوله: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] وذكر الكناية في بطونه لأن النعم والأنعام شيء واحد، فرجع التذكير إلى النعم إذ كان يؤدي عن معنى الأنعام، وهذا قول الفراء، وأنشد:
وطاب ألبان اللقاح وبرد
فرجع إلى اللبن، لأن اللبن والألبان بمعنى واحد، وقال الكسائي: أراد مما في بطون ما ذكرنا.
قال الفراء: وهو الصواب.
وقال المبرد: هذا فاش في القرآن مثل قوله للشمس: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] .
يعني هذا الشيء الطالع، وكذلك ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: ٣٥] ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٦] ولم يقل: جاءت، لأن المعنى جاء الشيء الذي ذكرنا، وقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦] الفرث سرجين الكرش، قال ابن عباس في رواية الكلبي: إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثا، وأعلاه دما، وأوسطه لبنا، فيجري الدم في العروق، والبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو.
فذلك قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ [النحل: ٦٦] لا يشوبه الدم ولا الفرث، سائغا للشاربين جائزا في حلوقهم، يقال: ساغ الشراب في الحق وأساغه صاحبه.
ومنه قوله: ﴿وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧] قال أصحابنا: وهذه الآية تدل على أن مني الآدمي طاهر وإن كان في باطنه مجاورا للنجاسات، كاللبن الطاهر يخرج من بين نجسين.
قوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ﴾ [النحل: ٦٧] الآية، قال صاحب النظم: تقدير الآية ولكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا.
والعرب تضمر ما، كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ [الإنسان: ٢٠] أي: ما ثَمَّ، والأعناب عطف على الثمرات، أي: ومن الأعناب، ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧] وكل ما يسكر، والرزق الحسن ما أحل منهما كالزبيب، والخل، والتمر.
٥١٨ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، أنا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ مُعَاذٍ، أنا أَبُو حُذَيْفَةَ
[ ٣ / ٧٠ ]
مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، أنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾؛ قَالَ: السَّكَرُ: مَا حُرِّم مِنْ ثَمَرِهَا، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنْ ثَمَرِهَا، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي (صَحِيحِهِ)، عَنْ أَبِي النَّضْرِ الْفَقِيهِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ نَجْدَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، وَهَذِهِ الآيَةُ نَازِلَةٌ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: أَمَّا السَّكَرُ؛ فَهِيَ الْخَمْرُ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ، وَأَمَّا الرِّزْقُ الْحَسَنُ؛ فَالتَّمْرُ، وَالْعِنَبِ، وَالزَّبِيبُ، وَشَبَهُهُ
٥١٩ - حَدَّثَنَا الإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، إِمْلاءً فِي مَسْجِدِ عَقِيلٍ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أنا الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ حَاتِمٍ، نا مَسْعُودُ بْنُ مُشْكَانَ الْوَاسِطِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " فِي الْعِنَبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ حَلالٌ: تَأْكُلُونَهُ عِنَبًا، وَعَصِيرًا مَا لَمْ يُنَشَّ، وَتَتَّخِذُونَ مِنْهُ زَبِيبًا، وَرُبًّا، وَخَلا "
قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] قال: المفسرون قذف في أنفسها وألهمها، ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ﴾ [النحل: ٦٨] قال ابن عباس: هي تتخذ من الجبال لأنفسها بيوتا إذا كانت لا أصحاب لها.
وقوله: ﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] قرئ بضم الراء وكسرها، وهما لغتان مثل يعكفون ويعكفون، ومعناه: يبنون ويسقفون، يعني ما يبني الناس لها من خلاياها التي تعمل فيها النحل، ولولا التسخير وإلهام الله ما كانت تأوي إلى ما يبنى لها من بيوتها.
﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل: ٦٩] مما تثمره الأشجار ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ [النحل: ٦٩] قال ابن عباس: طرق ربك تطلب فيها الرعي.
﴿ذُلُلا﴾ [النحل: ٦٩] جمع ذلول وهو المنقاد اللين المسخر، ويجوز أن يكون من نعت النحل، يعني مطيعة للتسخير وإخراج العسل من بطنها، وهذا قول قتادة، واختيار ابن قتيبة.
ويجوز أن يكون من نعت السبل، وهو قول مجاهد، قال: لا يتوعر عليها مكان سلكته، وهي ترعى الأماكن البعيدة ذوات
[ ٣ / ٧١ ]
الغياض.
واختاره الزجاج، لأنه قال: قد ذللها الله لك وسهل عليك مسالكها.
وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ [النحل: ٦٩] قال ابن عباس: منه أحمر، وأبيض، وأصفر.
وقال الزجاج: هي تأكل الحامض والمر، فيحيل الله ذلك عسلا، يخرج من بطونها إلا أنها تلقيه من أفواهها كالريق الذي يخرج من فم ابن آدم.
وقوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] قال السدي: فيه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه.
وقال قتادة: فيه شفاء للناس من الأدواء.
٥٢٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّقَطِيُّ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ، ﷺ، فَقَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَخِي قَدِ اسْتُطْلِقَ بَطْنَهُ، فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلا فَسَقَاهُ عَسَلا، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلا اسْتِطْلاقًا، ثُمَّ قَالَ: اسْقِهِ عَسَلا، قَالَ: فَشُفِيَ إِمَّا فِي الثَّالِثَةِ، وَإِمَّا فِي الرَّابِعَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: صَدَقَ اللَّهُ؛ أَيْ: فِي قَوْلِهِ ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾
٥٢١ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الدَّقَّاقِ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، نا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الْوَرَّاقُ، نا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ
٥٢٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا الْحَكَمُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ، ﵁، قَالَ: أُتِيَ بِرَجُلٍ سَقِيمٍ، فَقَالُوا: إِنَّا عَالَجْنَاهُ فَلَيْسَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لِيَأْخُذَنَّ مِنْ مَهْرِ امْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، فَيَشْتَرِي بِهَا عَسَلا فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ فَلْيَشْرَبْ بِهِ، قَالَ اللَّهُ، تَعَالَى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾
٥٢٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُطَّوِّعِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّامِيُّ، نا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: عَلَيْكُمْ بِشِفَاءَيْنِ: الْقُرْآنِ وَالْعَسَلِ
وقوله: ﴿
[ ٣ / ٧٢ ]
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٩] أي: في عظمة الله وقدرته.
قوله: والله خلقكم الآية، قال المفسرون: خلقكم ولم تكونوا شيئا.
ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] وهو أرداه وأوضعه، يقال: رذل يرذل رذالة.
قال السدي: أرذل العمر الخوف.
وقال قتادة.
تسعون سنة.
وروي عن علي ﵁، قال: أرذل العمر خمس وسبعون سنة.
قوله: ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٠] قال ابن عباس: كي يصير كالصبي الذي لا عقل له.
قال عطاء، عن ابن عباس: ليس هذا في المسلمين، المسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء إلا كرامة عند الله، وعقلا، ومعرفة.
وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر حتى لا يعلم بعد علم شيئا.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ [النحل: ٧٠] بما صنع بأوليائه وأعدائه، قدير على ما يريد.
﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿٧١﴾ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴿٧٢﴾ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴿٧٣﴾ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴿٧٤﴾﴾ [النحل: ٧١-٧٤] ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] يعني كثر وقلل، وبسط وقبض، ووسع وضيق، ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ [النحل: ٧١] في الرزق، وأعطوا الفضل، ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١] يقول: لا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما زرق شيئا حتى يكون المولى والمملوك في المال سواء.
وهذا مثل ضربه الله للمشركين في تصييرهم عبادا له شركاء له، فقال: إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء في الملك فكيف تجعلون عبيدي معي سواء؟ قال السدي: يقول: فكما لا يرد أحدكم على مملوكه مما رزقه حتى يكون مثله، فكذلك لا يكون الله والصنم الذي هو من خلقه وملكه سواء.
﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] حيث أشركوا به غيره، ومن قرأ بالتاء كان التقدير قل لهم يا محمد أفبنعمة الله تجحدون بالإشراك به؟ فقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢] قال المفسرون: يعني النساء،
[ ٣ / ٧٣ ]
خلق حواء من ضلع آدم.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢] الحفدة جمع حافد، يقال: حفد يحفد حفدا وحفودا إذا أسرع، ومنه الدعاء: وإليك نسعى ونحفد.
وكل من خف في الخدمة، وأسرع في العمل بالطاعة، فهو حافد، قال ابن عباس في رواية الوالبي: هم أختان الرجل على بناته.
وقال السدي، وعكرمة: هم ولد الرجل الذين يعينونه.
وقال مجاهد: ولد الولد.
وقال عطية العوفي: هم بنو امرأة الرجل ليسوا منه.
قوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: ٧٢] قال ابن عباس: يريد من أنواع الثمار والحبوب والحيوان.
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٢] قال: يعني الأصنام.
وقال مقاتل: يعني الشيطان.
وقال عطاء: يصدقون أن لي شريكا وصاحبة وولدا.
﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢] قال ابن عباس: يعني التوحيد، وما أنعم عليهم من القرآن والرسول ﷺ.
وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ﴾ [النحل: ٧٣] يعني الأصنام لا تملك أن ترزقهم من السموات المطر، ولا من الأرض النبات والثمار التي تخرج منها، وقوله: شيئا قال الأخفش: جعل شيئا بدلا من الرزق.
وهو في معنى: لا يملكون رزقا قليلا ولا كثيرا، ولا يستطيعون لا يقدرون على شيء، وليست لهم استطاعة.
﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] أي ولا تشبهوه بخلقه لأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ [النحل: ٧٤] قال ابن عباس: يعلم ما يكون قبل أن يكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة.
﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] قدر عظمتي، حيث أشركتم بي، وعجزتموني أن أبعث خلقي.
قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٧٦﴾﴾ [النحل: ٧٥-٧٦] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ [النحل: ٧٥] بين الله شبها فيه بيان المقصود، ثم ذكر ذلك المثل، فقال: عبدا مملوكا إلى قوله: سرا وجهرا قال
[ ٣ / ٧٤ ]
السدي: هذا مثل ضربه الله للآلهة، يقول: كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء، ورجل حر فقد رزق رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا لا يخاف من أحد، فكذلك أنا، وهذه الآلهة التي تدعون ليست تملك شيئا، وأنا الذي أملك وأرزق من شئت.
وقوله: هل يستوون جمع الفعل لأن المراد بقوله: عبد مملوكا وبقوله: ومن رزقناه الشيوع في الجنس لا التخصيص، وقوله: الحمد لله أنه المستحق للحمد، لأنه المنعم ولا نعمة للأصنام عندهم، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥] يعني أن المشركين لا يعلمون أن الحمد لي لأن جميع النعمة مني، وذكر الأكثر وهو يريد الجميع.
ثم ذكر مثلا آخر، فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ [النحل: ٧٦] لا يقدر على شيء، وهو العييُّ الأقطع اللسان، ﴿لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٦] من الكلام لأنه لا يفهم ولا يفهم عنه، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ﴾ [النحل: ٧٦] ثقل ووبال على صاحبه وقريبه وابن عمه، والكَلُّ الذي هو عيال وثقل على صاحبه، أينما يوجهه أينما يرسله، والتوجيه: الإرسال في وجه الطريق، يقال: وجهته إلى موضع كذا فتوجه إليه.
وقوله: ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [النحل: ٧٦] لأنه عاجز لا يفهم ما يقال له ولا يفهم عنه، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾ [النحل: ٧٦] أي: هذا الأبكم الذي هو بهذا الوصف، ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٧٦] وهو قادر تام التمييز متكلم، ناطق بالحق، آمر بالعدل، ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦] دين مستقيم، وهذا مثل للمؤمن والكافر.
٥٢٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا عَفَّانُ، نا وُهَيْبٌ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ؛ فَالأَبْكَمُ مِنْهُمَا الْكَلُّ عَلَى مَوْلاهُ: هُوَ السَّيِّدُ ابْنُ أَبِي الْعَيْصِ، وَالَّذِي يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ﵁
قوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٧٧﴾ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٧٨﴾ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٧٩﴾ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴿٨٠﴾﴾ [النحل: ٧٧-٨٠] ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النحل: ٧٧] تقدم تفسيره، قوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾ [النحل: ٧٧] يعني القيامة، ﴿إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧] اللمح النظر بسرعة، يقال: لمحه ببصر، قال السدي: يقول: هو كلمح العين من السرعة.
﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧] من ذلك إذا أردنا، وقال الزجاج: أعلم الله أن البعث والإحياء في قدرته ومشيئته كلمح البصر أو هو أقرب، ليس يريد أن الساعة تأتي في أقرب من لمح البصر، ولكنه يصف سرعة القدرة على الإتيان بها متى شاء.
يدل على هذا قوله: ﴿
[ ٣ / ٧٥ ]
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧] .
قوله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] أي: أخرجكم جاهلين غير عالمين، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] خلق لكم الحواس التي بها تعلمون وتقفون على ما تجهلون، لعلكم تشكرون لكي تشكروا خالق هذه الحواس، فتعرفوا نعمته وقدرته.
ثم ذكر الدليل عليها، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ﴾ [النحل: ٧٩] مذللات، ﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ [النحل: ٧٩] وهو الهواء، ما يمسكهن حتى لا يسقطن على الأرض، إلا الله وهذا كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ [الملك: ١٩]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل: ٨٠] موضعا تسكنون فيه، قال ابن عباس، ومجاهد: يعني المساكن من الحجر والمدر.
يستر عوراتكم وحرمكم، وذلك أن الله خلق الخشب والمدر والآلة التي بها يمكن تسقيف البيوت وبناؤها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ﴾ [النحل: ٨٠] يعني الأنطاع والأدم، بيوتا يعني القباب والخيام، ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠] يخف عليكم حملها في أسفاركم، وفيه قراءتان: تسكين العين، وتحريكها، وهما لغتان كالشعر والشعر، والنهر والنهر، ومعنى الظعن سير أهل البوادي لنجعة، أو حضور ماء، أو طلب مرتع، ويوم إقامتكم قال مقاتل: لا تثقل عليكم في الحالتين، ومن أصوافها وهي للضأن، وأوبارها وهي للإبل، وأشعارها وهي للمعز، أثاثا الأثاث أنواع المتاع من متاع البيت من الفرش، والأكسية، قال ابن عباس: يريد طنافس، وبسطا، وثيابا، وكسوة، ومتاعا يتمتعون به، إلى حين البلى.
قوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا﴾ [النحل: ٨١] قال ابن عباس: يريد ظلال الغمام.
كما قال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧] وقال الكلبي: يعني ظلال البيوت تقيكم من الشمس.
وقال قتادة: ظلالا هي الشجر.
واختاره الزجاج، فقال: جعل لكم من الشجر ما يستظل به.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل: ٨١] يعني الغيران والأسراب، واحدها كن، وهو كل شيء وقى شيئا وستره، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ [النحل: ٨١] وهي القمص، واحدها سربال.
قال ابن عباس، وقتادة: هي القمص من الكتان، والقطن، والصوف.
وقوله: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولم يقل البرد،
[ ٣ / ٧٦ ]
لأن ما وقى من الحر وقى من البرد، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر للعلم به، وقوله: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] يعني دروع الحديد تقيكم شدة الطعن والضرب والرمي، كَذَلِكَ مثل ما جعل لكم هذه الأشياء وأنعم بها عليكم، ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النحل: ٨١] يريد نعمة الدنيا، لأن الخطاب لأهل مكة، يدل على هذا قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تعلمون أنه لا يقدر على هذا غيره فتوحدوه وتصدقوا رسوله ﷺ.
قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ﴿٨٢﴾ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٣﴾ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴿٨٤﴾ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴿٨٥﴾ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿٨٦﴾ وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿٨٧﴾ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ﴿٨٨﴾﴾ [النحل: ٨٢-٨٨] فإن تولوا أعرضوا عن الإيمان، فإنما عليك يا محمد، البلاغ المبين عليك أن تبلغ الرسالة وتبين الدلالة، وهذا تسلية للنبي ﷺ.
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣] قال السدي: يعني محمدا ﷺ، واختاره الزجاج، فقال: يعرفون أن أمر محمد ﷺ حق ثم ينكرون ذلك.
وقال الكلبي: قروا بأن ما ذكر من النعم في هذه ال ﴿[كلها من الله، ولكنهم قالوا بشفاعة آلهتنا.
واختاره الفراء، فقال: وإذا قيل لهم: من رزقكم.
قالوا: الله.
ثم يقولون بشفاعة آلهتنا فيشركون، فذلك إنكارهم نعمته، وأكثرهم الكافرون قال الحسن: وجميعهم كفار.
فذكر الأكثر والمراد به الجميع.
قوله:] وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [سورة النحل: ٨٤] يعني يوم القيامة نبعث الأنبياء ليشهدوا على الأمم بما فعلوا من التصديق والتكذيب، ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٤] في الكلام والاعتذار، ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] ولا يطلب منهم أن يرجعوا
[ ٣ / ٧٧ ]
إلى ما أمر الله ويرضاه، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [النحل: ٨٥] أشركوا بالله، الْعَذَابِ يعني النار، ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ [النحل: ٨٥] العذاب، ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [النحل: ٨٥] لا يؤخرون ولا يمهلون.
﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ [النحل: ٨٦] يعني الأصنام التي جعلوها شركاء لله في العبادة، وذلك أن الله تعالى يبعث كل ما كان يعبد من دون الله، ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾ [النحل: ٨٦] أي أجابوهم، وقالوا لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦] كذبوهم في عبادتهم إياهم، لأن الشركاء كانت جمادا أمواتا ما كانت تعرف عبادة عابديها، فظهر عند ذلك فضيحتهم حيث عبدوا من لم يشعر بالعبادة، وهذا كقوله: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [مريم: ٨٢]، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧] استسلموا وأقروا لله بالربوبية، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٨٧] زال وبطل، وذهب ما زين لهم الشيطان أن لله شريكا وولدا.
قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٨] قال ابن عباس: منعوا الناس من طاعة الله والإيمان بمحمد ﷺ، ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨] .
٥٢٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، أنا مُعَاوِيَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾، قَالَ: زِيدُوا عَقَارِبَ، أَنْيَابُهَا كَالنَّخِيلِ الطِّوَالِ
٥٢٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: زِيدُوا حَيَّاتٍ كَأَمْثَالِ الْفِيَلَةِ وَعَقَارِبِ الْبِغَالِ الدُّلْمِ، وَقَالَ أَبُو الْمِنْهَالِ: إِنَّهُمْ يَسْتَغِيثُونَ بِالنَّارِ فِرَارًا مِنْ تِلْكَ الأَفَاعِي وَالْعَقَارِبِ وَهَرَبًا مِنْهُمَا.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٨٩] يريد الأنبياء، وكل نبي شاهد على أمته، والأنبياء شهداء على أممهم بما فعلوا وهم من أنفسهم، لأن كل نبي يبعث من قومه، وجئنا بك يا محمد، ﴿شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] قال ابن
[ ٣ / ٧٨ ]
عباس: يريد على قومك.
وتم الكلام، ثم قال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] قال مجاهد: يعني ما أمر به وما نهى عنه.
وقال أهل المعاني: يعني لكل شيء من أمور الدين، إما بالنص عليه، أو الإحالة على ما يوجب العلم من بيان النبي ﷺ، أو إجماع المسلمين.
فالكتاب هو الأصل والمفتاح لعلوم الدين، قال الزجاج: تبيان اسم في معنى البيان.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٩٠﴾ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿٩١﴾ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٩٢﴾ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٩٣﴾﴾ [النحل: ٩٠-٩٣] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] يعني بالعدل في الأفعال، والإحسان في الأقوال، فلا يفعل إلا ما هو عدل، ولا يقول إلا ما هو حسن، قال ابن عباس في رواية الوالبي: العدل شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض.
﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] وصلة الأرحام، ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ [النحل: ٩٠] الزنا، والمنكر الشرك، والبغي الكبر والظلم، يعظكم ينهاكم عن هذا كله، ويأمركم أن تتحاضوا على ما فيه لله رضا لكي تتعظوا، قال قتادة في هذه الآية: إنه ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويعظمونه ويحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيئ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه، وقدم فيه.
٥٢٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا جَدِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: جَاءَ شُتَيْرٌ، وَمَسْرُوقٌ، فَقَالَ شُتَيْرٌ: إِمَّا أَنْ تُحَدِّثَ مَا سَمِعْتَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَأُصَدِّقَكَ، وَإِمَّا أَنْ أَتَحَدَّثَ فَتُصَدِّقَنِي، فَقَالَ مَسْرُوقٌ: لا بَلْ حَدِّثْ فَأُصَدِّقَكَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، يَقُولُ: إِنَّ أَجْمَعَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ لِخَيْرٍ، أَوْ شَرٍّ آيَةٌ فِي النَّحْلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، قَالَ مَسْرُوقٌ: صَدَقْتَ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي (صَحِيحِهِ)، عَنِ الْعَنْبَرِيِّ، عَنْ
[ ٣ / ٧٩ ]
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ، عَنْ إِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيِّ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ مَنْصُورٍ
قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] قال المفسرون: العهد الذي يجب الوفاء به هو الذي يحسن فعله، فإذا عاهد يجب الوفاء به.
قال ابن عباس في هذه الآية: والوعد من العهد.
﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] بعد تغليظها، وتشديدها بالعزم والعقد على اليمين، بخلاف لغو اليمين، ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ [النحل: ٩١] بالوفاء، وذلك أن من حلف بالله فكأنه أكفل الله بالوفاء بما حلف عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١] قال ابن عباس: لا يخفى عليه شيء.
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ [النحل: ٩٢] هي امرأة من قريش يقال لها: ريطة.
كانت حمقاء، تغزل الغزل هي وجواريها، ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن، ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] أي: من بعد إبرام وفتل للغزل، أنكاثا جمع نكث، وهو الغزل من الصوف والشعر يبرم وينسج، فإذا أخلقت النسيجة قطعت ونكثت خيوطها، ثم غزلت ثانية.
ومعنى الآية لا تكونوا في نقض الأيمان بعد توكيدها كهذه المرأة غزلت غزلا وقوت مرته، ثم نقضته فجعلته أنكاثا، وقوله: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢] الدخل والدغل: الغش والخيانة، قال الزجاج: غشا ودغلا.
﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] أي أكثر، يقال: ربا الشيء يربو إذا كثر.
قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز منهم، فنهوا عن ذلك.
وتلخيص التأويل: النهي عن أن يخلف على ما هو منطو على خلافه، وأن يغر غيره بيمينه، وقوله: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ٩٢] أي بالأمر بالوفاء ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ٩٢] في الدنيا من شأن البعث والقرآن، وكل ما وقع الاختلاف فيه، قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [النحل: ٩٣] قال ابن عباس: على ملة واحدة ودين واحد، ﴿وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣] وهذا صريح في تكذيب القدرية حيث أضاف الضلالة والهداية إلى نفسه وجعلهما لمن شاء من خلقه بالمشيئة الأزلية، ثم أخبر أنهم يسألون عن أعمالهم، فقال: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣] فبان أن الأمر على ما أخبر الله به من قوله: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] .
ثم استأنف نهيا عن إيمان الخديعة والمكر، توكيدا للمنع عنها، وأوعد عليها، فقال: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤] ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤] قال ابن عباس: تزل عن الإيمان بعد المعرفة
[ ٣ / ٨٠ ]
بالله.
قال المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله ﷺ عن نقض عهده على الإسلام ونصرة الدين، يدل على هذا قوله: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ [النحل: ٩٤] أي العذاب، بما صددتم بصدكم، ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩٤] يريد أنهم إذا نقضوا العهد مع النبي ﷺ صدوا غيرهم عن الدخول في الإسلام فاستحقوا العذاب، فنهوا عن ذلك بذكر الوعيد عليه، قوله: ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤] قال ابن عباس: يريد في الآخرة.
ثم زاد توكيدا، فقال: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٩٥﴾ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٩٦﴾ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٩٧﴾﴾ [النحل: ٩٥-٩٧] ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [النحل: ٩٥] يقول: لا تنقضوا عهودكم تطلبون بنقضها عوضا من الدنيا.
﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩٥] من الثواب على الوفاء، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٩٥] ذلك قوله.
﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ [النحل: ٩٦] أي: يفنى وينقطع، يعني الدنيا، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩٦] من الثواب والكرامة، باق دائم لا ينقطع، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [النحل: ٩٦] على عهودهم، وعلى طاعة ربهم، ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦] يعني الطاعات، ومن جزاه الله بأحسن عمله، غفر له ذنوبه.
قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هي القناعة.
قال: وكان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه» .
٥٢٨ - أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمَاوَرْدِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجَارُودِ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] قَالَ: الْقَنَاعَةُ، وَرِزْقُ يَوْمٍ بِيَوْمٍ.
وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَوَهْبٍ، وَالْقَرَظِيِّ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَعَطَاءٍ: هِيَ الرِّزْقُ الْحَلالُ، وَأَكْلُ الْحَلالِ.
[ ٣ / ٨١ ]
أخبرنا الفضيل بن أحمد الصوفي، أنا زاهر بن أحمد، أنا زيد بن الهيثم القاضي، نا أحمد بن عثمان الأودي، نا عون بن سلام، نا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] قال: يلبس حلالا، ويأكل حلالا.
وروي عن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] قال: الجنة.
وهو قول الحسن، قال: لا يطيب لأحد الحياة إلا في الجنة.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الخشاب، أنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري، نا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبيدة الوبري، نا يوسف بن سعيد بن مسلم، نا علي بن بكار، عن أبي العوام، عن قتادة في قوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] قال: رزق يوم بيوم.
قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿٩٨﴾ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٩٩﴾ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴿١٠٠﴾ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿١٠١﴾ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴿١٠٢﴾﴾ [النحل: ٩٨-١٠٢] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] قال الزجاج، وجميع أصحاب المعاني: معناه إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ، ليس معناه استعذ بعد أن تقرأ القرآن، ومثله إذا أكلت فقل بسم الله.
وهذا إجماع من الفقهاء
[ ٣ / ٨٢ ]
أن الاستعاذة قبل القراءة، إلا ما روي عن أبي هريرة، وداود، ومالك، أنهم قالوا: الاستعاذة بعد القراءة.
ذهبوا إلى ظاهر الآية، والأولى والمستحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
لنص القرآن، وللخبر المتصل المسلسل، وهو أني قرأت على الأستاذ أبي إسحاق الثعالبي ﵀، فقلت: أعوذ بالسميع العليم.
فقال: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإني قرأت على أبي الفضل محمد بن جعفر الخزاعي، فقلت: أعوذ بالسميع العليم، هكذا.
فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإني قرأت على أبي الحسين عبد الرحمن بن محمد، بالبصرة، فقلت: أعوذ بالسميع العليم.
فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإني قرأت على أبي محمد عبد الله بن عجلان الزنجاني، فقلت: أعوذ بالسميع العليم.
فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإني قرأت على أبي عثمان إسماعيل بن إبراهيم الأهوازي، فقلت: أعوذ بالسميع العليم.
فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإني قرأت على محمد بن عبد الله بن بسطام، فقلت: أعوذ بالسميع العليم.
فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإني قرأت على روح بن عبد المؤمن، فقلت: أعوذ بالسميع العليم.
فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإني قرأت على يعقوب الحضرمي، فقلت: أعوذ بالسميع العليم.
فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على سلام بن أبي المنذر، فقلت: أعوذ بالسميع العليم.
فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عاصم، فقلت: أعوذ بالسميع العليم.
فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على زر بن حبيش، فقلت: أعوذ بالسميع العليم.
فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عبد الله بن مسعود، فقلت: أعوذ
[ ٣ / ٨٣ ]
بالسميع العليم.
فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على رسول الله ﷺ، فقلت: أعوذ بالسميع العليم.
فقال لي: " يا ابن أم عبد، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبريل، عن القلم، عن اللوح المحفوظ ".
قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: ٩٩] يعني به سلطان الإغواء، وهو معنى قول المفسرين: ليس له حجة.
أي: لا حجة له على المؤمنين في إغوائهم ودعائهم إلى الضلالة، ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] قال ابن عباس: يطيعونه.
يقال: توليته، أي أطعته وواليته.
ومنه قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٥٦] .
قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] قال مجاهد: يعدلونه برب العالمين.
قوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] قال الكلبي، وغيره: كان إذا نزلت آية فيها شدة، ثم نزلت آية ألين منها، قال كفار قريش: إن محمدا يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر، وغدا بأمور، وإنه ليتكذبه ويأتيهم به من عند نفسه، فأنزل الله ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] .
قال مجاهد: نسخناها وأنزلنا غيرها.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: ١٠١] من ناسخ ومنسوخ، وتغليظ وتخفيف، هو أعلم بجميع ذلك في مصالح العباد، فما بالهم ينسبون محمدا ﷺ إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] حقيقة القرآن وفائدة النسخ.
قل نزله يعني نزل بالقرآن، روح القدس جبريل، من ربك من كلام ربك، بالحق بالأمر الحق الصحيح الثابت، ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: ١٠٢] بما فيه من الحجج والآيات، فيزدادوا تصديقا ويقينا، وقوله: وهدى أي: وهو هدى، فهو خبر ابتداء محذوف.
قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴿١٠٣﴾ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٠٤﴾ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴿١٠٥﴾﴾ [النحل: ١٠٣-١٠٥] ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] قال مجاهد، وقتادة: قالت قريش: إنما يعلم محمدا عبد لبني الحضرمي، رومي، يقال له يعيش، صاحب كتاب.
وقال عبيد الله بن مسلم: كان لنا غلامان نصرانيان من أهل عين التمر، اسم أحدهما يسار،
[ ٣ / ٨٤ ]
والآخر جبر، وكانا صيقلين، يقرآن كتابا لهما بلسانهما، وكان رسول الله ﷺ يمر عليهما ويسمع قراءتهما، وكان المشركون يقولون: يتعلم منهما.
فأكذبهم الله، فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣] .
الإلحاد معناه الميل، يقال: لحد وألحد إذا مال عن القصد.
وقراءة العامة بضم الياء، وقرئ بفتح الياء من لحد، والأولى ضم الياء لأنه لغة القرآن، يدل عليه قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥] ويكون الإلحاد بمعنى الإمالة، وفسر الإلحاد في هذه الآية بالقولين، فقال الفراء: يميلون من الميل.
وقال الزجاج: لسان الذي يميلون القول إليه أعجمي.
وقال ابن قتيبة: أي يؤمنون إليه، ويزعمون أن يعلمك أعجمي لا يفصح ولا يتكلم بالعربية، فكيف يتعلم منه ما هو في أعلى طبقات البيان.
وهو قوله: هَذَا يعني القرآن، ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] قال ابن عباس: أفصح ما يكون من العربية، وأبينه لسان سعد بن بكر بن هوازن.
ثم جعل المشركين هم الذين يفترون، فقال: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] قال الزجاج: إنما يفتري الكذب الذين إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله كذبوا بها، فهؤلاء أكذب الكذبة.
ثم سماهم الكاذبين، وحصر فيهم الكذب، فقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] أي أن الكذب نعت لازم لهم، وعادة من عاداتهم، وهذا كما تقول: كذبت وأنت كاذب، فيكون قولك: وأنت، زيادة في الوصف بالكذب.
وفي الآية أبلغ زجر عن الكذب، حيث أخبر الله أنه إنما يفتري الكذب من لا يؤمن.
٥٢٩ - أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، أنا أبو حفص عمر بن أحمد الجوزي، أنا جدي محمد بن عمر بن حفص الزاهد، أنا أبو بكر محمد بن الفرج الأزرق، نا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، نا أبو زياد يزيد بن عبد الله، نا يعلى بن الأشدق، عن عبد الله بن جراد، قال: قلت: يا رسول الله، المؤمن يزني؟ قال: قد يكون ذلك.
قلت: يا رسول الله، المؤمن يسرق؟ قال: قد يكون ذلك.
قال: قلت: يا رسول الله، المؤمن يكذب؟ قال: لا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] .
[ ٣ / ٨٥ ]
٥٣٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الرَّزَّازُ، نا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، نا جَدِّي، نا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ﵁، أَنَّهُ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ مُجَانِبٌ لِلإِيمَانِ
قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٠٦﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿١٠٧﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴿١٠٨﴾ لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ ﴿١٠٩﴾﴾ [النحل: ١٠٦-١٠٩] ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ [النحل: ١٠٦] نزلت في عمار بن ياسر، أخذه المشركون، فلم يتركوه حتى سب النبي ﷺ، وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله ﷺ، قال: «ما وراءك» .
قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير.
قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان.
قال: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت ".
قال ابن عباس في رواية الوالبي: أخبر الله سبحانه أنه من كفر بعد إيمانه فعليه غضب من الله، ولهم عذاب عظيم، فأما من أكره، فتكلم بلسانه، وخالف قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه، فلا حرج عليه لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم.
قوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] أي: فتحه ووسعه لقبول الكفر، قال الكلبي: والمراد بقوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] من ارتد عن الدين وطابت نفسه
[ ٣ / ٨٦ ]
بالكفر.
يدل على هذا قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧] أي: ذلك الشرح، وذلك الكفر بأنهم أحبوا الدنيا، واختاروها على الآخرة، وبأن الله لا يريد هدايتهم.
ثم وصفهم بأنهم مطبوع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ﴾ [النحل: ١٠٨] الآية، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] قال ابن عباس: غافلون عما يراد بهم.
ثم حكم لهم بالخسارة وأكد ذلك، فقال: ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ﴾ [النحل: ١٠٩] قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١١٠﴾ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴿١١١﴾﴾ [النحل: ١١٠-١١١] ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠] نزلت في المستعفين من المؤمنين الذين كانوا بمكة، عذبوا في الله، وأريدوا على الكفر، فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، وهاجروا إلى النبي ﷺ من بعدما فتنوا، وقال ابن عباس: من بعد ما عذبوا.
ثم جاهدوا مع النبي ﷺ، وصبروا على الدين والجهاد، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ [النحل: ١١٠] من بعد تلك الفتنة، وتلك الفعلة التي فعلوها من التلفظ بكلمة الكفر، لغفور رحيم وقرأ ابن عامر فتنوا بفتح الفاء، والمعنى: من بعدما فتنوا أنفسهم بإظهار ما أظهروا للتقية، وجعل ذلك فتنة، لأن الرخصة فيه لم تكن نزلت بعد.
قوله: يوم تأتي أي: ذكرهم يا محمد يوم تأتي، ﴿كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] هذا يوم القيامة كل أحد لا يهمه إلا نفسه، فهو مخاصم ومحتج عن نفسه، لا يتفرغ إلى غيره.
٥٣١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، نا عَيَّادُ بْنُ كُلَيْبٍ اللَّيْثِيُّ، عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِكَعْبِ الأَحْبَارِ: يَا كَعْبُ، خَوِّفْنَا، حَدِّثْنَا حَدِيثًا تُنَبِّهُنَا بِهِ.
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ وَافَيْتَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمِثْلِ عَمَلِ سَبْعِينَ نَبِيًّا لأَتَتْ عَلَيْكَ تَارَاتٍ، وَأَنْتَ لا يُهِمُّكَ إِلا نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِجَهَنَّمَ زَفْرَةً لا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلا وَقَعَ جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، حَتَّى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ لَيُدْلِي بِالْخُلَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَا خَلِيلُكَ إِبْرَاهِيمُ، لا أَسْأَلُكَ إِلا نَفْسِي.
وَإِنَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْكُمْ، أَمَا سَمِعْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [النحل: ١١١] أَيْ: جَزَاءُ مَا عَمِلَتْ، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل: ١١١] لا يُنْقَصُونَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا.
قوله: ﴿
[ ٣ / ٨٧ ]
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴿١١٢﴾ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴿١١٣﴾﴾ [النحل: ١١٢-١١٣] ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢] الآية، نزلت في أهل مكة، وما امتحنوا به من الخوف والجوع بعد الأمن والنعمة بتكذيبهم النبي ﷺ، وهو قوله: قرية يعني مكة، ﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾ [النحل: ١١٢] ذات أمن يأمن فيها أهلها لا يغار عليهم، مطمئنة قارة ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق، وهو قوله: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [النحل: ١١٢] يأتيهم رزقهم في بلدهم، يجلب إليها من كل بلد، كما قال الله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] حيث كذبوا النبي ﷺ، وخالفوا أمره، ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] قال المفسرون: عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة.
قال ابن قتيبة: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] ما ظهر عليهم من سوء آثارهم بالضمر والشحوب، وتغير الحال.
ومعنى ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] عرفها سوء أثرهما، وقد يستعمل الذوق في المعرفة، يقال: ذقت ما عند فلان إذا جربته وعرفته.
ويقال: اركب هذا الفرس تذقه أي: تعرف ما عنده من الجري، ومنه قول الشماخ يصف قوسا:
فذاق فأعطته من اللين جانبا كفاف لها أن يعزق السهم حاجزا
والمراد بالخوف خوفهم من النبي ﷺ، ومن السرايا التي كان يبعثهم إليهم فيطوفون بهم.
وروي عن أبي عمرو بنصب الخوف حملا على الإذاقة، والكلام في الآية خرج على القرية، والمراد أهلها، يدل على هذا قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] فعاد الكلام إلى أهل القرية، قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي ﷺ حيث كذبوه، وأخرجوه من مكة، وما هموا به من قتله.
ولقد جاءهم يعني أهل مكة، رسول منهم من نسبهم، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [النحل: ١١٣] يعني الجوع في قول ابن عباس، وقال مجاهد: يعني القتل ببدر.
ثم خاطب المؤمنين، فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿١١٤﴾ إِنَّمَا
[ ٣ / ٨٨ ]
حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١١٥﴾ وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ﴿١١٦﴾ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١١٧﴾﴾ [النحل: ١١٤-١١٧] فكلوا يا معشر المؤمنين، ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ١١٤] من الغنائم، حلالا طيبا وهذه الآية والتي بعدها مفسرة في ﴿[البقرة.
قوله:] وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ [سورة النحل: ١١٦] أي: لأجل وصفكم الكذب، والمعنى أنكم تحلون وتحرمون لأجل الكذب لا لغيره، فليس لتحليلكم وتحريمكم معنى إلا الكذب فقط، والمعنى: لا تفعلوا ذلك، والإشارة بقوله: ﴿هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦] إلى ما كانوا يحلونه ويحرمونه، قال ابن عباس: يعني قولهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] .
وقوله: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] هو أنهم كانوا ينسبون ذلك التحريم والتحليل إلى الله، ويقولون إنه أمرنا بذلك، ثم أوعد المفتري، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] .
وبين أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عن قرب، فقال: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ [النحل: ١١٧] قال الزجاج: متاعهم متاع قليل.
يعني ما يتمتعون به، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧] في الآخرة.
قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿١١٨﴾ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١١٩﴾ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٠﴾ شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿١٢١﴾ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٢٢﴾ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٢٣﴾ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١٢٤﴾﴾ [النحل: ١١٨-١٢٤] ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النحل: ١١٨] تقدم ذكره في ﴿[الأنعام في قوله:] وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [سورة الأنعام: ١٤٦] الآية، وما ظلمناهم بتحريم ما حرمنا عليهم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] بالبغي والمعاصي.
ثم ذكر المغفرة لمن تاب بعد المعصية، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النحل: ١١٩] قال مجاهد: كل من عمل بمعصية الله فذلك منه جهل حتى يرجع.
وقال السدي: كل من عصى الله فهو جاهل.
وهذا كقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] قال ابن عباس: يريد بالسوء الشرك.
﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النحل: ١١٩] السوء، وأصلحوا قال: آمنوا، وصدقوا، وقاموا لله تعالى بفرائضه.
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ
[ ٣ / ٨٩ ]
بَعْدِهَا﴾ [النحل: ١١٩] من بعد تلك الجهالة، لغفور رحيم.
قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] قال أكثر أهل التفسير: معلما للخير.
قال ابن الأعرابي: يقال للرجل العالم أمة، والأمة الرجل الجامع للخير.
قانتا مطيعا لله، حنيفا قال ابن عباس: إنه أول من اختتن وأقام المناسك وضحى، فهذه صفة الحنيفية.
٥٣٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، نا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، نا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغُدَانِيُّ، نا الشَّعْبِيُّ، حَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الأَشْجَعِيُّ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: إِنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْتُ: غَلِطَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾، قَالَ: فَأَعَادَهَا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ تَعَمَّدَ الأَمْرَ تَعَمُّدًا فَسَكَتُّ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا الأُمَّةُ؟ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسُ الْخَيْرَ، وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْقَانِتُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ، وَكَذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُعَلِّمُ الْخَيْرَ وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ
قال ابن عباس في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]: أخلص لله التوحيد صبيا وكبيرا.
﴿شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١] انتصب على البدل من قوله: ﴿أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] والأنعم جمع نعمة، اجتباه اختاره للنبوة، ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] وهو دين الحنيفية.
﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ١٢٢] قال الوالبي، عن ابن عباس: يعني الذكر الحسن.
وقال الحسن: هي النبوة.
وقال مجاهد: لسان صدق في الآخرين.
وقال مقاتل: يعني عليه مقرونة بالصلاة على محمد ﷺ.
وقال قتادة: هي أنه ليس من أهل دين إلا وهم يتلونه ويرضونه.
﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢] ترغيب في الصلاح ليكون صاحبه في جنبة إبراهيم، وهذا أكمل مدح لإبراهيم حيث شرف جملة هو منها.
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النحل: ١٢٣] يا محمد، ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ
[ ٣ / ٩٠ ]
حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] هذا يدل على أن دين محمد ﷺ دين إبراهيم، حيث أمر باتباعه لسبقه إلى القول بالحق والعمل به، وقال عبد الله بن عمر: وأمر باتباعه فِي مناسك الحج كما علم جبريل إبراهيم.
وقوله: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] قال عطاء، عن ابن عباس: تهاونوا وصادوا فِيهِ وتعدوا.
وقال قتادة: استحله بعضهم، وحرمه بعضهم.
واختلافهم استحلالهم الصيد زمن داود يعني أهل أيلة، فجعل السبت عليهم، حيث عوقبوا بترك تحريمه، وهم الذين خالفوا أهل الحق فِي استحلال السبت، ثم ذكر بباقي الآية أنه يحكم بينهم يوم القيامة.
قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿١٢٥﴾ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرينَ ﴿١٢٦﴾ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴿١٢٧﴾ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴿١٢٨﴾﴾ [النحل: ١٢٥-١٢٨] ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] قال ابن عباس: دين ربك.
بالحكمة يعني النبوة، والموعظة الحسنة يعني مواعظ القرآن، وجادلهم أقبل على المشركين، واصرفهم عما هم عليه من الشرك، ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] أي: ألن لهم جانبك، ولا تكن فظا عليهم، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ [النحل: ١٢٥] إلى آخرها، أي: الله أعلم بالفريقين، فهو يأمرك فِيهمَا بما فِيهِ الصلاح.
قوله: وإن عاقبتم الآية،
٥٣٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْحَافِظُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ، نا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ، نا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ، ﷺ، عَلَى حَمْزَةَ فَرَآهُ صَرِيعًا، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا كَانَ أَوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنْهُ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لأَقْتُلَنَّ بِكَ سَبْعِينَ مِنْهُمْ»، فَنَزَلَتْ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ الآيَةَ
وهذا قول عامة المفسرين، قالوا: نزلت لما نظر النبي ﷺ إلى حمزة يوم أحد، وقد مثل به، فقال: والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك.
فنزل جبريل، والنبي ﷺ واقف بعد، بخواتيم ﴿[النحل، فصبر رسول الله ﷺ، وأمسك عما أراد، وكفر عن يمينه.
ثم أمره بالصبر عزما، فقال:] وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ [سورة النحل: ١٢٧] أي بتوفيقه ومعونته، ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل: ١٢٧] على قتلى أحد، فإنهم أفضوا إلى رحمة الله، ويقال: ولا تحزن على المشركين بإعراضهم عنك، ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧] قال الفراء: الضيق ما ضاق عنه صدرك، والضيق ما يكون فِي الذي يتسع مثل الدار
[ ٣ / ٩١ ]
والثوب.
والمعنى: لا يضيق صدرك من مكرهم، وقرأ ابن كثير بكسر الضاد، قال الأخفش: يقال: ضاق يضيق ضيقا وضيقا فِي المصدر.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل: ١٢٨] الفواحش والكبائر وما حرم عليهم، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] فِي العمل، وفيما افترض عليهم، قال الزجاج: ومعنى أن الله معهم أي أنه ناصرهم.
[ ٣ / ٩٢ ]