مدنية وآياتها سبعون ومائة
١٨٨ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُقْرِئِ الزَّعْفَرَانِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْمَدَايِنِيُّ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ النِّسَاءَ فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ عَلَى كُلِّ مَنْ وَرِثَ مِيرَاثًا، وَأُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ كَمَنِ اشْتَرَى مُحَرَّرًا، وَبَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ، وَكَانَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ ﷿ الَّذِينَ يَتَجَاوَزُ عَنْهُمْ»
١٨٩ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَسُورَةَ النِّسَاءِ وَسُورَةَ الْمَائِدَةِ وَسُوَرةَ الْحَجِّ وَسُورَةَ النُّورِ فَإِنَّ فِيهِنَّ الْفَرَائِضَ
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿١﴾ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴿٢﴾ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ﴿٣﴾ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴿٤﴾﴾ [النساء: ١-٤] .
قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] قال ابن عباس: الخطاب لأهل مكة.
[ ٢ / ٣ ]
﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] يعني: آدم، ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم، ولذلك قال النبي ﷺ: «إن المرأة خلقت من ضلع، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها» .
وقوله: وبث أي: فرق ونشر، والبث التفريق، ومنه قوله: وزرابي مبثوثة أي: متفرقة في المجالس، وخلق الله الخلق فبثهم في الأرض.
وقوله: منهما أي: من آدم وحواء، وهما أبوا البشر، وفي هذا بيان قدرة الله تعالى، حيث خلق آدم وكان نفسا واحدة، ثم خلق منه حواء، ثم خلق منهما الرجال والنساء على كثرتهم.
قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: ١] أي: تتساءلون، فأدغم التاء في السين ومن خفف حذف ولم يدغم، والمعنى: تتساءلون فيما بينكم حوائجكم وحقوقكم به، فتقولون: أسألك بالله، وأنشدك بالله، ونشدتك الله، وكذا كانت العرب تقول له.
[ ٢ / ٤ ]
وقوله: والأرحام قال قتادة، ومجاهد، والسدي، والضحاك، وابن زيد، والفراء، والزجاج: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، فهي عطف على اسم الله في قوله: واتقوا الله.
والمعنى: واتقوا الأرحام فصلوها ولا تقطعوها وهذا ينبئ بوجوب صلة الرحم.
١٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْمَيْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ رَدَّادًا اللَّيْثِيَّ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أنا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ "
١٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ الرّسْعَنِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَيَّارٍ، حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ هَارُونَ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ اللَّهَ لَيُعَمِّرُ بِالْقَوْمِ الدِّيَارَ وَيُكْثِرُ لَهُمُ الأَمْوَالَ، وَمَا نَظَرَ إِلَيْهِمْ مُذُ خَلَقَهُمْ بُغْضًا، قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِصِلَتِهِمْ أَرْحَامَهُمْ "
[ ٢ / ٥ ]
وقرأ حمزة والأرحامِ بالخفض، وضعف النحويون كلهم هذه القراءة واستقبحوها.
قال الزجاج: إجماع النحويين أنه يقبح باسم ظاهر على اسم مضمر في حال الخفض إلا بإظهار الخافض كقوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]، ويستقبح النحويون: مررت به وزيد، لأن المكني المخفوض حرف متصل غير منفصل، فكأنه كالتنوين في الاسم، فقبح أن يعطف باسم يقوم بنفسه على اسم لا يقوم بنفسه.
وقال سيبويه: لا يجوز عطف الظاهر على المكني المخفوض من غير إعادة الخافض إلا في ضرورة الشعر وأنشد:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] الرقيب: الحافظ يقال: رقب يرقب رقبة ورقبًا.
ومعناه: أنه يرقب عليكم أعمالكم، فاتقوه فيما نهاكم عنه.
قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] الخطاب للأوصياء وأولياء اليتامى أي: أعطوهم أموالهم إذا بلغوا، ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] يقال: تبدل الشيءَ بالشيء، إذا أخذه مكانه.
[ ٢ / ٦ ]
قال المفسرون: كان ولي اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل الرديء مكانه، فيجعل الزائف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين، فنهى الله تعالى عن ذلك.
قال السدي: لا تضع بعيرا مهزولا مكان بعير سمين، تقول: بعير ببعير.
وشاة مهزولة مكان شاة سمينة، وثوبًا خلقا مكان ثوب جديد، تقول: ثوب بثوب وشاة بشاة.
وأراد ب الخبيث: الحرام، وهو ما يأخذه من مال اليتيم بدل ماله الحلال، قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أي: لا تضيفوها في الأكل إلى أموالكم، وقال السدي: يقول: ولا تخلطوها بأموالكم ثم تأكلوها جميعا.
إنه يعني: إن أكل أموالهم ﴿كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] الحوب والحوب والحاب: الإثم الكبير.
وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] الإقساط: العدل، يقال: أقسط الرجل إذا عدل، ومنه قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] .
١٩٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] قَالَتْ عَائِشَةُ: هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا فَيَرْغَبُ فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ نِسَائِهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ
وعلى هذا التفسير تقدير الآية: وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى فحذف المضاف، وقوله: ﴿
[ ٢ / ٧ ]
فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] أي: من غيرهن، وقال أكثر المفسرين: يقول: فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى وهمكم ذلك، فكذلك خافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن، فلا تتزوجوا أكثر ما يمكنكم إمساكهن والقيام بحقهن لأن النساء كاليتامى في الضعف والعجز.
وهذا قول ابن عباس، في رواية الوالبي، وسعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي.
وقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] أي: حل لكم من النساء، يعني: من اللاتي يحل نكاحهن، دون المحرمات اللاتي ذكرن في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية.
وما ههنا: بمعنى مَن كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، وقال مجاهد: معناه: فانكحوا النكاح الذي طاب لكم من النساء، فما على هذا عبارة عن النكاح.
وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] معناه: اثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعًا أربعًا، على اختلاف الأحوال لأن الأربع إنما يحل نكاحهن إذا لم يتقدمها ثلاث، وكذلك الثلاث إذا لم يتقدمها اثنتان.
ولا تدل الآية على إباحة التسع، وإن كان مجموع هذه الأعداد تسعًا لأن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات، وليس من شأن البليغ أن يعبر في العدد عن التسعة باثنين وثلاثة وأربعة فمن قال: أعط زيدًا اثنين وثلاثة وأربعة وهو يريد تسعة كان ذلك أعيا كلام.
قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ٣] أي: في الأربع بالحب والجماع، فواحدة أي: فلينكح كل واحد منكم واحدة من الحرائر، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] من الجواري لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق كالذي يلزم في الحرائر من التسوية بينهن في القسمة.
[ ٢ / ٨ ]
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] أي: نكاح الأربع على قلة عددهن أقرب إلى العدل وأبعد من الظلم.
ومعنى تعولوا: تميلوا وتجوروا، عن جميع المفسرين، والعول: الميل في الحكم إلى الجور.
قال الفراء: عال الرجل يعول عولًا، إذا مال وجار، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وإبراهيم، وقتادة، والربيع، وعكرمة، والفراء، والزجاج، وابن الأنباري.
وقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] الصدُقات: المهور، واحدتها صدقة، النحلة معناها في اللغة: الديانة والملة والشريعة، يقال: فلان ينتحل كذا.
إذا كان يتدين به، ونحلته كذا.
أي: دينه.
ولهذا قال ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد في قوله: نحلة أي: فريضة.
والخطاب للأزواج، أمروا بإيتاء النساء مهورهن تدينا، لأنه مما أوجبه الله لهن.
وقال الكلبي: نحلة: هبة وعطية، يقال: نحلت فلانًا شيئًا أنحله نحلة.
أي: أعطيه، والمعنى: أن الله جعل الصداق نحلة للنساء، فأمر الأزواج بإعطاء مهور النساء من غير مطالبة منهن، ولا مخاصمة فيه، لأن ما يأخذ بالمحاكمة لا يقال له نحلة.
١٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ قَالَ:
[ ٢ / ٩ ]
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ أَنْ يُوَفَى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ»، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسَفَ، عَنِ اللَّيْثِ، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، كِلاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ
١٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ صُهَيْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ جَدِّهِ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَصْدَقَ امْرَأَةً صَدَاقًا وَهُوَ مُجْمِعٌ عَلَى أَنْ لا يُوَفِّيَهَا إِيَّاهُ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُعْطِهَا إِيَّاهُ، لَقِيَ اللَّهَ زَانِيًا»
وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] قال الفراء، والزجاج: فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء من
[ ٢ / ١٠ ]
الصداق، ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] معنى الهنيء: الطيب المساغ الذي لا ينقصه شيء، والمريء: المحمود العاقبة، التام الهضم، الذي لا يضر ولا يؤذي.
قال المفسرون: يقول: لا تخافون به في الدنيا مطالبة ولا في الآخرة تبعة.
١٩٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] قَالَ: «إِذَا جَادَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا بِالْعَطِيَّةِ غَيْرَ مُكْرَهَةٍ لا يَقْضِي بِهِ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ، وَلا يُؤَاخِذُ اللَّهُ بِهِ فِي الآخِرَةِ»
﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴿٥﴾ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴿٦﴾ لِلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴿٧﴾﴾ [النساء: ٥-٧] قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ [النساء: ٥] قال ابن عباس في رواية الوالبي: يقول: لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله، وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك وبنيك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم، ورزقهم ومؤنتهم.
ف السفهاء هم النساء والصبيان.
هذا قول الحسن، وقتادة، وسعيد بن جبير، والسدي.
وقوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] قال عطاء، عن ابن عباس: قيامًا لمعايشكم، وصلاح دنياكم، قال الزجاج: التي جعله الله تقيمكم، فتقومون بها قيامًا.
[ ٢ / ١١ ]
قال الكسائي: القيام ههنا: اسم بمعنى القوام وهو ما يقوم به الشيء.
قال ابن قتيبة: يقال: هذا قوام أمرك وقيام أمرك، أي ما يقوم به أمرك.
وقرأ نافع قيما، قال الأخفش: قيامًا وقوامًا وقيمًا وقوما: واحدًا، فالقيم عنده مصدر في معنى القيام.
وقال غيره: القيم: جمع قيمة، والدنانير والدرهم قيم الأشياء، واختار الزجاج هذا الوجه فقال: من قرأ قيمًا فالمعنى: أموالكم التي جعلها الله قيمًا للأشياء فبها تقوم أموركم.
وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] الرزق من العباد: هو الأجر الموظف، يقال: رزق فلان عياله كذا وكذا، أي: أجرى عليهم.
وإنما قال: فيها، ولم يقل منها لأنه أراد: اجعلوا لهم فيها رزقًا، كأنه أوجب ذلك لهم في المال، قال ابن عباس: يريد أنفقوا عليهم منها.
ومعنى واكسوهم: ألبسوهم الثياب، يقال: كسوت فلانًا ثوبًا فاكتساه.
أي: لبسه، والكسوة: ما يكتسي من الثياب.
وقوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥] أي: عِدَةً جميلة من البر والصلة، تقول: إذا ربحت في سفرتي هذه أحسنت إليكم، وإن غنمت في غزاتي أعطيتكم.
قوله تعالى: وابتلوا اليتامى: قال الحسن، وقتادة، ومجاهد: اختبروهم في عقولهم وأديانهم.
وكيفية هذا الابتلاء: أن يرد إليه الأمر في نفقته عند مراهقة الحلم ليعرف كيف تدبيره وتصرفه.
وإن كانت جارية يرد إليها ما يرد إلى النساء من أمور البيت وتدبير الغزل والقطن، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] أي:
[ ٢ / ١٢ ]
حال النكاح من الاحتلام، وإنزال الماء، فإن آنستم أي: عرفتم ورأيتم، والإيناس: الإبصار، ومنه قوله: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩] .
وقوله: منهم رشدًا قال ابن عباس، والسدي: هو الصلاح في العقل، وحفظ المال.
وقال الشافعي: الرشيد من يكون صالحًا في دينه مصلحًا لماله.
وقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] يقول: لا تبادروا بأكل أموالهم قبل كبرهم ورشدهم حذرًا أن يبلغوا، فيلزمكم تسليم المال إليهم، ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا﴾ [النساء: ٦] من الأوصياء وأولياء اليتامى، فليستعفف أي: عن مال اليتيم، وليتركه.
يقال: استعف عن الشيء، وعف عنه.
إذا امتنع منه وتركه.
﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وهو أن يأخذ من ماله بقدر قيامه وأجرة عمله، والغني يستعف كما أمره الله، فإن أخذ الأجرة حلت له في مقابلة عمله.
١٩٦ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَزْهَرِيِّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ:
[ ٢ / ١٣ ]
حَضَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَاسْتَفْتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْتَامٌ لِي، لَهُمْ لِقَاحٌ، أَفَأَشْرَبُ مِنْ فَضْلِ أَلْبَانِهَا؟ فَقَالَ: أَلَسْتَ تَرِدُ نَادَّتَهَا، وَتَلُوطُ حَوْضَهَا، وَتَكْفِي مِهْنَتَهَا؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَاشْرَبْ مِنْ فَضْلِ أَلْبَانِهَا غَيْرَ مُضِرٍّ بِأَوْلَادِهَا، وَلا نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ
وقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] هذا وصية من الله تعالى للأولياء بالإشهاد عليهم على دفع المال إذا دفعوه إلى الأيتام، لكي إن وقع اختلاف أمكن أن يقيم البينة على أنه رد المال إليه.
قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] قال ابن عباس: مجازيًا للمحسن والمسيء.
والحسيب بمعنى المحاسب، والباء في بالله زيادة، وحسيبًا منصوب على الحال، والمعنى: وكفى بالله في حال الحساب.
قوله: للرجال نصيب الآية قال ابن عباس في رواية الكلبي: إن أوس بن ثابت الأنصاري توفي، وترك ثلاث بنات وامرأته يقال لها أم كُحة، فقام رجلان من بني عمه، فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا، فجاءت أم كحة إلى رسول الله ﷺ، وذكرت له ذلك فنزلت هذه الآية.
قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية لا تورث النساء، ولا الصغار شيئًا، وإن كانوا ذكورًا، وإنما كانت
[ ٢ / ١٤ ]
تورث الكبار ومن طاعن بالرماح، وحاز الغنيمة، فأبطل الله ذلك عليهم، وأعلم أن حق الميراث على ما ذكر من الفرض.
وقوله: نصيبًا مفروضًا قال الأخفش: هو نصب على معنى: جعل لهم نصيبًا، والآية تدل على هذا لأن قوله: للرجال نصيب، وللنساء نصيب يدل على معنى: جعل لهم نصيبًا.
﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴿٨﴾ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ
[ ٢ / ١٥ ]
ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا ﴿٩﴾ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴿١٠﴾﴾ [النساء: ٨-١٠] .
قوله ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] يعني: قسمة المال بين الورثة، أولو القربى: ذوو القرابات الذين يحزنون ولا يرثون، ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] هذا على الندب والاستحباب، يستحب للوارث أن يرضخ لهؤلاء بشيء من التركة بقدر ما تطيب به نفسه من الذهب والورق، ويقول لهم عند قسمة العقار والرقيق، ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] وهو أن يقول: بورك فيكم.
قال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي: هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وإباحة الثلث للميت يجعله حيث يشاء من القرابات واليتامى والمساكين.
قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ [النساء: ٩] الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: كان الرجل إذا حضرته الوفاة قعد عنده أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا له: انظر لنفسك فإن ولدك لا يغنون عنك من الله شيئًا، فيقدم الرجل ماله، ويحجب ولده.
وهذا قبل أن تكون الوصية في الثلث، فكره الله تعالى ذلك منهم وأنزل: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩] أي: أولاد صغارًا خافوا عليهم: الفقر ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٩] فليخافوا الله إذا قعدوا عند أحد من إخوانهم وهو في الموت، ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩] عدلا، وهو أن يأمره أن يخلف ماله لولده، ويتصدق بما دون الثلث، وهذا قول سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي.
والسديد: العدل والصواب من القول، يقال: سددًا وسدادًا وسديدًا.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] سماه بما يئول إليه في العاقبة، كقوله: أعصر خمرًا ومنه قوله ﵇ في الشارب من آنية الذهب والفضة: «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» .
١٩٧ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُخَلَّدِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَاسَرْجَسِيُّ، أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ: " فَإِذَا أنا بِرِجَالٍ قَدْ وُكِّلَ بِهِمْ رِجَالٌ يَفُكُّونَ لِحَاهُمْ، وَآخَرُونَ يَجِيئُونَ بِالصُّخُورِ مِنَ النَّارِ فَيَقْذِفُونَهَا فِي أَفْوَاهِهِمْ فَتَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ، فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]
١٩٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ
[ ٢ / ١٦ ]
عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَبْعَثُ اللَّهُ ﷿ قَوْمًا مِنْ قُبُورِهِمْ تَأَجَّجُ أَفْوَاهُهُمْ نَارًا، فَقِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]؟ "
وقوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] يقال: صلى الكافر النار يصلاها صلا وصلاء، وهو صال النار.
إذا قاسى حرها وشدتها، ومنه قوله: ﴿إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣]، ومَن ضم الياء فهو من قولهم: أصلاه الله حر النار إصلاء.
قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٣٠] .
والسعير النار المستعرة، يقال: سعرت النار أسعرها سعرًا وهي مسعورة وسعير.
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ
[ ٢ / ١٧ ]
كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١١﴾ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴿١٢﴾ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٣﴾ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴿١٤﴾﴾ [النساء: ١١-١٤] .
قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الآية
١٩٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَنْصُورِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةً بِابْنَتَيْنِ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَاتَانِ بِنْتَا ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَوْ قَالَتْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ قُتِلَ
[ ٢ / ١٨ ]
مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَدْ اسْتَفَاءَ عَمُّهُمَا مَالَهُمَا وَمِيرَاثَهُمَا فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا إِلَّا أَخَذَهُ، فَمَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا يُنْكَحَانِ أَبَدًا إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ، قَالَ: فَقَالَ: " يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ سُورَةٌ فِيهَا ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَقَالَ لِي رَسُول اللَّهِ ﷺ: ادْعُ لِي الْمَرْأَةَ وَصَاحِبَهَا، فَقَالَ لِعَمِّهَا: أَعْطِهِمَا الثُّلُثَيْنِ وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَلَكَ "
ومعنى يوصيكم اللَّه: قَالَ الزجاج: يفرض عليكم، لأن الوصية من اللَّه فرض، والدليل عَلَى ذَلِكَ قوله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وهذا من الفرض المحكم علينا.
ثُمّ بين ما أوصى فَقَالَ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] يعني: للابن من الميراث مثل حظ الأنثيين.
ثُمّ ذكر نصيب الأناث من الأولاد فَقَالَ: فَإِن كن يعني الأولاد، ﴿نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، وأجمعت الأمة عَلَى أن: للبنتين الثلثين إِلَّا ما روي عَنْ ابْن عَبَّاس: أَنَّهُ ذهب إلى ظاهر الآية وقَالَ: الثلثان فرض الثلاث من البنات لأن اللَّه تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فجعل الثلثين للنساء إذا زدن عَلَى الثنتين وهذا غير مأخوذ به.
[ ٢ / ١٩ ]
ووجه الآية، أن فوق ههنا: صلة لا معنى لَهُ، كقوله ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]، يريد: فاضربوا الأعناق.
وسمى البنتين جماعة، لأن الاثنين جماعة عِنْد العرب، واللَّه تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وقَالَ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فسمى التثنية باسم الجمع، فثبت بِهَذَا البيان أن ثلثي التركة للبنتين، وأن نصفها للواحدة، وَهُوَ قوله ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] .
وقرأ نَافِع واحدةٌ بالرفع عَلَى معنى: وإن وقعت واحدة، وتم بيان ميراث الأولاد.
ثُمّ ذكر ميراث الوالدين فَقَالَ: ولأبويه يعني: أبوي الميت، وَلَم يجر لَهُ ذكر فكنى عَنْ غَيْر مذكور، ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النساء: ١١] من الأبوين ﴿السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ﴾ [النساء: ١١] للميت ولد، أو ولد ابْن، واسم الولد يقع عَلَى ما وُلِد الابن، ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] إذا مات وَلَم يخلف غَيْر أبويه كان ثلث المال للأم، والباقي للأب.
وقرأ حمزة بكسر الهمزة إذا وليتها كسرة أَوْ ياء نحو: فلإمه، أَوْ بيوت إمهاتكم وَفِي إمها أتبع الهمزة ما قبلها من الياء والكسرة.
قَالَ أَبُو إسحاق الزجاج: إنهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة فِي قوله فلأمه وليس من كلام العرب مثل: فِعُل بكسر الفاء وضم العين.
فَإِن كان للميت أخوان عاد نصيب الأم من الثلث إلى السدس، وَهُوَ قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] .
وأجمعت الأمة عَلَى أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، والأخ الواحد لَا يحجب.
[ ٢ / ٢٠ ]
وابن عَبَّاس يخالف فِي هَذِهِ المسألة وهي ما
٢٠٠ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُفَسِّرُ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَزْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ، عَنِ ابْن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَالَ: إِنَّ الأَخَوَيْنِ لَا يَرُدَّانِ الأُمَّ إِلَى السُّدُسِ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وَالأَخَوَانِ فِي لِسَانِ قَوْمِكَ وَكَلامِ الْعَرَبِ لَيْسَا بِإِخْوَةٍ، فَقَالَ عُثْمَانُ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُضَ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي وَتَوَارَثَهُ النَّاسُ وَجَرَى فِي الأَمْصَارِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا غَلَطٌ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ لأَنَّ الاثْنَيْنِ يُسَمَّيَانِ بِالْجَمْعِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْكَلامِ
حكى سِيبوَيْه: أن العرب تَقُولُ: قَدْ وضعا رحالهما، يريدون: رحلي راحلتيهما.
وقَالَ ابْن الأنباري: التثنية عِنْد العرب أول الجمع، ومشهور فِي كلامهم إيقاع الجمع عَلَى التثنية، ومن ذَلِكَ قوله تَعَالَى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، يعني حكم دَاوُد وسليمان ﵉.
[ ٢ / ٢١ ]
قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] أَي: هَذِهِ الأنصبة إِنَّمَا تقسم بعد قضاء الدّين وإنفاذ وصية الميت فِي ثلثه.
وقرئ: يوصي بفتح الصاد وكسرها، فَمنْ كسر فلأن المعنى من بعد وصية يوصيها الميت، ومن فتح الصاد: فَإنَّهُ يئول فِي المعنى إلى يوصى، ألا ترى أن الموصي هُوَ الميت.
وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١] أَيّ: إنكم لَا تدرون أَيّ هَؤُلَاءِ أنفع لَكُمْ فِي الدُّنْيَا فتعطونه من الميراث ما يستحق، وَلَكِن اللَّه تَعَالَى قَدْ فرض الفرائض عَلَى ما هو عِنْده حكمه منه، ولو وكل ذَلِكَ إليكم لَمْ تعلموا أيهم أنفع لَكُمْ فأفسدتم وضيعتم، وهَذَا معنى قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١] .
قال عطاء: كان عليما بخلقه قبل أن يخلقهم، حكيما حيث فرض للصغار مع الكبار.
٢٠١ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حُمْرَانَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَابِرٍ الْهَجَرِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهَ النَّاسَ، وَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَعَلِّمُوهَ النَّاسَ، وَتَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنِّي امْرِؤٌ مَقْبُوضٌ، وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، حَتَّى يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ، وَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا»
٢٠٢ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَأَبَاذِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أَخْبَرَنَا
[ ٢ / ٢٢ ]
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ أَبِي الْعَطَّافِ، حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَعَلَّمُوا الْفَرْضَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، فَإنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ وَهُوَ يُنَسَّى، وَهُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي»
ثُمّ بين اللَّه تَعَالَى ميراث الأزواج فَقَالَ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢] كُلّ امرأة ماتت وَلَا وُلِد لها كان لزوجها نصف ميراثها، فَإِن كان لها وُلِد كان للزوج الربع وَهُوَ قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] يعين: أن الميراث إِنَّمَا يستحق بعد إنفاذ الوصية وقضاء الدّين.
وقوله: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢] يعني: للمرأة ربع المال إذا لَمْ يَكُنْ للزوج وُلِد، فَإِن كان للزوج وُلِد كان للمرأة الثمن، وَهُوَ قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] إلى ههنا بيان ميراث الأزواج والزوجات.
ثُمّ بين ميراث وُلِد الأم فَقَالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَو امْرَأَةٌ﴾ [النساء: ١٢] كُلّ من مات وَلَا وُلِد لَهُ وَلَا والد فهو كلالة ورثته، وكل وارث لَيْسَ بوالد للميت فهو كلالة مورثة.
فالكلالة: اسم يقع عَلَى الوارث والموروث، إذا كانا بالصفة التي ذكرنا.
يُقَالُ: رَجُل كلالة، وامرأة كلالة، وقوم كلالة، لَا تثنى وَلَا تجمع لأنه مصدر كالدلالة والوكالة.
يُقَالُ: كلّ الرَّجُل يكل كلالة، أَيّ: صار كلًّا، وَهُوَ الَّذِي لَا وُلِد لَهُ وَلَا والد، والمراد بالكلالة فِي هَذِهِ الآية: الأخ للأم إذا مات.
[ ٢ / ٢٣ ]
قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٢] يعني: من الأم بإجماع المفسرين، وكذلك فِي قراءة سعد بن أَبِي وَقَّاص وَلَهُ أخ أَوْ أخت من أُمّه.
﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] قَالَ ابْن عَبَّاس فِي رواية عَطَاء: وَلَهُ أخ أَوْ أخت من أُمّه فلكل واحد منهما السدس، وفرض الواحد من وُلِد الأم السدس، فَإِن كانوا أكثر من واحد اشتركوا فِي الثلث، الذكر والأنثى فِيه سواء، وَهُوَ قوله: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] أَيّ: غَيْر مدخل الضرر عَلَى الورثة، وَهُوَ أن يوصي بدين لَيْسَ عَلَيْه، يريد بِذَلِك ضرر الورثة، فمنع اللَّه منه.
وقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢] قَالَ ابْن عَبَّاس: فريضة من اللَّه، واللَّه عليم بما دبر من هَذِهِ الفرائض حليم عمن عصاه بأن أخر عقوبته وقبل توبته.
قوله ﷻ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣] قَالَ ابْن عَبَّاس: يريد ما حد اللَّه من فرائضه فِي الميراث، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣] فِي شأن المواريث، يدخله جنات وقرأ نَافِع بالنون والمعنى فِيهِ كالمعنى بالياء.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤] قَالَ مُجَاهِد: فيما افترض من المواريث، وقَالَ عِكْرمَة عَنْ ابْن عَبَّاس: من لَمْ يرض بقسم اللَّه، ويتعد ما قَالَ اللَّه يدخله نارا خالدا فيها، ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] .
﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا
[ ٢ / ٢٤ ]
فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا ﴿١٥﴾ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴿١٦﴾ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١٧﴾ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٨﴾﴾ [النساء: ١٥-١٨] قوله ﷻ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] أَيّ: يفعلن الزنا، ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] أَيّ: من الْمُسْلِمِين، فَإِن شهدوا عَلَيْهَا، بالزنا ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] احبسوهن فِي السجون ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٥]، وكان هَذَا فِي ابتداء الْإِسْلَام: المرأة إذا زنت حبست فِي البيت حَتَّى تموت، والرجل إذا زنى أوذي بالتعيير والضرب بالنعال، فنزلت: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] الآية، هَذَا حُكم البِكر.
فَإِن كانا محصنين رجما بسنة رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ سبيلهما الَّذِي جعله اللَّه لهما فِي قوله ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] .
٢٠٣ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ حَطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا وَالْبِكْرُ يُجْلَدُ وَيُنْفَى، وَالثَّيِّبُ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ» .
[ ٢ / ٢٥ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ
٢٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ»
قوله: واللذان: قرأ ابْن كثير بالتشديد، وكذلك: هذان، وهاتين، جعل التشديد عوضا من الحذف الَّذِي لحق الكلمة ألا ترى أن قولهم ذا قَدْ حذف لامُها، وقد حذفت الياء من اللذان وهذان، وكان حقهما فِي التثنية: اللذيان، وهذيان فجعل التشديد فيه عوضا من الحرف المحذوف عَنْهُ فِي التثنية.
وقوله: يأتيانها منكم يعني: الفاحشة، والمعنى: يفعلان الزنا، فآذوهما يعني التعيير باللسان والتوبيخ كَمَا ذكرنا.
قوله: فَإِن تابا: من الفاحشة، وأصلحا: العمل فيما بعد، فأعرضوا عَنْهُمَا: فاتركوا أذاهما، وَقَدْ ذكرنا حكم هَذِهِ الآية فِي التي قبلها.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦] معنى التواب فِي صفة اللَّه تَعَالَى: أَنَّهُ يتوب عَلَى عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إِلَيْهِ من ذنبه.
قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٧] أَيّ: التوبة التي أوجب اللَّه بفضله عَلَى نفسه ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] قَالَ ابْن عَبَّاس: يريد أن ذنب الْمُؤْمِن جهل منه.
وقَالَ السُّدِّيّ: كُلّ من عصى اللَّه تَعَالَى فهو جهالة
[ ٢ / ٢٦ ]
عمدا كان أو غير ذَلِكَ.
قَالَ الزجاج: معنى الجهالة ههنا: أنهم فِي اختيارهم اللذة الفانية عَلَى اللذة الباقية جهال.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] قَالَ ابْن عَبَّاس فِي رواية الوالبي: القريب: ما بينه وبَيْنَ أن ينظر إلى ملك الموت.
وقَالَ فِي رواية عَطَاء: ولو قبل الموت بفواق ناقة.
٢٠٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدةُ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ ﷺ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِيَوْمٍ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ» فَحَدَّثْتُ بِهَا رَجُلًا آخَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِنِصْفِ يَوْمٍ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ» فَحَدَّثْتُ بِهَا رَجُلًا آخَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِضَحْوَةٍ قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ تَوْبَتَهُ» فَحَدَّثْتُ بِهَا رَجُلًا آخَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يُغَرْغِرَ بِنَفْسِهِ قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ تَوْبَتَهُ»
قوله ﷿: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [النساء: ١٨] قَالَ عَطَاء عَنْ ابْن عَبَّاس: يريد الشرك.
[ ٢ / ٢٧ ]
وقَالَ عكرمه عَنْهُ فِي هَذِهِ الآية: هُمْ أَهْل الشرك.
وقَالَ سَعِيد بن جُبَيْر: نزلت الأولى فِي الْمُؤْمِنِين.
يعني قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٧] الآية، والوسطى فِي المنافقين.
يعني قوله: وليست التوبة والأخرى فِي الكافرين.
يعني: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨] .
ومعنى الآية: لَا توب لمشرك، وَلَا لمنافق إذا تاب عِنْد حضور الموت، وَهُوَ النظر إلى ملك الموت، وَلَا لمن مات كافرا، لأن التوبة لَا تقبل فِي الآخرة.
﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨] أَيّ: هيَّانا وأعددنا، يُقَالُ: أعتدت الشرع فهو معتد وعتيد.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴿١٩﴾ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴿٢٠﴾ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴿٢١﴾﴾ [النساء: ١٩-٢١] قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] الآية: قَالَ ابْن عَبَّاس والمفسرون: كان الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة إذا مات كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لَمْ يزوجوها فنزلت، هَذِهِ الآية.
وأعلم اللَّه أن ذَلِكَ حرام، وأن الرَّجُل لَا يرث المرأة من الميت، وقرئ: كرها بفتح الكاف وضمها،
[ ٢ / ٢٨ ]
وهما لغتان كالفقر والفقر، والضعف والضعف، ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] المنهي عَنْ العضل ههنا الأزواج، نهوا أن يمسكوهن إذا لَمْ يَكُنْ لهم فيهن حاجة إضرارا بهن حَتَّى يفتدين ببعض مهورهن.
وقوله: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] يعني: الزنا.
فِي قول عَطَاء، والحسن، والسدي.
وقَالَ ابْن مَسْعُود، وقَتَادَةَ: هِيَ النشوز.
فإذا زنْت امرأة تحت رَجُل، أَوْ نشزت عَلَيْه حل لَهُ أن يسألها الخلع، وأن يضارها ويسيء معاشرتها لتفتدي منه بالمهر.
ثُمّ قَالَ: وعاشروهن بالمعروف يعني: قبل الإتيان بالفاحشة.
قَالَ ابْن عَبَّاس: يريد اصحبوهن بما يجب لهن عليكم من الحق.
قَالَ الزجاج: هُوَ النصفة فِي المبيت والنفقة، والإجمال فِي القول.
وقوله: فَإِن كرهتموهن إلى قوله خيرًا كثيرًا: قَالَ عَطَاء: يريد فيما كرهتم مما هُوَ للَّه رضا خير كثير، وثواب عظيم.
قَالَ المفسرون: الخير الكثير فِي المرأة المكروهة: الولد الصالح، وربما يَكُون فرطا.
قوله ﷻ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] قَالَ الوالبي عَنْ ابْن عَبَّاس: إن كرهتَ امرأتك وأعجبك غيرها، فأردت أن تطلق هَذِهِ وتتزوج تِلْكَ، فلا يحل لك أن تأخذ من مهر التي كرهتَ شيئًا، وإن كثر وَهُوَ قوله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] أَيّ: لَا ترجعوا فيما أعطيتموهن من المهر إذا كرهتموهن، وأردتم طلاقهن.
[ ٢ / ٢٩ ]
وقوله: أتأخذونه بهتانا أَيّ: ظلما وهذا استفهام إنكار، قَالَ ابْن عَبَّاس: يريد أن أخذك إياه بعدما دخلت بها بهتان وإثم عظيم.
ثُمّ قَالَ عَلَى وجه الإنكار والتوبيخ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] أَيّ: وصل بعضكم إلى بعض بالجماع، ولا يجوز للزوج الرجوع فِي شيء من المهر بعد المسيس.
والإفضاء معناه الوصول، يُقَالُ: أفضى إِلَيْهِ، أَيّ: وصل إليه بالملامسة معه.
وقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] قَالَ أكثر المفسرين: هُوَ قولهم عِنْد العقد: زوجتكها عَلَى ما أَخَذَ اللَّه للنساء، من إمساك بمعروف أَوْ تسريح بإحسان.
وقَالَ أَبُو العالية: أخذتموهن بأمانة اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه.
﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا ﴿٢٢﴾ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٢٣﴾ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ
[ ٢ / ٣٠ ]
بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٢٤﴾ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢٥﴾ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٢٦﴾ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا ﴿٢٧﴾ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴿٢٨﴾﴾ [النساء: ٢٢-٢٨] قوله ﷿: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] كَانَتْ العرب يتزوج الرَّجُل امرأة أَبِيهِ من بعد موته التي ليست بأمه، فنهى اللَّه تَعَالَى عَنْهُ وحرمه.
وقوله: ﴿إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] يعني: لَكُمْ ما قَدْ سلف فَإِن اللَّه تجاوز عَنْهُ، وسلف معناه: تقدم ومضى، يُقَالُ: سلف يسلف سلوفا فهو سالف.
وقوله: إنَّه أَي: إن ذَلِكَ النكاح كان فاحشة: قبيحا ومقتا: وَهُوَ أشد البغض، يُقَالُ: مقته يمقته مقتا.
وهذا إخبار عما كان فِي الْجَاهِلِيَّة، أعلموا أن هَذَا الَّذِي حرم عليهم لَمْ يزل منكرا فِي قلوبهم، ممقوتا عندهم.
وقوله: وساء سبيلا أَيّ: قبح هَذَا الفعل طريقا، يُقَالُ: ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح.
قوله ﷻ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] كُلّ امرأة يرجع نسبك بالولادة إليها من جهة أبيك، أَوْ من جهة أمك بإناث رجعت إليها، أَوْ بذكور فهي أمك.
وقوله: وبناتكم: كُلّ أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أَوْ بدرجات بإناث أَوْ ذكور فهي بنتك.
وقوله: وأخواتكم: كُلّ أنثى ولدها شيء ولدك فِي الدرجة الأولى فهي أختك.
وقوله: وعماتكم: هِيَ جمع العمّة، وكل ذكر رجع نسبك إِلَيْهِ فأخته عمتك، وَقَدْ تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أَبِي أمك.
[ ٢ / ٣١ ]
وقوله: وخالاتكم: كُلّ أنثى رجع نسبك إليها بالولادة فأختها خالتك، وَقَدْ تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك.
وقوله: وبنات الأخ التحديد فِي هؤلاء كالتحديد فِي بِنْت الصلب، وهؤلاء النسوة اللاتي ذكرن من محرمات بالنسب.
ثُمّ ذكر المحرمات بسبب حدث، فَقَالَ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وهؤلاء سميت أمهات للحرمة كأزواج النَّبِيّ ﷺ سماهن اللَّه تَعَالَى أمهات الْمُؤْمِنِين، فكل أنثى انتسبت إليها باللبن فهي أمك فالتي أرضعتك أَوْ أرضعت امرأة أرضعتك أَوْ رَجُلًا أرضعك فهي أمك.
وقوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] أخوات الرضاعة ثلاث: وهي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبان أبيك، سواء أرضعتها معك أَوْ مَعَ وُلِد قبلك أَوْ بعدك، وأم الرضاعة وأخت الرضاعة لَمْ تحرما، فكان الرضاع سبب تحريمهما.
٢٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ الْجَرَشِيُّ فِي دَارِ السُّنَّةِ إِمْلاءً سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا حَرُمَ مِنَ النَّسَبِ» .
فَثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ السَّبْعَ الْمُحَرَّمَاتِ بِالنَّسَبِ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ مُحَرَّمَاتٌ بِاللَّبَنِ
وقوله: وأمهات نسائكم: حد أم امرأتك كحد أمك سواء كَانَتْ من اللبن أَوْ من النسب، وهي تحرم بنفس
[ ٢ / ٣٢ ]
العقد عَلَى زوج بنتها لأن اللَّه تَعَالَى أطلق التحريم وَلَم يقيده بالدخول، وقوله: وربائبكم: جمع الربيبة وهِيَ بِنْت امرأة الرَّجُل من غيره.
وقوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] يعني: اللاتي ربيتموهن فِي حجوركم، وهي جمع حجر الْإِنْسَان.
والمعنى: فِي ضمانكم وتربيتكم.
والربيبة لَا تحرم بمجرد العقد على الأم، وإنما تحرم بالدخول بالأم لقوله تَعَالَى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أَيّ: فِي نكاح الربائب إذا لَمْ تدخلوا بالأمهات.
وقوله: وحلائل أبنائكم: الحليل والحليلة: الزوج والمرأة، سميا بِذَلِك لأنهما يحلان فِي موضع واحد.
وقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إحتراز عَنْ المُتبنَّى، وكان المبتنى فِي صدر الْإِسْلَام بمنزلة الابن، وقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] يحرم عَلَى الرَّجُل أن يجمع فِي النكاح بين أختين فِي النسب أَوْ باللبن.
وقوله: ﴿إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] قَالَ الكلبي: مضى فِي الْجَاهِلِيَّة فإنكم لَا تؤاخذون به فِي الْإِسْلَام، وهم كانوا يجمعون فِي الْجَاهِلِيَّة بين الأختين، فحرم اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ رحمة لهذه الأمة، إذ علم شدة غيرة النّساء بعضهن عَلَى بعض.
قَالَ ابْن عَبَّاس: كان أَهْل الْجَاهِلِيَّة يحرمون ما حرم اللَّه إِلَّا امرأة الأب والجمع بين الأختين.
قوله ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] يعني: ذوات الأزواج وهن محرمات عَلَى كُلّ أحد إِلَّا عَلَى أزواجهن لذلك عطفن عَلَى المحرمات فِي الآية التي قبلها.
والإحصان يقع عَلَى معان منها: الحرية كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] يعني: الحرائر، ومنها: العفاف كقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥] يعني: عفائف، ومنها: الْإِسْلَام، من ذَلِكَ قوله: فإذا أحصن أَيّ: أسلمن، ومنها: كون المرأة ذات زوج من ذَلِكَ قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] .
ثُمّ استثنى من ذوات الأزواج فَقَالَ ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يريد: إِلَّا ما ملكتموهن بالسبي من دار الحرب، فَإِنَّهَا تحل لمالكها، ولَا عدة عَلَيْهَا فتستبرأ بحيضة وتوطأ.
٢٠٧ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا
[ ٢ / ٣٣ ]
سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا سَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ أَوْطَاسَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقَعُ عَلَى نِسَاءٍ قَدْ عَرَفْنَا أَنْسَابَهُنَّ وَأَزْوَاجَهُنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]
وإذا وقع السباء على الزوجين الحربيين أو على أحدهما انقطع النكاح بينهما، وكان من سبي أوطاس خلق كثير وقع السبي عليهم مع نسائهم، ونادى منادي رَسُول اللَّهِ ﷺ: ألا لَا توطأ حامل حَتَّى تضع، وَلَا حائل حَتَّى تحيض حيضة، فأباح وطأهن بعد الاستبراء لانفساخ نكاحهن.
قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] قَالَ ابْن عَبَّاس: يريد هَذَا ما حرم، يعني كتب تحريم ما ذِكْرُ مَنْ النّساء عليكم.
قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقرئ بضم الألف، والفتح أشبه بما قبله، لأن معنى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] كتب اللَّه عليكم كتابا، وأحل لَكُمْ فبناء الفعل للفاعل هنا.
ومن بنى الفعل للمفعول به، فَقَالَ: وأُحل لَكُم فهُو فِي المعنى يئول إلى الأولى وذلك مراعاة ما قبله، وَهُوَ قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ومعنى ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ما سوى هَذِهِ النّساء اللاتي حرمت.
[ ٢ / ٣٤ ]
وقوله: أن تبتغوا أَيّ: تطلبوا، بأموالكم: إمّا بنكاح وصداق، أَوْ بملك وثمن، محصنين: متعففين عَنْ الزنا، غَيْر مسافحين: غَيْر زانين، والسفاح والمسافحة: الزنا.
وقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] يعني: فَمَا استمتعتم وتلذذتم من النّساء بالنكاح الصحيح، فآتوهن أجورهن: مهورهن، فريضة: فَإِن استمتع بالدخول بها آتى المهر تاما، وإن استمتع بعقد النكاح آتى نصف المهر.
وقوله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤] قَالَ الزجاج: لَا إثم عليكم فِي أن تهب المرأة للزوج مهرها، أَوْ يهب الرَّجُل للمرأة تمام المهر إذا طلقها قبل الدخول.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٥] بما يصلح أمر العباد، حكيما: فيما بين لهم من عقد النكاح.
قوله ﷻ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: ٢٥] الطول الغَناء والسعة والقدرة، يُقَالُ: فُلان ذو طول أَيّ: ذو قدرة فِي ماله، يراد بالقدرة ههنا: القدرة عَلَى المهر.
وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] يريد الحرائر، فَمَنْ فتَح الصاد أراد: أنهن أحصن لحريتهن وَلَم تبتذلن كالإماء فهن محصَنات، ومن كسر الصاد أراد: أنهن أحصن أنفسهن لحريتهن وَلَم يبرزن بروز الأمة فهن محصِنات.
وقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] أَيّ: فليتزوج مما ملكت أيمانكم، قَالَ ابْن عَبَّاس: يريد جَارِية أخيك فِي الْإِسْلَام وَهُوَ أن يتزوج الرَّجُل بمن يَمْلك غيره مِمَّنْ تكون عَلَى مثل حاله فِي الْإِسْلَام، وَهُوَ قوله: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] الفتيات: المملوكات والإماء جمع فتَاة، تَقُولُ العرب للأمة: فتاة وللعبد: فتى وأفاد التقييد
[ ٢ / ٣٥ ]
ب المؤمنات: أنه لَا يجوز التزوج بالأمة الكتابية، وَهُوَ قول مُجَاهِد، وسعيد، والحسن، ومذهب مَالِك، والشافعي.
وعند أَبِي حنيفة يجوز التزوج بالأمة الكتابية، والآية حجة عَلَيْه.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] قَالَ الزجاج: أَيّ: اعملوا عَلَى الظاهر من الْإِيمَان فإنكم محاسبون بما ظهر، واللَّه يتولى السرائر والحقائق.
وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥] أَيّ: فِي النسب كلكم بنو آدم، فلا يتداخلنكم الأنفة من تزوج الإماء عِنْد الضرورة.
وقوله ﷻ: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] قَالَ ابْن عَبَّاس: يريد أخطبها إلى سيدها.
ونكاح الأمة دون إذن السيد باطل.
وقوله: وآتوهن أجورهن أَيّ: مهورهن بالمعروف من غَيْر مطِل وَلَا إضرار.
وقوله: محصنات يريد: عفائف، غَيْر مسافحات غَيْر زوان، ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] جمع خدن وَهُوَ الَّذِي يخادنك.
قَالَ قَتَادَة، والضحاك: المسافحة: هِيَ التي تؤجر نفسها معلنة بالزنا، والتي تتخذ الخدن: هِيَ التي تزني سرا.
وكانت العرب فِي الْجَاهِلِيَّة يعيبون الزنا العلانية، وَلَا يعيبون اتخاذ الأخدان، فجاء اللَّه تَعَالَى بالإسلام، فهدم ذَلِكَ وقَالَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
قَالَ قَتَادَة: نهى اللَّه تَعَالَى عَنْ نكاح المسافحة، وذات الخدن.
وقوله: فإذا أحصن أَيّ: الأزواج عَلَى معنى تزوجن، ومن فتح الألف، فمعناه أسلمن، والإحصان
[ ٢ / ٣٦ ]
معناه فِي اللغة: المنع، ومنه قوله: أحصنت فرجها أَيّ: منعته عَنْ الزنا.
وقوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥] أَي زنا، ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] أَي عليهن نصف الحد، والمحصنات ههنا: الأبكار اللاتي أحصنهن العفاف، وحدهن مائة، ويتنصف فِي حق الأمة إذا زنت.
وقوله: ذَلِكَ يعني: نكاح الأمة عِنْد عدم الطوْل، ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] يعني: الزنا وَهُوَ أن يخاف شدة الشبق والغلمة عَلَى الزنا، فيلقى العذاب فِي الآخرة، أَوْ الحد فِي الدُّنْيَا.
أباح اللَّه نكاح الأمة بشرطين: أَحَدهمَا فِي أول الآية، وَهُوَ عدم الطول، والثاني فِي آخر الآية وَهُوَ خوف العنت.
ثُمّ قَالَ: وأن تصبروا أَيّ: عَنْ تزوج الإماء، خير لَكُمْ: لئلا يصير الولد عبدا، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥] .
قوله ﷻ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] قَالَ ابْن عَبَّاس: ليبين لَكُمْ ما يقربكم إلى طاعته.
وقَالَ غيره: ليبين لَكُمْ شرائع دينكم، ومصالح أموركم.
﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] يريد: دين إِبْرَاهِيم وإسماعيل، دين الحنيفية، ويتوب عليكم: يرجع بكم من معصيته التي كنتم عَلَيْهَا قبل هَذَا إلى طاعته التي أمركم بها، والله عليم بما يصلحكم، حكيم فِي تدبيره فيكم.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] يخرجكم من كُلّ ما يكره إلى ما يحب ويرضى، ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ [النساء: ٢٧] قَالَ مُجَاهِد: هُمْ الزناة يريدون أن يزني أَهْل الْإِسْلَام، وَهُوَ قوله: ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] .
وقَالَ ابْن زَيْد: هُمْ جميع أَهْل الباطل فِي دينهم، يريدون أن تميلوا ميلا عظيما عَنْ الحق وقصْد السبيل بالمعصية فتكونوا مثلهم.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] يعني: فِي أحكام الشرع، وَفِي جميع ما يسَّره اللَّه لنا، وسهَّله علينا، وَلَم يثقل التكليف كَمَا ثقل عَلَى بني إسرائيل.
[ ٢ / ٣٧ ]
﴿وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] قَالَ ابْن عَبَّاس والأكثرون: يضعف عَنْ الصَّبْر عَنْ الجماع، وَلَا يصبر عَنْ النّساء، فلذلك أباح اللَّه لَهُ نكاح الأمة.
قَالَ الزجاج: أَيّ يستميله هواه وشهوته فهو ضَعِيف فِي ذَلِكَ.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴿٢٩﴾ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿٣٠﴾﴾ [النساء: ٢٩-٣٠] قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] أَيّ: بما لَا يحل لَكُمْ فِي الشرع، كالربا والغصب والسرقة والخيانة.
والباطل: اسم جامع لكل ما لا يحل.
نهى اللَّه تَعَالَى بهذه الآية عَنْ جميع المكاسب الباطلة بالشرع، ثُمّ قَالَ ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أَيّ: إلا أن تقع تجارة برضاء البَيِّعَيْن، يرضى كُلّ واحد منهما بما فِي يده.
وقرئ تجارةً بالنصب عَلَى تقدير: إِلَّا أن تكون التجارة تجارة، كَمَا قَالَ:
إذا كان يومًا ذا كواكب أشنعا
أَيّ: إذا كان اليوم يومًا.
وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أَيّ: لَا يقتل بعضكم بعضا، لأنكم أَهْل دين واحد، فأنتم كنفس واحدة.
هَذَا قول ابْن عَبَّاس والأكثرين.
وذهب قوم إِلَى أن هَذَا نهي عَنْ قُتِل الْإِنْسَان نفسه، ويدل على صحة هَذَا التأويل ما
٢٠٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَنْصُورِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ، عَنْ
[ ٢ / ٣٨ ]
يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، وَأَنَا فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الاغْتِسَالِ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّه يَقُولُ ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَم يَقُلْ شَيْئًا فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ عَمْرًا تَأَوَّلَ فِي الآيَةِ إِهْلاكَ نَفْسِهِ، لا نَفْسَ غَيْرِه وَلَم يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْه النَّبِيُّ ﷺ
قوله ﷻ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٣٠] كان ابْن عَبَّاس يَقُولُ: الإشارة تعود إلى كُلّ ما نهي عَنْهُ من أول ال ﴿[إلى هَذَا الموضع.
وقَالَ قوم: الوعيد راجع إلى أكل المال بالباطل وقُتِل النَّفْس المحرمة.
وقوله:] عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ [سورة النساء: ٣٠]: معنى العدوان: أن يعدوا ما أمر اللَّه تَعَالَى به، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠] أَيّ: إنَّه قادر عَلَى إيقاع ما توعد به من إدخال النار.
قوله ﷿: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] الآية، الاجتناب: المباعدة عَنْ الشيء وتركه جانبا، واختلفوا فِي الكبائر ما هِيَ؟
٢٠٩ - فأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ
[ ٢ / ٣٩ ]
إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْريُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرَ الْكَبَائِرِ؟ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى جَالِسًا قَالَ: وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَفْصٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُمَرَ بْنِ النَّاقِد كِلَاهُمَا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُليَّةَ
٢١٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَأَبَاذِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " الْكَبَائِرُ سَبْعٌ: أَعْظَمُهُنَّ إِشْرَاكٌ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهُنَّ كَانَ مَعِي فِي بُحْبُوحَةِ الْجَنَّةِ، مَصَارِيعِهَا مِنْ ذَهَبٍ "
[ ٢ / ٤٠ ]
وقَالَ ابْن عَبَّاس فِي رواية الوالبي: الكبائر كُلّ ذنب ختمه اللَّه بنار، أَوْ غضب، أَوْ لعنة، أَوْ عذاب، وقَالَ فِي رواية ابْن سِيرِينَ: كُلّ ما نهي عَنْهُ فهو كبيرة.
وقَالَ الْحَسَن، وسعيد بن جُبَيْر، والضحاك: كُلّ ما جاء فِي القرآن مقرونا بذكر الوعيد فهو كبيرة نحو: قُتِل النَّفْس، وقذف المحصنة، والربا، والزنا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف.
٢١١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّيْثِ الزِّيَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفةَ، حَدَّثَنَا سَهْلٌ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْن عَبَّاسٍ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، كَمِ الْكَبَائِرُ سَبْعٌ هِيَ؟ قَالَ: هِيَ سَبْعُ مِائَةٍ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى سَبْعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا ﴿٣١﴾ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴿٣٢﴾ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴿٣٣﴾ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ
[ ٢ / ٤١ ]
فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴿٣٤﴾﴾ [النساء: ٣١-٣٤] وقوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] يعني: ما دون الكبائر ومثل النظر والكذبة واللمسة والقبلة.
وهذه تقع مكفرة بالصلوات الخمس.
٢١٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأُبُلِّيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي صَخْرٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ إِسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ حَدَّثَه، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مَكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»
٢١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ غَانِمِ بْنِ حَمُّوَيْهِ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْبُوشَنْجِيُّ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:
[ ٢ / ٤٢ ]
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُحَدِّثُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ شَابًّا حَدَثًا، وَلَا شَيْخًا مَارِقًا، أَلَا إِنَّ الشَّفَاعَةَ لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» قَالَ: ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآية ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]
وقرئ مَدخلا بفتح الميم عَلَى تقدير: وندخلكم فتدخلون مدخلا، ومن قرأ بضم الميم جاز أن يَكُون مصدرا، وجاز أن يكون مكانا، والأوْلى أن يَكُون مكانا لأن المفسرين قَالُوا فِي قوله مدخلا كريما: هُوَ الجَنَّة.
قوله ﷿: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ﴾ [النساء: ٣٢] الآية، قَالَ مُجَاهِد: قَالَتْ أم سَلَمَة: يغزو الرجال وَلَا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا كُنَّا رجالا، فجاهدنا وغزونا وكان لنا مثل أجر الرجال، فنزلت هَذِهِ الآية.
وَفِي هَذِهِ الآية نهي أن يتمنى أحد مال غيره، فَإِن ذَلِكَ هُوَ الحسد، وَقَدْ جاء فِي الْحَدِيث: " لَا يتمنين أحدكم مال أَخِيهِ، وَلَكِن ليقل: اللَّهُمَّ ارزقني، اللَّهُمَّ أعطني مثله ".
وقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ [النساء: ٣٢] أَيّ: من الجهاد، ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢] حفظ فروجهن،
[ ٢ / ٤٣ ]
وطاعة أزواجهن، أَيّ: لكل واحد من الفريقين حظ من الثواب، ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] أَيّ: إن احتجتم إلى مال غيركم، وأعجبكم أن يَكُون لَكُمْ مثل ماله، فسلوا اللَّه أن يعطيكم مثل ذَلِكَ من فضله.
٢١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ النَّضْرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبْدُوسِ بْنِ كَامِلٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ وَاقِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِسْرَائِيلَ بْنَ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: «سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ»
قوله ﷿: ولكل أَيّ: ولكل واحد من الرجال والنساء، جعلنا موالي: قَالَ ابْن عَبَّاس، ومجاهد، وقَتَادَةَ، وابن زَيْد: عصبة.
وقَالَ السُّدِّيّ: ورثة.
﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] أَيّ: يرثون، أَوْ يعطون ما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم لَهُ، والذين عاقدت أيمانكم يعني: الحلفاء فِي قول جميع المفسرين.
وكان الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة يعاقد الرَّجُل، وَيَقُولُ لَهُ: دمي دمك، وناري نارك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، فَلَمَّا قام الْإِسْلَام جعل للحليف السدس، وَهُوَ قوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] ثُمّ نسخ ذَلِكَ بقوله: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] .
[ ٢ / ٤٤ ]
وقرئ عقدت وكلا القرائتين معناهما واحد، أَيّ: أحكمت أيمانكم، والأيمان: يحتمل أن يَكُون جمع يمين من: اليد، ويحتمل أن يَكُون من: القسم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم، ويأخذ بعضهم بيد بعض عَلَى الوفاء والتمسك بالعهد، ويتحالفون عَلَيْه أيضًا.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ عَطَاء: يريد لَمْ يغب عَنْهُ علم ما خلق وبرأ.
قوله ﷻ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] الآية، قَالَ المفسرون: لطم رَجُل امرأته، فجاءت إلى النَّبِيّ ﷺ تطلب القصاص، فنزلت هَذِهِ الآية.
ومعنى قوله: ﴿قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] مسلطون عَلَى تأديبهن، والأخذ فوق أيديهن، فعلى المرأة أن تطيع زوجها فِي طاعة اللَّه.
والقوام: المبالغ فِي القيام، يُقَالُ: هَذَا قيم المرأة وقوامها للذي يقوم بأمرها ويحفظها.
قَالَ المفسرون: وليس بين المرأة وزوجها قصاص إِلَّا فِي النَّفْس والجروح، وكان النَّبِيّ ﷺ قَدْ أوجب القصاص فِي اللطم، فَلَمَّا نزلت هَذِهِ الآية قَالَ: «أردنا أمرا، وأراد اللَّه أمرا، وَالَّذِي أراد اللَّه خير» .
ورفع القصاص.
وقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] يعني: بما فضل اللَّه الرجال عَلَى النّساء بالعقل والجسم والعلم والعزم والجهاد وَالشَّهَادَةِ والميراث.
وقوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] يعني: المهر والإنفاق عليهن.
٢١٥ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ الْإِمَامُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بِلالٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ، لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ عَلَيْهَا»
[ ٢ / ٤٥ ]
٢١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ أَبِي الْقَاسِمِ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ الْمِهْرِجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ مِحْصَنٍ، أَنَّ عَمَّتَهُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " أَلَكِ بَعْلٌ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟ قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلَّا مَا أَعْجِزُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهَا: اعْلَمِي أَنَّهُ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ "
وقوله: فالصالحات يعني النّساء الصالحات، قانتات: مطيعات لأزواجهن، حافظات للغيب: قَالَ مُجَاهِد، وقَتَادَةَ: لغيب أزواجهن.
وقَالَ أَبُو روق: يحفظن فروجهن فِي غيبة أزواجهن.
﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] أَيّ: بما حفظهن اللَّه فِي إيجاب المهر والنفقة وإيصاء الزوج بهن.
﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] والنشوز ههنا: معصية الزوج وَهُوَ الترفع عَلَيْه بالخلاف، قَالَ عَطَاء: هِيَ أن لَا تتعطر لَهُ، وتمنعه نفسها، وتتغير عما كَانَتْ تفعله من الطواعية.
فعظوهن: بكتاب اللَّه وذكروهن اللَّه وما أمرهن به، ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ أن يوليها ظهره عَلَى الفراش وَلَا يكلمها، وقَالَ
[ ٢ / ٤٦ ]
الشَّعْبِيّ، ومجاهد: هُوَ أن يهجر مضاجعتها فلا يضاجعها.
واضربوهن يعني: ضربا غَيْر مبرح، قَالَ ابْن عَبَّاس: أدبا مثل اللكزة.
وللزوج أن يتلافى نشوز امرأته بما أذن اللَّه لَهُ فِيهِ، ومما ذكر فِي هَذِهِ الآية.
فإن أطعنكم أَيّ: فيما يلتمس منهن، ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ٣٤] قَالَ ابْن عَبَّاس: لَا تتجنوا عليهن العلل.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴿٣٥﴾ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا ﴿٣٦﴾ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴿٣٧﴾﴾ [النساء: ٣٥-٣٧] قوله ﷻ: وإن خفتم أي: علمتم شقاق بينهما أي: عداوة وخلاف ما بينهما، ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٣٥] المأمور ببعث الحكمين السلطان الذي يترافع الزوجان فيما شجر بينهما إليه، والحكم بمعنى الحاكم وهو المانع من الظلم.
وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] أي: من أقارب هذا وأقارب تلك، ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] قال عامة المفسرين: إن أراد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين الزوج والمرأة حتى يصطلحا.
[ ٢ / ٤٧ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٥] بما في قلب الزوجين من المودة، خبيرا: بما يكون منهما.
قوله ﷿: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]
٢١٧ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرِجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عَائِذٍ، عَنْ أَبِي الْعَوَّامِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ رَدِيفًا لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ فَقَالَ: " يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا هُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّهُمْ عَلَى اللَّهِ إِذَا هُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ وَأَنْ يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ "
٢١٨ - أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّقْرِ السُّكَّرِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوْصِنِي، قَالَ: «لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَإِنْ قُطِّعْتَ أَوْ حُرِّقْتَ، وَلا تَدَعِ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنَّهَا ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلا تَشْرَبِ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ»
[ ٢ / ٤٨ ]
قوله: وبالوالدين إحسانا قال ابن عباس: برا بهما مع اللطف ولين الجانب، ولا يغلظ لهما في الجواب، ولا يحد النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، يكون بين أيديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللا لهما.
وبذي القربى: قال: يصله ويتعطف عليه، واليتامى: يرفق بهم، ويدنيهم، ويمسح رأسهم، والمساكين: ببذل يسير أو، رد جميل، ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] يعني: الذي بينك وبينه قرابة، فله حق القرابة، وحق الجوار، وحق الإسلام، والجار الجنب: هو الذي ليس بينك وبينه قرابة، يقال: رجل جنب.
إذا كان غريبا متباعدا عن أهله، وقوم أجناب.
والجنابة: البعد.
٢١٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ الثَّقَفِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»
٢٢٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ، يَقُولُ: إِنَّ عَائِشَةَ،
[ ٢ / ٤٩ ]
قَالَتْ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَبِأَيِّهِمَا أَبْدَأُ؟ فَقَالَ: بِأَقْرَبِهِمَا مِنْكُمْ بَابًا "، رَوَاهُ الْبُخَارِيِّ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ، عَنْ شُعْبَةَ
٢٢١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْقِلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِيَنَّ جَارَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْب، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيّ
٢٢٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزّمجَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَيَانٍ الْحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَسْنَوَيْهِ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي، حَدَّثَنَا أَبُو هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ الْجَارَ لَيَتَعَلَّقُ بِالْجَارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَوْسَعْتَ عَلَى أَخِي وَقَتَّرْتَ عَلَيَّ، أُمْسِي طَاوِيًا بَطْنِي، وَيُمْسِي هَذَا شَبْعَانَ، سَلْهُ لِمَ أَغْلَقَ بَابَهُ عَنِّي وَحَرَمَنِي مَا قَدْ أَوْسَعْتَ عَلَيْهِ، فَالْجَارُ مُتَعَلِّقٌ بِالْجَارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
وقوله والصاحب بالجنب قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والحسن، والسدي، والضحاك: هو الرفيق في السفر، له حق الجوار، وحق الصحبة.
وابن السبيل: هو الضيف يجب قراه إلى أن يبلغ حيث يريد، قال ابن عباس: هو عابر السبيل تئويه، وتطعمه حتى يرحل عنك.
[ ٢ / ٥٠ ]
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] يريد: المملوك، تحسن رزقه، وتعفو عنه فيما يخطئ.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] قال ابن عباس: يريد بالمختال: العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق الله، والفخور: الذي يفخر على عباد الله بما خوله الله من كرامته وما أعطاه من نعمته.
٢٢٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ شَابٌّ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ مُخْتَالا فَخُورًا، إِذِ ابْتَلَعَتْهُ الأَرْضُ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ تَقُومُ السَّاعَةُ»
٢٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدٍ الْبِلالِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلاءِ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
٢٢٥ - أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي جَدِّي الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي حَسَّانٍ الأَنْمَاطِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى اللَّخَمِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي
[ ٢ / ٥١ ]
حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: انْطَلَقْنَا حَاجِّينَ فَمَرَرْنَا عَلَى أَبِي ذَرٍّ، فَقُلْنَا: حَدَّثَنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثَلاثَةٌ لا خَلاقَ لَهُمُ: الْمُخْتَالُ الْفَخُورُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]، وَالْمَنَّانُ الَّذِي لا يَفْعَلُ خَيْرًا إِلَّا مَنَّ بِهِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وَالَّذِي يَشْتَرِي بِيَمِينِهِ ثَمَنًا قَلِيلا، ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]
قوله ﷿: الذين يبخلون: نزلت في اليهود، قال قتادة: هم أعداء الله أهل الكتاب، بخلوا بحق الله عليهم، وكتموا الإسلام ومحمدا، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة.
قال الكلبي: هم اليهود بخلوا أن يَصْدُقُوا مَن أتاهم صفةَ محمد ﷺ ونعته، وأمروا قومهم بالبخل وهو كتمان أمره، وذلك قوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧] .
وقرئ بالبخل وهما لغتان، مثل: الثكلي والثكل.
قال: يأمرون سفلتهم بكتمان نعت محمد ﷺ، ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧] قال ابن عباس: يريد العلم بما في التوراة مما عظم الله به أمر محمد ﷺ وأمته.
ثم أوعدهم بالنار فقال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧]، وهو النار يذلهم الله فيها ويخزيهم.
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ
[ ٢ / ٥٢ ]
قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ﴿٣٨﴾ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴿٣٩﴾ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٤٠﴾ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴿٤١﴾ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴿٤٢﴾﴾ [النساء: ٣٨-٤٢] قوله ﷻ: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [النساء: ٣٨] نزلت في المنافقين، كانوا ينفقون أموالهم رياء، لا لوجه الله ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨] قال الكلبي: هذا في الآخرة، يجعل الله الشياطين قرناءهم في النار، يقرن مع كل كافر.
يقول الله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨] صاحبا، فساء قرينا يقول: بئس الصاحب الشيطان.
قوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٣٩] الآية، هذا احتجاج على هؤلاء المنافقين الذين ذكرهم الله بأنهم لا يؤمنون بالله، وذلك أن الإنسان يحاسب نفسه فيما عليه وله، فإذا ظهر لها عليه في فعل شيء من استحقاق العقاب تركه، وإذا ظهر ما يستحق من الثواب في عمل شيء عمله، ولزم ذلك الشيء، يقول الله: ليتفكروا ولينظروا ماذا عليهم في الإيمان لو آمنوا.
وهذا حث من الله تعالى لهم على الإيمان والنظر في شأن محمد ﷺ، وصدقه، والإنفاق في سبيل الله، وهو قوله: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٩]، قال ابن عباس: تصدقوا مما تفضل الله به عليهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٩] يعلم ما ينفقون رياء.
قوله ﷻ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] قال عطاء، عن ابن عباس: لا ينقص مثقال ذرة من عمل منافق إلا جازاه، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ [النساء: ٤٠] أي: وإن تكن الذرة حسنة.
ومن قرأ بالرفع كان المعنى: وإن تحدث حسنةٌ، أو إن تقع حسنةٌ.
[ ٢ / ٥٣ ]
قال ابن عباس: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ [النساء: ٤٠] يريد: من مؤمن.
يضاعفها: بعشرة أضعافها.
وقال السدي: هذا عن الحساب والقصاص، فمن بقي له من الحساب مثقال ذرة يضاعفها الله إلى سبع مائة ضعف، وإلى الأجر العظيم، وهو قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] يعني: تفضل عليه بأكثر من العشرة الأضعاف، وقال الكلبي: «الأجر العظيم»: الجنة.
قوله ﷻ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾ [النساء: ٤١] الآية، قال الزجاج: أي: فكيف يكون حال هؤلاء القوم الذين ذكرهم الله من المنافقين والمشركين يوم القيامة، وهو قوله ﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]، قال المفسرون: يؤتى بنبي كل أمة يشهد عليها ولها.
وجئنا بك يا محمد، على هؤلاء: المنافقين والمشركين، شهيدا تشهد عليهم بما فعلوا.
٢٢٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، قَالَ: قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، قَالَ: فَافْتَتَحْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ فَقَرَأْتُ حَتَّى بَلَغْتُ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قَالَ: فَغَمَزَنِي بِيَدِهِ، وَقَالَ: حَسْبُكَ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ "
٢٢٧ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَطَّةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
[ ٢ / ٥٤ ]
عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْكَامِلِ الْفُضَيْلُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ مِمَّنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ وَجَدُّهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُمْ فِي بَنِي ظَفَرٍ، فَجَلَسَ عَلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي فِي مَسْجِدِ بَنِي ظَفَرٍ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَمَر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَارِئًا فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] بَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اضْطَرَبَ لِحْيَاهُ وَجَنْبَاهُ، وَقَالَ: «يَا رَبِّ هَذَا شَهِدْتُ عَلَى مَنْ أنا بَيْنَ ظَهْرَيْهِ فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ أَرَهُ؟»
قوله ﷿: يومئذ يعني يوم إذ ذاك، يعني يوم القيامة، وهو ﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]، ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٤٢] يتمنون ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٤٢] في الدنيا، والواو ههنا: للحال التي كانوا عليها من معصية الرسول في الدنيا.
﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢] قال قتادة: ودوا لو تخرقت بهم الأرض فساخوا فيها، وقال الزجاج: يودون أنهم كانوا والأرض سواء.
وقال ابن الأنباري: ودوا أنهم يستوون مع تراب الأرض ويدخلون في جملتها.
[ ٢ / ٥٥ ]
وقرأ نافع تَسَّوَّى من التسوي، يقال: سويته فتسوى، والمعنى: تتسوى فأدغم التاء في السين لقربه منها، وحذف حمزةُ التاء، ولم يدغمها فقرأ تَسَوَّى مفتوحة التاء خفيفة السين.
وقوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] استئناف كلام في الإخبار عن الكفار، أنهم لا يكتمون الله حديثا في القيامة لأن ما عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه.
وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هذا حين يختم على أفواههم، وتتكلم أيديهم، وأرجلهم فحينئذ لا يكتمون الله حديثا.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] قوله ﷻ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] قال المفسرون: صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما، ودعا أناسا من أصحاب محمد ﷺ فطعموا وشربوا، وحضرت صلاة المغرب، فتقدم بعض القوم فصلى بهم المغرب، فقرأ: قل يأيها الكافرون فلم يقمها، فأنزل الله تعالى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] أي: لا تصلوا إذا كنتم سكارى.
[ ٢ / ٥٦ ]
﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] قال ابن عباس: يريد ما تقرءون، وتثبتوا حدود الصلاة، وتكبيرها، وخشوعها، فكان المسلمون بعد نزول هذه الآية يجتنبون السكر والشراب أوقات الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها.
وقوله: ولا جنبا: الجنب: الذي يجب عليه الغسل لا يؤنث، ولا يثنى، ولا يجمع يقال: جنب الرجل يجنب جنبا وجنابة، فهو جنب وأجنب مثله.
﴿إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] العابر: فاعل من العبور وهو قطع الطريق، يقال: عبرت النهر والطريق عبورا.
إذا قطعته من هذا الجانب إلى الجانب الآخر.
روى الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فتصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرا إلا في المسجد، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قال عطاء بن يسار، عن ابن عباس: في قوله: ﴿إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] لا تقرب المسجد وأنت جنب إلا أن يكون طريقك فيه، فتمر مارا، ولا تجلس.
وقال سعيد بن جبير: الجنب يمر في المسجد ولا يجلس فيه.
وهذا قول سعيد بن المسيب، والحسن، والضحاك، وعكرمة، والزهري، ومذهب الشافعي، وعند هؤلاء: يجوز للجنب المرور بالمسجد إذا كان طريقه إلى الماء.
ومعنى الآية: نهي الجنب عن دخول المسجد حتى يغتسل وهو قوله: حتى تغتسلوا، إلا إذا كان مارا بالمسجد.
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ٤٣] جمع مريض، وعني به: المريض الذي يضره مس الماء كصاحب الجدري، والجروح، والحروق، ومن يتضرر باستعمال الماء.
[ ٢ / ٥٧ ]
﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣] المسافر إذا أعوزه الماء تيمم، طال سفره أو قصر لهذه الآية، قوله ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] يعني الذي أحدث بالتبرز إلى الغائط وهو المطمئن من الأرض، وكانوا يتبرزون هناك ليغيبوا عن أعين الناس، ثم قيل للحدث غائط، إذا كان سببا له.
وقوله: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، وقرئ لمستم.
فمعنى اللمس في اللغة: طلب الشيء باليد ههنا وههنا، قال لبيد:
يلمس الأحلاس في منزله بيديه كاليهودي المصل
واختلف المفسرون في اللمس المذكور ههنا على قولين: أحدهما: أن المراد به الجماع وهو قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وهؤلاء لا يحكمون بانتقاض الطهر باللمس، وهو مذهب الكوفيين.
والقول الثاني: أن المراد باللمس ههنا: التقاء البشرتين سواء بجماع أو غيره، وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، والشعبي، وإبراهيم، ومنصور، ومذهب الشافعي، وهؤلاء يوجبون الطهارة على من أفضى بشيء من بدنه إلى عضو من أعضاء المرأة.
وهذا القول أولى، لأن حقيقة اللمس في اللغة باليد، وحمل الآية على الحقيقة أولى.
وقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] قال ابن عباس: فتعمدوا الأرض وتربتها، والمراد بالتيمم ههنا:
[ ٢ / ٥٨ ]
التمسح بالتراب، وذكرنا معناه في اللغة في ﴿[البقرة، وأما الصعيد فقال أبو عبيدة، والفراء: الصعيد: التراب.
وقال ابن الأعرابي: الصعيد: الأرض بعينها.
وقال الزجاج: الصعيد: وجه الأرض.
وقال الشافعي: لا يقع اسم صعيد إلا على تراب ذي غبار.
والطيب من الأرض: اسم لما ينبت بدليل قوله:] وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [سورة الأعراف: ٥٨] .
وقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] قال ابن عباس: تضرب بكفيك على وجه الأرض، ثم تردهما إلى وجهك، ثم تضرب الثانية بكفيك فتمسح واحدة بالأخرى إلى المرفقين.
والتيمم من خصائص هذه الأمة ومما أكرمهم الله تعالى به، وأما ابتداء التيمم فهو ما
٢٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورِ بْنُ طَاهِرٍ التَّيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْجُوزِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: أَحَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ؟ قَالَتْ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَجَعَلَ يَطْعَنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَتَيَمَّمُوا.
فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حَضِيرٍ، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ،
[ ٢ / ٥٩ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ
٢٢٩ - وأَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ غَانِمِ بْنِ حَمُّوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «التَّيَمُّمُ طُهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمْسِسْهُ بَشَرَتَكَ فَإِنَّهُ طَهُورٌ»
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ﴿٤٤﴾ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴿٤٥﴾﴾ [النساء: ٤٤-٤٥] قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٤٤] قال ابن عباس: يعني اليهود، يشترون الضلالة: قال الزجاج: يؤثرون التكذيب بالنبي ﷺ ليأخذوا على ذلك الرشى، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤] أي: تضلوا طريق الهدى.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ [النساء: ٤٥] أي: أعرف بهم فهو يعلمكم ما هم عليه، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ [النساء: ٤٥] أي: كفى الله وليا لكم، والياء زائدة للتوكيد.
[ ٢ / ٦٠ ]
ومعنى الآية: أن ولاية الله ونصرته إياكم تغنيكم عن غيره من هؤلاء اليهود ومن جرى مجراهم ممن تطمعون في نصرته.
قال الزجاج: أعلمهم الله تعالى أن عداوة اليهود وغيرهم من الكفار لا تضرهم شيئا، إذ ضمن لهم النصرة والولاية في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] .
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٤٦] قوله ﷻ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ [النساء: ٤٦] أي: قوم أو فريق يحرفون الكلم، وهو جمع الكلمة.
قال الكلبي، ومقاتل: هم اليهود يغيرون صفة محمد ﷺ وزمانه ونبوته في كتابهم، ويقولون سمعنا: قولك، وعصينا: أمرك، ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦] كانوا يقولون للنبي ﷺ: اسمع، ويقولون في أنفسهم: لا سمعت.
وقوله: وراعنا: ذكرنا في ﴿[البقرة: أن هذا كان سبا بلغتهم، ومعنى ليا بألسنتهم أي: قلبا للكلام بها، وهو أنهم كانوا يحرفون راعنا عن طريق المراعاة إلى السب بالرعونة.
] وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [سورة النساء: ٤٦] مكان قولهم سمعنا وعصينا، واسمع وانظرنا: بدل راعنا، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [النساء: ٤٦] عند الله، وأقوم أي: أعدل وأصوب ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٤٦] أي: أبعدهم الله عن رحمته مجازاة لهم، ﴿بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٤٦] يعني بالقليل عبد الله بن سلام وأصحابه.
وقال السدي: القليل قولهم: الله ربنا، والجنة حق، والنار حق، فهذا قليل من إيمانهم.
قال الزجاج: والتقدير على هذا القول: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا يجب أن يسموا مؤمنين.
[ ٢ / ٦١ ]
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا ﴿٤٧﴾ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴿٤٨﴾ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴿٤٩﴾ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا ﴿٥٠﴾ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا ﴿٥١﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴿٥٢﴾ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ﴿٥٣﴾ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴿٥٤﴾ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴿٥٥﴾﴾ [النساء: ٤٧-٥٥] قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [النساء: ٤٧] يخاطب اليهود، ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] يعني القرآن ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧] .
الطمس المحو، يقال: طمسته تطمس، أي: درس.
قال ابن عباس: نجعلها كخف البعير، أو كحافر الفرس، على معنى: نمحو ما فيها من عين وفم وأنف وحاجب.
﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧] قال قتادة: نحول وجوههم قبل ظهورهم.
يقال: لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن سلام رسول الله ﷺ قبل أن يأتي أهله وأسلم، وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.
وقال النخعي: أقبل كعب من اليمن يحج بيت المقدس، فذهب إليه، فبينا هو فيه سمع رجلا من المهاجرين
[ ٢ / ٦٢ ]
يقرأ في جوف الليل هذه الآية، فأتى عمر ﵁ فأسلم.
ويروى أن عمر قرأ هذه الآية عليه، فقال كعب: يا رب آمنت، يا رب أسلمت.
مخافة أن يصيبه هذا الوعيد.
وقوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧] أي: نمسخهم قردة، كما فعلنا بأوائلهم، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ [النساء: ٤٧] قال ابن عباس: لا راد لحكمه، ولا ناقض لأمره.
قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] الآية، هذه الآية دليل قاطع في مسألتين كبيرتين من الأصول: إحديهما: أن من ارتكب الكبائر من المسلمين إذا مات على الإيمان لم يخلده الله في النار، وإنما يخلد المشرك في النار دون المسلم.
والثانية: أن الله تعالى وعد المغفرة لما دون الشرك، فيعفو عمن يشاء، ويغفر لمن يشاء، لا حجر عليه في شيء من ذلك، ولا حكم عليه لأحد، تكذيبا للقدرية حيث قالوا: لا يجوز أن يغفر الكبيرة ويعفو عن المعاصي.
٢٣٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزّمجَارِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُفِيدُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّقَطِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَرْجَى عِنْدِي مِنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]
٢٣١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
[ ٢ / ٦٣ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُسْتَهْ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ سُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا نُمْسِكُ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لأَهْلِ الْكَبَائِرِ حَتَّى سَمِعْنَا نَبِيَّنَا ﷺ يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
وقال النبي ﷺ: «إني ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» .
فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ورجونا
٢٣٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي، أَوْ قَالَ: بَشَّرَنِي، أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ "
[ ٢ / ٦٤ ]
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] أي: اختلق ذنبا غير مغفور.
قال الزجاج: يقال: افترى فلان الكذب، إذا اعتمله واختلقه، وأصله من الفري وهو بمعنى القطع.
قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٤٩] قال ابن عباس في رواية الكلبي: نزلت في اليهود، أتوا بأطفالهم إلى النبي ﷺ، فقالوا: يا محمد، هل على هؤلاء من ذنب؟ فقال: لا.
فقالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم، ما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار، فكذَّبهم اللهُ تعالى.
ومعنى يزكون أنفسهم: يزعمون أنهم أزكياء، وتفسير التزكية قد مر.
وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٩] يجعل من يشاء زاكيا، قال ابن عباس: يريد: أهلَ التوحيد، ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٤٩] قال ابن عباس: يريد: ولا ينقصون من الثواب قدر فتيل النواة، يريد القشرة التي حول النواة فيما بينها وبين البسرة.
قال الفراء: الفتيل: ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ.
وهو قول السدي، وقال ابن السكيت: القطمير: القشرة الرقيقة على النواة، والفتيل: ما كان في شق النواة، والنقير: النكتة في ظهر النواة.
قال الأزهري: وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير القدر أي: لا يظلمون قدرها، قال النابغة:
[ ٢ / ٦٥ ]
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ثم لا يرزأ العدو فتيلا
قوله ﷻ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] هذا تعجيب للنبي ﷺ، وهي قولهم: يكفر عنا ما نعمله، وكفى به أي: كفى هو يعني: افتراءهم، إثما مبينا وتأويل هذا: تعظيم إثمهم.
قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٥١] يعني: علماء اليهود الذين أعطوا علم أمر النبي ﷺ، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] كل معبود من دون الله فهو جبت.
قال ابن عباس في رواية عطية: الجبت: الأصنام، والطاغوت: تراجمة الأصنام الذين يكونون بين أيديهم يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس.
وفي رواية الوالبي: الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر، وقال الكلبي: الجبت في هذه الآية: حيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف، سميا بذلك لإغوائهما الناس ولطاعة اليهود لهما في معصية الله تعالى.
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ [النساء: ٥١] وذلك أن حُيَيًّا، وكعبا لقيا قريشا بالموسم فقال لهما المشركون: أنحن أهدى طريقا أم محمد وأصحابه؟ فقالا: بل أنتم أهدى سبيلا، وأقوم طريقا، وأحسن من الذين آمنوا دينا، وهما يعلمان أنهما كاذبان، حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه.
قال الزجاج: وهذا دليل على معاندة اليهود لأنهم زعموا أن المشركين الذين لا يصدقون بشيء من الكتب وعبدوا الأصنام أهدى طريقا من الذين يوافقونهم على كثير مما يصدقون به.
ثم أنزل الله فيهم قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢] ناصرا ينصره، ومانعا من عذاب الله، ثم وصفهم بالبخل فقال:
[ ٢ / ٦٦ ]
أم لهم: على معنى: بل ألهم، ﴿نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ [النساء: ٥٣] وهذا استفهام معناه الإنكار، أي: ليس لهم ذلك.
وقوله ﴿فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] قال الفراء: هذا جواب لجزاء مضمر كأنك قلت: ولئن كان لهم نصيب لا يؤتون الناس نقيرا إذا.
قال الزجاج: وتأويل إذًا: إن كان الأمر كما جرى، أو كما ذكرت، يقول القائل: زيد يصير إليك.
فتقول: إذًا أكرمه.
أي: إن كان الأمر على ما تصف وقع إكرامه.
قال ابن عباس: النقير: نقرة في ظهر النواة منها تنبت النخلة.
قال الزجاج: وذكر النقير ههنا: تمثيل، المعنى لَبَخلوا بالقليل.
قوله ﷿: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤] الآية، حسدت اليهود محمدا ﷺ على ما آتاه الله من النبوة، فقال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤] على معنى: بل أيحسدون الناس، يعني: محمدا ﷺ، وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الناس وهو واحد، لأنه اجتمع عنده من خلال الخير ما يكون في جماعة، ومثله قوله ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] .
وقوله: ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] يعني: النبوة، وقد علموا أن النبوة كانت في آله، ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤] يعني: النبوة، يريد ما كان في بني إسرائيل من الكتاب والنبوة، وكانوا من آل إبراهيم لأنهم كانوا أولاد إسحاق بن إبراهيم، ومحمد ﷺ كان ولد إسماعيل بن إبراهيم.
وهذا الذي ذكرنا قول الحسن، وابن جريج، وقتادة، واختيار الزجاج.
وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] قال مجاهد: يعني النبوة، لأن الملك لمن له الأمر والطاعة، والأنبياء لهم الطاعة والأمر.
[ ٢ / ٦٧ ]
قوله ﷿: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ [النساء: ٥٥] قال ابن عباس، والأكثرون: مِن أهل الكتاب مَن آمن بمحمد ﷺ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء: ٥٥] أعرض ولم يؤمن، ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٥] عذابا لمن لا يؤمن.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿٥٦﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا ﴿٥٧﴾﴾ [النساء: ٥٦-٥٧] قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ [النساء: ٥٦] يعني: بمحمد ﷺ والقرآن، ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ٥٦] ندخلهم نارا كلما نضجت: لانت بحرارتها، ﴿جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] قال ابن عباس: يبدلون جلودا بيضاء كأمثال القراطيس.
وقال الحسن: بلغنا أنهم تنضجهم كل يوم سبعين ألف مرة، تأكل جلودهم ولحومهم، قال: وغلظ لحوم أهل النار أربعون ذراعا، وما بين منكبي أحدهم مسيرة ثلاثة أيام.
٢٣٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرِجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ بَطَّةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْكَلاعِيُّ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، قَالَ:
[ ٢ / ٦٨ ]
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يُحْشَرُ مِنْ بَيْنِ السَّقْطِ إِلَى الشَّيْخِ الْفَانِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَبْنَاء ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً، الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ فِي خَلْقِ آدَمَ، وَقَلْبِ أَيُّوبَ، وَحُسْنِ يُوسُفَ، مُرْدًا مُكَحَّلِينَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِالْكَافِرِ؟ قَالَ: يَعْظُمُ لِلنَّارِ حَتَّى يَصِيرَ غِلَظُ جِلْدِهِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَحَتَّى يَصِيرَ النَّابُ مِثْلَ أُحُدٍ "
وعن جابر بن عبد الله قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] فبكى، واشتد بكاؤه، فبكينا لبكائه، فلما أفاق قال: «تبدل ليجدد عليهم العذاب» .
وهو قوله: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] أي: هو قوي لا يغلبه شيء، وهو مع ذلك حكيم فيما دبر.
ولما ذكر ما أعد للكافرين من العذاب ذكر ثواب المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ٥٧] إلى قوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا﴾ [النساء: ٥٧] أي: دائما لا تنسخه الشمس، كما تنسخ ظلال الدنيا.
وقال الحسن: ظلا ظليلا: لا يدخله الحر والسمائم.
قال الزجاج: معنى ظليل: يظل من الريح والحر، وليس كل ظل كذلك، أعلم الله تعالى أن ظل الجنة ظليل لا حر فيه ولا برد.
وقال مقاتل: ظلا ظليلا يعني أكتان القصور، لا فرجة فيها ولا خلل.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] أجمع المفسرون على أن الآية نازلة في شأن مفتاح الكعبة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة طلب المفتاح، فقيل: إنه مع عثمان بن طلحة الحجبي، وكان من بني عبد الدار وكان يلي سدانة الكعبة، فوجه إليه عليا ﵁ فأبى دفعه إليه، وقال: لو
[ ٢ / ٦٩ ]
علمت أنه رسول الله لم أمنعه المفتاح.
فلوى علي يده، وأخذه منه قسرا حتى دخل رسول الله ﷺ البيت وصلى فيه فلما خرج قال له العباس: بأبي أنت اجمع لي السدانة مع السقاية، وسأله أن يعطيه المفتاح، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمر رسول الله ﷺ عليا برده إليه، فرده إليه عليّ وألطف في القول، فقال: أخذته مني قهرا ورددته علي باللطف، قال: لأن الله تعالى أمرنا برده إليك، وقرأ عليه الآية، فأتى للنبي ﷺ، وأسلم، ثم إنه هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة فهو في ولده إلى اليوم.
٢٣٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْتَرَابَاذِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا جَدِّي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الآيَةِ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ: قَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ، فَدَخَلَ الْكَعْبَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ، فَدَعَا عُثْمَانَ فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمِفْتَاحَ وَقَالَ: «خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ لا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ»
قال ابن عباس: هذه الآية عامة في كل أمانة، تؤدى الأمانة إلى البر والفاجر، والرحم توصل برة كانت أو فاجرة.
وقال ابن عمر، وابن مسعود: الفرج أمانة، والبصر أمانة، والأمانة في كل شيء، في الوضوء والصلاة، والزكاة، والجنابة، والصوم، وفي الكيل والوزن، وأعظم من ذلك الودائع، ولا إيمان لمن لا أمانة له.
والأمانة مصدر سمي به المفعول، ولذلك جُمع أمانات لأنه أخلص اسما، قال الشاعر:
فأخلفن ميعادي وخن أمانتي وليس لمن خان الأمانة دين
[ ٢ / ٧٠ ]
٢٣٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ»
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] أي: نعم شيئا يعظكم به الله، يعني: أداء الأمانة، والحكم بالعدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا﴾ [النساء: ٥٨] لما تقولون في الأمانة والحكم، بصيرا: بما تعملون فيهما.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [النساء: ٥٩] وقوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] قال الحسن، وعطاء: اتباع الكتاب والسنة، ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] قال ابن عباس في رواية الوالبي: هم الفقهاء، والعلماء، وأهل الدين الذين يعلمون الناس معالم دينهم.
وأوجب الله تعالى طاعتهم.
وهذا قول مجاهد، والحسن، والضحاك.
وفي رواية عطاء: هم الولاة.
وهو قول ابن زيد، قال: هم الأمراء والسلاطين لما أمروا بأداء الأمانة في الرعية في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [النساء: ٥٨] الآية، أمرت الرعية بحسن الطاعة لهم فيما يوافق الحق.
٢٣٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ قَطَنٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، أَخْبَرَنِي زُرَيْقٌ مَوْلَى بَنِي
[ ٢ / ٧١ ]
فَزَارَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ مُسْلِمَ بْنَ قَرَظَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ رُشَيْدٍ
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، أخبرنا عبد الله بن أحمد المروزي، أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي دارة، حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاد، حدثنا سلمة بن سليمان، عن عبد الله بن المبارك، أخبرنا الحسن بن عياش، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه قال: قال مسلمة بن عبد الملك: أليس قد أمرتم بطاعتنا، يعني: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]؟ قال: قلت: إن الله قد انتزعه منكم إذ خالفتم الحق، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] .
قال: فأين الله؟ قلت: الكتاب، قال: فأين الرسول؟ قلت: السنة.
والمعنى: فإن تنازعتم في شيء، أنتم وأمراؤكم، فردوا الحكم فيما تنازعتم فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله.
ذلك خير أي: ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة، وترككم التجادل خير، وأحسن تأويلا قال قتادة، والسدي، وأحمد: عاقبة.
[ ٢ / ٧٢ ]
والعاقبة تسمى تأويلا لأنها مآل الأمر، يقال: إلى هذا مآل الأمر، وتأويله، أي: عاقبته.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا ﴿٦٠﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴿٦١﴾ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴿٦٢﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا ﴿٦٣﴾﴾ [النساء: ٦٠-٦٣] قوله ﷻ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] الآية، الزَّعم والزُّعم: لغتان وأكثر ما يستعمل الزَّعم بمعنى القول فيما لا يتحقق، يقال: زعم فلان إذا لم يدر لعله كذب أو باطل، ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦] أي: بقولهم الكذب.
قال المفسرون: وقع نزاع بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين، فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم.
يعني: النبي ﷺ، وعلم أنه لا يقبل الرشوة، وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف.
لأنه علم أنه يأخذ الرشوة، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: ٦٠] يعني: المنافقين، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] يعني: كعب بن الأشرف، وقال عطاء: يعني: حيي بن أخطب ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] قال ابن عباس: أمروا أن لا يوالوا غير أهل دينهم.
﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] أي: ضلالا لا يرجعون عنه إلى دين الله أبدا.
[ ٢ / ٧٣ ]
ومعنى الآية: تعجيب للنبي ﷺ مِن جهل مَن يعدل عن حكم الله إلى حكم الطاغوت مع زعمه بأنه مؤمن بالله ورسوله، وما أنزل إليه من قبله.
قوله ﷻ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ [النساء: ٦١] أي: لهؤلاء المنافقين: ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٦١] يعني: في القرآن من الأحكام، وإلى الرسول إلى حكمه، ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] أي: يعرضون عنك إلى غيرك.
قوله ﷿: فكيف أي: فكيف يحتالون ويصنعون، ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: ٦٢] عقوبة من الله مجازاة على ما صنعوا وهو قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء: ٦٢] أي: من التكذيب والكفر بالقرآن والرسول؟ ثم عاد الكلام إلى ما سبق من القصة فقال: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٦٢]، وذلك أن المنافقين أتوا نبي الله ﷺ: وحلفوا أنهم ما أرادوا بالعدول عنه في المحاكمة، ﴿إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] أي: إلا توفيقا بين الخصوم أي: جمعا وتأليفا، وإحسانا بالتقريب في الحكم دون الحمل على مر الحق.
وكل ذلك كذب منهم، لأن الله تعالى قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣] من الكذب والخيانة والشرك والنفاق، فأعرض عنهم أي: لا تعاقبهم، وعظهم: بلسانك ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] قال ابن عباس: خوفهم بالله.
وقال الحسن: قل لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق قتلتم، فهذا القول البليغ، لأنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ.
وقال الزجاج: أعلمهم أنهم إن ظهر منهم رد لحكمك وكفر فالقتل.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] قوله ﷻ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾ [النساء: ٦٤] مِن: دخلت للتأكيد، والمعنى: وما أرسلنا رسولا، ﴿إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] أي: بأمر الله، يعني: إن طاعة الرسول وجبت بأمر الله الذي دل على وجوب طاعته.
قال الزجاج: أي: إلا ليطاع لأن الله تعالى قد أذن في ذلك وأمر به قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٦٤] بعصيانك وموالاتهم الكفار حتى يحكموهم، ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٦٤] أي: تابوا إلى الله ونزعوا عما هم عليه، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] سأل الله لهم أن يغفر لهم ما تقدم من تكذيبهم، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] .
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا
[ ٢ / ٧٤ ]
قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴿٦٥﴾ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴿٦٦﴾ وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٦٧﴾ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴿٦٨﴾﴾ [النساء: ٦٥-٦٨] قوله ﷿: فلا أي: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك، ثم استأنف القسم فقال: ﴿وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] .
وهذا قول عطاء، ومجاهد، والشعبي: إن الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق، وهي متصلة بما قبلها.
وقال آخرون: هذه مستأنفة نازلة في قصة أخرى وهي ما
٢٣٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ، كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِمَا كَلَأَهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أَرَادَ فِيهِ سَعَةً لَهُ وَلِلأَنْصَارِيِّ فَلَمَّا أَحْفَظَ الأَنْصَارِيّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ مَا أَحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء: ٦٥] الآيَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ
وقوله: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] أي: اختلف واختلط، يقال: شجر يشجر شجورا وشجرا ومشاجرة في الأمر.
إذا
[ ٢ / ٧٥ ]
نازعه مشاجرة، وتشاجروا وتشاجرا، واشتجروا، ولك ذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض.
وقوله: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥] قال ابن عباس: يعني ضيقا مما قضيت، يعني: يرضون بقضائك.
وقال الزجاج: لا تضيق صدورهم بقضيتك.
ويسلموا تسليما: لما يأتي من حكمك، لا يعارضون بشيء، أي: يبذلون الرضا لحكمك ويتركون السخط والمنازعة.
قوله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٦] أي: فرضنا وأوجبنا، قال المفسرون: كتب الله تعالى على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم، فقال الله تعالى: ولو أنا كتبنا على هؤلاء ما كتبنا على غيرهم، وهو قوله ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] كسرهما عاصم وحمزة، لالتقاء الساكنين، ومَن ضمهما: فلأنهما حلا محل الهمزة المضمومة، فضمتا كما ضمت هي، وإن كانتا منفصلتين.
قال الزجاج: وللكسرة والضمة في هذه الحروف وجهان جيدان، ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية، إلا أن يكون رواية.
قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] قال الحسن: أخبر عن علمه فيهم، يعني ما يفعل ذلك إلا من قد علم الله منه ذلك، وهم قليل.
وارتفع قليل على البدل من الواو في فعلوه كقولك: ما أتاني أحد إلا زيد ترفع زيدا على البدل من أحد.
ومن نصب إلا قليلا فإنه جعل النفي بمنزلة الإيجاب، وذلك أن قولك: ما جاءني أحد كلام تام، كما أن:
[ ٢ / ٧٦ ]
جاءني القوم.
كذلك، فنصب مع النفي كما نصب مع الإيجاب، من حيث اجتماعهما في أن كل واحد منهما كلام تام.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء: ٦٦] أي: ما يؤمرون به، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] في دينهم وفي الآخرة، وأشد تثبيتا: تصديقا بأمر الله، أي: ذلك أشد تثبيتا منهم لأنفسهم في الدين.
وإذا لآتيناهم أي: لو فعلوا ما وعظوا به لآتيناهم، من لدنا مما لا يقدر عليه غيرنا، أجرا عظيما وهو الجنة.
﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٨] قال ابن عباس: أرشدناهم إلى دين مستقيم، يريد: دين الحنيفية، لا دين اليهودية.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴿٦٩﴾ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴿٧٠﴾﴾ [النساء: ٦٩-٧٠] قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء: ٦٩] الآية، قال السدي: إن ناسا من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها، ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع؟ فنزلت الآية.
وقال الشعبي: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو يبكي، فقال: ما يبكيك يا فلان؟ فقال: يا رسول الله بالله الذي لا إله إلا هو لأنت أحب إلي من نفسي وأهلي ومالي وولدي، وإني لأذكرك وأنا في أهلي فيأخذني مثل الجنون حتى أراك، وذكرت موتي، وأنك ترفع مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك.
فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئا، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ [النساء: ٦٩] أي: في الفرائض، والرسول أي: في السنن، فأولئك: يعني المطيعين، ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] أي: أنه يستمتع برؤية النبيين، وزيارتهم، والحضور معهم، فلا يتوهمن من أجل أنهم في أعلى عليين أنه لا يراهم.
[ ٢ / ٧٧ ]
وقوله: والصديقين: كل من صدق بكل ما أمر الله، لا يدخله شك، وصدق الأنبياء فهو صديق، وهو قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] .
وقال الكلبي: الصديقون: أفاضل أصحاب النبي ﷺ.
وقال مقاتل: الصديقون أول من صدقوا الأنبياء حين عاينوهم.
وقوله: والشهداء يعني: القتلى في سبيل الله، والصالحين: هم سائر المسلمين، وحسن أولئك يعني: الأنبياء وهؤلاء، رفيقا: صاحبا.
وسمي الصاحب رفيقا لارتفاقك به وبصحبته، ويقال للجماعة في السفر: رفقة لارتفاق بعضهم ببعض.
ووحد الرفيق لأن الواحد في التمييز ينوب عن الجماعة، نحو قولك: هو أجمل فتى.
المعنى: هو أجمل الفتيان.
قوله: ذلك أي: ذلك الثواب، وهو الكون مع النبيين والصديقين، ﴿الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٠] تفضل به على من أطاعه، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٧٠] أي: أنه لا يضيع عنده عمل عامل لأنه لا يخفى عليه شيء.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴿٧١﴾ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴿٧٢﴾ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿٧٣﴾ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٧٤﴾ وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ
[ ٢ / ٧٨ ]
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴿٧٥﴾ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴿٧٦﴾﴾ [النساء: ٧١-٧٦] قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] هذه الآية حث من الله على الجهاد، والحِذْر بمعنى الحَذَر كالمثل، وتقول العرب: خذ حذرك أي: احذر.
والمعنى: احذروا عدوكم بأخذ العدة والسلاح.
وقوله: فانفروا ثبات يقال: نفر القوم ينفرون نفرا، إذا نهضوا لقتال عدو وخرجوا لحرب.
والثبات جماعات متفرقة واحدها ثبة، قال قتادة: الثبات: الفرق.
وقال مقاتل: عصبا متفرقين.
﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] خيّرهم الله تعالى بين أن يقاتلوا جميعا وبين أن يقاتل بعضهم دون بعض، فدل على أن الجهاد ليس من فروض الأعيان.
قوله ﷿: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] يعني: عبد الله بن أبي، كان يتخلف عن رسول الله ﷺ إذا خرج لغزو، والخطاب للمؤمنين وجعله منهم من حيث الظاهر، وهو حقن الدم والموارثة، والتبطئة: التأخر عن الأمر، تقول العرب: ما بطأ بك عنا.
أي: ما أخرك، يقال: بطوء بطأ، وأبطأ إبطاء، وبطَّأ تبطئة بمعنى واحد.
قال مقاتل: ليبطئن أي: ليتخلفن عن الجهاد.
وقال الكلبي: ليتثاقلن.
﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: ٧٢] من القتل وجهد من العيش، ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ [النساء: ٧٢] بالقعود، ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢] أي: لم أحضر معهم فيصيبني ما أصابهم من البلاء والشدة.
[ ٢ / ٧٩ ]
﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٣] فتح ونصر وغنيمة، ليقولن: هذا المنافق قول نادم حاسد: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ٧٣] لأسعد بمثل ما سعدوا به من الغنيمة.
وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ [النساء: ٧٣] متصل في النظم بقوله: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ٧٢] كأن لم تكن بينكم وبينه مودة.
قال ابن الأنباري: كأن لم يعاقدكم على الإسلام، ولم يبايعكم على الصبر والثبات فيه على ما ساء وسر.
وقرئ: تكن بالياء والتاء، فالتأنيث على الأصل، والتذكير يحسن إذا كان التأنيث غير حقيقي سيما إذا وقع فاصل بين الفعل والفاعل.
وقوله: ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣] قال مقاتل: آخذ نصيبا وافرا، وإنما قال هذا حرصا على الدنيا، وميلا إليها ولا رغبة في الثواب.
ولما ذم الله تعالى المنافق بالاحتباس عن الجهاد، أمر المؤمنين بالقتال فقال سبحانه: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤] أي: يبيعون، يقال: شريت.
بمعنى: بعت.
والمعنى: أنهم يختارون الجنة على البقاء في الدنيا، فيجاهدون طلبا للشهادة في سبيل الله، ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ [النساء: ٧٤] شهيدا أو يغلب فينظر ويقتل هو، فكلاهما سواء في الثواب، وهو قوله ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤]، قال ابن عباس: ثوابا لا صفة له.
قوله ﷻ: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥] قال المفسرون: هذا حض من الله تعالى على الجهاد في سبيله لاستنقاذ المؤمنين من أيدي المشركين.
والمعنى: لا عذر لكم في ترك القتال في سبيل الله، وفي المستضعفين من الرجال والنساء والولدان،
[ ٢ / ٨٠ ]
قال ابن عباس: يريد قوما بمكة قد استضعفوا، فحبسوا وعذبوا.
قال: وكنت أنا وأمي من المستضعفين.
ولم يكن لهم قوة يمتنعون بها من المشركين، ولم يقدروا أن يهاجروا إلى المدينة فكانوا يدعون الله ويقولون: ربنا أخرجنا: إلى المدينة دار الهجرة، ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [النساء: ٧٥] يعني مكة، الظالم أهلها يريد: جعلوا لله شركاء.
قال الزجاج: الظالم أهلها: نعت للقرية.
وإنما وحد الظالم لأنه صفة يقع موضع الفعل، يقال: مررت بالقرية الصالح أهلها.
أي: التي صلح أهلها، ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [النساء: ٧٥] وَلِّ علينا رجلا من المؤمنين يوالينا ويقوم بأمورنا، ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥] ينصرنا على عدونا ويمنعنا منهم.
فاستجاب الله دعاءهم، وولى عليهم رسولُ الله ﷺ، لما فتحت مكة، عتاب بن أسيد فكان ينصف المظلوم من الظالم، والضعيف من الشديد.
قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٦] في نصرة دين الله، وهو سبيله الذي يؤدي إلى ثوابه ورحمته، والذين كفروا: يعني: المشركين واليهود والنصارى، ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦] في طاعة الشيطان، ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء: ٧٦] قال ابن عباس: يعني: عبدة الأصنام ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء: ٧٦] سعيه في إيقاع الضرر بالمؤمنين على جهة الاحتيال، كان ضعيفا يعني: خذلانه إياهم يوم قتلوا ببدر.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴿٧٧﴾ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴿٧٨﴾ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴿٧٩﴾ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴿٨٠﴾﴾ [النساء: ٧٧-٨٠] قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] الآية، نزلت الآية في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ منهم: عبد الرحمن بن عوف، والمقداد بن الأسود، وقدامة بن مظعون، وسعد بن أبي وقاص، كانوا يقولون
[ ٢ / ٨١ ]
للنبي ﷺ: ائذن لنا في قتال المشركين، فيقول لهم: كفوا أيديكم فإني لم أومر بقتالهم.
فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأمروا بالقتال كرهه بعضهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقوله: كفوا أيديكم: قال ابن عباس: عن قتال عبدة الأصنام لأن الله تعالى لم يأمر بقتالهم.
قال الزجاج: كان المسلمون قبل أن يؤمروا بالقتال قالوا للنبي ﷺ: لو أذنت لنا أن نقاتل المشركين، فأمروا بالكف وأداء ما افترض عليهم من غير القتال، وهو قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ﴾ [النساء: ٧٧] فُرض ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٧٧] يعني: جماعة منهم، يخشون الناس: المشركين، كخشية الله: كما يخشون الله، ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧] قال الحسن: هذا كان منهم لما في طبع البشر من المخافة لا على كراهة أمر الله بالقتال.
وقالوا: جزعا من الموت وحرصا على الحياة: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ٧٧] أن: هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا وعافيتنا من القتل؟ قل: لهم، يا محمد: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] أي: ما تمتعون به من الدنيا وعيشها قليل، والآخرة خير يعني: الجنة لمن اتقى الله ولم يشرك به شيئا.
٢٣٨ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَحْمدِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ الْفِهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
[ ٢ / ٨٢ ]
يَقُولُ: «وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا كَمَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَا يَرْجِعُ»
وقوله: ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٧٧] قال ابن عباس: لا ينقصون من ثواب أعمالهم فتيل النواة.
ثم أعلمهم أن آجالهم لا تخطئهم ولو تحصنوا بأمنع الحصون، فقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] أي: في حصون وقصور مطولة رفيعة، وقال السدي، وقتادة: يعني بروج السماء الاثني عشر، يقال: شاد بناءه وأشاده وشيده.
إذا رفعه.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ [النساء: ٧٨] إلى قوله: من عندك هذا من قول اليهود والمنافقين عند مقدم النبي ﷺ المدينة، وكان قد بسط عليهم الرزق، فلما كفروا أمسك عنهم بعض الإمساك، فقالوا: ما رأينا أعظم شؤما من هذا، نقصت ثمارنا، وغلت أسعارنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه.
فذلك قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ [النساء: ٧٨] يعني: الخصب ورخص الأسعار ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [النساء: ٧٨] جدب وغلاء الأسعار قالوا هذه من عندك: من شؤم محمد، ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] .
قال ابن عباس: أما الحسنة فأنعم الله بها عليك وأما السيئة فابتلاك بها، ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] لا يفهمون القرآن وتأويله فيؤمنوا ويعلمون أن الحسنة والسيئة من عند الله.
قوله ﷿: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ [النساء: ٧٩] قال ابن عباس في رواية عطاء: ما أصابك من حسنة يوم بدر من النصر والغنيمة، ﴿فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ [النساء: ٧٩] يوم أحد من القتل والهزيمة، فمن نفسك فبذنبك.
[ ٢ / ٨٣ ]
قال: وهذا مخاطبة من الله تعالى للنبي ﷺ، والمراد به أصحابه والنبي من ذلك بريء.
قال الزجاج: هذا خطاب للنبي ﷺ يراد به الخلق، ومخاطبة النبي ﷺ تكون للناس جميعا، لأنه ﷺ لسانهم.
ومعنى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩] أي: ما أصبتم من غنيمة أو أتاكم من خصب فمن تفضل الله عليك، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ [النساء: ٧٩] أي: من جدب وهزيمة في حرب، فمن نفسك أي: أصابكم ذلك بما كسبت أيديكم.
وقال قتادة: فمن نفسك عقوبة لذنبك يابن آدم، وكذلك قال الحسن، والسدي، وابن جريج، والضحاك: فمن نفسك فبذنبك، وهذا كقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، والحسنة تكون بمعنى الخصب، والسيئة: بمعنى الجدب، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] يعني: الخصب والجدب.
ولا تعلق للقدرية بهذه الآية، لأن الحسنة والسيئة المذكورتين ههنا لا ترجعان إلى الطاعة والمعصية، واكتساب العباد بحال، لأن الحسنة التي يراد بها الخير والطاعة لا يقال فيها: أصابتني.
إنما يقال: أصبتها.
وليس في كلام العرب: أصابت فلانا حسنة، على معنى: عمل خيرا، وكذلك: أصابته سيئة، على معنى: عمل معصية، غير موجود في كلامهم، إنما يقولون: أصاب سيئة إذا عملها واكتسبها.
قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا﴾ [النساء: ٧٩] قال ابن عباس: يريد أنك قد بلغت رسالاتي، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] على ما بلغت من رسالات ربك.
قوله ﷻ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] قال ابن عباس: يريد: إن طاعتكم لمحمد ﷺ طاعة لله.
وقال الحسن: جعل الله طاعة رسوله طاعته، وقامت به الحجة على المسلمين.
وذكر الشافعي في الرسالة، في باب فرض طاعة الرسول هذه الآية، وقال: إن كل فريضة فرضها الله في كتابه كالحج والصلاة والزكاة، لولا بيان رسول الله ﷺ ما كنا نعرف كيف نأتيها، ولا كيف يمكننا أداء شيء من العبادات،
[ ٢ / ٨٤ ]
وإذا كان الرسول ﷺ من الشريعة بهذه المنزلة، كانت طاعته على الحقيقة طاعة لله عز جل.
٢٣٩ - وأَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ الإِمَامَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ عَصَا الإِمَامَ فَقَدْ عَصَانِي»
وقوله: ومن تولى: قال ابن عباس، ومقاتل: أعرض عن طاعتك يا محمد، ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠] حافظا من التولي والإعراض.
ثم أمر بعد ذلك بالجهاد، والإكراه على الدين بالسيف.
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ﴿٨١﴾ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴿٨٢﴾﴾ [النساء: ٨١-٨٢] قوله ﷿: ويقولون طاعة يعني: المنافقين كانوا يقولون للنبي ﷺ: طاعة لأمرك.
قال مقاتل: كانوا إذا دخلوا على النبي ﷺ قالوا: مرنا بما شئت فأمرك طاعة.
وقال النحويون: معناه: أمرنا طاعة، أي: أمرنا وشأننا أن نطيعك.
فإذا برزوا: خرجوا، ﴿مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨١] قال الزجاج: كل أمر فكر فيه بليل فقد بيت، ومنه
[ ٢ / ٨٥ ]
قوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] وقال ابن عباس: يريد ما أضمر في قلوبهم غير ما يقولون.
وقال ابن قتيبة: ويقولون طاعة: بحضرتك، فإذا خرجوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي يقول، أي: قالوا وقدروا ليلا غير ما أعطوه نهارا.
﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١] أي: يحفظ عليهم ليجازوا به، فأعرض عنهم: قال ابن عباس: فاصفح عنهم، وذلك أن الله تعالى نهى عن قتل المنافقين، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ٨١] اعتمد بأمرك عليه، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ [النساء: ٨١] معتمدا وملجأ.
قوله ﷻ: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ [النساء: ٨٢] يعني: المنافقين، ومعنى تدبرت الشيء: نظرت في عاقبته، يقول: أفلا يتأملون القرآن ويتفكرون فيه؟ ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] قال ابن عباس: لو كان من عند مخلوق لكان فيه كذب وباطل واختلاف.
وقال الزجاج: لولا أنه من عند الله لكان ما فيه من الأخبار عن الغيب مما يُسره المنافقون وما يبيتونه مختلفا، بعضه حق وبعضه باطل لأن الغيب لا يعلمه إلا الله.
وقال أهل المعاني: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] أي: لو كان من عند مخلوق لكان على قياس كلام العباد، بعضه بليغ حسن، وبعضه مرذول فاسد، فلما كان جميع القرآن بليغا ولم يختلف، عرف أنه من عند الله، وليس بحمد الله في القرآن اختلاف تناقض، ولا اختلاف تفاوت.
فأما اختلاف القراءات، واختلاف مقادير الآيات والسور، واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ فكل حسن وحق، وليس ذلك اختلافا يؤدي إلى فساد وتناقض.
[ ٢ / ٨٦ ]
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٨٣] قوله ﷻ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ [النساء: ٨٣] الآية، نزلت في قوم كانوا يرجفون بسرايا رسول الله ﷺ، ويخبرون بما وقع بها من هزيمة، وبما أدركت من غنيمة قبل أن يخبر بها النبي ﷺ، فيضعفون قلوب المؤمنين ويؤذون النبي ﷺ بسبقهم إياه بالأخبار، فأنزل الله تعالى وإذا جاءهم يعني المنافقين وأصحاب الأراجيف، ﴿أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ﴾ [النساء: ٨٣] حديث فيه أمن، أو الخوف: يعني الهزيمة أذاعوا به: أفشوه وأظهروه، ولو سكتوا عنه حتى يكون الرسول هو الذي يفشيه، وأولو الأمر مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء: ٨٣] يتبعونه ويطلبون علم ذلك منهم.
ومعنى الاستنباط في اللغة: الاستخراج.
وقوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النساء: ٨٣] قال ابن عباس: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٨٣] قال ابن عباس في رواية الوالبي: تم الكلام عند قوله: لاتبعتم الشيطان، ثم استثنى القليل من قوله: أذاعوا به أي: أذاعوا به إلا قليلا، يعني بالقليل المؤمنين.
وهذا القول اختيار الكسائي والفراء.
قال في رواية عطاء: ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٨٣] ممن عصم الله.
[ ٢ / ٨٧ ]
قال ابن الأنباري: وهم الذين اهتدوا بعقولهم لترك عبادة الأوثان، والإشراك بالله بغير رسول الله ولا كتاب مثل: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء الشني، وأبي ذر الغفاري، وطلاب الدين.
﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلا﴾ [النساء: ٨٤] وقوله ﷿: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤] أمر الله نبيه ﵇ بالجهاد، ولو كان وحده لأنه قد ضمن له النصر.
ومعنى ﴿لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤] لا ضرر عليك في فعل غيرك، ولا تهتم بتخلف من يتخلف عن الجهاد فعليهم ضرر ذلك.
﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]: حُضَّهم على القتال، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٤] عسى معناها: الإطماع، والإطماع من الله واجب، لأن إطماع الكريم إيجاب.
والبأس الشدة في كل شيء، ومعنى ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٤] شدة حربهم، وقد أنجز الله وعده بكف بأس هؤلاء الذين ذكرهم الله.
﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾ [النساء: ٨٤] أشد عذابا، والعذاب يسمى بأسا لما فيه من الشدة، ومنه قوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر: ٢٩]، ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢] .
وأشد تنكيلا يقال: نكلت بفلان، إذا عاقبته عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله، أي: تجنبه، وقال الحسن، وقتادة: أشد تنكيلا عقوبة.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى
[ ٢ / ٨٨ ]
كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴿٨٥﴾ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴿٨٦﴾﴾ [النساء: ٨٥-٨٦] قوله ﷻ: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] قال الكلبي: يصلح بين اثنين.
﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٨٥] أي: أجر ﴿مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ [النساء: ٨٥] يمشي بالنميمة، ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ﴾ [النساء: ٨٥] إثم منها.
وقال مجاهد: شفاعة حسنة وشفاعة سيئة: شفاعة الناس بعضهم لبعض.
قال الحسن: ما يجوز في الدين أن يشفع فيه فهو شفاعة حسنة، وما لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة سيئة.
قال: ومن يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر وإن لم يشفَّع، لأن الله تعالى قال من يشفع ولم يقل: من يشفَّع.
ويؤيد هذا قول النبي ﷺ: «اشفعوا تؤجروا» .
٢٤٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو صَادِقٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ الصَّيْدَلانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَعْقِلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي مُلْكِهِ، وَمَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ»
وأما الكفل، فقال أبو عبيدة، والفراء، وجميع أهل اللغة: الكفل الحظ والنصيب، وهو قول مجاهد، والسدي، والربيع، وابن زيد.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] قال الفراء، وابن قتيبة: المُقيت: المقتدر، يقال: أقات على الشيء إذا قدر عليه.
[ ٢ / ٨٩ ]
وهو قول السدي، وابن زيد، واختيار الكسائي، وقال آخرون: المُقيت الحافظ.
وهو قول ابن عباس، وقتادة، واختيار الزجاج، قال: معنى المُقيت الحافظ الذي يعطي الشيء قدر الحاجة، من الحفظ، وقال مجاهد: المُقيت الشهيد.
قوله ﷻ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: ٨٦] التحية: السلام، يقال: حيا يحي تحية إذا سلم، قال ابن عباس: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: ٨٦] يريد السلام، ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦] وهو الزيادة على التحية إذا كان المسلّم من أهل الإسلام، يريد: ورحمة الله وبركاته.
وإذا كان من غير أهل دين الإسلام يقول: وعليكم.
لا يزيد على ذلك، وهو قوله: أو ردوها، قال الضحاك: إذا قال: السلام عليكم.
فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله.
وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله.
فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فقد حييته بأحسن منها وهنا منتهى السلام.
٢٤١ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَ أَبَاذِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْحَفْصُ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ التَّيِّهَانِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ السَّلامُ عَلَيْكُمْ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ قَالَ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ كُتِبَ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَةً، وَمَنْ قَالَ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ كُتِبَ لَهُ ثَلاثُونَ حَسَنَةً»
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] قال ابن عباس: مجازيا.
وقال الزجاج: أي يعطي كل شيء من العلم والحفظ والجزاء مقدار ما يحسبه أي يكفيه.
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴿٨٧﴾ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ
[ ٢ / ٩٠ ]
سَبِيلا ﴿٨٨﴾ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ﴿٨٩﴾ إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا ﴿٩٠﴾﴾ [النساء: ٨٧-٩٠] قوله ﷿: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ [النساء: ٨٧] هذه لام القسم، كأنه قال: والله ليجمعنكم في الموت أو في القبور، ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧] سميت القيامة لأن الناس يقومون من قبورهم، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] قال ابن عباس: يريد موعدا لا خلف لوعده.
وقال مقاتل: لا أحد أصدق من الله في أمر البعث.
قوله ﷻ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] نزلت في قوم قدموا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، واستأذنوا رسول الله ﷺ أن يرجعوا إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها، فاختلف المسلمون فيهم: فقائل يقول: هم منافقون.
وقائل يقول: هم مؤمنون.
فبين الله تعالى نفاقهم.
ومعنى الآية: فما لكم مختلفين في هؤلاء المنافقين، ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨] أي: ردهم إلى الكفر.
يقال: ركست الشيء وأركسته.
لغتان إذا رددته وقلبت آخره على أوله.
قال الزجاج: تأويل أركسهم: نكسهم وردهم إلى حكم الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل، بما كسبوا بما أظهروا من الارتداد.
وقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨] قال ابن عباس: ترشدوا من لم يرشده الله، أي: أتقولون: هؤلاء مهتدون والله قد أضلهم، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ [النساء: ٨٨] طريقا إلى الجنة.
قوله ﷻ: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٩] أي: أنهم يودون لكم الكفر كما فعلوا هم فتكونون أنتم وهو
[ ٢ / ٩١ ]
سواء في الكفر، ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [النساء: ٨٩] أي: لا توالوهم فإنهم أعداء لكم ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٩] حتى يرجعوا إلى النبي ﷺ ودار الهجرة ثانيا.
فإن تولوا: أعرضوا عن الهجرة وقبول حكم الإسلام، فخذوهم بالأسر، ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩] قال ابن عباس: ولا تستنصروا بهم على عدوكم.
قوله ﷿: ﴿إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ [النساء: ٩٠] الآية، هذا الاستثناء راجع إلى القتل لا إلى الموالاة، لأن موالاة المشركين والمنافقين حرام بكل حال.
ومعنى ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ [النساء: ٩٠] يتصلون بهم، ويدخلون فيما بينهم بالحلف والجوار، قال ابن عباس: يريد: يلجأون إلى قوم ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠] وهم: بنو مدلج في قول الحسن، وقال الضحاك: بنو بكر بن زيد مناة، وقال مقاتل: هم خزاعة وجذيمة بن عبد مناف.
وقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] معنى حصرت: ضاقت، وكل من ضاق صدره بأمر فقد حصر، وهؤلاء الذين وصفوا بضيق الصدر عن القتال هم بنو مدلج، كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد أن لا يقاتلوه، فنهى الله تعالى عن قتال هؤلاء المرتدين إن اتصلوا بأهل عهد المسلمين، إما بحلف أو بجوار، لأن من انضم إلى قوم ذوي عهد مع النبي ﷺ فلهم حكمهم في حقن الدم والمال.
وقوله: ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] كان بنو مدلج قد عاهدوا أن لا يقاتلوا المسلمين، وعاهدوا قريشا أن لا يقاتلوهم أيضا، فهو قوله: ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] يعني: قريشا.
ثم من الله تعالى على المسلمين بكف بأس المعاهدين فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠] يعني: إن ضيق صدورهم عن قتالكم إنما هو لقذف الله الرعب في قلوبهم.
[ ٢ / ٩٢ ]
فإن اعتزلوكم أي: اعتزلوا قتالكم ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠] أي: المقادة والاستسلام ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٠] في قتالهم وسفك دمائهم.
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١] قوله ﷻ: ستجدون آخرين: قال ابن عباس: هم بنو عبد الدار.
وقال الكلبي: هم أسد وغطفان.
وقال الحسن: هم قوم من المنافقين كانوا يظهرون الإسلام ليأمنوا المسلمين، ويظهرون لقومهم الموافقة لهم ليأمنوهم.
وهو قوله ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩١]، أطلع الله نبيه على نفاقهم، ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩١] كلما ردوا إلى الشرك دخلوا فيه ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ [النساء: ٩١] لم يتركوا قتالكم، ولم ينقادوا لكم بعهد أو صلح، ولم يقبضوا أيديهم عن قتالكم، فخذوهم: بالأسر، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٩١] وجدتموهم، ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١] حجة بينة في قتلهم ولأنه ليس لهم عهد ولا ميثاق.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٩٢﴾ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴿٩٣﴾﴾ [النساء: ٩٢-٩٣] قوله ﷻ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٢] الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة حين قتل
[ ٢ / ٩٣ ]
الحارث بن زيد، ظنه كافرا، ولم يشعر بإسلامه فقتله.
قال قتادة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ [النساء: ٩٢] أي: ما كان له ذلك فيما أتاه الله من ربه وأمر به.
وقوله إلا خطأ جميع أهل النحو والمعاني: على أن هذا استثناء منقطع من الأول، على معنى: ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة إلا أن يخطئ المؤمن، فكفارة خطئه ما ذكر من بعد، وصفة قتل الخطأ: هو أن يرمي إلى عرض أو إلى صيد فيخطئ فيصيب إنسانا فيقتله، وكذلك لو قتل رجلا ظنه كافرا، كما ظن عياش بن أبي ربيعة وكان مسلما، كان قتل خطأ.
والواجب فيه الدية والكفارة، وهو قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] قال المفسرون: هي المصلية المدركة عند عامة الفقهاء، يجوز وإن كانت صغيرة إذا كانا أبواها مسلمين أو أحدهما.
وقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] يعني: جميع ورثته.
وصفة الدية في قتل الخطأ: أن تكون مخففة، مائة من الإبل: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
وظاهر القرآن أوجب أن تكون الدية على القاتل في الخطأ، غير أن النبي ﷺ بين أن تكون الدية في
[ ٢ / ٩٤ ]
الخطأ على العاقلة وهم الأخوة وبنو الأخوة والأعمام وبنو الأعمام.
وقوله: ﴿إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] أصله: يتصدقوا، فأدغمت التاء في الصاد ومعنى التصدق: الإعطاء، والمعنى: إلا أن يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية فتسقط.
وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] يعني: إن كان المقتول خطأ مؤمنا وقومه كفار، فعلى قاتله تحرير رقبة مؤمنة، وليس فيه دية، لأن ورثته كفار فلا يرثونه.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] هذا في الذمي الذي يقتل خطأ، فيجب فيه الدية والكفارة.
قال ابن عباس: هذا الرجل يكون معاهدا ويكون قومه أهل عهد، فتسلم إليهم دية ويعتق الذي أصابه رقبة.
وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [النساء: ٩٢] يعني: الرقبة أو ثمنها، ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] أي: فعليه ذلك بدلا عن الرقبة، والتتابع واجب، حتى لو أفطر يوما استأنف.
وقوله: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢] أي: اعملوا بما أوجبه للتوبة من الله، أي: ليقبل الله توبتكم فيما اقترفتموه من ذنوبكم.
قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] صورة القتل العمد: أن يقصد القتل بالسيف أو غيره من الآلات التي بها يقصد القتل غالبا، جرح أو لم يجرح، كالحجر الثقيل، والحديد الثقيل، وكذلك التخنيق والتغريق والتحريق، وما أشبهها.
والآية نزلت في كافر قتل مؤمنا وهو أن مقيس ابن صبابة كان قد أسلم هو وأخوه هشام، فقتل بنو النجار أخاه
[ ٢ / ٩٥ ]
هشاما خطأ، فأرسل رسول الله ﷺ مقيسا ومعه زهير بن عياض الفهري، وكان من المهاجرين من أهل بدر، إلى بني النجار ليدفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علموه، أو يجمعوا له دية أخيه إن لم يعلموا القاتل، فجمعوا لمقيس دية أخيه، فلما صارت إليه وثب على زهير فقتله وارتد إلى الشرك، وقال في ذلك أبياتا منها:
فأدركت ثأري واضطجعت مؤسرا وكنت إلى الأوثان أول راجع
وقوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] إلى آخر الآية، وعيد شديد لمن قتل مؤمنا متعمدا حرم الله به قتله، وحظر به سفك دمه، وقد وردت في قتل المؤمن أخبار شداد.
٢٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْد ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: رَجُلٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَ: فَإِنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ وَقَدْ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: " وَيْحٌ لَهُ قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ، يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَامِلَ رَأْسِهِ بِيَمِينِهِ أَوْ بِيَسَارِهِ، وَفِي يَدِهِ الأُخْرَى قَاتِلُهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ هَذَا قَتَلَنِي " فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَى نَبِيِّكُمْ فَمَا نُسِخَتْ حَتَّى قُبِضَ، يَعْنِي: هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]
[ ٢ / ٩٦ ]
٢٤٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَاسُوَيْهِ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَالِمٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَبَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لِقَاتِلِ الْمُؤْمِنِ تَوْبَةً»
٢٤٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَخْبَرَنَا
[ ٢ / ٩٧ ]
الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا» وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ قَاتِلَ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا لَهُ تَوْبَةٌ
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أخبرنا أبو عمرو بن نجيد، أخبرنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا هشام بن حسان، قال: كنا عند محمد بن سيرين، فقال له رجل من القوم: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] حتى ختم الآية، فقال محمد: أين أنت من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] .
أخبرنا أبو بكر التميمي، أخبرنا عبد الله بن محمد الحافظ، أخبرنا العباس بن حمدان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الشهيدي، قال: سمعت قريش بن أنس يقول:
[ ٢ / ٩٨ ]
كنت عند عمرو بن عبيد، فأنشأ يقول: يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله تعالي، فيقول: قلت: إن القاتل في النار؟ فأقول: أنت قلت، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] حتى فرغ منها، فقلت وما في البيت أصغر مني: أرأيت أن قال لك: فإني قلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا؟ قال: فما استطاع أن يرد علي شيئا.
وأما ما روي عن ابن عباس وغيره من السلف، أنهم قالوا: لا توبة للقاتل فإن الأولى لأهل الفتوى سلوك سبيل التغليظ، سيما في القتل، يدل على ذلك ما روي: أن سفيان سئل عن عقوبة القاتل، قال: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، وإذا ابتلي الرجل قالوا له: تب.
٢٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، فِيمَا أَذِنَ لِي رِوَايَتَهُ عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلا سَأَلَهُ: أَلِقَاتِلِ الْمُؤْمِنِ تَوْبَةٌ؟ فَقَالَ: لَا، وَسَأَلَهُ آخَرُ: أَلِقَاتِلِ الْمُؤْمِنِ تَوْبَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْتَ لِذَلِكَ: لا تَوْبَةَ لَكَ، وَلِذَلِكَ: لَكَ تَوْبَةٌ، قَالَ: جَاءَنِي ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ قَتَلَ، فَقُلْتُ: لا تَوْبَةَ لَكَ لِكَيْ لا يَقْتُلَ، وَجَاءَنِي هَذَا وَقَدْ قَتَلَ، فَقُلْتُ: لَكَ تَوْبَةٌ لِكَيْ لا يُلْقِيَ بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ
فأما تأويل قوله تعالى: فجزاؤه جهنم، فقد روي مرفوعا عن النبي ﷺ أنه قال: «هو جزاؤه أن جازاه» .
[ ٢ / ٩٩ ]
وروى عاصم بن أبي النجود، عن ابن عباس في قوله: فجزاؤه جهنم قال: هي جزاؤه، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
وبهذا قال عون بن عبد الله، وبكر بن عبد الله، وأبو صالح: وقد يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر: إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب، ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا.
والأصل في هذا: أن الله تعالى يجوز أن يخلف الوعيد، وإن كان لا يجوز أن يخلف الوعد، بهذا وردت السنة عن رسول الله ﷺ فيما:
٢٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، وَأَبُو حَفْصٍ السُّلَمِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلِهِ ثَوَابًا فَهُوَ مُنْجِزُهُ لَهُ، وَمَنْ أَوْعَدَهُ عَلَى عَمَلِهِ عِقَابًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ»
أخبرنا أبو بكر، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد بن حمزة، حدثنا أحمد بن الخليل، حدثنا الأصمعي، قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء، فقال: يا أبا عمرو، يخلف الله ما وعد؟ قال: لا.
قال:
[ ٢ / ١٠٠ ]
أفرأيت مَن أوعده الله على عمل عقابا، أيخلف الله وعده فيه؟ فقال أبو عمرو بن العلاء من العجمة: أتيت يا أبا عثمان؟ إن الوعد غير الوعيد، إن العرب لا تعد عارا ولا خلفا أن تعد شرا ثم لا تفعله، ترى ذلك كرما وفضلا، وإنما الخلف أن تعد خيرا ثم لا تفعله.
قال: فأوجدني هذا في العرب.
قال: أما سمعت قول الأول:
وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف ايعادي ومنجز موعدي
والذي ذكره أبو عمرو بن العلاء ﵀ مذهب الكرام، ويستحسن عند كل أحد خلف الوعيد كما قال السري الموصلي:
إذا وعد السر أنجز وعده وإن أوعد الشر فالعفو مانعه
وأحسن يحيى بن معاذ في هذا الفصل حيث قال: الوعد والوعيد حق، فالوعد حق العباد على الله، ضمن لهم إذا فعلوا كذا أن يعطيهم كذا، ومن أولى بالوفاء من الله؟ والوعيد حقه على العباد، قال: لا تفعلوا كذا فأعذبكم ففعلوا فإن شاء عفا وإن شاء أخذ، لأنه حقه، وأولاهما بربنا الكرم والعفو إنه غفور رحيم.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤] قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٤] أي: سرتم وغزوتم، نزلت في أسامة بن زيد وأصحابه، بعثهم رسول الله ﷺ سرية، فلقوا رجلا كان قد انحاز بغنم له إلى جبل، وكان قد أسلم، فقال لهم: السلام عليكم، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فبدر إليه أسامة فقتله واستاقوا غنمه.
[ ٢ / ١٠١ ]
قوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] يقال: تبينت الأمر، أي: تأملته وتثبت فيه، ومنه قوله ﷺ: «ألا إن التبين من الله، والعجلة من الشيطان، فتبينوا» .
وقرئ فتثبتوا، والمعنيان متقاربان.
﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ [النساء: ٩٤] أي: لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية: لست مؤمنا، فتقتلوه وتأخذوا ماله.
ومن قرأ السلم أراد الانقياد والاستسلام للمسلمين، ومنه قوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧] أي: استسلموا لأمره، وقوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤] جميع متاع الدنيا عرض، يقال: إن الدنيا حاضر.
قال ابن عباس: يعني الغنائم، ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء: ٩٤] يعني: ثوابا كثيرا لمن ترك قتل من ألقى إليه السلام، ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤] قال سعيد بن جبير: كنتم تكتمون إيمانكم في المشركين، فمن الله عليكم بإظهار الإسلام.
وقال قتادة: كنتم ضلالا فمن الله عليكم بالإسلام وهداكم له.
ثم أعاد الأمر بالتبين، فقال: ﴿فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤] قال عطية العوفي: هو خبير أنكم قتلتموه على ماله.
قال ابن عباس: ثم استغفر رسول الله ﷺ لأسامة بن زيد وأمره أن يعتق رقبة.
[ ٢ / ١٠٢ ]
﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٩٥﴾ دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٩٦﴾﴾ [النساء: ٩٥-٩٦] قوله ﷿: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] الضرر: النقصان وهو كل ما يضرك وينقصك من عمى ومرض وعلة.
قال زيد بن ثابت: كنت عند النبي ﷺ حين نزلت عليه: «لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله»، ولم يذكر ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]، فقال ابن أم مكتوم: فكيف وأنا أعمى، لا أبصر؟ فتغشى النبي ﷺ الوحي، ثم سري عنه فقال: اكتب: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]، فكتبتها.
وقرئ: غير رفعا ونصبا، فمن رفع فهو صفة للقاعدين، والمعنى: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر، أي: لا يستوي القاعدون من الأصحاء والمجاهدون وإن كانوا كلهم مؤمنين.
ومن نصب غيرَ جعله استثناء من القاعدين، يعني: لا يستوي القاعدون إلا أولو الضرر، وهذا الوجه اختيار الأخفش، قال: لأنه استثني بها قوم لم يقدروا على الخروج، وهو أيضا قراءة النبي ﷺ فيما:
٢٤٧ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُخَلَّدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَافِظ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْكِسَائِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ،
[ ٢ / ١٠٣ ]
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] نَصْبًا
وقوله: ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] عطف على قوله: القاعدون والمعنى: ليس المؤمنون القاعدون عن الجهاد من غير عذر والمؤمنون المجاهدون سواء، إلا أولي الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين، لأن الضرر أقعدهم عن الجهاد.
وقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ [النساء: ٩٥] يعني من أهل العذر درجة، وذلك أن المجاهدين مباشرون للطاعة فلهم فضيلة على القاعدين من أهل العذر، وإن كانوا هم على نية الجهاد وقصده.
وقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] قال مقاتل: يعني المجاهد والقاعد، المقدور، والحسنى: الجنة.
قوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] يعني: القاعدين من غير عذر، والمجاهدون مفضلون عليهم بدرجات، قال ابن محيريز: هي سبعون درجة، ما بين كل درجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين خريفا.
٢٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لا يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقَ كَلِمَتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى
قوله: درجات منه يعني: منازل بعضها أعلى من بعض من منازل الكرامة، قال السدي: فضلوا بسبع مائة درجة.
[ ٢ / ١٠٤ ]
وروى أبو هريرة، أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» .
وقوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] يريد: للفريقين جميعا، للمجاهدين والقاعدين.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿٩٧﴾ إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا ﴿٩٨﴾ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴿٩٩﴾ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿١٠٠﴾﴾ قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧] قال الفراء: إن شئت جعلت: توفاهم ماضيا، وإن شئت كان على الاستقبال، يريد: تتوفاهم، فحذفت إحدى التاءين.
وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] أي: بالمقام في دار الشرك، نزلت الآية في قوم كانوا قد أسلموا ولم يهاجروا، حتى خرج المشركون إلى بدر فخرجوا معهم فقتلوا يوم بدر، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقالوا لهم: ما ذكر الله سبحانه وهو قوله: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧] أي: أكنتم في المشركين أم في المسلمين؟ وهذا سؤال توبيخ وتعيير.
فاعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك وهو قوله: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧] يعني: أرض مكة، فحاجتهم الملائكة بالهجرة عن دارهم، وهو قوله: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] يعني: المهاجرة إلى المدينة مع المسلمين، وذلك أن الله تعالى لم يرض بإسلام أهل مكة حتى يهاجروا، ولذلك قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، وذلك أنهم خرجوا مع المشركين يكثرون سوادهم فقتلوا معهم.
ثم ذكر أهل العذر في التخلف عن الجهاد فقال: ﴿
[ ٢ / ١٠٥ ]
إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨] يريد: الذين أقعدهم عن الهجرة الضعف، وقال ابن عباس: هم ناس من المسلمين كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها فيهاجروا، فعذرهم الله، فهم أولئك.
قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله.
وقوله: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: ٩٨] أي: لا يقدرون على حيلة في الخروج من مكة، ولا على نفقة، ولا قوة، ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٨] لا يعرفون طريقا إلى المدينة دار الهجرة.
﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩] الآية، قال الزجاج: أعلم اللهُ أن هؤلاء راجون العفو كما يرجو المؤمنون.
وعسى كلمة ترجي، وما أمر الله أن يرجى من رحمته فمنزلة الواقع، وكذلك الظن بأرحم الراحمين.
قوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٠٠] قال الزجاج: المعنى: يجد في الأرض مهاجرا، لأن المهاجر لقومه والمراغم بمنزلة واحدة وإن اختلف اللفظان، وهو مأخوذ من الرغام وهو التراب، يقال: راغمت فلانا أي: هجرته وعاديته ولم أبال رغم أنفه، وإن لصق أنفه بالتراب.
وقال أبو عمرو بن العلاء في قوله: مراغما: الخروج عن العدو برغم أنفه.
وقال ابن قتيبة: المراغمة والمهاجرة واحدة، يقال: راغمت وهاجرت.
وذلك أن الرجل كان إذا أسلم خرج عن قومه مراغما، أي: مغاضبا لهم، فقيل للمذهب: مراغم.
قال ابن عباس في رواية الوالبي: منحولا من أرض إلى أرض.
وقال مجاهد: متزحزحا عما يكره.
وقال ابن زيد: مهاجرا.
وقوله: وسعة أي: من الرزق، وقال قتادة: وسعة من العيلة إلى الغنى.
[ ٢ / ١٠٦ ]
وقال أهل المعنى: وسعة في إظهار الدين، وذلك أن المشركين كانوا قد ضيقوا عليهم في أمر دينهم حتى منعوهم من إظهاره.
قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل فيهم من القرآن، فكتب بالآية التي نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] فلما قرأها المسلمون قال ضمرة بن جندب الليث لبنيه، وكان شيخا كبيرا: احملوني فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي إلى الطريق، فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت، فصفق بيمينه على شماله، وقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعك به رسول الله ﷺ، فمات حميدا، فبلغ خبره أصحاب رسول الله ﷺ، فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم أجرا.
فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية.
وهذا قول جماعة المفسرين.
ومعنى ﴿وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وجب ثوابه، والمؤمن إذا قصد طاعة ثم أعجزه العذر عن إتمامها، كتب الله له ثواب تمام تلك الطاعة، وهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] .
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴿١٠١﴾ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴿١٠٢﴾ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا
[ ٢ / ١٠٧ ]
اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴿١٠٣﴾﴾ [النساء: ١٠١-١٠٣] قوله ﷻ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] الآية، يقال: قصر الصلاة وأقصرها وقصرها، كل ذلك جائز.
وفرض المسافر أربع، إلا إن رخص له في القصر، إن شاء أخذ بالرخصة، وإن شاء أتم على أصل الفرض لأن الله تعالى قال ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وهذا اللفظ للإباحة، لا للإيجاب.
وقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] قال ابن عباس: يريد: أن يقتلكم، ومثل هذا قوله: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣] أي: يقتلهم.
وظاهر قوله: إن خفتم يوجب أن القصر لا يجوز إلا عند الخوف، وليس الأمر على ذلك، فإن القصر مباح في السفر عند الأمن، ولكن الآية نزلت على غالب أسفار النبي ﷺ، وأكثرها لم تخل عن خوف العدو، والقصر في الأمن جائز.
٢٤٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَعْقِلِيُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: فِيمَ إِقْصَارُ النَّاسِ لِلصَّلاةِ الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِنْهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»
٢٥٠ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو النَّصْرِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ
[ ٢ / ١٠٨ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْيَشْكُرِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ»
قوله ﷿ ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية:
٢٥١ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي دَارِهِ بِالْحِيرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ السّمندِيُّ، سَنَةَ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ، أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَنَدِيُّ، بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلاثِ مِائَةٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ اللَّحْجِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ، قَالَ: ذَكَرَ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَيَّاشٍ الزَّرَقِيُّ، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ كَانُوا عَلَى حَالٍ، لَوْ كُنَّا أَصَبْنَا مِنْهُمْ غِرَّةً، فَقَالُوا: تَأْتِي عَلَيْهُمْ صَلاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ، فَقَالَ: وَهِيَ الْعَصْرُ، قَالَ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَؤُلاءِ الآيَاتِ بَيْنَ الأُولَى وَالْعَصْرِ ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] وَهُمْ بِعُسْفَانَ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ
[ ٢ / ١٠٩ ]
قال الزجاج: الهاء والميم في: فيهم يعودان على المؤمنين أي: وإذا كنت أيها النبي مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم، ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] أي: أقمتها، وإقامة الصلاة: الابتداء في تأديتها ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] أي: فلتقف، يقال: قام الرجل إذا وقف، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] أي: وقفوا، قال ابن عباس: تصفّهم يصلون معك.
وليأخذوا أسلحتهم أي: وليأخذ الباقون أسلحتهم، فإذا سجدوا أي: فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك، ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] أي: الذين أمروا بأخذ السلاح.
قوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] قال ابن عباس: يريد: الذين كانوا من ورائهم من لم يكونوا صلوا فليصلوا معك، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، يريد: الذين صلوا أولا.
﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ﴾ [النساء: ١٠٢] أي: يتمنى الكفار لو كنتم مشتغلين كلكم بالصلاة غافلين ﴿عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢] فيقصدونكم بالقتال، ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] قال ابن عباس: يريد: ثقل السلاح على المريض وفي المطرة، فرخص لهم في وضع الأسلحة.
وقوله: وخذوا حذركم أي: راعوا العدو وراقبوهم بقلوبكم كيلا يغفلون.
قوله ﷻ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] يعني: صلاة الخوف، ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] يعني: المرضى الذين لا يستطيعون الجلوس فإذا اطمأننتم أي: في بلادكم وزالت حركة السفر، فأقيموا الصلاة: فأتموها ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] فرضا مؤقتا، قال ابن عباس: فريضة بأوقاتها.
والمراد ههنا: المفعول، يقال وقَته بمعنى وقّته.
[ ٢ / ١١٠ ]
﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤] قوله ﷻ: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ١٠٤] لا تضعفوا عن طلب العدو يعني: أبا سفيان وأصحابه، وذلك أنهم لما انصرفوا من أحد أمر الله نبيه ﷺ أن يسير في آثارهم، فندب النبي ﷺ الناس فاشتكوا ما بهم من الجراحات، فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] والألم: الوجع وقد ألم الرجل يألم ألما فهو آلم.
وقال قتادة: إن كنتم تتوجعون فإنهم يتوجعون كما تتوجعون، أي: إن ألمتم جراحكم، فهم أيضا في مثل حالكم من ألم الجراح.
﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٤] من الأجر والثواب والنصرة ﴿مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] هم وكان الله عليما بخلقه، حكيما فيما حكم لأوليائه بالثواب ولأعدائه بالعقاب.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴿١٠٥﴾ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿١٠٦﴾ وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴿١٠٧﴾ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴿١٠٨﴾ هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ﴿١٠٩﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿١١٠﴾ وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١١١﴾ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴿١١٢﴾﴾ [النساء: ١٠٥-١١٢] قوله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٥] نزلت في رجل يقال له طعمة بن أبيرق، سرق درعا
[ ٢ / ١١١ ]
فاستودعها يهوديا، فوجدت عنده، فقال: استودعنيها طعمة بن أبيرق، فأنكر وقال: إنما سرقها اليهودي، فاجتمع قوم طعمة وقوم اليهودي، فانطلقوا إلى النبي ﷺ، وكان هوى رسول الله ﷺ مع طعمة، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء: ١٠٥] القرآن، بالحق: لا بالتعدي في الحكم، ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] بما علمك الله، ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] الخصيم: الذي يخاصمك.
أي: لا تكن مخاصما، ولا دافعا عن خائن، يعني: طعمة وقومه.
واستغفر الله: قال السدي: مما أردت من الجدال عن طعمة، وقال ابن عباس: من همك بقطع اليهودي.
﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] يعني: طعمة ومن عاونه من قومه وهم يعلمون أنه سارق.
والاختيان كالخيانة، يقال: خانه واختانه، وقد ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
ومعنى يختانون أنفسهم: يخونونها بالمعصية، والعاصي خائن لأنه مؤتمن على دينه.
وقد صرحت الآية بالنهي عن المجادلة عن الظالمين، ألا ترى أن رسول الله ﷺ قد جادل عن طعمة على غير بصيرة فعاتبه الله بهذا، وأمره بالاستغفار، ونهاه عن المعاودة إلى مثله.
فما ظنك بمن يعلم ظلم الظالم ثم يستجيز معاونته؟ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧] أي: خائنا فاجرا، وذلك أن طعمة خان في الدرع، وأثم في رميه اليهودي.
قوله ﷻ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] الاستخفاء: الاستتار، يقال: استخفيت من فلان.
أي: تواريت منه، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: ١٠] أي: مستتر، والمعنى: يستترون من الناس، يعني: طعمة وقومه كيلا يطلعوا على كذبهم وخيانتهم، ولا يستخفون: ولا يستترون ﴿مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨] أي: عالم بما يخفون وما
[ ٢ / ١١٢ ]
يعلنون، إذ يبيتون: يهيئون ويقدرون ﴿مَا لا يَرْضَى﴾ [النساء: ١٠٨] ما لا يرضاه الله من القول: وهو أن طعمة قال: أرمي اليهودي بأنه سارق الدرع، وأحلف أني لم أسرقها، فتقبل يميني، لأني على دينهم ولا تقبل يمين اليهودي.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] أحاط بسرائرهم.
ثم خاطب قوم طعمة، فقال: ﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ﴾ [النساء: ١٠٩] خاصمتم عنهم: عن طعمة وقومه، يعني: جماعة من الأنصار من قرابة طعمة جادلوا عنه عن قومه، ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ١٠٩] أي: لا أحد يفعل ذلك ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا﴾ [النساء: ١٠٩] أي: لا يكون عليهم يوم القيامة وكيل يقوم بأمرهم ويخاصم عنهم.
ثم عرض التوبة على طعمة بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١١٠] الآية.
٢٥٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدَشٍ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ سنْدُوَيْهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مِهْرَانَ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ الْفَأْفَاءُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَعْنِي عَلِيًّا وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ وَهُوَ الصَّدُوقُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَامَ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ» .
يُنَادِي عَلَى الْمِنْبَرِ: صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ، صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَالَ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]
قوله ﷻ: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١] أي: إنما ضر بما فعل نفسه، لأنه لا يؤخذ غير الآثم
[ ٢ / ١١٣ ]
بإثمه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ [النساء: ١١١] بالسارق، حكيما: حكم بالقطع على طعمة في السرقة.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ [النساء: ١١٢] قال الكلبي: لما نزلت هذه الآيات عرف قوم طعمة أنه الظالم فأقبلوا عليه، وقالوا: بؤ بالذنب، واتق الله، فقال: لا والذي يحلف به ما سرقها إلا اليهودي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ [النساء: ١١٢]، يقول: بيمينه الكاذبة، أو إثما: يعني سرقه الدرع ورميه بها اليهودي، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾ [النساء: ١١٢] برميه اليهودي البرئ، وإثما مبينا يعني: يمينه الكاذبة.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] قوله ﷻ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النساء: ١١٣] قال ابن عباس: بالنبوة والعصمة.
لهمت: قال الفراء، والزجاج: المعنى: لقد همت.
﴿طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] يخطئوك في الحكم، وذلك: أنهم سألوا النبي ﷺ أن يجادل عن طعمة ويرمي بسرقته اليهودي.
﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١١٣] لأنهم يعملون عمل الضالين بتعاونهم على الإثم والعدوان، وشهادتهم بالزور والبهتان، ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ١١٣] لأن الضرر على من شهد بغير حق، ثم ذكر منَّته عليه، فقال: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] قال الزجاج: بين لك في كتابه ما فيه الحكمة التي لا يقع معها ضلال، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] يعني: من أحكام الدين ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١١٣] بالنبوة والعصمة عظيما.
﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١١٤﴾ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿١١٥﴾ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا ﴿١١٦﴾ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا ﴿١١٧﴾ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴿١١٨﴾ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ
[ ٢ / ١١٤ ]
فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ﴿١١٩﴾ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا ﴿١٢٠﴾ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ﴿١٢١﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا ﴿١٢٢﴾ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ﴿١٢٣﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴿١٢٤﴾ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا ﴿١٢٥﴾ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴿١٢٦﴾﴾ [النساء: ١١٤-١٢٦] قوله ﷿: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء: ١١٤] النجوى سر بين اثنين، ومنه قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، قال مجاهد: هذه الآية عامة بين الناس.
يريد: أنه لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث، إلا ما كان من أعمال الخير، وهو قوله: ﴿إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ [النساء: ١١٤] قال أبو عبيدة: إلا في نجوى من أمر بصدقة، ثم حذف المضاف.
أو معروف: قال ابن عباس: بِصِلة رحم، أو بطاعة لله، ويقال لأعمال البر كلها: معروف.
لأن العقول تعرفها.
وقوله: ﴿أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] هذا مما حث عليه رسول الله، فقال لأبي أيوب الأنصاري: " ألا أدلك على صدقة هي خير لك من حمر النعم؟ قال: نعم يا رسول الله.
قال: تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم
[ ٢ / ١١٥ ]
إذا تباعدوا ".
وروت أم حبيبة، أن النبي ﷺ قال: «كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر لله» .
وروي أن رجلا قال لسفيان: ما أشد هذا الحديث، فقال سفيان: ألم تسمع قول الله: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ [النساء: ١١٤]، فهذا هو بعينه.
ثم أعلم الله أن ذلك إنما ينفع من ابتغى ما عند الله، فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] ثوابا لا حد له.
قوله ﷻ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] الآية، قال ابن عباس: ثم حكم رسول الله ﷺ على طعمة بالقطع، فهرب ولحق بالمشركين، فنزل قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥] أي: خالفه، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] ظهر له أن دين الله الإسلام، وأن ما أتى به محمد ﷺ حق وصدق، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] غير دين الموحدين.
وذلك أن طعمة ترك دين الإسلام، وخالف المسلمين، ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] ندعه وما اختار لنفسه، ونصله جهنم: ندخله إياها، وساءت مصيرا: ساءت جهنم موضعا يصار إليه.
قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] مضى الكلام في هذه الآية في هذه ال ﴿[.
[ ٢ / ١١٦ ]
قوله ﷻ:] إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [سورة النساء: ١١٧] قال ابن عباس: يعني عبادتهم الأوثان: اللات والعزى ومناة وأشباهها من الآلهة التي كانوا يعبدونها.
وقال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه فيسمونه: أنثى بني فلان، فأنزل الله إلا إناثا.
وقال مقاتل، وقتادة، والضحاك: إلا إناثا: إلا مواتا لا روح فيه.
وقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] أي: ما يعبدون بعبادتهم لها إلا شيطانا مريدا بطاعتهم له في عبادتها، فتلك العبادة إذا ليست للأوثان بل هي للشيطان.
قال الزجاج: يعني بالشيطان ههنا: إبليس وهم إذا أطاعوه فيما سول لهم فقد عبدوه، والمَريد: الخبيث الشرير، وشيطان مريد ومارد واحد، قال الزجاج: ومعنى مَريد: خارج عن الطاعة.
وقوله: لعنه الله قال ابن عباس: دحره الله وأخرجه من الجنة، وقال يعني: إبليس ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨] قال ابن عباس: يعني من اتبعه وأطاعه.
وقال الكلبي نصيبا مفروضا: معلوما.
وكل من أطاع إبليس فيما يزينه له فهو من نصيبه المفروض.
قوله تعالى: ولأضلنهم: قال ابن عباس: عن سبيل الهدى وطرق الحق.
وإضلاله وسواس ودعاء إلى الباطل، ولو كان إليه شيء من الضلالة سوى الدعاء إليها لأضل جميع الخلق، ولكنه كما قال رسول الله ﷺ: «خلق إبليس مزينا وليس إليه من الضلالة شيء» .
يعني: إنه يزين للناس الباطل وركوب الشهوات ولا يخلق لهم الضلالة.
[ ٢ / ١١٧ ]
وقوله: ولأمنينهم: التمنية: تسهيل سبيل إدراك المنية وهو ما يتمناه الإنسان، والشيطان يمني الإنسان بأن يخيل إليه إدراك ما يتمناه من المال وطول العمر.
قال ابن عباس: يريد تسويف التوبة وتأخيرها.
وقال الكلبي: ولأمنيهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث.
وقال الزجاج: أجمع لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون من الآخرة حظا.
وقوله: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ [النساء: ١١٩] البتك: القطع، والتبتيك: التقطيع، وهو في هذا الموضع: قطع آذان البحيرة عند جميع أهل التفسير.
وقوله: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] قال ابن عباس: يريد دين الله.
وهو قول مجاهد، والحسن، والضحاك، وقتادة، والسدي، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومعنى تغيير دين الله: تبديل الحرام حلالا، والحلال حراما، ومن ارتكب محظورا أو أتى منهيا فقد غير دين الله.
﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] من يطعه فيما يدعوه إليه من الضلال ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩] خسر الجنة ونعيمها.
قوله ﷻ: يعدهم ويمنيهم: معنى وعد الشيطان وتمنيته: ما يصل إلى قلب الإنسان من نحو ما يجده من: أنه سيطول عمرك، وتنال من الدنيا لذتك، وتعلو على أعدائك، وكل هذا غرور وتمنية، وستهجم عن قريب على الأجل، وقد أبطل أيام عمره في رجاء ما لم يدرك منه شيئا، فالعاقل من لم يعرج على هذا، وجد في الطاعة، وعلم أنه سينقطع عن الدنيا قريبا، وصدق الله في قوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠] أي: إلا ما يغرهم بإيهام النفع فيما فيه الضر.
قوله تعالى: أولئك يعني: الذين اتخذوا الشيطان وليا مأواهم جهنم: مرجعهم ومصيرهم إليها ﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١] يقال: حاص عن الأمر.
إذا عدل عنه، والمعنى: أنهم لا بد لهم من ورودها والخلود فيها فلا معدل لهم عنها.
[ ٢ / ١١٨ ]
قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٢٢] ظاهر إلى قوله ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣] أكثر المفسرين: على أن هذا في المسلمين وأهل الكتاب، وذلك أن المسلمين قالوا: نحن أهدى منكم.
وقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم.
فأنزل الله هذه الآية، يقول: ليس ثواب الله بالأمنية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] .
قال الحسن: هذا في الكفار خاصة لأنهم يجازون بالعقاب على الصغير والكبير، والمؤمن يجازى بأحسن عمله، ويتجاوز عن سيئاته، ثم قرأ: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر: ٣٥] الآية.
وقال آخرون: هذا عام في كل من عمل سوءا من مسلم وكافر، ولكن المؤمن يجزى به في الدنيا.
٢٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزّمجَارِيُّ، وأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمُفِيدُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّقَطِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ الصَّلاحُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فَقَالَ: " غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟ أَلَسْتَ تَنْصَبُ؟ أَلَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ مَا تُجْزَوْنَ "
٢٥٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ الْبَيْهَقِيُّ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَزْهَرِيِّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بَكَيْنَا وَحَزَنَّا، وَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَبْقَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِنْ شَيْءٍ، قَالَ: «أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَكُمَا أُنْزِلَتْ وَلَكِنْ أَبْشِرُوا وَقَارِبُوا وَسَدِّدُوا، إِنَّهُ لا يُصِيبُ أَحَدًا مِنْكُمْ مُصِيبَةٌ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا خَطِيئَةً، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا أَحَدُكُمْ فِي قَدَمِهِ»
[ ٢ / ١١٩ ]
٢٥٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَجُلا تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فَقَالَ: أنا لَنُجْزَى بِمَا عَمِلْنَا هَلَكْنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «نَعَمْ يُجْزَى بِهِ فِي الدُّنْيَا بِمُصِيبَةٍ فِي جَسَدِهِ وَمَالِهِ وَمَا يُؤْذِيهِ»
وقوله: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣] قال ابن عباس: وليا يمنعه، ولا نصيرا ينصره، وتأويل هذه الآية ظاهر في الكفار، وأما في المسلمين فإنه لا ناصر لأحد في القيامة دون الله تعالى ولا ولي للمسلمين غير الله، وشفاعة الشافعين تكون بإذن الله.
قال قتادة: ثم أفلج الله حجة المسلمين على مَن ناوأهم مِن أهل الأديان بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٢٤] الآية، قال المفسرون: بين الله تعالى بهذه الآية فضيلة المؤمنين على غيرهم.
قال مسروق: لما نزل قوله تعالي: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] قال أهل الكتاب للمسلمين: نحن وأنتم سواء، فنزل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٢٤] وما بعده من قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ [النساء: ١٢٥] الآية.
وقوله: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] قال ابن عباس: النقير: النقرة التي تكون في ظهر النواة، ينبت الله منها النخلة، يريد: لا ينقصون قدر منبت النواة.
قوله ﷿: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٢٥] يعني: توجه بعبادته إلى الله خاضعا له، وهو محسن: قال ابن عباس: موحد لله لا يشرك به شيئا.
﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] ملة إبراهيم داخلة في ملتنا
[ ٢ / ١٢٠ ]
وفي ملتنا زيادة عن ملة إبراهيم، فمن اتبع الإسلام فقد اتبع ملة إبراهيم، وذكرنا معنى الحنيف.
وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ [النساء: ١٢٥] قال الزجاج: الخليل: المحب، والمحب الذي ليس في محبته خلل، فجائز أن يكون إبراهيم سمي خليل الله لأنه الذي أحبه الله محبة تامة، وأحب الله هو محبة تامّة.
قال: وقيل: الخليل: الفقير، فجائز أن يكون سمي فقيرا لله، أي: الذي يجعل فقره وفاقته إلى الله، والخلة: الحاجة، والخلة: الصداقة.
قال ابن عباس: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ [النساء: ١٢٥] صفيا بالرسالة والنبوة.
٢٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْجُورِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ الْكِنَانِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا، وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا وَلَهُ فِي أُمَّتِهِ خَلِيلٌ، أَلَا وَإِنَّ خَلِيلِي أَبُو بَكْرٍ»
٢٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّضْرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ
[ ٢ / ١٢١ ]
بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي قُبَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَا جِبْرِيلُ لِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا؟ قَالَ: لإِطْعَامِهِ الطَّعَامَ يَا مُحَمَّدُ "
قوله ﷻ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ١٢٦] إخبار عن سعة قدرته، وكثرة مملوكاته ليرغب إليه بالطاعة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦] علم إحاطة وهو العلم بالشيء من كل وجه حتى لا يشذ عنه شيء.
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ﴿١٢٧﴾ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿١٢٨﴾ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿١٢٩﴾ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴿١٣٠﴾ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ﴿١٣١﴾ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ﴿١٣٢﴾ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ﴿١٣٣﴾ مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿١٣٤﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿١٣٥﴾﴾ [النساء: ١٢٧-١٣٥]
[ ٢ / ١٢٢ ]
قوله ﷿: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧] يطلبون منك الفتوى، وهو تبين المشكل من الأحكام.
﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] يبين لكم الحكم فيهن، أي: في توريثهن، وكانت العرب لا تورث النساء والصبيان شيئا من الميراث، كما ذكرنا أول ال ﴿[، فنزلت ال: في توريث اليتامى.
وقوله:] وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٢٧] موضع ما رفع، لأن المعنى: الله يفتيكم والكتاب يفتيكم، يعني آية المواريث في أول هذه ال ﴿[.
وقوله:] فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء: ١٢٧] يعني: في النساء اليتامى، فأضيفت الصفة إلى الاسم كما تقول: كتاب الكامل، ويوم الجمعة، وهذا قول الكوفيين، وعند البصريين لا يجوز إضافة الصفة إلى الموصوف.
والمراد ب النساء ههنا: أمهات اليتامى، أضيفت إليهن أولادهن اليتامى، وقوله: ﴿اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] قال ابن عباس: يريد: ما فرض لهن من الميراث.
وترغبون: عن أن تنكحوهن لدمامتهن.
قالت عائشة ﵂: نزلت في اليتيمة، يرغب وليها نكاحها، ولا ينكحها فيعضلها طمعا في ميراثها، فنهي عن ذلك.
وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ١٢٧] يعني: الصغار من الصبيان، قال ابن عباس: يريد: أنهم لم يكونوا يورثون صغيرا من الغلمان ولا من الجواري، وهو عطف على يتامى النساء.
[ ٢ / ١٢٣ ]
والمعنى: يفتيكم في المستضعفين أن تعطوهم حقوقهم لأن ما يتلى عليكم في باب اليتامى من قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] يدل على الفتيا في إعطاء حقوق الصغار من الميراث.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧] قال الفراء: أن في موضع خفض على معنى: ويفتيكم في أن تقوموا لليتامى بالقسط.
قال ابن عباس: يريد: بالعدل في مهورهن، وفي مواريثهن.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ [النساء: ١٢٧] يريد: من حسن فيما أمرتكم به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٢٧] يجازيكم عليه ولا يضيع لكم شيئا منه.
قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ [النساء: ١٢٨] الآية.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، حدثنا محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب، أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمرا، إما كبرا وإما غيرة، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني وأمسكني واقسم لي ما بدا لك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ [النساء: ١٢٨] أي: علمت من بعلها: زوجها نشوزا: ترفعا عليها لبغضها، أو إعراضا عنها لموجدة أو أثرة.
قال مقاتل: نشوزا عصيانا يعني الأثرة.
وهو قول ابن عباس أو إعراضا عنها لما به من الميل إلى أخرى.
وقوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨] جعل الله تعالى الصلح جائزا بين الرجل والمرأة إذا رضيت منه بإيثار غيرها عليها.
[ ٢ / ١٢٤ ]
قال المفسرون: هذا الصلح في القسمة وهو أن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة أو قد دخلت في السن، وأريد أن أتزوج عليك شابة جميلة وأوثرها عليك في القسم بالليل والنهار، فإن رضيت فأقيمي، وإما كرهت خليت سبيلك، فإن رضيت بذلك وإلا كان الواجب على الزوج تمام حقها من المقام عندها، أو تسريحها بإحسان.
وكل ما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز وهو أن تترك له من مهرها أو بعض أيامها، ومعنى يصَّالحا يتصالحا فأدغم التاء في الصاد.
وقرئ يُصلحا من الإصلاح عند التنازع، كقوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ١٨٢] .
وقوله: والصلح خير: من النشوز والإعراض والفرقة، يقول: إن يصالحا على شيء خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز والإعراض.
وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨] أي: ألزمت البخل، قال المفسرون: أحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة شحا بحقه قبل صاحبه فالمرأة تشح على مكانها من زوجها، والرجل يشح على المرأة بنفسه إذا كان غيرها أحب إليه منها.
وقوله: وإن تحسنوا: أن تصلحوا، وتتقوا: الجور والميل، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨] .
قوله ﷿: ولن تستطيعوا الآية، قال المفسرون: لن تقدروا على التسوية بينهن في المحبة التي هي ميل الطباع، لأن ذلك مما لا تقدرون عليه، ولو حرصتم أي: اجتهدتم، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩] إلى التي تحبون في النفقة والقسمة.
قال أبو عبيدة: لا يقدر أحد على العدل بين الضرائر بقلبه وليس يؤاخذ به، لأنه لا يستطيع ولا يملكه، لكن عليه أن لا يميل بنفسه وهو الذي وقع عليه النهي، قال الشافعي: بلغنا أن رسول الله ﷺ كان يقسم فيقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم فيما لا أملك» .
يعني: محبته لعائشة.
وقوله: فتذروها كالمعلقة: قال ابن عباس: لا أيما ولا ذات بعل.
[ ٢ / ١٢٥ ]
قال المفسرون: يقول: لا تميلوا إلى الشابة كل الميل فتدعوا الأخرى كالمنوطة لا في الأرض وفي السماء كذلك هذه لا تكون مخلاة فتزوج ولا ذات بعل يحسن عشرتها.
وإن تصلحوا: بالعدل في القسم، وتتقوا: الجور، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩] لما ملت إلى التي تحبها.
قوله تعالى: وإن يتفرقا الآية: ذكر الله تعالى جواز الصلح بين الزوجين إن أحبا أن يجتمعا ويتآلفا، فإن أبت الكبيرة الصلح، وأبت إلا التسوية بينها وبين الشابة، فتفرقا بالطلاق، فقد وعد الله لهما أن يغني كل واحد منهما عن صاحبه بعد الطلاق، وهو قوله: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] قال الكلبي: أمر الله المرأة بزوج أو الزوج بامرأة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ [النساء: ١٣٠] الجميع خلقه في الرزق والرحمة حكيما فيما حكم ووعظ وعلم، ذكر ما يوجب الرغبة إليه في طلب الخير منه فقال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ١٣١] أي: هو مالك ما فيها، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ١٣١] يعني: اليهود والنصارى وإياكم: أوصى ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ [النساء: ١٣١] بما أوصاكم به ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ١٣١] يعني أن له ملائكة من السموات والأرض هم أطوع له منكم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ [النساء: ١٣١] لا حاجة له، والله تعالى غني بذاته لأنه قادر على ما يريد، حميدا: محمودا على نعمه.
قوله ﷻ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [النساء: ١٣٣] قال ابن عباس: يريد المشركين والمنافقين.
ويأت بآخرين: قال مقاتل: يخلق غيركم أمثل وأطوع له منكم.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ١٣٤] قال ابن عباس: يريد متاع الدنيا، ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤] قال الزجاج: كان مشركو العرب لا يؤمنون بالبعث والحساب وكانوا مقرين بأن الله خالقهم فكان تقربهم إلى الله تعالى إنما هو ليعطيهم من خير الدنيا ويصرف عنهم شرها، فأعلم الله تعالى أن خير الدنيا والآخرة عنده، فينبغي أن يطلب من عنده ثواب الدنيا والآخرة.
قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] قوام: مبالغة من قائم.
قال ابن عباس: كونوا قوالين بالعدل في الشهادة على مَن كانت، ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] .
وقال الزجاج: قوموا بالعدل، واشهدوا لله بالحق، وإن كان الحق على نفس الشاهد أو على والديه أو أقربيه.
وشهادة الإنسان على نفسه: إقراره بما عليه من الحق، فكأنه قيل: ولو كان لأحد عليكم حق فأقروا على أنفسكم.
وقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] أي: أن يكن المشهود غنيا أو فقيرا، قال ابن عباس: يقول: لا تحابوا غنيا لغناه، ولا ترحموا فقيرا لفقره.
وقال عطاء: لا تحيفوا على الفقير، ولا تعظموا الغني فتمسكوا على القول فيه.
[ ٢ / ١٢٦ ]
وقوله: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥] أي: أعلم بهما لأنه يتولى علم أحوالهما من الغنى والفقر، وهذا معنى قول الحسن: الله أعلم بغناهم وفقرهم.
وقوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥] قال مقاتل: فلا تتبعوا الهوى في الشهادة، واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق إلى الهوى، وهذا من العدول الذي هو الميل والجور.
قال ابن عباس: تميلوا عن الحق.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: ١٣٥] قال مجاهد: وإن تلووا تبدلوا الشهادة، أو تعرضوا تكتموها فلا تقيموها.
وهذا مِن ليّ اللسان، كأنه لواها من الحق إلى الباطل، وقال السدي: الليّ: دفع الشهادة، والإعراض: الجحود.
وقرئ تلوا بواو واحدة من ولاية الشيء، وهو الإقبال عليه وخلاف الإعراض عنه، والمعنى: إن تقبلوا أو تعرضوا.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] فيجازي المقبل المحسن بإحسانه والمسيء المعرض بإعراضه، وقال قطرب: وإن تلوا من الولاية، يريد: إن تلوا القيام بالحق وتتولوه، وتعرضوا عنه فلا تقوموا به.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا ﴿١٣٦﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا ﴿١٣٧﴾﴾ [النساء: ١٣٦-١٣٧] قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] الآية، قال ابن عباس في رواية الكلبي: نزلت في مؤمني أهل الكتاب، قالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل.
[ ٢ / ١٢٧ ]
وقال الضحاك: الخطاب لليهود والنصارى يقول ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ١٣٥] بموسى والتوراة وعيسى والإنجيل آمِنوا بمحمد ﷺ والقرآن.
وقال جماعة من المفسرين: الخطاب للمؤمنين وتأويل آمنوا بالله: أقيموا واثبتوا ودوموا عليه.
وقال مجاهد: الآية خطاب للمنافقين، وذلك إنهم آمنوا في الظاهر بألسنتهم، وكفروا بقلوبهم، فقال الله تعالى آمِنوا بقلوبكم بالله ورسوله.
وقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] قال ابن عباس: يريد القرآن.
﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] يريد: كل كتاب نزل على النبيين، وذلك أنه اسم الجنس فصلح للعموم.
قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] الآية: أكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في اليهود.
قال قتادة: آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت بمخالَفتها، ثم آمنت بالإنجيل ثم كفرت بمخالَفته.
﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧] بمحمد ﷺ والقرآن ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧] ما أقاموا على ذلك لأن الله أخبر أنه يغفر كفر الكافر إذا انتهى، فإذا أطلق القول بأنه لا يغفر لهم، علم أن المراد به: ما أقاموا عليه.
﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٣٧] طريق هدى، وهذا إخبار عمن في معلوم الله أنه لا يؤمن.
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٣٨﴾ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴿١٣٩﴾﴾ [النساء: ١٣٨-١٣٩] قوله ﷻ: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨] قال المفسرون: إن المنافقين كانوا يتولون اليهود، فألحقوهم بالتبشير في العذاب، ومعنى بشرهم: أخبرهم، ثم وصفهم فقال: ﴿
[ ٢ / ١٢٨ ]
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ﴾ [النساء: ١٣٩] يعني: اليهود ﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٣٩] كان المنافقون يوالون اليهود ويتوهمون أن لهم القوة والمنعة وذلك قوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [النساء: ١٣٩] أي: القوة بالظهور على محمد ﷺ وأصحابه، والمعنى: أيطلبون أن يتقووا بهم فيظهروا على المسلمين؟ وقوله: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩] أي: الغلبة والقوة لأنه عزيز بعزه ومعز من عز من عباده بما خلق من العزة، فله العزة جميعا من كل وجه.
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴿١٤٠﴾ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا ﴿١٤١﴾ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا ﴿١٤٢﴾ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴿١٤٣﴾﴾ [النساء: ١٤٠-١٤٣] قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٤٠] الآية، قال المفسرون: الذي نزل عليهم في الكتاب: النهي عن مجالستهم.
وهو قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] الآية.
وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن، ويكذبون به، فنهى الله المسلمين عن مجالستهم.
وقوله: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ [النساء: ١٤٠] أي: إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠] أي: يأخذوا في حديث غير الكفر والاستهزاء.
﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] أي: إنكم كافرون مثلهم لأن من رضي بالكفر فهو كافر.
وهذا يدل على أن من
[ ٢ / ١٢٩ ]
رضي بمنكر يراه خالط أهله، كان في الإثم بمنزلة المباشر.
وقد ورد النهي في هذه الآية عن القعود مع الذين يخوضون في آيات الله بالباطل فلا يجوز القعود عند من يتكلم في القرآن وتفسيره بالباطل.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء: ١٤٠] الآية، يريد: أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء يجتمعون في جهنم على العقاب.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] هذه الآية أيضا من صفة المنافقين، قال الكلبي: ينتظرون بكم الدوائر والأحداث.
﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٤١] أي: ظهور على اليهود قالوا: للمؤمنين ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] فأعطونا من الغنيمة، ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ١٤١] قال ابن عباس: ظفر على المسلمين ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] ألم نغلب عليكم.
والاستحواذ: الاستيلاء على الشيء، ومنه قوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩] أي: غلب، قال المبرد: معناه: ألم نغلبكم على رأيكم ونصرفكم عن الدخول في جملة المؤمنين.
وقوله: ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١] أي: بتخذيلهم عنكم ومراسلتنا إياكم بأخبارهم، ومراد المنافقين بهذا الكلام إظهارُ المنَّة على الكافرين، أي: فاعرفوا لنا الحق هذا عليكم، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ١٤١] بين المؤمنين والمنافقين، قال ابن عباس: يريد: أنه أخر عقاب المنافقين إلى الموت، ووضع عنهم السيف في الدنيا.
وقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] قال ابن عباس، والسدي: حجة يوم القيامة.
٢٥٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ يُسَيْعٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] وَهُمْ يُقَاتِلُونَهُمْ
[ ٢ / ١٣٠ ]
فَيَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: ادْنُهُ ادْنُهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ﴾ [النساء: ١٤١] يوم القيامة ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١]
قال أهل المعاني: وذلك أن الله يظهر ثمرة إيمان المؤمنين ويصدق موعدهم، ولم يشركهم الكفار في شيء من اللذات، وكما شاركوهم اليوم حتى يعلموا أن الحق معهم دونهم.
قوله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٤٢] يعملون على المخادع بما يظهرونه من الإيمان، ويبطنون خلافه من الكفر وهو خادعهم مجازيهم على خداعهم، وذلك أنهم يعطون نورا كما يعطى المؤمنون، فإذا مضوا على الصراط طفئ نورهم وبقوا في الظلمة.
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٤٢] أي: مع المؤمنين قاموا كسالى: متثاقلين لأنهم لا يرجون لها ثوابا ولا يخافون على تركها عقابا، يراءون الناس بصلاتهم لكي يراهم الناس مصلين لا يريدون بها وجه الله.
قال قتادة: والله لولا الناس ما صلى المنافقون، وما يصلون إلا رياء وسمعة.
٢٥٩ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ قَطَنٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو جُنَادَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يُؤْمَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِنَاسٍ مِنَ النَّاسِ إِلَى الْجَنَّةِ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهَا وَاسْتَنْشَقُوا رَائِحَتَهَا وَنَظَرُوا إِلَى قُصُورِهَا، وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لأَهْلِهَا فِيهَا نُودُوا: أَنِ اصْرِفُوهُمْ عَنْهَا لا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهَا، فَيَرْجِعُونَ بِحَسْرَةِ مَا رَجَعَ الأَوَّلُونَ بِمِثْلِهَا، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا لَوْ أَدْخَلْتَنَا النَّارَ قَبْلَ أَنْ تُرِيَنَا مَا أَرَيْتَنَا مِنْ ثَوَابِكَ وَمَا أَعْدَدْتَ فِيهَا لأَوْلِيَائِكَ كَانَ أَهْوَنَ عَلَيْنَا، قَالَ: ذَلِكَ أَرَدْتُ بِكُمْ، كُنْتُمْ إِذَا خَلَوْتُمْ بَارَزْتُمُونِي بِالْعَظَائِمِ، وَإِذَا لَقِيتُمُ النَّاسَ لَقِيتُمُوهُمْ مُخْبِتِينَ، تُرَاءُونَ النَّاسَ بِخِلافِ مَا تُعْطُونَنِي مِنْ قُلُوبِكُمْ، هِبْتُمُ النَّاسَ وَلَمْ تَهَابُونِي، أَجْلَلْتُمُ النَّاسَ وَلَمْ تُجِلُّونِي، وَتَرَكْتُمُ لِلنَّاسِ وَلَمْ تَتْرُكُوا لِي، فَالْيَوْمَ أُذِيقُكُمُ الْعَذَابَ مَعَ حُرْمَتِكُمْ مِنَ الثَّوَابِ "
وقوله: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢] قال الحسن: إنما قل ذلك لأنهم يعملونه رياء، ولو أرادوا به وجه الله لكان كثيرا.
وقال قتادة: إنما قل لأن الله لم يقبله، وما رد الله فهو قليل وما قبله فهو كثير.
[ ٢ / ١٣١ ]
قوله ﷿: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣] يقال: ذبذبه فتذبذب.
أي: حركه فتحرك، وهو كتحريك شيء ما معلق بين السماء والأرض.
ومعنى بين ذلك بين الكافرين والمؤمنين، يعني: أنهم مرددون بين الكفر والإيمان.
قال السدي، وقتادة: ليسوا بمشركين مصرحين بالشرك، وليسوا بمؤمنين.
﴿لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] قال ابن عباس: لا من الأنصار ولا من اليهود.
٢٦٠ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِلالٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ الأَحْمَسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ مَثَلُ الشَّاةِ بَيْنَ الرَّبَضَيْنِ، إِنْ جَاءَتْ إِلَى هَذِهِ نَطَحَتْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ إِلَى هَذِهِ نَطَحَتْهَا»
وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤٣] قال ابن عباس: من أضله الله فلن تجد له دينا.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ﴿١٤٤﴾ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴿١٤٥﴾ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١٤٦﴾ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴿١٤٧﴾﴾ [النساء: ١٤٤-١٤٧]
[ ٢ / ١٣٢ ]
قوله ﷻ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤] قال المفسرون: نهى الله المؤمنين أن يوالوا اليهود من قريظة والنضير، وأوعدهم على ذلك بقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤] حجة بينة في عقابكم بموالاة الكفار؟ أي: إنكم إذا واليتموهم صارت الحجة عليكم في عقابكم.
قوله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] قال ابن عباس: في أسفل النار.
قال الأخفش، وأبو عبيدة: جهنم أدراك، أي: منازل، وكل منزل منها درك.
وقال الضحاك: الدرج: إذا كان بعضها فوق بعض، والدرك: إذا كان بعضها أسفل من بعض.
وقرئ الدرَك بفتح الراء وجزمه وهما لغتان.
قال الزجاج: الاختيار فتح الراء لأنه أكثر في الاستعمال.
وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] أي: مانعا يمنعهم من عذاب الله، من جهة شافعة أو غير ذلك.
﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النساء: ١٤٦] من النفاق، وأصلحوا: العمل لله، واعتصموا بالله: وثقوا به والتجأوا إليه، ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦] من شائب الرياء.
قال علي بن أبي طالب ﵁: المنافقون شر من كفر بالله وأولاهم بمقته.
وأبعدهم من الإنابة إليه لأنه شرط عليهم في التوبة: الإصلاح والاعتصام، ولم يشرط ذلك على غيرهم ثم شرط الإخلاص لأن النفاق ذنب القلب، والإخلاص توبة القلب.
ثم قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] ولم يقل: فأولئك المؤمنون.
أو: من المؤمنين.
غيظا عليهم.
ثم أوقع أجر المؤمنين في التسويف لانضمام المنافقين إليهم، فقال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦] .
قوله ﷻ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] الآية: ما استفهام معناه التقرير، أي: إن الله لا يعذب الشاكر المؤمن.
[ ٢ / ١٣٣ ]
قال ابن عباس في رواية عطاء: ما يريد الله بعذاب خلقه.
إن شكرتم: اعترفتم بإحسانه، وآمنتم: بنبيه، وهذا على التقديم والتأخير، أي: إن آمنتم وشكرتم لأن الإيمان يقدم على سائر الطاعات، ولا تنفع طاعة دون الإيمان.
٢٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرُوَيْهِ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤَخِّرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: " يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ "
وقال قتادة في هذه الآية: إن الله لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا.
﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ [النساء: ١٤٧] شاكرا للقليل من أعمالكم، عليما: بنياتكم.
﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴿١٤٨﴾ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴿١٤٩﴾ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴿١٥٠﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴿١٥١﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿١٥٢﴾﴾ [النساء: ١٤٨-١٥٢] قوله ﷿: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٤٨] قال عطاء، عن ابن عباس: نزلت الآية في الضيافة، ينزل الرجل بالرجل عنده سعة فلا يضيفه، فإن تناوله بلسانه فقد عذره الله، وهو قوله: ﴿إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، معنى: لا يحب الله أن يجهر بالقبيح في القول، لكن المظلوم يجهر بشكواه.
وقال قتادة، والحسن، والسدي، وابن زيد: هذه الآية عامة في كل مظلوم، وله أن ينتصر من ظالمه بالدعاء عليه بما لا يعتدي فيه.
[ ٢ / ١٣٤ ]
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٨] أي: لقول المظلوم، عليما: بما في قلبه فليتق الله ولا يقل إلا الحق.
قوله ﷻ: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ [النساء: ١٤٩] قال ابن عباس: يريد من أعمال البر مثل الصدقة والضيافة، ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ [النساء: ١٤٩] يأتيك من أخيك المسلم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ [النساء: ١٤٩] لمن عفا، قديرا: على ثوابه.
قوله ﷻ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٠] يعني: اليهود كفروا بعيسى والإنجيل، ومحمد ﷺ والقرآن ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٠] أي: بين الإيمان بالله ورسله.
ولا يصح الإيمان بالله والتكذيب برسله أو ببعض منهم، وذلك قوله: ﴿وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠] لا يصح التصديق ببعض الأنبياء دون البعض لأن كل نبي قد دعا إلى تصديق من بعده من الأنبياء، فإذا كذبوهم فقد كذبوا من تقدم منهم.
وقوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥٠] بيْن إيمان ببعض الرسل وكفر ببعض مذهبا يذهبون إليه.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١] ذِكْر حق ههنا: تأكيدٌ لكفرهم، إزالة لتوهم من يتوهم أن إيمانهم ببعض الرسل يزيل عنهم اسم الكفر، ثم نزل في المؤمنين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] إلى آخر الآية.
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ﴿١٥٣﴾ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴿١٥٤﴾﴾ [النساء: ١٥٣-١٥٤] قوله ﷻ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣] قال المفسرون: إن اليهود قالوا للنبي ﷺ: إن كنت صادقا أنك نبي فأتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى به موسى فأنزل الله هذه الآية.
وقوله: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣] يعني: السبعين الذين ذكرنا قصتهم عند قوله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]،
[ ٢ / ١٣٥ ]
وقوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [النساء: ١٥٣] يعني: الذين خلفهم موسى مع هارون حين خرج لميقات ربه.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [النساء: ١٥٣] يعني: العصا واليد وفلق البحر، ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]، ولم نستأصل عبدة العجل، ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٥٣] حجة بينة قوي بها على من ناوأه.
قوله ﷻ: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ [النساء: ١٥٤] مفسر في ﴿[البقرة إلى قوله:] وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [سورة النساء: ١٥٤] أي: لا تعتدوا باقتناص السمك فيه، يقال: عدا عُدوا وعَدْوا وعَدَاء وعُدْوَانًا، أي: ظلم وجاوز الحد.
وقرأ نافع لا تعْدُّوا ساكنة العين مشددة الدال، أراد: لا تعتدوا ثم أدغم التاء في الدال لتقاربهم، وروى ورش لا تعَدّوا فتح العين وذلك أنه لما أدغم التاء في الدال نقل حركتها إلى العين.
وقوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤] قال ابن عباس: عهدا مؤكدا في النبي ﷺ.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا ﴿١٥٥﴾ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ﴿١٥٦﴾ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴿١٥٧﴾ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿١٥٨﴾ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴿١٥٩﴾﴾ [النساء: ١٥٥-١٥٩] قوله تعالي: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] ما ههنا: صلة مؤكدة، والآية تفسيرها ظاهر إلى قوله ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] يقال: طبع الله على قلب الكافر، أي: ختم عليه فلا يعي وعظا، ولا يوفق للخير.
قال الزجاج: جعل الله مجازاتهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم.
وقوله: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٥٥] قد مر في هذه ال ﴿[.
[ ٢ / ١٣٦ ]
قوله ﷿: وبكفرهم يعني: بالمسيح، وجحدوا أنه نبي،] وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٥٦] حين رموها بالزنا، وزعموا أن عيسى لغير رِشْدَةٍ.
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٥٧] اليهود تدعي أنهم قتلوا المسيح، وكذبوا في ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] أي: ألقى شبهه على غيره حتى ظنوا لما رأوه أنه المسيح، وذلك أن عيسى ﵇ لما أراد الله تعالى رفعه إلى السماء قال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فأُلقيَ عليه شبهُه فقتل وصلب وهم يظنون أنهم قتلوا عيسى.
وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النساء: ١٥٧] أي: في قتله، وكان اختلافهم فيه أنهم لما قتلوا الشخص المشبه به، كان الشبه قد ألقي على وجهه، ولم يلق عليه شبه جسد عيسى، فلما قتلوه ونظروا إليه قالوا: الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره، فذلك اختلافهم فيه.
وقوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٥٧] أي: مِن قتْله، ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٧] بعيسى من علم: قتل أو لم يقتل؟ ﴿إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] لكنهم يتبعون الظن في قتله، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] وما قتلوا المسيح على يقين من أنه المسيح.
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] أي: إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سوى الله فيه حكم، فكان رفعه إلى ذلك الموضع رفعا لأنه رفع عن أن يجري عليه حكم العباد.
يؤكد هذا أن الحسن قال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] أي: إلى السماء، كما قال: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وكانت الهجرة إلى المدينة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ [النساء: ١٥٨] في اقتداره على نجاة من يشاء من عباده، حكيما: في تدبيره في نجاة عيسى.
قوله ﷻ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] قال الزجاج: المعنى: وما منهم أحد إلا ليؤمنن به، أي: بعيسى قبل موت عيسى، وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به حتى تكون الملة واحدة ملة الإسلام.
قال عطاء عن ابن عباس: إذا نزل عيسى إلى الأرض لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا أحد ممن يعبد غير الله
[ ٢ / ١٣٧ ]
إلا آمن به وصدقه، وشهد أنه روح الله وكلمته وعبده ونبيه، وهذا قول الحسن، وقتادة، وسعيد بن جبير.
٢٦٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الثَّوْرِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ» .
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]
قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] على أن قد بلغ رسالة ربه وأقر بالعبودية على نفسه.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ﴿١٦٠﴾ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٦١﴾ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١٦٢﴾﴾ [النساء: ١٦٠-١٦٢] قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] قال مقاتل: كان الله ﷿ حرم على أهل التوراة أن يأكلوا الربا، ونهاهم أن يأكلوا أموال الناس ظلما، فأكلوا الربا وأكلوا أموال الناس بالباطل،
[ ٢ / ١٣٨ ]
وصدوا عن دين الله وعن الإيمان بمحمد ﷺ، فحرم الله عليهم عقوبة لهم ما ذكر في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآية.
قوله: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦١] يعني: ما أخذوه من الرشى في الحكم وغير ذلك.
قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦١] خص الكافرين منهم لأنه علم أن منهم من يؤمن فيأمن العذاب.
قوله ﷻ: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٦٢] هذا استثناء لمؤمني أهل الكتاب.
وعني بالراسخين: المبالغين في علم الكتاب، كعبد الله بن سلام وعدة نفر، قال الزجاج: يعني أنهم بعلمهم وبصيرتهم وثبوتهم في علمهم آمنوا بالنبي ﷺ.
وقوله: والمؤمنون: قال ابن عباس: والمؤمنون من أمة محمد ﷺ.
قوله: والمقيمين الصلاة نص سيبويه على أن: والمقيمين نصب على المدح، والعرب تقول: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد، على معنى: اذكر المطعمين وهم المغيثون، وكذلك هذه الآية هنا معناها: اذكر المقيمين، وهم المؤتون الزكاة.
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ﴿١٦٣﴾ وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴿١٦٤﴾ رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿١٦٥﴾﴾ [النساء: ١٦٣-١٦٥] قوله ﷻ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣] الآية: قال ابن عباس: إن جماعة من اليهود قالوا للنبي ﷺ:
[ ٢ / ١٣٩ ]
ما أوحى الله ولا إلى أحد من بعد موسى فكذبهم الله وأنزل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣] الآية.
وقوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] الزبور الكتاب، وكل كتاب زبور، وهو فعول بمعنى مفعول، كالرسول والركوب والحلوب، وأصله من زبرت الكتاب.
بمعنى كتبت، وقرأ حمزة زُبورا بضم الزاي على أنه جمع زبر وهو الكتاب سمي المفعول باسم المصدر، ثم جمعه كما يسمى المكتوب كتابا، ثم يجمع على كتب.
قوله تعالى: ﴿وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤] الآية: قال الكلبي: يقول من الرسل من قد سميناهم لك في القرآن وعرفناكهم إلى من بعثوا، وما رد عليهم قومهم، ومنهم من لم نسمِّه لك.
وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] أي: مخاطبة من غير واسطة، وتأكيد كلم بالمصدر: يدل على أنه سمع كلام الله حقيقة لا كما تقول القدرية: إن الله تعالى خلق كلاما في محل فسمع موسى ذلك الكلام لأنه لا يكون ذلك كلام الله.
قال أحمد بن يحيى: لو قال: وكلم الله من غير أن يؤكد بالمصدر لاحتمل كما قالوا، فلما قال تكليما سقط الشك الذي كان يدخل في الكلام لأن أفعال المجاز لا تؤكد بذكر المصادر، لا يقال: أراد الحائط أن يسقط إرادة.
قوله ﷻ: رسلا مبشرين أي: بالجنة لمن أطاع ومنذرين: بالنار لمن عصى، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] لأنه لو لم يبعث الرسل لكان للناس حجة في ترك الطاعة والتوحيد والمعرفة لأن هذه الأشياء إنما وجبت ببعث الرسل، وقد قال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا﴾ [طه: ١٣٤]، فبين أنهم كانوا يحتجون بعدم الرسل لو لم تبعث إليهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ [النساء: ١٦٥] في اقتداره على إنجاز موعوده على ألسنة رسله حكيما: في إرساله الرسل.
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴿١٦٦﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا ﴿١٦٧﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ﴿١٦٨﴾ إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿١٦٩﴾
[ ٢ / ١٤٠ ]
يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١٧٠﴾ يَأَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ﴿١٧١﴾﴾ [النساء: ١٦٦-١٧١] قوله ﷿: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦] قال المفسرون: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد سألنا اليهود عنك وعن صفتك، فزعموا أنهم لا يعرفونك في كتابهم فائتنا بمن يشهد لك أن الله بعثك إلينا رسولا، فنزل ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦] قال الزجاج: الشاهد: هو المبين لما يشهد به والله ﷿ يبين ما أنزل إليه بنصب المعجزة له، وبيّن صدق نبيه بما يغني عن بيان أهل الكتاب.
وقوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] أي: أنزله وفيه علمه، قال الزجاج: أنزل القرآن الذي فيه علمه، ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]: من قامت له المعجزة شهدت له الملائكة بصدقه، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦] تسلية للنبي ﷺ عن شهادة أهل الكتاب بشهادة الله والملائكة.
قوله ﷻ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٦٧] يعني اليهود، ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٦٧] دين الإسلام بقولهم: ما نعرف صفة محمد في كتابنا، ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧] بعدوا عن سبيل الخير فلا يهتدون.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٦٨] يعني اليهود، وظلموا: محمدا ﷺ بكتمانه نعته ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٨] يعني: من مات منهم على الكفر ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء: ١٦٨] يعني: دين الإسلام.
﴿إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٩] يعني: طريق اليهودية وهو طريق جهنم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٩] لأنه قادر على أن يخلق لهم العذاب والألم شيئا بعد شيء إلى ما لا يتناهى.
قوله ﷻ: يأيها الناس قال ابن عباس: يريد المشركين، ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠] أي: بالهدى والصدق وشهادة أن لا إله إلا الله، ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠] قال الزجاج: قال الخليل وجميع
[ ٢ / ١٤١ ]
البصريين: هذا محمول على المعنى كأن معنى قوله: «آمنوا خيرا لكم»: ائتوا خيرا لكم.
وقوله: وإن تكفروا أي: بتكذيب محمد ﷺ، ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النساء: ١٧٠] ملكا واقتدارا عليه، أي: أنه غني عنكم وعن إيمانكم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠] بما يكون منكم من إيمان وكفر، حكيما: في تكليفكم مع علمه بما يكون منكم.
قوله ﷻ: يأهل الكتاب يريد: النصارى: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] أي: لا تتجاوزوا حد الحق، يقال: غلا يغلو غلوا إذا جاوز الحق.
والنصارى غلت في المسيح، فجاوزوا به منزلة الأنبياء حتى جعلوه إلها، وذلك أن الماريعقوبية، نصارى أهل نجران، قالوا: عيسى هو الله.
وقالت النسطورية: هو ابن الله.
وقال المرقوسية: هو ثالث ثلاثة.
فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] .
٢٦٣ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُطَوَّعِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَوْفٍ الأَعْرَابِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ»
[ ٢ / ١٤٢ ]
وقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] أي: فليس لله ولد ولا زوجة ولا شريك هذا هو الحق، ثم أخبر عن عيسى فقال ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] ذكرنا تفسير هذا في سورة آل عمران، قال الكلبي: يعني قوله كن فكان من غير أب.
وقوله: وروح منه أي: من خلقه وإحداثه، وذلك أن الله تعالى لما أخرج الأرواح من ظهر آدم لأخذ الميثاق عليهم، ثم ردها إلى صلبه أمسك عنده روح عيسى إلى أن أراد خلقه، ثم أرسل ذلك الروح إلى مريم فدخل فيها، فكان منه عيسى وهذا قول أبي بن كعب.
٢٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْوَاعِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ عَمُّ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرَوْحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، وَالْبَعْثَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ رُشَيْدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ
وقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] قال الزجاج: لا تقولوا آلهتنا ثلاثة، يعني: قولهم الله وصاحبته وابنه.
[ ٢ / ١٤٣ ]
﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] أي: ائتوا بالانتهاء عن قولكم خيرا لكم مما تقولون ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ﴾ [النساء: ١٧١] نزه نفسه ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ١٧١] ملكا وخلقا من غير شريك في ذلك، وإذا استحال الشرك في وصفه استحال الولد، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ [النساء: ١٧١] أي: مفوضا إليه القيام بتدبير ملكه الذي لا ملك أوسع منه.
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ﴿١٧٢﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ﴿١٧٣﴾ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴿١٧٤﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴿١٧٥﴾﴾ [النساء: ١٧٢-١٧٥] قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢] المفسرون يقولون: الاستنكاف والاستكبار واحد.
قال الكلبي: لن يتعظم.
وقال الأخفش، ومقاتل: لن يأنف.
وقال الزجاج: أي: ليس يستنكف الذي يزعمون أنه إله أن يكون عبدا لله، ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] من كرامة الله والمواطن الشريفة وهم أكبر من البشر.
ثم أوعد من استكبر عن عبادة الله تعالى، فقال: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [النساء: ١٧٢] الآية.
قوله ﷿: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] قال ابن عباس: يريد بالبرهان: النبي ﷺ وما جاء من البيان.
وإنما قيل للنبي ﷺ برهان، لما معه من المعجزة التي تشهد بصدقه.
وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] يريد: القرآن، سماه نورا لأنه يتبين به الأحكام كما تتبين الأشياء بالنور.
[ ٢ / ١٤٤ ]
قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ [النساء: ١٧٥] امتنعوا به من زيغ الشيطان، ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧٥] قال ابن عباس: يريد: الجنة.
وفضل: يتفضل عليهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥] دينا مستقيما.
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦] قوله ﷻ: يستفتونك الآية، أنزل الله تعالى في الكلالة آيتين، إحديهما: في الشتاء وهي التي في أول السورة، والأخرى في الصيف وهي هذه الآية، ولهذا تسمى هذه الآية آية الصيف.
٢٦٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وَآخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ بَرَاءَةٌ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ
٢٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرُوَيْهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِنِي مَاشِيَيْنِ، فَأُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وُضُوئِهِ فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]
[ ٢ / ١٤٥ ]
قال ابن عباس: يريد: من ليس له ولد ولا والد
﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] أراد: ولا والد، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر، ودل على المحذوف: أن الفتيا في الكلالة، والكلالة: من ليس له ولد ولا والد، فإن كان له أحدهما لم يسم كلالة.
وقوله: وله أخت أراد: من أبيه وأمه، لأن ذكر أولاد الأم قد سبق في أول ال ﴿[،] فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [سورة النساء: ١٧٦] هذا بيان فرضها عند الانفراد، ولها نصف المال بالتسمية.
وقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] يعني: أن الأخ يستغرق ميراث الأخت إذا لم يكن للأخت ولد، وهذا في الأخ من الأب والأم، أو من الأب.
وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] ظاهر إلى قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وروي أن أبا بكر الصديق قال في خطبته: ألا إن الآية التي أنزل الله تعالى في أول ﴿[النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، وال: الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرت به الرحم من العصبة.
وقوله:] يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي: لئلا تضلوا، أو: أن لا تضلوا، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] أي: لئلا تزولا.
هذا قول الفراء والكسائي.
وقال البصريون: المحذوف ههنا: مضاف، على تقدير: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا فحذف المضاف.
[ ٢ / ١٤٦ ]