مكية وآياتها أربع وخمسون.
٧٦٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ سَبَإٍ لَمْ يَبْقَ نَبِيٌّ وَلا رَسُولٌ إِلا كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَفِيقًا وَمُصَافِحًا»
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴿١﴾ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴿٢﴾﴾ [سبأ: ١-٢] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ: ١] ملكا وخلقا، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ﴾ [سبأ: ١] يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]، و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، وهو الحكيم في أمره، الخبير بخلقه.
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢] ما يدخل فيها من مطر أو كنز أو ميت، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ [سبأ: ٢] من زرع ونبات، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٢] من مطر أو رزق، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢] من الملائكة وأعمال العباد، وهو الرحيم بأوليائه، الغفور لذنوبهم.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴿٣﴾ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٤﴾ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ﴿٥﴾ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿٦﴾﴾ [سبأ: ٣-٦] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ: ٣] يعني منكري البعث، ﴿لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣] وقرأ حمزة علام الغيب على المبالغة، كقوله: علام الغيوب وباقي الآية مفسرة في ﴿[
[ ٣ / ٤٨٦ ]
يونس.
] لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة سبأ: ٤] أي: لتأتينكم الساعة ليجزي الذين آمنوا، ثم بين جزاء الفريقين، فقال: أولئك يعني الذين آمنوا، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: ٤] حسن، يعني في الجنة.
والذين سعوا مفسر في ﴿[الحج،] أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سورة سبأ: ٥] قرئ بالرفع على نعت العذاب، وبالخفض على نعت الرجز، والرجز العذاب، ذكرنا ذلك.
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سبأ: ٦] ويعلم الذين أوتوا العلم بالله، يعني مؤمني أهل الكتاب، وقال قتادة: يعني أصحاب رسول الله ﷺ.
﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [سبأ: ٦] يعني القرآن، وهو الحق هو فضل عند المبصرين، كقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النحل: ٩٥]، ويهدي يعني القرآن، إلى صراط دين، العزيز في ملكه، الحميد عند خلقه.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿٧﴾ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ﴿٨﴾ أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴿٩﴾﴾ [سبأ: ٧-٩] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ: ٧] يعني منكري البعث، قال بعضهم لبعض: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ [سبأ: ٧] يزعم أنكم تبعثون بعد أن تكونوا عظاما وترابا ورفاتا، وهو قوله: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] أي: فرقتم كل تفريق، وقطعتم كل تقطيع، والممزق ههنا مصدر بمعنى التمزيق، قال ابن عباس: إذا متم وبليتم.
وقال مقاتل: إذا تفرقتم في الأرض وذهبت الجلود والعظام وكنتم ترابا.
﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] أي: يجدد خلقكم بأن تبعثوا وتنشروا.
﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [سبأ: ٨] هذا أيضا من قول الكفار بعضهم لبعض، قالوا: أفترى محمد على الله كذبا حين زعم أنا نبعث بعد الموت، والألف في أفترى ألف الاستفهام، وهو استفهام تعجب وإنكار.
وقوله: ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨] يقولون: أيزعم كذبا أم به جنة؟ فرد الله عليهم، فقال: بل ليس الأمر على ما قالوا من الافتراء والجنون، ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [سبأ: ٨] هؤلاء الذي لا يؤمنون بالبعث، في العذاب في الآخرة، والضلال البعيد من الحق في الدنيا.
ثم وعظهم ليعتبروا، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [سبأ: ٩] وذلك أن الإنسان حيث نظر رأى السماء والأرض قدامه وخلفه، وعن يمينه وعن شماله، والمعنى أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم، وأنا القادر عليهم، إن شئت خسفت الأرض بهم، وإن شئت أسقطت عليهم قطعة من سمائي، وهو قوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩] وأدغم الكسائي وحده الفاء في الباء في قوله: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ﴾ [سبأ: ٩] قال أبو علي الفارسي: وذلك غير جائز لأن الفاء من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا، فانحدر الصوت إلى الفم حيث اتصلت بمخرج الثاء، ولهذا جاز إبدال الثاء بالفاء في نحو الحدث والجدف المقاربة بينهما، فلم يجز إدغامه في الباء، كما لا يجوز إدغام الباء فيه لزيادة صوت الفاء على صوت الباء.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [سبأ: ٩] أي: فيما ترون من السماء والأرض، لآية تدل على قدرة الله على البعث وعلى ما يشاء من الخسف بهم، ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: ٩] أياب إلى الله وحده، ورجع إلى طاعته، وتأمل ما خلق.
[ ٣ / ٤٨٧ ]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ﴿١٠﴾ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١﴾﴾ [سبأ: ١٠-١١] قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا﴾ [سبأ: ١٠] يعني النبوة والكتاب وما أعطي من الملك في الدنيا، يا جبال أي: وقلنا يا جبال، أوبي معه سبحي معه، وكان إذا سبح داود سبحت الجبال معه، وقوله: والطير عطف على موضع الجبال، لأن كل منادي في موضع نصب.
قال ابن عباس: وكانت الطير تسبح معه إذا سبح.
﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠] حتى صار عنده مثل الشمع، وكان يأخذ بيده فيصير كأنه عجين، فكان يعمل به ما يشاء من غير نار ولا قرع.
وهو قوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] دروعا كوامل يجرها لابسها على الأرض، قال قتادة: وكان أول من عملها، وإنما كانت قبله صفائح من الحديد.
﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] والسرد: نسج الدروع، ومنه قيل لصانعها سراد وزراد، يبدل من السين زايا.
والمعنى: لا يجعل المسامير دقاقا فتفلق، ولا غلاظا فتكثر الحلق، هذا قول أهل التأويل.
٧٦٨ - أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْقُرَشِيُّ، فِيمَا أَجَازَ لِي، أَخْبَرَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ زَكَرِيَّا، أنا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ الْقُرَشِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ قَالَ: لا تُدَقِّقِ الْمَسَامِيرَ، وَتُوَسِّعِ الْحَلْقَةَ فَتَقْسَى، وَلا تُغَلِّظِ الْمَسَامِيرَ، وَتُضَيِّقِ الْحَلْقَ فَيَنْقَصِمَ، اجْعَلْهُ قَدْرًا
قال مقاتل: ثم قال الله لآل داود: اعملوا صالحا قال ابن عباس: اشكروا الله بما هو أهله.
﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١١] .
ثم ذكر ابنه سليمان وما أعطاه من الخير والكرامة، فقال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ﴿١٢﴾ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴿١٣﴾﴾ [سبأ: ١٢-١٣] ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ [سبأ: ١٢] قال الفراء: نصب الريح على وسخرنا لسليمان الريح، ورفع عاصم لما لم يظهر التسخير على معنى وله تسخير الريح، فالرفع يئول إلى معنى النصب، وقوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] أي: سير غدو تلك الريح المسخرة له مسيرة شهر، ورواحها شهر.
والمعنى أنها كانت تسير في اليوم مسيرة شهرية للراكب.
قال الحسن: تعدو من دمشق فتقيل باصطخر وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم تروح من اصطخر فتبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر للمسرع.
﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ: ١٢] أذبنا له عين النحاس، قال المفسرون: أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وإنما يعمل الناس اليوم مما أعطي سليمان، والقطر النحاس الذائب، ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ
[ ٣ / ٤٨٨ ]
بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [سبأ: ١٢] أي: بأمر ربه، قال ابن عباس: سخرهم الله لسليمان وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به.
ومن يزغ، يعدل منهم من الجن، عن أمرنا له بطاعة سليمان، ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢] في الآخرة، وهو أن الله تعالى وكل ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ عن طاعة سليمان ضربه ضربة أحرقته، والمفسرون على أن هذه الإذاقة من عذاب السعير في الآخرة.
يعملون له لسليمان، ﴿مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ [سبأ: ١٣] من الأبنية الرفيعة والقصور، قال المفسرون: فبنوا له الأبنية العجيبة باليمن: صرواح، ومرواح، وقلثون، وهندة، وهنيدة، وقلثوم، وعمدان، وبيتون، وهذه حصون باليمن عملتها الشياطين.
وقوله: وتماثيل جمع تمثال، وهو كل شيء مثلته بشيء، يعني صورا من نحاس وزجاج ورخام، كانت الجن تعملها، قالوا: وهي صور الأنبياء والملائكة، كانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة، وهذا يدل على أن التصوير كان مباحا في ذلك الزمان.
وجفان جمع جفنة، وهي القصعة الكبيرة، كالجوابي جمع الجيبة وهي الحوض الكبير، يجبي الماء، أي يجمعه، قال المفسرون: يعني قصاعا في العظم كحياض الإبل يجتمع على القصعة الواحدة ألف رجل يأكلون منها، ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] ثابتات لها قوائم لا يخرجن عن أماكنها وكانت بأرض تتخذ من الجبال، ثم قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] أي: وقلنا اعملوا بطاعة الله آل داود شكرا له على ما آتاكم.
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] العامل بطاعتي شكرا لنعمتي، قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤] ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ [سبأ: ١٤] قال المفسرون: كانت الإنس في زمان سليمان تقول: إن الجن تعلم الغيب الذي يكون في، غد فلما مات سليمان مكث على عصاه حولا ميتا، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة التي كانت تعمل في حياة سليمان، لا يشعرون بموته حتى أكلت الأرضة عصا سليمان، فخر ميتا، فعلموا بموته، وعلم الإنس أن الجن لا تعلم الغيب.
فذلك قوله تعالى: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ﴾ [سبأ: ١٤] يعني الأرضة، تأكل منسأته يعني عصاه، قال الزجاج: المنسأة التي ينسأ بها، أي: يطرد ويزجر، وأكثر القراء على همزة المنسأة، وقرأ أبو عمرو بغير همز، قال المبرد: بعض العرب يبدل من همزتها ألفا يقولون منساة، وأنشد:
إذا دببت على المنساة من كبر فقد تباعد عنك اللهو والغزل
وقوله: فلما خر أي: سقط ميتا، تبينت الجن أي: ظهرت وانكشفت للناس أنهم لا يعلمون الغيب، ولو كانوا
[ ٣ / ٤٨٩ ]
يعلمون به ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤] أي: ما عملوا مسخرين لسليمان، وهو ميت، وهم يظنون أنه حي.
قال مقاتل: العذاب المهين الشقاء والنصب في العمل.
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴿١٥﴾ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴿١٦﴾ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ ﴿١٧﴾﴾ [سبأ: ١٥-١٧] قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ [سبأ: ١٥]
٧٦٩ - أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا أَبُو خَلِيفَةَ، نا أَبُو هَمَّامٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ هَانِئٍ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ سَبَإٍ، أَرَجُلٌ هُوَ أَمِ امْرَأَةٌ؟ فَقَالَ: هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَلَدَ عَشَرَةً، تَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ، وَتَشَاءَمَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ تَيَامَنُوا؛ فَالأَزْدُ وَكِنْدَةُ وَمَذْحِجٌ وَالأَشْعَرِيُّونَ وَأَنْمَارُ؛ مِنْهُمْ: بَجِيلَةُ، وَأَمَّا الَّذِينَ تَشَاءَمُوا؛ فَعَامِلَةُ وَغَسَّانُ وَلَخْمٌ وَجُذَامٌ، وَالْمُرَادُ بِسَبَإٍ هَهُنَا: الْقَبِيلَةُ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَوْلادِ سَبَإِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ
وقوله: في مساكنهم كانت مساكنهم بمأرب من اليمن، آية أي: علامة تدلهم على قدرة الله، وأن المنعم عليهم هو الله، ثم ذكر تلك الآية، فقال: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ [سبأ: ١٥] عن يمين واد لهم وشماله، كانت قد أحاطتا بذلك الوادي الذي بين مساكنهم، وقيل لهم: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ [سبأ: ١٥] يعني ثمار الجنتين، قال السدي، ومقاتل: كانت المرأة تخرج فتحمل مكتلها على رأسها وتمر فيمتلئ من ألوان الفاكهة من غير أن تمس شيئا بيدها.
وقوله: واشكروا له أي: على ما رزقكم من النعمة، والمعنى: اعملوا بطاعته إذ أنعم عليكم بما أنعم.
بلدة طيبة يعني أرض سبأ بلدة طيبة، لأنها أخرجت ثمارها ولم تكن سبخة، وقال ابن زيد: لم يكن فيها شيء مؤذ من بعوض أو ذباب، ولا
[ ٣ / ٤٩٠ ]
برغوث ولا عقرب، ويمر الغريب ببلدتهم وفي ثيابه القمل فتموت كلها لطيب هوائها.
ورب غفور أي: والله رب غفور، قال مقاتل: وربكم إن شكرتم فيما رزقكم رب غفور للذنوب.
فأعرضوا عن الحق وكذبوا أنبياءهم، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] وذلك أن الماء كان يأتي أرض سبأ من الشحر وأودية اليمن، فردموا ما بين جبلين وحبسوا الماء في ذلك الردم ثلاثة أبواب، بعضها فوق بعض، وكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الثاني، ثم من الثالث، فأخصبوا وكثرت أموالهم، فلما كذبوا رسولهم بعث الله تعالى جرذا ثقبت ذلك الردم حتى انتقض، فدخل الماء خيمهم فغرقها ودفن السيل بيوتهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] جمع عرمة، وهي السكر الذي يحبس الماء، وقال ابن الأعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق.
وقال قتادة، ومقاتل: العرم اسم وادي سبأ.
وبدلناهم بجنتيهم اللتين يطعمان الفواكه، ﴿جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبأ: ١٦] القراءة الجيدة بالإضافة لأن الخمط عند المفسرين اسم شجرة، قالوا: هو الأراك، وأكله جناه، وهو البريد.
قال أبو عبيدة: الخمط كل شجرة مرة ذات شوك.
قال الأخفش: الأحسن في مثل هذه الإضافة مثل دار حر وثوب خز.
وقال ابن الأعرابي: الخمط ثمر شجر يقال له فسوة الضيع على صورة الخشخاش ينفرك ولا ينتفع به.
وقال المبرد، والزجاج: يقال لكل نبت قد أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله: خمط.
وعلى هذا يحسن التنوين في أكل إذا جعلت الخمط اسما للمأكولات، والأثل شجرة تشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه، والسدر إذا كان بريا لا ينتفع به، ولا يصلح ورقه للمغسول، كما يكون ورق السدر الذي ينبت على الماء.
ومعنى قوله: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴿١٦﴾﴾ [سبأ: ١٦-١٦] يعني أن الأثل والخمط كانا أكثر في الجنتين المبدلتين من السدر.
قال قتادة: كان شجر القوم من خير الشجر إذا صيره إليه من شر الشجر.
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ [سبأ: ١٧] أي: جزيناهم ذلك التبديل لكفرهم، ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] يعني أن المؤمن نكفر عنه ذنوبه بطاعاته، والكافر يجازي بكل سوء يعمله.
قال مقاتل: وهل يكافأ بعمله السيئ إلا الكفور لله في نعمه.
وقال الفراء: المؤمن يجزى ولا يجازي، أي: يجزى الثواب بعمله ولا يكافأ بسيئاته.
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنْينَ ﴿١٨﴾ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿١٩﴾﴾ [سبأ: ١٨-١٩] وقوله: وجعلنا بينهم عطف على قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ [سبأ: ١٥] يعني: وكان من قصتهم أنا جعلنا بينهم، ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [سبأ: ١٨] بالماء والشجر، وهي قرى الشام، قرى ظاهرة متواصلة، وكان متجرهم من أرض اليمن إلى الشام، وكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى حتى يرجعوا، وكانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبأ إلى الشام، ومعنى قوله:
[ ٣ / ٤٩١ ]
ظاهره أن الثانية كانت ترى من الأولى لقربها منها، وقوله: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٨] جعلنا السير من القرية إلى القرية مقدارا واحدا نصف يوم، قلنا لهم: سيروا فيها في تلك القرى، ليالي وأياما ليلا شئتم السير أم نهارا، آمنين من الجوع والعطش والسباع والتعب، ومن كل خوف.
ثم أنهم بطروا النعمة وسألوا أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] أي: اجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز ليركب إليها الرواحل وتتزود الأزواد، وقرئ بَعِّد وهو بمعنى باعد، وهو مثل ضعف وضاعف، وقرب وقارب.
وظلموا أنفسهم بالكفر، فجعلناهم أحاديث لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم كيف فعلنا بهم، ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩] فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق، وذلك أن الله تعالى لما غرق مكانهم وأذهب جنتيهم تبددوا في البلاد، فصارت العرب تتمثل بهم في الفرقة، فتقول: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ.
أخبرنا أبو حسان المزكي، أنا هارون بن محمد الإستراباذي، أنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، أنا أبو الوليد الأزرقي، نا جدي، نا سعيد بن سالم القداح، عن عثمان بن ساج، عن الكلبي، عن أبي صالح، قال: ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقيا بن ماء السماء، وهو عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكانت قد رأت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب، وأنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين، فباع عمرو بن عامر أمواله وسار هو وقومه إلى مكة، فأقاموا بمكة وما حولها، فأصابتهم الحمى، فدعوا طريفة فشكوا إليها الذي أصابهم، فقالت لهم: قد أصابني الذي تشكون وهو مفرق بيننا.
قالوا: فماذا تأمرين؟ قال: من كان منكم ذا هم بعيد، وجمل شديد، ومزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد، فكانت أزد عمان، ثم قالت: من كان ذا جلد وصبر على أزمات الدهر فعليه بلأراك من بطن مر، وكانت خزاعة، ثم قالت: من كان منكم يريد الراسبات في الوحل، المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل، وكانت الأوس والخزرج، ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر والخمير، والملك والتأمير، ولبس الديباج والحرير فليلحق ببصرى وغوير، وهما من أرض الشام فكان الذين سكنوها، أي جفنة من غسان، ثم قالت: من كان منكم يريد النبات الرقاق، والخيل العتاق، وكنوز الأرزاق، والدم المهراق فليلحق بأرض العراق، فكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش، ومن كان بالحيرة وآل محرق.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [سبأ: ١٩] يعني فيما فعل سبأ،
[ ٣ / ٤٩٢ ]
لآيات لعبرا ودلالات، ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ [سبأ: ١٩] عن معاصي الله، شكور لأنعمه، قال مقاتل: يعني المؤمنين من هذه الأمة، صبور على البلاء، شكور لله في نعمه.
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٠﴾ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴿٢١﴾﴾ [سبأ: ٢٠-٢١] ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] قال الزجاج: صدق في ظنه أنه إذا أغواهم اتبعوه فوجدهم كذلك، فمن شدد نصب الظن لأنه مفعول به، ومن خفف نصبه على معنى صدق عليهم في ظنه، قال مجاهد: صدق ظنه على الناس كلهم إلا من أطاع الله.
وهو قوله: ﴿إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠] قال السدي، عن ابن عباس: يعني المؤمنين كلهم، وهم الذين قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] قال ابن قتيبة: إن إبليس لما سأل النظرة فأنظره، قال: لأغوينهم، ولأضلنهم، ولأمنينهم، ولآمرنهم ولم يكن في وقت هذه المقالة مستيقنا أن ما قدره فيهم يتم، وإنما قاله ظانا، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سبأ: ٢١] أي: ما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من الشاكين، يعني نعلمهم موجودين ظاهرين، والمعنى: ما سلطناه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمن ظاهرا، وكفر الكافر ظاهرا، وهو قوله: ﴿إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ: ٢١] والعلم بهما موجودين هو الذي يقع به الجزاء.
وقوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١] قال مقاتل: على كل شيء من الإيمان والشك.
قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴿٢٢﴾ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴿٢٣﴾﴾ [سبأ: ٢٢-٢٣] قل لكفار مكة، ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [سبأ: ٢٢] أنهم آلهة، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ: ٢٢] قال مقاتل: يقول: ادعوهم ليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم في سني الجوع.
ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢] أي: من خير وشر، ونفع وضر.
﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢] لم يشاركونا في شيء من خلقهما، وما لهم وما لله، منهم من الآلهة، من ظهير من معين على شيء.
قوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] أي: لا تنفع شفاعة ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى يؤذن له في الشفاعة، وقرئ بضم الهمزة وفتحها، فمن فتح كان المعنى: إلا لمن
[ ٣ / ٤٩٣ ]
أذن الله له في الشفاعة، يعني الشافع، ويجوز أن يكون المعنى: إلا لمن أذن الله في أن يشفع له، ومن ضم الهمزة كان المعنى كقول من فتح، والآذن هو الله تعالى في القراءتين، كقوله: وهل يجازي إلا الكفور والمجازي هو الله تعالى في الوجهين، قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن وحد الله، كقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
ثم أخبر عن خوف الملائكة، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] أي: كشف الفزع عن قلوبهم وقرئ فزع كشف الله الفزع عن قلوبهم، ومعنى القراءتين سواء كما ذكرنا في أذن وأذن، والتفزيع إزالة الفزع كالتمريض والتقرير، وهذا دليل على أنه قد يصيبهم فزع شديد من شيء قد يحدث من أقدار الله، ولم يذكر ذلك الشيء لأن إخراج الفزع يدل على حصوله، فكأنه قد ذكر، والمفسرون ذكروا ذلك الشيء، قال قتادة، ومقاتل، والكلبي: لما كانت الفترة التي بين عيسى ومحمد ﵉، وبعث الله محمدا، أنزل جبريل بالوحي، فلما نزل ظنت الملائكة أنه نزل بشيء من أمر الساعة، فصعقوا لذلك، فجعل جبريل يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع، فرفعوا رءوسهم، وقال بعضهم لبعض: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٢٣] قال الحق، يعني الوحي، وهو العلي الذي فوق خلقه بالقهر والاقتدار، الكبير العظيم، والشيء أعظم منه.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٢٤﴾ قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٢٥﴾ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ﴿٢٦﴾ قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٢٧﴾﴾ [سبأ: ٢٤-٢٧] قوله: قل لكفار مكة: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ﴾ [سبأ: ٢٤] الرزق والمطر، ومن الأرض النبات والثمر، وإنما أمر بهذا السؤال احتجاجا عليهم بأن الذي يرزق هو المستحق للعبادة لا غيره، وذلك أنه إذا استفهمهم عن الرازق لم يمكنهم أن يثبتوا رازقا غير الله، ولهذا أمر النبي ﷺ بالجواب، فقال: قل الله لأنهم لا يصيبون أيضا بغير الله من الرازقين، وتم الكلام، ثم أمره بأن يخبرهم بأنهم على الضلال بعبادة غير الله بقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] فذهب المفسرون أن الألف في أو صلة، ومعناه واو العطف، كأنه قيل: وإنا وإياكم.
قال أبو عبيدة: معناه: إنا لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين.
قل لقومك: ﴿لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ [سبأ: ٢٥] قال ابن عباس: لا تؤخذون بجرمنا ولا نسأل
[ ٣ / ٤٩٤ ]
عن كفركم وتكذيبكم، وهذا على التبرؤ منهم ومن أعمالهم.
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ [سبأ: ٢٦] يعني بعد البعث في الآخرة، ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: ٢٦] ثم يقضي ويحكم بيننا بالعدل، وهو الفتاح القاضي، العليم بما يقضي.
قل للكفار، أروني أعلموني الذين ألحقتموهم بالله في العبادة معه شركاء هل يرزقون ويخلقون؟ كلا لا يرزقون ولا يخلقون، بل أي: ليس الأمر على ما أنتم عليه من إلحاق الشركاء به في العبادة الذي يخلق ويرزق، ﴿هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ [سبأ: ٢٧] في ملكه، الحكيم في أمره.
قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴿٢٨﴾ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٩﴾ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ ﴿٣٠﴾﴾ [سبأ: ٢٨-٣٠] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] قال ابن عباس: يريد لجميع الخلق وتقدير الكلام للناس كافة.
كقوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، والمعنى: وما أرسلناك إلا للناس عامة كلهم، أحمرهم وأسودهم.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] قال مقاتل: يعني كفار مكة.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩] يعنون بالوعد العذاب النازل لهم بعد الموت، وإنما قالوا هذا لأنهم كانوا ينكرون البعث، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ [سبأ: ٣٠] يعني يوم القيامة، وقال الضحاك: يعني يوم النزع والسباق، وهو ميعاد عذاب الكافر.
﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً﴾ [سبأ: ٣٠] لا تتأخرون عن ذلك اليوم، ولا تستقدمون ولا تتقدمون عليه بأن يزاد في آجالكم أو ينقص منه.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴿٣١﴾ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ﴿٣٢﴾ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٣٣﴾﴾ [سبأ: ٣١-٣٣] قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ: ٣١] يعني مشركي مكة، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ: ٣١] يعنون التوراة والإنجيل، وذلك أنه لما قال مؤمنو أهل الكتاب أن صفة محمد ﷺ في كتابنا، وهو نبي مبعوث، كفر أهل مكة بكتابنا، ثم أخبر عن حالهم في الآخرة بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ [سبأ: ٣١] يعني مشركي مكة، ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبأ: ٣١] محبوسون للحساب يوم القيامة، ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ [سبأ: ٣١] يرد بعضهم على بعض القول في الجدال، ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ: ٣١] وهم من الأتباع، للذين استكبروا وهم الأشراف والقادة، ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] مصدقين بتوحيد الله،
[ ٣ / ٤٩٥ ]
أي: منعتمونا عن الإيمان.
ثم أجابهم المتبوعون في الكفر بقول: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ: ٣٢] أي: منعناكم عن الإيمان، ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ: ٣٢] بترك الإيمان، وفي هذا تنبيه للكفار أن طاعة بعضهم لبعض في الدنيا تصير سبب عداوة في الآخرة، كقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] الآية، فقال الأتباع مجيبين ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ [سبأ: ٣٣] قال الأخفش: الليل والنهار لا يمكران بأحد، ولكن يمكر فيهما.
وهذا كقوله: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] وهو من سعة العربية.
وقال المبرد: أي: بل مكركم في الليل والنهار.
﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ [سبأ: ٣٣] وهو أنهم يقولون لهم: إن ديننا هو الحق، ومحمد ساحر كذاب.
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [سبأ: ٣٣] تقدم تفسيره في ﴿[يونس.
] وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سورة سبأ: ٣٣] قال ابن عباس: غلوا بها في النيران.
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا﴾ [سبأ: ٣٣] جزاء، ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣٣] من الشرك في الدنيا.
قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴿٣٤﴾ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴿٣٥﴾ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴿٣٦﴾ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴿٣٧﴾ وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴿٣٨﴾ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿٣٩﴾﴾ [سبأ: ٣٤-٣٩] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٣٤] نبي ينذر أهلها، ﴿إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ [سبأ: ٣٤] رؤساؤها وأغنياؤها: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ [سبأ: ٣٤] من التوحيد والإيمان، كافرون وقالوا: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا﴾ [سبأ: ٣٥] افتخر مشركو مكة على رسول الله ﷺ والمؤمنين بأولادهم وأموالهم وظنوا أن الله إنما خولهم المال والولد كرامة لهم، فقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] أي: إن الله أحسن إلينا بالمال والولد فلا يعذبنا، فقال الله تعالى لنبيه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ: ٣٦] يعني أن بسط الرزق وتضييقه من الله يفعله ابتلاء وامتحانا، لا يدل البسط على رضا الله، ولا يدل التضييق على سخطه، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ [سبأ: ٣٦] يعني أهل مكة، لا يعلمون ذلك حين ظنوا أن أموالهم وأولادهم دليل على كرامة الله لهم.
ثم صرح بهذا المعنى، فقال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٧] قال الأخفش: زلفى اسم المصدر، كأنه أراد بالتي تقربكم عندنا تقريبا، ﴿إِلا مَنْ آمَنَ﴾ [سبأ: ٣٧] لكن من آمن، وعمل صالحا قال ابن عباس: يريد أن إيمانه وعمله قربه مني، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ [سبأ: ٣٧] يضاعف الله له حسناتهم، فيجزي بالحسنة الواحدة عشرا إلى سبع مائة إلى ما زاد، ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ [سبأ: ٣٧] يعني غرف الجنة، وهي البيوت فوق الأبنية، آمنون من الموت والغير.
وقرأ حمزة في الغرفة على واحدة، كقوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] واسم الجنس يجوز أن يراد
[ ٣ / ٤٩٦ ]
به الجمع، وما بعد هذا مفسر فيما تقدم إلى قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] أي: يخلفه لكم، أو عليكم، يقال: أخلف الله له وعليه إذا أبدل له ما ذهب عنه.
قال سعيد بن جبير: وما أنفقتم من شيء في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلقه.
وقال الكلبي: وما أنفقتم في الخير والبر فهو يخلقه، إما أن يعلمه في الدنيا، أو بدخوله في الآخرة.
٧٧٠ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْعَبَّاسُ الدُّورِيُّ، نا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلا وَمَلَكَانِ يَنْزِلانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا "
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٤٠﴾ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ﴿٤١﴾ فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿٤٢﴾﴾ [سبأ: ٤٠-٤٢] قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [سبأ: ٤٠] يعني المشركين، ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] هذا استفهام توبيخ للعابدين، كقوله لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، فنزهت الملائكة ربها عن الشرك ف ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ [سبأ: ٤١] تنزيها لك مما أضافوه إليك من الشرك، ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤١] قال ابن عباس: ما اتخذناهم عابدين ولا توليناهم ولسنا نريد غيرك وليا.
﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤١] يعني الشياطين، قال مقاتل: أطاعوا الشياطين في عبادتهم إيانا.
﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١] يعني المصدقين بالشياطين والمطيعين لهم.
ثم يقول الله تعالى: فاليوم يعني في الآخرة، ﴿لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [سبأ: ٤٢] يعني العابدين والمعبودين، ﴿نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ [سبأ: ٤٢] أي: نفعا بالشفاعة ولا ضرا بالتعذيب، يريد أنهم عاجزون لا نفع عندهم ولا ضرر، يقول للذين ظلموا عبدوا غير الله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ: ٤٢] .
ثم أخبر أنهم يكذبون محمدا والقرآن، فقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿٤٣﴾ وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ﴿٤٤﴾ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿٤٥﴾﴾ [سبأ: ٤٣-٤٥] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [سبأ: ٤٣] الآية، وهي الظاهرة التفسير.
ثم أخبر أنهم لم يقولوا ذلك عن بينة ولم يكذبوا محمدا عن ثبت عندهم، فقال: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ
[ ٣ / ٤٩٧ ]
يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤] قال قتادة: ما أنزل الله على العرب كتابا قبل القرآن ولا بعث إليهم نبيا قبل محمد ﷺ.
وقال الفراء: أي من أين كذبوك ولم يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه، ثم خوفهم وأخبر عن عاقبة من كذب قبلهم، فقال: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [سبأ: ٤٥] يعني الأمم الكافرة، وما بلغوا يعني أهل مكة، ﴿مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [سبأ: ٤٥] المعشار والعشير والعشر جزء من العشرة، قال ابن عباس: يقول: وما بلغ قومك معشار ما آتيناهم من قبلهم من القوة، وكثرة المال، وطول العمر فأهلكهم الله.
وهو قوله: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ: ٤٥] يعني العذاب والعقوبة والنكير: اسم بمعنى الإنكار.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] أي: آمركم بخصلة واحدة، وهي: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سبأ: ٤٦] أي: تقوموا منفردين ومجتمعين، يعني أن الواحدة التي أعظكم بها هي قيامكم ونشركم لطلب الحق بالفكرة، وهو قوله: ثم تتفكروا مجتمعين ومتفرقين، وليس معنى القيام ههنا قيام على الرجلين، بل هو قيام بالأمر الذي هو طلب الحق، وتم الكلام عند قوله: ثم تتفكروا وهو مختصر، معناه: ثم تتفكروا لتعلموا صحة ما أمرتكم به، قال مقاتل: يقول: ليتفكر الرجل منك وحده ومع صاحبه، فينظران في خلق السموات والأرض دلالة على أن خالقها واحد لا شريك له.
ثم ابتدأ فقال: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وقال ابن قتيبة: تأويل الآية أن المشركين قالوا: إن محمدا مجنون وساحر، فقال الله تعالى لهم: قل لهم: اعتبروا أمري بواحدة وهي: أن تقوموا لله ولي ذاته مجتمعين، وهو أن يقول الرجل لصاحبه: فلنتصادق، هل رأينا بهذا الرجل جنة قط؟ أو جربنا عليه كذبا؟ ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه فيتفكر وينظر، فإن في ذلك ما يدل على أن محمدا ﷺ نذير، وهو قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] يعني في الآخرة، وعلى هذا القول الآية متصلة ببعض، وهو قول الفراء، والزجاج.
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿٤٧﴾ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿٤٨﴾ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴿٤٩﴾ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴿٥٠﴾﴾ [سبأ: ٤٧-٥٠]
[ ٣ / ٤٩٨ ]
قوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧] يقول: لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا فتتهموني، ومعنى ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧] أي: ما أسألكم شيئا، كما يقول القائل: ما لي في هذا فقد وهبته لك، يريد: ليس لي فيه شيء، ثم ذكر أن أجره عند الله، وهو قوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ: ٤٧] قال ابن عباس: لم يغب عنه شيء.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: ٤٨] القذف: الرمي بالسهم، والحصى، والكلام.
قال الكلبي: يرمي بالحق على معنى يأتي به.
وقال مقاتل: يتكلم بالحق وهو القرآن والوحي.
يعني أنه يلقيه إلى أنبيائه، علام الغيوب علم ما غاب عن خلقه في السموات والأرض.
﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ [سبأ: ٤٩] الدين والإيمان والقرآن، ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩] أي: ذهب الباطل ذهابا لم يبق منه إقبال ولا ابتداء ولا إعادة، وقال قتادة: الباطل هو الشيطان.
أي: ما يخلق ابتداء ولا بعثا، وهو قول مقاتل، والكلبي.
﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ [سبأ: ٥٠] كما تزعمون، وذلك أن كفار مكة قالوا: لقد ضللت حين تركت دين آبائك.
﴿فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ [سبأ: ٥٠] أي: إثم ضلالتي يكون على نفسي.
﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠] من الحكمة والبيان، إنه سميع الدعاء، قريب مني.
قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴿٥١﴾ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿٥٢﴾ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿٥٣﴾ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴿٥٤﴾﴾ [سبأ: ٥١-٥٤] ولو ترى يا محمد، إذ فزعوا يعني عند البعث، فلا فوت لا يفوتني أحد، ولا ينجو مني ظالم، ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥١] يعني القبور، وحيث كانوا فهم من الله قريب لا يبعدون عنه، ولا يفوتونه.
وقالوا يعني في الآخرة، آمنا به بمحمد والقرآن، ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ [سبأ: ٥٢] أي: التناول، وهو تفاعل من النوش الذي هو التناول، ومن همز فلأن واو التناوش مضمومة، وكل واو ضمتها لازمة جاز إبدال همزة منها، نحو أدؤر، والمعنى: كيف لهم أن يتناولوا الإيمان من بعد، يعني في الآخرة، وقد تركوه في الدنيا.
وهو قوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٣] أي: كانوا كافرين بمحمد والقرآن في الدنيا قبل ما عاينوا من أهوال القيامة، ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣] قال مجاهد: يرمون محمدا بالظن لا باليقين، وهو قولهم له: شاعر، وساحر، وكاهن.
ومعنى الغيب على هذا: الظن، وهو ما غاب علمه عنهم، والمكان البعيد بعدهم عن علم ما يقولون، والمعنى: يرمون محمدا بما لا يعلمون من حيث لا يعلمون.
وحيل بينهم منع بين هؤلاء الكفار، ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] قال ابن عباس: يعني الرجعة إلى الدنيا.
قال الحسن: يعني الإيمان.
وقال مقاتل: يعني من قبول التوبة منهم.
﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ [سبأ: ٥٤] بنظرائهم ومن كان على مثل حالهم من الكفار، من قبل أي: من قبل هؤلاء، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ: ٥٤] من البعث ونزول العذاب بهم، مريب موقع لهم في الريبة والتهمة.
[ ٣ / ٤٩٩ ]