مكية وآياتها أربع وثلاثون.
٧٢٠ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، أنا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ لُقْمَانَ كَانَ لَهُ لُقْمَانُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأُعْطِيَ مِنَ الْحَسَنَاتِ عَشْرًا، بِعَدَدِ مَنْ عَمِلَ بِالْمَعْرُوفِ وَعَمِلَ بِالْمُنْكَرِ»
﴿الم ﴿١﴾ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ﴿٣﴾ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾﴾ [لقمان: ١-٥] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم ﴿١﴾ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴿٢﴾﴾ [لقمان: ١-٢] تقدم تفسيره.
هدى ورحمة القراءة بالنصب على الحال، قال الزجاج: المعنى تلك آيات الكتاب في حال الهداية الرحمة.
وقرأ حمزة بالرفع على إضمار هو، قال ابن عباس: بيان من الضلالة ورحمة من العذاب للموحدين من أمة محمد ﷺ.
وما بعد هذا مضى فيما تقدم.
قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴿٦﴾ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٧﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ﴿٨﴾ خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٩﴾ خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴿١٠﴾ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿١١﴾﴾ [لقمان: ٦-١١] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] نزلت في النضر بن الحارث، كان يأتي الحيرة فيشتري كتبا فيها أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة، ويقول: إن محمدا يحدثكم أحاديث عاد وثمود،
[ ٣ / ٤٤٠ ]
وأنا أحدثكم حديث فارس والروم، وأقرأ عليكم كما يقرأ محمد أساطير الأولين.
ومعنى لهو الحديث: باطل الحديث، هذا قول الكلبي، ومقاتل.
وأكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء.
٧٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ مَطَرِ بْنِ يَزِيدَ الْكَتَّانِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، قَالَ: " لا يَحِلُّ تَعْلِيمُ الْمُغَنِّيَاتِ، وَلا بَيْعُهُنَّ، وَلا شِرَاؤُهُنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ، وَلَقَدْ نَزَلَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآيَةَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا رَفَعَ رَجُلٌ قَطُّ عَقِيرَتَهُ يَتَغَنَّى إِلا ارْتَدَفَهُ شَيْطَانَانِ يَضْرِبَانِ بِأَرْجُلِهِمَا عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ حَتَّى يَسْكُتَ، وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، قَالُوا: هُوَ، وَاللَّهِ، الْغِنَاءُ وَاشْتِرَاءُ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ بِالْمَالِ
٧٢٢ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النَّصْرَابَاذِيُّ الصُّوفِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ سُمَيْعٍ، أنا ابْنُ أَبِي الزُّعَيْزِعَةِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ، ﷺ، فِي هَذِهِ الآيَةِ، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قَالَ: بِاللَّعِبِ وَالْبَاطِلِ، كَثِيرُ النَّفَقَةِ، سَمْحٌ فِيهِ، لا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِدِرْهَمٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ، قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ مَنِ اخْتَارَ اللَّهْوَ وَالْغِنَاءَ وَالْمَزَامِيرَ وَالْمَعَازِفَ عَلَى الْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ وَرَدَ بِالاشْتِرَاءِ؛ لأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُذْكَرُ فِي الاسْتِبْدَالِ وَالاخْتِيَارِ كَثِيرًا
٧٢٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو سَعِيدٍ الْخَلالُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ، نا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عُبَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مُوسَى، مِنْ
[ ٣ / ٤٤١ ]
وَلَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: مَنْ لَهَا بِالْغِنَاءِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ صَوْتَ الرُّوحَانِيِّينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قِيلَ: وَمَا الرُّوحَانِيُّونَ، يَا رَسُولَ اللَهِ؟ قَالَ: قُرَّاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ
قوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] قال الزجاج: من قرأ ليضل بضم الياء فمعناه: ليضل غيره، وإذا أضل غيره فقد ضل، ومن قرأ بفتح الياء فمعناه: ليصير أمره إلى الضلال، وهو إن لم يكن بمشتر لضلالة فإنه يصير أمره إلى ذلك.
قال قتادة: بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق.
ومعنى قوله: بغير علم أي أنه جاهل فيما يفعل، لا يفعله عن علم، ويتخذها بالرفع عطف على يشتري، وبالنصب على ليضل، والكناية تعود إما إلى الآيات المذكورة في أول ال ﴿[، أي: ويتخذ آيات القرآن هزؤا، وإما إلى سبيل الله، والسبيل تؤنث، كقوله:] قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [سورة يوسف: ١٠٨] وما بعد هذا مفسر في مواضع فيما تقدم إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿١٢﴾ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿١٣﴾ وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴿١٤﴾ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿١٥﴾ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴿١٦﴾ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴿١٧﴾ وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿١٨﴾ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴿١٩﴾﴾ [لقمان: ١٢-١٩] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] أكثر العلماء على أن لقمان لم يكن نبيا.
وقال عكرمة، والسدي، والشعبي: كان نبيا.
وفسروا الحكمة ههنا بالنبوة.
قال مجاهد: الحكمة ههنا الفقه، والعقل، والإصابة في القول.
وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ
[ ٣ / ٤٤٢ ]
لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢] قال مقاتل: قلنا له أن اشكر لله فيما أعطاك من الحكمة.
﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان: ١٢] ومن يطع الله فإنما يعمل لنفسه، ومن كفر النعمة فلم يوحده، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ [لقمان: ١٢] عن عبادة خلقه، حميد عند خلقه.
ثم ذكر معنى إعطاء الحكمة، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ﴾ [لقمان: ١٣] أي: ولقد آتيناه الحكمة إذ قال، وهو يعظه قال ابن عباس: في الله ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣] لا تعدل بالله شيئا في العبادة، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] يقول: ليس شيء من الذنوب أعظم من الشرك بالله.
وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤] تقدم تفسيره ونزوله.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] قال الزجاج: لزمها بحملها إياه أن تضعف مرة بعد مرة.
﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] الفصال الفطام، وهو أن يفصل الولد عن الأم كي لا يرضع، وهو ابتداء وخبره في الظرف على تقدير وفصاله يقع في عامين، أن في انقضاء عامين، والمعنى: ذكر مشقة الوالدة بإرضاع الولد بعد الوضع عامين.
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] قال ابن عباس: المعنى أطعني وأطع والديك.
وقال مقاتل: أن اشكر لي إذ هديتك للإسلام ولوالديك، وبما أولياك من النعم.
والمعنى: ووصيناه بشكرنا وشكر والديه.
إلي المصير المرجع والمنقلب، أي: فأجزيك بعملك.
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ [لقمان: ١٥] مفسر في ﴿[العنكبوت إلى قوله:] وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [سورة لقمان: ١٥] أي: اصحبها في الدنيا بالمعروف، وهو المستحسن.
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] دين من أقبل إلى طاعتي، وهو النبي ﷺ، وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد أبا بكر ﵁، وذلك أنه حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، فقالوا له: آمنت وصدقت محمدا؟ فقال: نعم.
فأتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا، فأنزل الله تعالى يقول: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] يعني أبا بكر ﵁.
قوله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [لقمان: ١٦] قال السدي: قال ابن لقمان لأبيه: أرأيت لو كان حبة من خردل في مقل البحر، أكان الله يعلمها؟ فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ [لقمان: ١٦] قال الزجاج: المعنى إن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة من ﴿خَرْدَلٍ﴾ [لقمان: ١٦] قرئ مثقال بالرفع والنصب، فمن نصب فاسم كان مضمر على تقدير إن تكن التي سألت مثقال حبة من خردل، ومن رفع مع تأنيث تكن فلأن مثقال حبة من خردل راجع إلى معنى خردله، فهو بمنزلة إن تكن حبة من خردل، وتك ههنا بمعنى يقع، ولا خبر له، وقوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] قال السدي: هذه الصخرة ليست في السموات ولا في الأرض، هي تحت سبع أرضين، عليها ملك قائم.
وقال قتادة: فتكن في صخرة، أي في جبل.
﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦] قال الزجاج: هذا مثل لأعمال العباد، وأن الله يأتي بأعمالهم مكتوبة يوم القيامة، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾﴾ [الزلزلة: ٧-٨] وقد قال مقاتل: قال ابن لقمان لأبيه: يا أبت أرأيت إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمه الله؟ فرد عليه لقمان ما أخبر الله عنه، فيكون المعنى: إن تكون الخطيئة مثقال حبة من خردل يأت بها الله للجزاء عليها.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ [لقمان: ١٦] باستخراجها، خبير بمكانها.
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان: ١٧] المفروضة، وأمر بالمعروف بالإيمان بالله، وطاعته واتباع
[ ٣ / ٤٤٣ ]
أمره، ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان: ١٧] الشرك والظلم ومعاصي الله، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] فيهما من الأذى، ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] أي: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى فيهما من حق عزم الأمور إلى الله بها، أي هو الذي يعزم عليها لوجوبها.
﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨] وقرئ ولا تصاعر بالألف، يقال: صعر خده وصاعر إذا أمال وجهه وأعرض تكبرا.
يقول: لا تعرض عن الناس تكبرا عليهم.
قال ابن عباس: لا تتعظم على خلق الله.
وقال قتادة: هو الإعراض عن الناس، يكلمك أخوك وأنت عنه معرض متكبر.
٧٢٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، أنا أَبُو هَمَّامٍ إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: يَكُونُ الْغَنِيُ وَالْفَقِيرُ عِنْدَكَ سَوَاءً
وما بعد هذا مفسر فيما تقدم إلى قوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩] يقال: قصد فلان في مشيه إذا مشى مشيا مستويا.
قال مقاتل: لا تختل في مشيك.
وقال عطاء: امش بالوقار والسكينة، كقوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] .
﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] قال مقاتل: اخفض من صوتك.
وقال عطاء، عن ابن عباس: واغضض من صوتك إذا دعوت وناجيت ربك.
وكذلك وصية الله ﷿ في الإنجيل لعيسى ابن مريم: مر عبادي إذا دعوني يخفضوا أصواتهم، فإني أسمع وأعلم ما في قلوبهم.
﴿إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ﴾ [لقمان: ١٩] أقبحها، لصوت الحمير قال قتادة: أقبح الأصوات صوت الحمير، أوله زفير وآخره شهيق.
وقال المبرد: تأويله: إن الجهر بالصوت ليس بمحمود، وإنه داخل في باب المنكر.
قال مقاتل: يأمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي والمنطق.
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴿٢٠﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴿٢١﴾ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ﴿٢٢﴾ وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٢٣﴾ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿٢٤﴾ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿٢٥﴾ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿٢٦﴾﴾ [لقمان: ٢٠-٢٦]
[ ٣ / ٤٤٤ ]
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ﴾ [لقمان: ٢٠] يعني: الشمس والقمر، والنجوم والسحاب والرياح، ﴿وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [لقمان: ٢٠] يعني: الجبال، والأنهار والبحار، والأشجار والنبت عاما بعام، قال الزجاج: ومعنى تسخيرها للآدميين الانتفاع بها.
وأسبغ عليكم أوسع وأكمل، يقال: سبغت النعمة إذا تمت وأسبغها الله، وقوله: نعمة وقرئ نعمه جمعا، ومعنى القراءتين واحد، لأن المفرد يدل على الكثرة كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] .
وقوله: ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]
٧٢٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵁، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقَالَ: هَذِهِ مِنْ مَخْزُونِي الَّذِي سَأَلْتُ عَنْهَا النَّبِيَّ، ﷺ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ النِّعْمَةُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ؟ فَقَالَ: " يَابْنَ عَبَّاسٍ، أَمَّا مَا ظَهَرَ؛ فَالإِسْلامُ، وَمَا سَوَّى اللَّهُ مِنْ خَلْقِكَ، وَمَا فَضُلَ عَلَيْكَ مِنَ الرِّزْقِ، وَأَمَّا مَا بَطُنَ؛ فَسَتْرُ مَسَاوِئِ عَمَلِكَ، وَلَمْ يَفْضَحْكَ بِهِ، يَابْنَ عَبَّاسٍ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ثَلاثَةٌ جَعَلْتُهُنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ: صَلاةُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدِ انْقِطَاعِ عَمَلِهِ، وَجَعَلْتُ لَهُ قِلَّةَ مَالِهِ أُكَفِّرُ بِهِ عَنْهُ خَطَايَاهُ، وَالثَّالِثَةُ: سَتَرْتُ مَسَاوِئَ عَمَلِهِ فَلَمْ أَفْضَحْهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلَوْ أَبْدَيْتُهَا عَلَيْهِ لَنَبَذَهُ أَهْلُهُ فَمَنْ سِوَاهُمْ
وقال عكرمة، عن ابن عباس، ﵁: الظاهرة: الإسلام والقرآن، وبالباطنة: ما ستر عليك من الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة.
وقال الضحاك: الباطنة المعرفة، والظاهرة: حسن الصورة، وامتداد القامة، وتسوية الأعضاء.
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠] مفسر في ﴿[الحج وال: الثانية مفسرة في سورة البقرة وكذلك الثالثة.
وقوله:] وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣] فلا تهتم لكفره، فإن رجوعهم إلينا وحسابهم علينا، وهو قوله: ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [لقمان: ٢٣] نخبرهم بقبائح أعمالهم، لأنها أثبت عليهم.
نمتعهم قليلا يعني: أيام حياتهم إلى انقضاء آجالهم، نمتعهم بما أعطوا من الدنيا، ثم نضطرهم في الآخرة، أي نلجئهم، ﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] هو عذاب النار، لا يجدون عنها محيصا ولا ملجأ.
وما بعد هذا مفسر فيما تقدم إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٧﴾ مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿٢٨﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٢٩﴾ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴿٣٠﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ
[ ٣ / ٤٤٥ ]
شَكُورٍ ﴿٣١﴾ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴿٣٢﴾﴾ [لقمان: ٢٧-٣٢] ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] قال قتادة: إن المشركين قالوا في القرآن: يوشك أن ينفد، يوشك أن ينقطع.
فنزلت هذه الآية، يقول: لو كان ما في الأرض من شجرة بريت أقلاما، وكان البحر مدادا ومعه سبعة أبحر مدادا مثله، وهو قوله: والبحر يمده قرئ نصبا بالعطف على ما، ورفعا بالاستئناف، كأنه كان قال: والبحر هذه حاله، وهي أن تنصب فيه سبعة أبحر، ونزيده بمائها، فكتبت بتلك الأقلام، لنفد المداد قبل أن ينفد علم الله، وهو قوله: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] قال جماعة المفسرين: يعني علم الله.
والمعنى: كلمات الله التي هي عبارة عن معلوماته، ولما كان معلوم الله لا يتناهى، فكذلك الكلمات التي تقع عبارة عن معلومه لا تتناهى، والآية مختصرة، ويكون تقدير الكلام فكتبت بهذه الأقلام البحور ما نفدت كلمات الله.
قوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ﴾ [لقمان: ٢٨] الآية، قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا: إن الله خلقنا أطوارا، نطفة، علقة، مضغة، فكيف يبعثنا الله خلقا جديدا في ساعة واحدة؟ فأنزل الله هذه الآية، يقول: ما خلقكم أيها الناس جميعا في القدرة إلا كخلق نفس واحدة، ولا بعثكم جميعا إلا كبعث نفس واحدة.
قال الزجاج: أي قدرة الله على بعث الخلق كلهم وعلى خلقهم كقدرته على خلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [لقمان: ٢٨] لما قالوا من أمر الخلق والبعث، بصير به.
وما بعد هذا مفسر فيما تقدم إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١] قال ابن عباس: يريد أن ذلك كله من نعمة الله عليكم.
﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ [لقمان: ٣١] من صنعه وعجائبه في البحر، وابتغاء الرزق، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ [لقمان: ٣١] عن معاصي الله شكور لنعمه، قال مقاتل: يعني المؤمن.
وإذا غشيهم يعني: الكفار يقول إذا علاهم موج وهو ما ارتفع من الماء كالظلل كالجبال، أو السحاب التي تظل من تحتها خافوا الغرق والهلاك، ف ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] وهذا كقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وكان سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل هذا، وهو إخلاصهم الدعاء في البحر.
٧٢٦ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، ﵀، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، نا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: زَعَمَ السُّدِّيُّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، النَّاسَ إِلا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ "، وَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ: عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ، وَمَقِيسَ بْنَ صُبَابَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي الْيُسْرِ، فَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَرَكِبَ الْبَحْرَ فَأَصَابَتْهُمْ رِيحٌ عَاصِفٌ، فَقَالَ أَهْلُ السَّفِينَةُ: أَخْلِصُوا فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ لا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَهُنَا، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي فِي الْبَحْرِ إِلا الإِخْلاصُ مَا يُنَجِّينِي فِي الْبَرِّ غَيْرُ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ إِنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ
[ ٣ / ٤٤٦ ]
أَنْ آتِيَ مُحَمَّدًا حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي يَدِهِ فَلأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا فَجَاءَ فَأَسْلَمَ
٧٢٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ، هَرَبَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، فَرَكِبَ الْبَحْرَ، فَخَبَّ بِهِمُ الْبَحْرُ، فَجَعَلَ النَّاسُ وَمَنْ فِي السَّفِينَةِ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَسْتَغِيثُونَ بِهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا مَكَانٌ لا يَنْفَعُ فِيهِ إلا اللَّهُ.
فَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَهَذَا إِلَهُ مُحَمَّدٍ الَّذِي كَانَ يَدْعُونَا إِلَيْهِ، ارْجِعُوا بِنَا.
فَرَجَعَ، فَأَسْلَمَ.
وقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ [لقمان: ٣٢] أي: من هول ما هم فيه، نجاهم حتى أفضوا إلى البر، فمنهم مقتصد أي: عدل في الوفاء في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، يعني: من ثبت على إيمانه، ثم ذكر الذي ترك التوحيد في البر، يقول: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ﴾ [لقمان: ٣٢] غادر بعهده، والختر سوء الغدر وأقبحه، كفور لله في نعمه.
ثم خاطب كفار مكة، فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣] قال ابن عباس: كل امرئ يهمه نفسه.
وقال مقاتل: لا يغني والد عن ولده شيئا، أي لا ينفعه.
يعني الكفار، وهذا كقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] وقد تقدم، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣] بالبعث، ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [لقمان: ٣٣] عن الإسلام والتزود للآخرة، ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ٣٣] أي: بحلم الله وإمهاله، الغرور يعني الشيطان، وهو الذي من شأنه أن يغر.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] نزلت في رجل من محارب، أتى النبي ﷺ، فقال: إن أرضنا أجدبت فمتى الغيث؟ وتركت امرأتي حبلى فماذا تلد؟ وقد علمت أين ولدت فبأي أرض أموت؟ وقد علمت ما عملت اليوم فما أعمل غدا؟ ومتى الساعة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
٧٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّرَكِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ، أنا أَبُو حُذَيْفَةَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ
[ ٣ / ٤٤٧ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا اللَّهُ، تَعَالَى: لا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلا اللَّهُ، وَلا يَعْلَمُ مَتَى تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلا اللَّهُ، وَلا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلا اللَّهُ، وَلا يَعْلَمُ نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلا اللَّهُ، وَلا يَعْلَمُ مَتَى يَنْزِلُ الْغَيْثُ إِلا اللَّهُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ
قال قتادة: في هذه الآية خمس من الغيب استأثر الله بهن فلم يطلع عليهن ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] فلا يدري أحد من الناس متى تقوم، في أي سنة، أو في أي شهر، ليلا أو نهارا، وينزل الغيث فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث، ليلا أم نهارا ينزل، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] لا يعلم أحد ما في الأرحام، أذكر أم أنثى، أحمر أم أسود، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] أخيرا أم شرا، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] يقول: ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بر أم في بحر، في سهل أم جبل، تعالى ربنا وتبارك.
وقال ابن عباس: هذه الخمسة لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مصطفى.
قال الزجاج: فمن ادعى أنه يعلم شيئا من هذه فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه.
[ ٣ / ٤٤٨ ]